تتميز حقوق الإنسان في الإسلام بميزات عديدة، فهي ربانية، منضبطة، ملزمة، ثابتة، شاملة... وسنبين بعض هذه الميزات عند المقارنة بين حقوق الإنسان في الإسلام وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.


مقارنة بين حقوق الإنسان في الإسلام وفي الوثائق الوضعية الدولية


أولاً: من حيث المصدر.
حقوق الإنسان في الوثائق الوضعية مصدرها الإنسان ، الذي هو مركب النقص ، وهو يخطئ أكثر مما يصيب ؛ إن إحاط بجزئيةٍ ، غفل عن أكثرها ، وإنْ أدرك أمراً : قصر عنه آخر ، كما أن الإنسان بطبيعته يغلب عليه الهوى، فيرى الحق ولا يتبعه، يدل على ذلك أن المجتمعات الغربية تسمح بالزنا وتسمح بشرب الخمر وغير ذلك من الأمور التي لا يشك عاقل في أنها مضرة بالمجتمع.
أمَّا في الإسلام :- فمصدر حقوق الإنسان كتاب الله المعجز ، وسنة رسول - e - الذي لا ينطق عن الهوى .
فهي تشريعات ربانية ، لا خلل فيها ، ولا نقص ، ولا تقصير ، ولا ضيق نظر ، فهي متوازنة ، وتراعي مصلحة الفرد -كفرد في مجتمع – وتراعي مصلحة المجتمع .

ثانياً: من حيث الإلزامية.
هذا الفرق يترتب على الفرق الأول:
فالوثائق الوضعية التي وضعها الإنسان ليست إلا مجرد تصريحات، وتوصيات صادرة عن الأمم المتحدة ، لا إجبار وإلزام فيها ، ولا يترتب على الإخلال بها أي جزاء قانوني.
أما في الإسلام فهي أبدية ، ثابتة ، إلزامية ، لا تقبل : الجزئية ، والحذف ، والتبديل. وعلى الفرد : الأخذ بها ؛ راجياً ثواب الله ، خائفاً من عقابه ، ومن تُسوّل له نفسه العبثَ بها، فإن مِن حق السلطة العامة في الإسلام ، إجباره على تنفذيها ، وإيقاع العقوبة الشرعية عليه، في حال إخلاله بها .

ثالثاً: من حيث الأسبقية.
نقول في صدد المقارنة بينهما الآتي: في الوثائق الوضعية أول وثيقة لحقوق الإنسان، كانت ما جاء به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، في القرن الثالث عشر الميلادي ، سنة (1215م ).
أما في الإسلام فبدأت بظهور الإسلام نفسه ، وقد اشتملت على: حقوق ثابته لله ، وحقوق للعباد، كحقوقه المدنية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ، إلي غيرها من الحقوق الأخرى .
وما كانت الآيات القرآنية ، وأحاديث الرسول e في حقيقتها إلا مواثيق وقوانين . ويُعَدُّ من أشهر المواثيق في الإسلام لحقوق الإنسان ما جاء على لسان الرسول الكريم e في حجة الوداع ، وخطبته المشهورة في تلك المناسبة العظيمة.

رابعاً: من حيث حماية حقوق الإنسان وضماناتها في الإسلام، وفي الوثائق الدولية.
وتتضح الفروق بينهما في المقارنات التالية :
1- في الوثائق الدولية حقوق الإنسان -البشرية المصدر- وكذلك الحماية الدولية لها لا تعدو كونها توصيات أدبية ، ومحاولات لم تصل إلى حد التنفيذ. وعلى كلٍ فهي تقوم على أمرين :
أ – محاولة الاتفاق على أساس عام ومعترف به بين الدول جميعاً .
ب- محاولة وضع جزاءات ملزمة ، تدين الدولة التي تنتهك حقوق الإنسان .
وهذه التوصيات في حقيقتها –كما يقال- : حبر على ورق ، يتلاعب بها واضعوها حسبما تملية عليه أهوائهم ، وشهواتهم ، ومصالحهم ، وإن كان فيه الضرر البالغ على الأفراد، بل وعلى الأمم .
أمَّا في الإسلام فالحقوق التي منحها الله للإنسان محمية مضمونة، وذلك لأنها:
أ- مقدسة قد أُلبست الهيبة والاحترام؛ لأنها منزلة من عند الله، وهذا يُشَكِّلُ رادعاً للأفراد والحكام على السواء عن تعديها وتجاوزها.
ب- احترامها نابع من داخل النفس المؤمنة بالله .
جـ – لا يمكن إلغاؤها ، أو نسخها ، أو تعديلها .
د- أنها خالية من الإفراط ، والتفريط.
وزيادة على ذلك وحتى تُحمى حقوق الإنسان وتحفظ شرع الله U إقامة الحدود الشرعية. وإقامة الأنظمة القضائية ، لحماية حقوق الإنسان .

رابعاً: من حيث الشمول.
الإسلام يتميّز عن غيره بالشمولية ، ونذكر هنا بعض حقوق الإنسان التي لم يذكرها مشرعو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وهي كالآتي :
1- حقوق اليتامى : ففي الميثاق العالمي أشار إلى حق رعاية الطفل فقط .
أمَّا الإسلام : فقد تميز بإعطاء عناية خاصة لليتامى ، وحَفِظَ حقوقهم ، وأمر بالإحسان إليهم، بكافة أنواع الإحسان ، بل ورتَّبَ على ذلك الأجر ، والثواب .
قال تعالى-: ]ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم …[ [ البقرة : 121] .
وقال تعالى : ]وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً[ [النساء : 2].
فرتَّب العقوبة الشديدة على من أكل أموالهم ، قال تعالى : ]إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً[ [النساء 10] .
2- حق ضعاف العقول : كفل لهم الإسلام حق الرعاية والاهتمام ، وأمر بحسن معاملتهم ، كما قال –تعالى-: ]ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم وقولاً معروفاً[ .[ النساء : 5] .
3- حق الميراث : وهذا الحق قد غفلت وتغافلت عنه الوثائق البشرية ، بينما نظم الإسلام ، وأقرّ هذا الحق ، في أروع صوره ، وأبطل ما كان عليه الناس قبل الإسلام ، من إسقاط حق المرأة في الميراث ؛ قال –تعالى-: ]للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً[ [النساء : 7] .
وقد أفاض الإسلام في هذا الأمر ، وبيّن مقدار الأنصبة في كثير من الآيات ، كما حثت السنة المطهرة على ذلك في قوله - e - "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر"([1])
4- حق الدفاع عن النفس : أيضاً هذا الحق من الحقوق التي لم يذكرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، بينما وردت العديد من الآيات والأحاديث ، التي تقرّ هذا الحق وتنظمه كما في قوله –تعالى- : ]فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين[ [البقرة :194] .
بل أمر الله -سبحانه وتعالى- بالجهاد ، وبالإعداد له ، فقال : ]وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمُهُم...[ [الأنفال : 60] .
5- حق العفو : الإسلام دين رحمة ، وتسامح ، وعفو ، وإحسان ، من غير استسلام ، أو ذل ، أو تمكين للأشرار ، وهذا ما لم يهتم به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان . فمن الآيات التي تقرّر هذا الحق ، قوله -تعالى- : ]ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم[ [فصلت : 34] . وقوله : ]وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم [ [التغابن : 14] .

([1]) الحديث رواه البخاري (12/11- فتح ) ، برقم : 6732 ، كتاب : الفرائض ، باب : ميراث الولد من أبيه وأمه ، ومسلم (11/52– نووي) ، كتاب : الفرائض .

المواضيع المتشابهه: