المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثورة في عهد بطلميوس الثامن



البريتور
24-02-2008, 08:45 PM
وإزاء الأحوال السيئة التي عمت البلاد، اضطرت الحكومة إلى منح بعض الامتيازات لفئات مختلفة من سكان البلاد (الكهنة والجنود وملاك الأراضي الذين أقبلوا على استصلاح الأراضي المهجورة) لكن هذه الامتيازات وإن كانت قد عدلت النظام الاقتصادي الذي وضعه البطالمة الأوائل بتخفيف إشراف الحكومة على نشاط الأفراد الاقتصادي، فإنها لم تتسطع وقف تيار التدهور، ولم تقض على إرهاق الحكومة للأهالي، ولذلك استمروا في تذمرهم ويتطلعون إلى القيام بثورة جديدة .

وقد أتاحت لهم ذلك ظروف عهد بطلميوس الثامن، الذي كان عامرًا بالنزاع الأسرى والإضطراب. وعلى الرغم من أن الملك الجديد اقتفى أثر إسلافه وأصدر في بداية حكمه (عام 145/144ق.م) قرار عفو واحد على الأقل فإن السكينة لم تستتب في البلاد، إذ تحدثنا الوثائق عن مقاومة رجال الشرطة في الفيوم في خلال عام 143 لنشاط جماعات المزراعين الهاربين من أراضيهم. وقد كان ذلك نتيجة طبيعة لبقاء نقائص نظام الحكم بل من المحتمل لاستفحالها، مما حدا بالكهنة إلى الشكوى منها وانتهاز الفرصة لتأييد حقوق يبدو أن بطلميوس الثامن كان قد منحهم أباها في بداية حكمه، فإنه استجابة لشكوى بعض الكهنة أصدر في عام 140/139 قرار جديدًا وجهه لجميع موظفي الإدارة وعمال المالية. وقد جاء في هذا القرار الجديد أنه، وفقًا لقراره السابق الخاص بالمعابد يجب عدم المساس بموارد المعابد، وإلا يقوم أحد لأي سبب بجمع هذه الموارد فيما عدا من عينهم الكهنة لهذا الغرض، ويجب إرغام المتقاعسين على أداء التزاماتهم المستحقة عليهم للمعابد بانتظام، وذلك لكي يحصل الكهنة على كل مواردهم كاملة ولا يعوقهم شيء عن القيام بواجباتهم الدينية وإذا كان عمال الكهنة هم الذين أصبحوا يجمعون كافة موارد المعابد بمقتضى ما أقره بطلميوس الثامن، فإن هذا ينهض دليلاً على أن الحكومة لم تعد على الأقل رسميًا منذ حواليمنتصف القرن الثاني تدير أراضي المعابد، وهذا فوز كبير للكهنة لم يفلحوا في استخلاصه من براثن البطالمة إلا نتيجة لتقلقل مركزهم وضعف سلطانهم.

وفي عام 131 أعطت الإسكندرية شارة البدء بالثورة، ففي ذلك العام أرغمت كليوبترة الثانية وأصنارها الملك على الهرب من الإسكندرية، فالتجأ إلى قبرص لكن غيبته عن مصر لم تزد على بضعة شهور وإن كان لم يفلح في استرداد الإسكندرية ذاتها قبل أغسطس عام 127. ويرى بعض المؤرخين أن مصر رجعت إصدار هذا الخلاف وانقسمت فريقين، وأنه كان يؤيد كليوبترة الثانية الإسكندرية أو على الأقل جانب من الإغريق وكذلك اليهود وجانب من الجيش، على حين كان يؤيد بطلميوس الثامن بقية الجيش وكثير من المصريين أو من المحتمل غالبيتهم بزعامة الكهنة، وأن هذه الحرب الأهلية كانت مزيجًا من النزاع الأسري والثورة القومية ولذلك عمت الفوضى البلاد. أننا نعتقد أن هذه الحرب الأهلية كانت ح قًا مزيجًا من النزاع الأسرى والثورة القومية، وأنه عمت البلاد فوضى عنيفة أمعن القدماء في وصف فظائعها وأوالها. وتفسير ذلك كما يولح لنا أنه كان لكليوبترة الثانية حزب يضم الجانب الأكبر من إغريق مصر والمتأغرقين وسائر خصوم كهنة آمون، ولذلك كان الموقف ال طبيعي لغالبية المصريين هو مناهضة هذا الحزب أشفاء لغليل حقدهم على الإغريق ومن هادنهم من المصريين، فبدوا كما لو كانوا يناصرون بطلميوس الثامن. وعلى كل حال يبدو أن المصريين انتهزوا فرصة ضعف الحكومة للإعراب عن مشاعرهم المكبوتة إزاء ما كانوا يعانونه من الإرهاق والظلم.

وبينما اتخذ غضب المصريين في الوجه البحري ومصر الوسطى شكل الأضراب عن العمل، اتخذ في مصر العليا شكل قتال بين المدن والقرى بعضها مع بعض، فقد كانت بعضها، مثل باثيريس (الجبلين) وطيبة، لا تعترف إلا بطلميوس الثامن ملكًا شرعيًا، ومن ثم فإن هذه المدن كانت تؤرخ وثائقها بسنى حكم هذا الملك. وكانت بعصها، مثل هرمونثيس (أرمنت)، لا تعترف إلا بكليوبترة الثانية، فكانت لا تستخدم إلا سنى حكم هذه الملكة. ويحدثنا خطاب كتبه في 23 كيهك عام 40 (15 يناير عام 130) جندي إغريقي يدعى اسثلاداس (Esthladas) بأنه كان على وشك الزحف مع فريق من الجنود الموالين لبطلميوس الثامن ضد مدينة هرمونثيس المناصرة لكليوبترة الثانية، وبأنه قد وصلت أنباء تفيد بأن باوس قادم في الشهر التالي "على رأس قوات كافية لإخضاع أهل هرمونثيس ومعاملتهم معاملة الثوار". ومما يجدر بالملاحظة أن باوس كان الحاكم العام في منطقة طيبة، وأن اسمه يدل على أنه كان مصريًا، وهذا مثل آخر لمصري تولى منصبًا كبيرًا في عهد البطالمة الأواخر.

ولم تؤد عودة بطلميوس الثامن إلى الإسكندرية في عام 127، ولا عقد الصلح بينه وبين كليوبترة الثانية في عام 124 إلى انتهاء الثورات في البلاد فإننا نسمع عن قيام بطلميوس الثامن بحملات في الأقاليم في عامي 127و 126، وعن وقوع حرب بين هرمونثيس وجارتها كروكديلوبوليس (الود قرب أسنا) في عام 123، وعن وقوع اضطرابات في مديرية طينة خلال عام 122/121، وعن حدوث قلاقل في بانوبوليس بعد ذلك. وقد كانت هذه القلاقل خطيرة إلى حد أن هذه المدينة استثنيت من العفو في عام 118. ولما لم تكف القوة وحدها في القضاء على الاضطرابات والقلاقل والثورات، فإن بطلميوس الثامن حاول وضع حد لذلك بإصدار قرار أو سلسلة قرارات عفو في عام 118 ق.م. لمعالجة الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة والنتائج التي ترتبت عليها.

ويعتقد البعض أن ما وصلنا من هذا القرار عبارة عن صورة موجزة له. وعلى كل حال فقد تضمنته وثيقة مهلهلة ضاع الكثير من أجزائها، وبعثور الكثير من فقراتها الغموض والإبهام، مما يتعذر معه تفسيرها تفسيرًا كاملاً صحيحًا، ولاسيما أن بها كذلك الكثير من الأخطاء التي وقع فيها الكاتب الذي نسخها.

ومما يجدر بالملاحظة أن قرار عفو عام 118 ق.م. لم يكن الأول ولا الأخير من نوعه، فقد رجحنا أن فيلوباتور أصدر قراراً مثله، ورأينا أن أبيفانس وفليومتور قد أصدرا قرارات مشابهة، وعرفنا أن بطلميوس الثامن قد أصدر قرارات عفو في 145/144 وفي عام 140/129 وذلك إلى جانب قرار عام 118ق.م. ونعرف أيضًأ أن بطلميوس الثاني عشر (أوليتس) قد أصدر قرار عفو في عام 59 ق.م. ويبدو محتملاً جدًا أن كل قرارات العفو كانت تتفق في شكلها العام، الذي قد يكون من ابتكار فليوباتور أو ابيفانس، لكن البعض يميل إلى الاعتقاد بأن فكرة مثل هذه القرارات وشكلها العام كانا من تقاليد مصر القديمة، لأن مصر بلد التقاليد، ولأنها كانتتألف مثل هذه الظروف، التي سادت في عهد فليوباتور وأبيفانس وفليومتور، ويوجتيس الثاني وأوليتس، أي ظروف التهدئة عقب فترات الفوضى. ولما كان البطالمة يتوجهون بالجانب الأكبر من قرارات عفوهم إلى الأهالي المصريين، فمن المرجح أنهم اختاروا لهذا الغرض الشكل الذي كان المصريون يألفونه.

وتبدأ كل هذه القرارات بالعبارة نفسها التي تتم عن عفو الملك عن كل رعيته لما أرتكبوه من الأخطاء والجرائم والآثام على اختلاف أنواعها حتى تاريخ معين، ودعوة كل الذين هجروا بيوتهم واختفوا عن الأعين ليعودوا إلى مواطنهم ويستأنفوا أعمالهم السابقة ويستردوا من أملاكهم ما لم تتصرف فيه الحكومة باعتباره دون صاحب. وتلى ذلك منحة عامة لكل السكان، تنطوي على تنازل الحكومة عما تأخر لها من الضرائب المستحقة حتى تاريخ معين. وتأتي بعد ذلك أوامر خاصة بالطبقات الممتازة بين الإغريق والمصريين، وكانت تشمل فيما يخص الإغريق: تجار الإسكندرية ورجال الجيش وأصحاب الأراضي، وفيما يخص المصريين الكهنة ورجال الجيش. وأخيراً تأتي الأوامر المتعلقة بالطبقات العاملة من الزراع والصناع.

