المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التطور التاريخى لقواعد تنظيم الحرب



M&H
18-04-2007, 04:12 PM
• التطور التاريخي لقواعد تنظيم الحرب .

بالنسبه لتطورات القوانين الدولية فى هذا المجال وكيف وصلت إلى ما هي عليه الآن.
كانت الحرب فى العصور القديمة لا تحكمها ولا تنظمها أي قاعدة ولذلك كان المتحاربون يستعملون كل أساليب القسوة والوحشية تجاه أعدائهم بغض النظر عن كونهم من المقاتلين أو من غير المقاتلين وبغض النظر عن كونهم من الجرحى أو الأسرى.
على أن كل الجماعات لم تكن على درجة واحدة من حيث السلوك فى الحرب. فقد كان هناك من الجماعات من يقاتل بوحشية عنيفة مثل الآشوريين فكانوا يدمرون مدنا بأكملها. بينما كانت مصر الفرعونية اقل وحشية من جيرانها وذلك نتيجة مستوى المدنية التى وصلت إليه بعد توحيد القطرين على يد الملك مينا سنة 3200 ق.م إلا أن الأمر لم يكن يخلو من أعمال الوحشية التى مازالت مذكورة على جدران المعابد والآثار إلى يومنا هذا منها تشويه جثث القتلى. كما كان اليونانيون والرومانيون يمارسون حروبهم بكثير من القسوة والعنف. فالقاعدة الوحيدة التى كان متعارف عليها فى هذه العصور أن كل شئ مباح لدحر العدو وقهره وإجباره على الهزيمة .
ولقد كان لظهور الديانات السماوية أكبر الأثر فى وضع الضوابط والقيود على سلوك المتحابين إلا أن ذلك ليس موجود فى الأيام الأولى لظهور المسيحية حيث لم تتعرض المسيحية إلى تنظيم القواعد التى يجب مراعاتها فى الحرب حيث كانت الدعوى هي أن المسيحي لا يمكن أن يكون رجلا محاربا.
وعندما اعتنقت الإمبراطورية الرومانية الدين المسيحي سنة 313 م واجهت الكنيسة المسيحية تغيرات أساسية بالنسبة لنظرتها الإنسانية المسالمة وكان عليها أن تتصدى لأعمال العنف والحروب التى تقوم بها الإمبراطورية الرومانية عند الأمم الأخرى. ومن هنا ظهرت نظرية القديس أوغسطين وهى: (أن المساهمة فى حرب تحت قيادة أمير شرعي من أجل عمل الخير وتجنب الشيطان لا تعتبر خطيئة).
ولما جاء الإسلام نظر إلى الحرب على أنها دفاعية مشروعة لرد الاعتداء وتأمين الدعوة. ومن ثم تنتهى بإنهاء الغرض الذى قامت من أجله وهى إذا قامت فإنها تتسم بالرحمة والفضيلة . فلا يجوز قتل النساء والولدان ولا التمثيل بجثث القتلى بل يجب دفنها، فرسول الله كان إذا بعث جيشا أوصى صاحبهم بتقوى الله تعالى ثم يقول:( انطلقوا باسم الله وعلى بركة رسوله. لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ولا تغلوا - اى لا تخونوا-). حديث بريده عن أبيه رضي الله عنهم عن أبى حنيفة عن علقمة بن مرشد عن عبد الله بن بريده عن أبيه .
ولقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد أن انهزمت قريش فى غزوة بدر بدفن موتاهم احتراما للإنسان حيا أو ميتا كافرا أو مشركا.
ولقد حرم الإسلام الحرب عدوانا لكونه صورة من صور الظلم يحرمه الله فى كثير من آياته منها: قوله تعالى  وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ  البقرة آية 190
وقوله تعالى فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ  البقرة آية 193
ولقد أجاز الإسلام الحرب الدفاعية فى حالتين حالة الدفاع عن النفس وفى حالة الإغاثة الواجبة لشعب مسلم أو حليف عاجز عن الدفاع عن نفسه ويشترط فى الحالتين أن يكون العدو فى حالة تأهب للهجوم .
وبعد تولى أبو بكر الخلافة أوصى أسامة بن زيد فى أول بعثة حربية وجهها إلى الشام قائلا: (واني أوصيك بعشرة: لا تقتل امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرة مثمرة ولا نخلا ولا تحرقها ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شاه ولا بقرة إلا لمأكله ولا تغلل).
كما أمر الإسلام بالرفق بالأسرى فى ذلك الزمن الذى لم يكن فيه للرفق بالأسرى وجود . فكان الرسول الكريم يقول: (استوصوا بالأسرى خيرا).
وقوله تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا سورة الإنسان الآية 9 .
فيتبين من ذلك أن الدين الإسلامي وضع نظاما للحرب قائما على الأخلاق والفضيلة والإنسانية ويشمل كافة الأحكام والضوابط الخاصة بالقتال وبمعاملة أسرى الحرب والجرحى. فلقد وضع الإسلام أربعة قيود يجب على المسلمين فى قتالهم مراعاتها وهى:
1_ عدم امتداد أعمال القتال لغير المقاتلين فلا يجوز أن يقتل أحدا لا يشترك فى القتال.
2_ منع إتلاف الأموال إلا إذا كانت لها قوة مباشرة فى الحرب.
3_ وجوب احترام مبادئ الإنسانية والفضيلة فى أثناء الحرب.
4_ إجازة الأمان فى ميدان القتال منعا لاستمرار القتال كليا أو جزئيا ما أمكن المنع.
وعندما بدأت قواعد القانون الدولي التقليدي فى الظهور فى القرن السابع عشر لم يكن هناك من قيود على أساليب القتال بين الدول المتحاربة سوى تلك القيود التى أوردها بعض المحاربين اختيارا على تصرفاتهم وما حمله نفوس فرسان القرون الوسطى من عواطف إنسانية كما كانت المبادئ الإسلامية قد تطرقت إلى بعض الكتاب المسيحيين من دعاة الرحمة. مثل فيكتوريا وسوارس فاخذوا ينادون فى كتاباتهم إلى ضرورة التقيد ببعض القواعد الإنسانية فى القتال للتقليل من وحشية الحروب. وهناك جروسيوس أب القانون الدولي التقليدي حيث قام هذا الفقيه بتأليف كتاب اسماه بقانون الحرب والسلم، وقال أن الحرب تعتبر مشروعة أو غير مشروعة طبقا للهدف الذى تسعى إليه والآثار التى تترتب عليها وهذا يؤدى إلى أن المحارب له طبقا لقانون الشعوب الحق فى محاربة العدو الذى لا يحترم عدالة السبب الدافع للحرب ورغم تلك المشروعية فإن الأسرى لا يجوز قتلهم ويجب أن تكون معاملة العدو معاملة إنسانية ولا يصلح قتل المهزوم إلا فى حالة استثنائية، ولا يجوز تدمير الملكية إلا لأسباب عسكرية ضرورية.
ولا شك أن كثير من القواعد التى جرى عليها العمل وأوصت بها الإنسانية أو أمر الدين بها قد كسبت فيما بعد صفة الإلزام بجريان العرف عليها.
ولقد كان لظهور الدولة بمفهومها الحديث وتمسكها بفكرة السيادة نتيجة حتمية وهى اعتماد الدولة على الجنود النظاميين وحلولهم محل المرتزقة أو أفراد الشعب حين يقومون بأعباء القتال.ومما لا شك فيه أن هذا التحول فى نوعية العناصر التى تمارس أعمال القتال كان لها اثر كبير فى تطوير قواعد الحرب. إذ أن خضوع هؤلاء الجنود إلى رؤساء وتقيدهم فى حربهم بأمر هؤلاء الرؤساء وخضوعهم لقواعد القتال التى كانت تشنها الدولة . فكان من شأن ذلك تنمية روح الخضوع للقانون .
وتعتبر الحرب العالمية الأولى نقطة البداية التى قادت إلى تحريك فكرة المسئولية الجنائية ضد مرتكبى الجرائم الدولية بصفة عامة وجرائم الحرب بصفة خاصة. كما أنها بلورة فكرة إنشاء قضاء جنائي دولي لمحاكمة مرتكبى تلك الجرائم. ورغم أن تجربة الحرب العالمية الأولى لم يتمخض عنها إنشاء قضاء جنائي دولي لتحديد مسئولية مرتكبى جرائم الحرب التى حدثت أثناء الحرب إلا أنها ساهمت فى بلورة فكرة المسئولية الجنائية الدولية وأبرزت أهميتها كضرورة يتطلبها اعتراف النظام القانوني الدولي بمبدأ مسئولية الفرد.
وإذا كانت الحرب العالمية الأولى تعتبر نقطة البداية التى قادة إلى تحريك فكرة المسئولية الجنائية الشخصية ضد مرتكبى جرائم الحرب، فإن الحرب العالمية الثانية تعتبر نقطة البداية الحقيقية نحو ترسيخ فكرة المسئولية الجنائية وإنشاء قضاء جنائي دولي لتحديد تلك المسئولية وبدأ الإعداد لمحاكمة مرتكبى جرائم الحرب العالمية الثانية لما اتسمت به تلك الحرب من أفعال وحشية جلبت على الإنسانية أحزانا وآلاما يعجز عنها الوصف.
وأصبح هناك ثلاث أنواع من المحاكم خول إليها الاختصاص بنظر تحديد مسئولية مرتكبى جرائم الحرب العالمية الثانية:
- المحكمة العسكرية الدولية (والتي عرفت فيما بعد بمحكمة نورمبرج وطوكيو).
- المحاكم العسكرية التى أنشئت تحت إشراف كل دولة من دول الاحتلال فى ألمانيا وفقا للقانون رقم 10 الذى أصدره مجلس الرقابة على ألمانيا فى 20 ديسمبر سنة 1945 .
- المحاكم الوطنية فى الدول التى ارتكبت فيها الجرائم.
ولقد ساهمت هذه العوامل فى تدوين القواعد الخاصة بأعمال القتال عند اللجوء للحرب وذلك فى بعض المعاهدات العامة أهمها :
1. اتفاقية باريس المنعقدة فى 16 ابريل سنة 1856 التى وضعت قواعد معاملة المحابين فى الحروب البحرية.
2. اتفاقية جنيف المنعقدة فى 2 أغسطس سنة 1864 الخاصة بتحسن حالة الذين يجرحون فى ميدان القتال وقد أعقبتها اتفاقية أخرى فى 6 يوليو سنة 1906 .
3. اتفاقية لاهاي الخاصة بأحكام الحرب البرية التى انعقدت فى جنيف سنة 1899.
4. اتفاقية لاهاي التى تحرم استعمال الطلقات المعروفة باسم (دم دم) وتحرم استعمال الغازات السامة. واتفاقية لاهاي سنة 1907 الخاصة بتحديد المركز القانوني للسفن التجارية عند إعلان الحرب. واتفاقية لاهاي الخاصة بتحويل السفن التجارية إلى سفن حربية والخاصة يوضع الألغام البحرية (وقد بلغ عدد اتفاقيات لاهاي فى خصوص الحرب والتي انعقدت كلها سنة 1907 حوالي 15 اتفاقية).
وبعد الحرب العالمية الأولى والثانية انعقدت الاتفاقيات الآتية:
1) بروتوكول جنيف سنة 1925 الخاص بتحريم استعمال الغازات السامة.
2) اتفاقية جنيف سنة 1929 الخاصة بمعاملة المرضى والجرحى وأسرى الحرب.
3) بروتوكول لندن سنة 1936 الخاص باستعمال الغواصات ضد السفن التجارية.
4) أربع اتفاقيات تمت بجينيف فى سنة 1949 فى خصوص :
1. تحسين مركز المرضى والجرحى فى ميدان القتال البرى .
2. تحسين مركز المرضى والجرحى فى ميدان القتال البحري.
3. معاملة أسرى الحرب .
4. حماية المدنيين فى وقت الحرب .
على أن الإجماع يكاد ينعقد على انه ما من حرب قامت إلا وخولفت فيها تلك القواعد والأحكام بصفة مستمرة تكاد تكون منظمة. وان الأطراف المتحاربة قد تجاهلت أو أهملت هذه القواعد فى ممارستها لأعمال القتال فى البر والبحر والجو.
ويكفى أن نلقى نظرة على المآسي والتجاوزات التى حدثت فى الحروب التى اشتعلت فى الآونة الأخيرة ....
حرب الخليج وحرب روسيا مع الشيشان وحرب أفغانستان وحرب الصرب ضد البوسنة والهرسك وحرب الصومال وما يحدث يوميا فى فلسطين والعراق والعدوان الأخير على لبنان وتدمير البنية التحتية وهدم المنازل والطرق وقتل الأطفال والنساء وقانا خير دليل على ذلك.
فلقد أصبح الأمر يدعو إلى كثير من التأمل بعد أن دخلت البشرية عصر الأسلحة النووية ذات القوة التدميرية التى تتعدى نطاق الخيال الانسانى وبعد أن أصبح من السهولة توجيه تلك الأسلحة إلى أهدافها من قارة إلى قارة أخرى فى سرعة هائلة بواسطة الصواريخ عابرة القارات. فإذا أضفنا إلى ذلك دخول الإنسان مرحلة غزو الفضاء الخارجي وإطلاق المركبات الفضائية وتوجيهها من الأرض لاستطعنا أن نتخيل الحال التى سوف تكون عليه فى المستقبل (فحربا نووية من شأنها أن تدمر الحضارة وتقضى على الإنسانية). ولذلك أصبحت الحاجة ماسة إلى تعديل قانون الحرب الذى بات فى وضع غير عملي بعد التقدم الذى حدث فى أسلحة الدمار بل وأصبح عاجزا عن التحكم فى استعمال هذه الأسلحة.
وإذا كانت الأسلحة النووية لم تستعمل فى أي حرب فى التاريخ سوى ما حدث فى الحرب العالمية الثانية من إلقاء القنبلتين الذريتين على مدنيين هورشيما وناجازاكي فان ذلك لم يمنع قيام حوالى 140 حرب دولية استخدمت فيها الأسلحة التقليدية بين الدول منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى الآن وسيظل قواعد تنظيم الحرب الحالية سارية إلى أن يصل العالم للنظام الذى يكفل القضاء كلية على الحرب. وكل ذلك يدعونا إلى تعريف جرائم الحرب كجريمة من جرائم القانون الدولي وأهم الاتفاقيات فى جرائم الحرب وهى اتفاقيات جنيف الإنسانية الأربع.
************************************************** ************************************************** ****************************

د. عبد الواحد محمد الفار، الجرائم الدولية وسلطة العقاب عليها ، دار النهضة العربية ، 1995

.د. محمد عبد المنعم عبد الخالق،‘الجرائم الدولية : دراسة تأصيلية ضد الإنسان والسلام وجرائم الحرب ، 1989

وسيلة مرزو قي
12-02-2008, 12:54 PM
كيف حالك إن شاء الله دائما بخير ؟ موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية . و الله لقد وفيت بهذا الموضوع المختصر و المفيد .وفقك الله دائما للخير.