وبرغم النقائص التي تشوب الصورة التي وصلتنا لقرار عفو عام 118ق.م. فإنها تبين لنا مدى اضطراب أحوال البلاد من جراء الجرائم والأحداث التي وقعت في خلال الحرب الأهلية، مثل أعمال العنف والتخريب والحريق، هجر الأراضي ومعيشة أربابها معيشة قطاع الطرق وعدم دفع الضرائب والإيجارات، وبوار الأراضي وإهمال الري، وعدم تقديم المواد الخام التي تتطلبها احتكارات الحكومة وعدم القيام بأعمال السخرة، واغتصاب أراضي التاج. ويرى البعض أن هذه الحالة، التي رأينا مثيلتها في خلال العهد الماضي، كانت تنكرر في مصر كلما ضعفت السلطة المركزية. لكن لعلها أخذت طابعًا أقوى في عهد البطالمة المتأخرين، لأنه أضيف إلى عامل ضعف الحكومة عامل آخر هام، وهو أن هذه الحكومة كانت حكومة أجنبية، وأن الذين تحملوا نتائج ضعفها وفسادها وإرهاقها كانوا غ البية الأهالي. ولم يقابل الملك مشاعر الأهالي وأعمالهم العدائية بالعقاب، لأن القوة كانت لا تجدي قتيلاً بل اضطر إلى العفو عن مرتكبي هذه الأحداث التي سردناها. ولعل الملك قد أدرك أن أخطر أعدائه لم يكونوا أولئك التاعسين الذين ثاروا لفرط ما قاسوا، بل الموظفين الذين أساءوا استخدام سلطتهم واستباحوا لأنفسهم سلطات لم تكن من حقهم. فقد كانوا يستولون دون حق على السلع الواردة من الخارج إلى الإسكندرية، ويفرضون على المسافرين مكوسا غير مقررة، ويديرون أراضي المعابد ويعتدون على الذين عهد إليهم الكهنة بجابية مواردها ويغتصبون أجزاء منها ويفرضون عليها ضرائب سبق إعفاؤها منها، ويبتزون أموا المزارعين باستخدام مكاييل أكبر من المكاييل الرسمية عند كيل إيجارات الأراضي، ويجبون منهم ضرائب غير مشروعة، ويختصون أنفسهم باستغلال أخصب أراضي الملك، ويستخدمون لأغراضهم الخاصة مزارعي الملك ومواشيهم وعمال اصناعات المحتكرة، ويستبقون لأنفسهم المبالغ التي يجمعونها للخزانة العامة، ويغتصبون لأنفسهم حق الفصل في الشكاوى وسجن الناس. إن كل هذه المساوئ، التي كانت تنخر في عظام الملكية وتنتقص من سلطانها وتشير أقوى المشاعر في الأهالي لظلمها ولأن أغلب مرتكبيها كانوا من الأجانب، لم يقابلها الملك إلا بتحريمها وفرض العقوبات على من يرتكب بعضها مرة أخرى. بيد أن ذلك لم يكن علاجًا شافيًا بل ولا بلسما مخففًا، لأن ذلك لم يكن ضمانًا كافيًا لعدم عودة الموظفين إلى سابق عهدهم، والتقاضي ثانية عن النظم القائمة، وعمل كل ما يحلو لهم. ولعل العلاج الوحيد كان إنقاص التزامات الأهالي وإعفاء الموظفين من مسئوليتهم عن موارد الملك، لكن هذا العلاج كان يفضي حتمًا إلى نقص موارد الملك. وربما خشى الملك فوق كل ذلك عدم ضمان حصوله على هذه الموارد المنقوصة، ولذلك لم يقدم على مثل هذا العلاج.

ولم يكن الموظفون القوة الوحيدة التي تنتقص من حقوق الملك، فقد كانت توجد قوة أخرى هي المعابد، التي سعت على الدوام إلى التحرر من ربقة سلطة الملك. وهذه القوة لم يكن في وسع الملك مقاومتها، فرأى من الحكمة مداراتها وسط الأخطار التي كانت تكتنفه، ولذلك فإنه أجزل لها العطاء وأيد الحقوق والمنح التي سبق إعداقها عليها، وأهمها حق إدارة أراضيها وعدم اعتداء أحد على مواردها وإعفاؤها من بعض الضرائب والتمتع بحق حماية اللاجئين إليها. ومن ثم يبدو أنه لم يبق من القيود، التي فرضها البطالمة الأوائل على رجال الدين، سوى خضوع كل معبد لمراقب وتولى الحكومة أمر جباية ضريبة الأبومويرا واحتفاظ الدولة بحق بيع المناصب الدينية ذات الموارد الخاصة للذين يتولونها.

وقد عمل الملك كذلك على تأمين موارده عن طريق حماية الذين يخدمون هذه الموارد من الزراع والصناع، ذلك أنه حظر سجنهم أو بيع مواشيهم وأدواتهم بسبب الدين. وأعفاهم هم والإغريق الذين يخدمون في الجيش والكهنة من إسكان الجنود في منازلهم إذا كان كل منهم لا يملك إلا منزلاً واحدًا. ومنح الذين اشتروا من التاج بيوتًا وكروما أو حدائق أو سفنًا حق التمتع بملكيتها دون أية منازعات، وأعفاهم من إيواء أحد من بيوتهم ولا شك في أن هذه الإجراءات كانت تساعد على استقرار الناس في مواطنهم وأداء أعمالهم. وقد رمت إلى هذا الهدف نفسه الأوامر التي صدرت حوالي هذا الوقت وأفضت إلى زيادة حقوق أرباب الإقطاعات على الأراضي التي يفلحونها. وإذا كانت هذه الأوامر قد وصلتنا منفصلة عن الوثيقة التي تضم الجانب الأكبر من قرار عفو عام 118، فإنه مع ذلك لا يبعد أن هذه الأوامر كانت جزءًا من هذا القرار أو لعلها كانت تعديلاً له. ومن بين ما قضى به قرار العفو تنظيمها لتصريف العدالة، أن تفصل المحاكم الإغريقية أو المحاكم المصرية في القضايا التي لا تدخل في نطاق القضاء الخاص تبعًا للغة التي حررت بها وثائق القضايا. على نحو ما عرفنا.

ويسترعى انتباهنا في قرار عفو عام 118 ق.م. الاهتمام الذي وجهه الملك للطبقات العاملة من ناحية والكهنة من ناحية أخرى، مما يدل على مقدار الأهمية التي علقها الملك على إرضاء المصريين بوجه عام. ويبدو أن الحكومة قد غمرها فيض من شكاوى الطبقات العاملة، أو لعلها رأت في ثوراتها دليلاً ملموسًا على ما كانت ترزح تحته هذه الطبقات التي كانت تتألف منها ومن المحاربين المصريين أغلب جيوش الثورة، ولذلك لم يسع الملك ووزراؤه إلا أن يحاولوا الاستجابة إلى مطالبها العادلة. وقد رأينا أن أكبر مصدر لمظالم هذه الطبقات كان استدباد موظفي الحكومة وفسادهم. وتكمل الصورة القاتمة التي يصورها لنا قرار العفو، تلك الوثائق والخطابات الخاصة التي يضمها سجل منخص كاتب قرية كركيوسيريس، وهي ترجع إلى أواخر عهد بطلميوس الثامن وبداية عهد بطلميوس التاسع سوتر الثاني، وتكاد تعادل في أهميتها بالنسبة لتاريخ البطالمة الأواخر ما لمجموعة وثائق زينون بالنسبة لتاريخ عهد فيلادلفوس وبداية عهد بطلميوس الثالث.

إن وثائق منخس لا تصور عدة نواح هامة من حياة إحدى القرى في الفيوم فحسب، بل ترينا شيئًأ من نشاط الحكومة ابتداءً من الملك وكبار موظفيه، ومن بينهم إيرنايوس وزير المالية ـ وهو يعتبر من أمهر خلفاء أبولونيوس ـ إلى جموع كبار وصغار موظفي الإدارة المحلية. فإن حياة منخس ورفاهيته كانت تتوقف على هؤلاء جميعًا، كما كانت تتوقف على منخس بدوره حياة ورفاهية الكثيرين من مرءوسيه وزملائه ومواطنيه، وكانوا صغار الموظفين وحراس المحاصيل وجامعي الضرائب والمتلزمين على اختلاف أواعهم وزراع الملك والصناع والعمال. ولا نستدل من قرارات عفو بطلميوس الثامن ولا من الوثائق المعاصرة لها أو المتأخرة عنها أنه قد طرأ تغيير جوهري على الحياة المصرية كما عرفناها في الشطر الأول من عهد البطالمة، وحسبنا دليلاً على ذلك أنه لم يتغير شيء أساسي في نظام فيلادلفوس الاقتصادي.

وليس أدل على ضنك الطبقات العاملة وسوء حالتها من أن عادة وأد الأطفال قد انتقلت تدريجيًا من الإغريق إلى المصريين عامة، وتفشت بين الطبقات العاملة خاصة. ولم تتغير بوجه عام سياسة البطالمة المتأخرين إزاء هذه الطبقات عما كانت عليه سياسة البطالمة الأوائل، فإن البطالمة المتأخرين لم يغيروا شيئًأ جوهريًا في نظام فيلادلفوس الاقتصادي كما سبق القول. وكل ما فعلوه هو أنهم حاولوا حماية أولئك التاعسين من جور موظفي الحكومة العابثين، فقد بقى زراع الملك والصناع وأرباب المهن والحرف المختلفة أداة في قبضة الحكومة لإمداد الملك بموارده، دون أن يكون لهم من الحرية الاقتصادية إلا قسط محدود جدًا.

وقد حاولت الحكومة بشتى الطرق إقناع الطبقات العاملة بأن دورهم في الحياة مقصور على خدمة موارد الملك بسواعدهم، فكان طبيعيًا ألا يقبل الملايين من الزراع والصناع والعمال على عملهم بحماس ونشاط، على الرغم من تظاهرهم بمشاطرة الحكومة أفكارها. ولذلك كثيرًا ما أهملوا الزراعة وتراخوا في إصلاح الجسور وتطهير القنوات وفي القيام بأعمالهم في المصانع والجوانيت، وكثيرًا ما كان الزراع لا يقدمون كل حبوبهم لدرسها أو كل النبات الزيتية لعصرها. وقد ترتب على هذه الروح ونقص اليد العاملة، بسبب الانقطاع عن العمل والثورات، نتائج بعيدة المدى في مجالي الزراعة والصناعة. ولما كانت الحكومة ـ كما هي العادة ـ تؤاخذ الموظفين على ذلك وتتطلب منهم النشاط في السهر على مواردها فإن الموظفين إزاء مسئوليتهم المادية والشخصية قبل الحكومة كانوا يضغطون بدورهم على مرءوسيهم وهؤلاء على الطبقات العامة. ولكي تساعد الحكومة موظفيها على الاضطلاع بأعمالهم، أطلقت يدهم من كل قيد ومنحتهم اختصاصًا قضائيًا واسعًا في الشئون المالية، فأساء الموظفون السطات التي منحت لهم وأرهقوا الأهالي على نحو م ا شهدنا، حتى بدأ إن الموظفين كانوا مصدر كل الشر الذي عانيه الأهالي. وقد حاول بطلميوس الثامن وغيره من الطبالمة كبح جماح شهوات الموظفين دون طائل لأن لاسلطة المركزية لم تعد قادرة على تنفيذ قوانينها وأوامرها. وينهض دليلاً على ذلك أن حالة الطبقات العاملة لم تتحسن في آخر القرن الثاني وبداية القرن الأول، وإن سوء تصرفات الموظفين كان فاشيًا مثل ما كان في الماضي. ولذلك فإنه ليس من الإسراف في الرأي القول بأنه كان يحكم مصر في آخر القرن الثاني وفي القرن الأول فئة من الموظفين الأنانبين الجشعين، الذين اعتبروا أنفسهم فوق سلطان القانون، وكونوا أرستقراطية جديدة ذات ثراء عريض وفنوذ واسع. فلا عجب إذن أن تصرفات موظفين من هذا الطراز كانت على النحو الذي وصفه لنا قرار العفو، وأن الأهالي، وقد حرموا الوسائل المشروعة لمقاومة ما كانوا يعانونه من الظلم وألعنت، لجأوا أولاً إلى الإضراب عن العمل والهروب إلى المعابد للاحتماء بالآلهة أو إلى قرى أخرى للاختباء عند أخوانهم في الظلم، أو إلا المستنقعات والصحارى حيث يعيشون على السلب والنهب، حتى إذا ما تكاثرت جموعهم هبوا ثائرين في وجه الحكومة. وإذا كانت مصر قد شهت مثل هذا الإضرابات منذ عهد فيلادلفوس، فإنها لم ترها بمثل الكثرة التي عرفها عهد البطالمة المتأخرين. وقد كانت الإضرابات شائعة بوجه خاص بين مزارعي الملك وغيرهم ممن كانوا يباشرون الشئون الزراعية. وقد كان الإضراب خسارة فادحة، لأنه كان يحرم الملك والبلاد أهم عنصر في الحياة الاقتصادية، وأعنى اليد العاملة.

وتدل الوثيقة التي سبقت الإشارة إليها ورأينا فيها الكهنة يتقدمون سائر طبقات لاسكان عند استقبال أحد الحكام ـ تدل على المكانة السامية التي كان الكهنة يتمتعون بها خلال القرنين الثاني والأول قبل الميلاد. ويؤيد ذلك ما رأيناه من إصغاء بطلميوس الثامن إلى شكاويهم التي لم تكن جديدة بل لعلها ترجع إلى عهد البطالمة الأوائل، لكنهم لم يجترئوا على ذكرها في قرار كانوب على عهد بطلميوس الثالث ولا قرار منف على عهد بطلميوس الرابع، بينما نجد قرارات بطلميوس الخامس والثامن ترجع إصدار هذه الشكاوى. ولا يمكن أن تقاس المنح الجزئية التي جاد بها البطالمة الأوائل على المعابد ورجاب الدين بما أغدقه البطالمة الأواخر وبطلميوس الثامن بوجه خاص على المعابد والكهنة حين استشعر الكهنة قوتهم أو شعف البطالمة وشهدوا في الوقت نفسه تغاضى الموظفين عن أوامر الملوك وإعتداءهم على حقوقهم. فلم يعمل الكهنة على الاستمساك بما لهم من حقوق فحسب، بل عملوا كذلك على الفوز بحقوق جديدة أو على الأصح باسترداد أكبر قدر ممكن من الحقوق التي كانوا يتمتعون بها قديمًا. ويرى رسوفنزف أن الكهنة كانوا بوجه عام موالين للبطالمة، وأن من الإسراف في الرأي القول بأن لاكهنة كانوا يدبرون الثورات المصرية ويتزعمونها، وبأن المعابد كانت بوجه عام معاقل المقاومة الوطنية لحكم البطالمة، بدليل أن الكثير من المعباد بقيت موالية للبطالمة في خلال غزوتي أنطيوخوس الرابع وثرة ديونيسيوس بتوسيرابيس، وأن الكهنة كانوا يخشون رجال الإدارة أقل مما كانوا يخشون الثوار. ونحن نرى أن في هذا الرأي إسرافًا في الحكم على موقف الكهنة إزاء البطالمة. ولاشك في أن بعضهم، وخاصة كهنة الوجه البحري، كانوا موالين للبطالمة، على حين أن كهنة الوجه القبلي بصفة خاصة ناصبوهم عداء شديدًا. ولعل أهم سبب لهذا التباين في موقف الكهنة من البطالمة كان ذلك العداء الشديد بين كهنة الوجه البحري وكهنة الوجه القبلي. ولذلك إذا كان من الإسراف في الرأي القول بأن الكهنة جميعًا كانوا يدبرون الثورات المصرية وأن المعابد جميعًأ كان معاقل هذه الثورات، فإن من الإسراف في الرأي كذلك القول بأن لاكهنة جميعًا كانوا موالين للبطالمة وأن المعابد لم تكن إطلاقًا معاقل للثورات الوطنية، وإلا فكيف نفسر مثلاً شدة العداء الذي أظهرته طيبة، معقل ديانة آمون؟ ومع ذلك يبدو أن الكثيرين من رجال الدين، وقد رأوا بعد ثورات عهد فيلوباتور وأبيفانس وفيلومتور عبث مقاومة قوات تفوق قواتهم عددًا وعتادًا، صرفوا جهودهم إلى استرداد حقوقهم، فبادر بطلميوس الثامن إلى استرضائهم لكسر شوكة المقاومة الوطنية. وإذا كانت هذه المنح قد أفلحت في كسب جانب كبير من الكهنة، فإنها مع ذلك لم تفلح ـ في رأينا ـ في كسب ودهم جميعًا إذ أن طيبة قد بقيت كما سنرى أشد معاقل الثوار حتى أواخر عهد بطلميوس التاسع. وجملة القول أن منح البطالمة لرجال الدين، أو بعبارة أخرى سياسة إفساد الأخلاق التي يلجأ إليها كل مغتصب أجنبي لإضعاف الحركات القومية، قد أفلحت في تسميم تلك الروح الطاهرة التي كانت تدفع على الأقل الكثيرين من رجال الدين إلى تحرير البلاد من حكامها الأجانب .

وإزاء سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وفساد الموظفين أكتسبت إحدى منح المعابد أهمية كبيرة، وأعني حق حماية اللاجئين (asylia) الذي لم يتمتع به في عهد البطالمة الأوائل إلا القليل من المعابد الكبيرة. وكان يضاف إلى هذا الحق أحيانًأ حق الإعفاء من الضرائب ومن الالتزمات الإاضفية. وإذا كان البطالمة الأوائل قد حرصوا على أن يقيدوا تدريجيًا الحق الممنوح للمعابد لحماية اللاجئين إليها، فإنه كلما ضعف البطالمة وازداد نفوذ ؤجال الدين وكذلك نفوذ الموظفين وعبثهم، ازداد إصرار الكهنة على مطالبة الحكومة بإحترام وتأييد هذا الحق الذي منح لعبض المعابد. وقد رأينا بطلميوس الثامن يؤيد في قرار عام 118 هذا الحق. وهو الذي منح فيما بعد لمعابد كثيرة في خلال القرن الأول، وبخاصة على عهد بطلميوس العاشر إسكندر الأول. ونستدل على ذلك مما وجد في قرى الفيوم وغيرها من النقوش، التي كان الكهنة يعلقونها عند مداخل المعابد لإبلاغ زائريها بأنها تتمتع بحق حماية اللاجئين إليها. وقد كان كل نقش من هذه النقوش يتضمن نص الالتماس الذي فاز المعبد بمقتاضه بهذا الحق. وفي بعض الأحيان كان يرفع الالتماس إلى الملك كهنة المعبد، وفي بعض الأحيان الشخصيات البارزة من رجال الجيش أو موظفي الحكومة الذين يكلأون المعبد بحمايتهم. وأهم مظاهر هذا الحق هو ألا يسمح الكهنة بدخول معابدهم إلا للأشخاص الذين يعتبرونهم مرغوبًا فيهم، ولذلك فإنهم كانوا يضعون في أبرز الأماكن في المعابد لوحات تحمل هذه العبارة "لا يسمح بدخول الأشخاص الذين لا شأن لهم في المعبد". وقد كان الكهنة يصرون في التماساتهم بأ،ه لا يحق لأحد أن يدخل المعابد عنوة للاعتداء على الكهنة أو على الذين احتموا بالمعابد، أو لإخراجهم من المعابد. ولا شك في أن أولئك الذين حرص الكهنة على تأمين نزلاء معابدهم منهم كانوا أشخاص لهم حقوق خاصة أو عامة قبل نزلاء المعابد الدائمين أو المؤقتين، مثل الدائنين الذين كانوا يرغبون في سجن مدينتيهم بمساعدة الحكومة، وعمال الحكومة الذين كانوا يريدون جمع الضرائب أو متأخراتها أو إرغام نزلاء المعابد على أداء أنواع من الخدمات الجبرية. ولم يقصد الكهنة بحق حماية اللاجئين إلى المعابد مناهضة القوانين والنظم القائمة، وإنما مناهضة عبث الموظفين وجورهم وكذلك مواجهة دخول بعض الأهالي المعابد عنوة لكن المعابد، يفتح أبوابها للكثيرين من الزراع والصناع والعمال الذين تركوا عملهم وذهبوا للاحتماء بها حين كانت الحكومة في أشد الحاجة إليهم، لعبت دورًأ هامًأ في التطورات التي اجتازتها الحياة الاقتصادية.