مفهوم الرشوة
أولا: الرشوة : لغة
رشا: الرشوة : فعل الرشوة يقال رشوته والمراشاة المحاباة، ابن سيده، الرشوة و الرشوة معروفة: الجعل، والجمع رشى، ورشى قال سيبويه: من العرب من يقول رشوة، ورشى ومنهم من يقول رشوة ورشي، وأكثر العرب يقول رشى ورشاه يرشوه رشوا: أعطاه الرشوة ، وقال أبو العباس: الرشوة مأخوذة من رشا الفرح إذ مد رأسه إلى أمه لترقه، أبو عبيد: الرشا من أولاد الظباء الذي قد تحرك وتمشى، والرشاء : رشى الدلو والرائش: الذي يمشي بين الراشي والمرتشي والراشي قال ابن الأثير الرشوة و الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، والراشي الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا، فأما ما يعطي توصلا إلى آخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه.
والرشاء : الحبل والجمع أرشية، قال ابن مسيدة، وإنما حملناه على الدلو لأنه يوصل به إلى الماء كما يوصل بالرشوة إلى ما يطلب من الأشياء، قال اللحياني: ومن كلام المؤاخذات للرجال أخذته بدباء مملاء من الماء المعلق بيرشاء، قال: الترشاء الحبل لا يستعمل هكذا إلا في هذه الآخذة، وأرشي الدلو: جعل لها رشاء أي حبلا، والرشاء من منازل القمر، وهو على التشبيه بالحبل الجوهري، إرشاء كواكب كثيرة صغار على صورة السمكة يقال لها بطن الحوت، وفي سرتها كوكب نير ينزله القمر .
وأرشيته الحنطل واليقطين: خيوطه وقد ارشت الشجرة وأرشى الحنطل إذا امتدت أغصانه قال الأصمعي: إذا امتدت أغصان الحنطل قيل قد أرشئت أي صارت كالأرشية وهي الحبال. أبو عمرو: أسترشي ما في الضرع واسترشى ما فيه إذا أخرجه، واسترشى في حكمه: طالب الرشوة عليه، واسترشى الفصيل إذا طلب الرضاع وقد ارشيته إرشاءا ابن الأعرابي أرشى الرجل إذ حك فوران الفصيل ليعدو ، ويقال لفصيل الرشي والرشاة: نبت يشرب للمشي وقال كراع: الرشاة عشبة نحو القرنوة، جمعها رشا.
قال ابن سيده: وحملنا الرشي على الواو لوجود رشى وعدم رشي.
ثانيا: الرشوة : شرعا:
جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الكليات الخمس ومعها حفظ الأموال واعتبرت ذلك من المقاصد الكبرى لها، ولذلك نهى الإسلام كل أشكال أكل الأموال ظلما وباطلا ومن ذلك مثلا أكل الربا وأخذ الرشوة، ولأجل ذلك ذم القرآن اليهود أخلاقهم الفاسدة فقال تعالى:  يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ( ).
وسميت الرشوة في القرآن الكريم سحتا في قوله تعالى: آكلون للسحت ( ) وألف العلامة عبد الغني النابلسي كتابه المانع “تحقيق القضية في الفارق بين الرشوة والهدية، تحريرا لهذه المسألة، فأخذ المال من أجل إعطاء الناس حقوقهم إنما يأكل في بطنه سحتا، والسحت أيضا من المال الحرام وحتى ولو لم يكن رشوة بالمعنى الدقيق.
روى عن أبي الجعد عن مسروق قال: “سألت عبد الله عن الجور فقال ذلك كفر وسألته عن السحت فقال الرشا”.
وقال إبراهيم والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: “السحت الرشا” وروى منصور عن الحكم عن أبي وائل عن مسروق قال: “إن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت وإذا أكل الرشوة بلغت به، ولقد لعن الله أكلها وموكلها والوسيط في الرشوة”.
كما جاء فيما رواه أبو إدريس الخولاني عن ثوبان قال: لعن رسول الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما”.
وفيما روى أبو سلامة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر قال: “لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم”
ولا خلاف في تحريم الرشا بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سحت حرام، قال أبو حنيفة: “إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت قال رسول الله  : “يأتي على الناس زمان يستحل فيه الربا والخمر والنبيذ والبخس بالزكاة والسحت بالهدية والقتل بالموعظة…” المقصود هنا الرشوة في الحكم والشهادات وغيرها باسم الهدية”( ).
ولقد تعددت التعاريف الفقهية حول الرشوة فكادت تتفق جميعها في أكل مال الغيـر ظلما، فهي على التفرقة الظالمة بين النـاس فمن يدفع مقابـل أن تؤدى له لمصلحته الخدمات سواء كانت مستحقة أو غير مستحقة، ومن لا يريد تعففا تهدر مصالحه وحقوقه، و هذا يخرق مبدأ المساواة بين الأفراد.
والملاحظ أن هذه التعاريف تدور معظمها على رشوة الحكام وكيفية تضييق الخناق عليها، فمثلا ما روى إبراهيم الحربي في كتاب “الهدايا” عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله  : هدايا الأمراء غلول”.
وبعث رسول الله  عبد الله بن رواحة إلى اليهود ليقدر ما يجب عليهم في نخلهم من خراج فعرضوا عليه شيئا من المال يبذلونه فقال لهم: “فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها( ).
من هذين المثالين الأول موجه إلى الأمراء والثاني إلى جامع الخراج يتضح إذن أن الرشوة كما في القانون الوضعي ترتبط بالموظف أو صاحب السلطة ومن يتقلد المسؤولية.
ويقول سبحانـه وتعالى:  ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم والعدوان وأنتم تعلمون.
وفي تفسير هذه الآية الكريمة من سورة البقرة قال: علي ابن أبي طلحة وعن عباس هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام وكذا روي عن مجاهد وسعيد جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدا ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسليم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم” وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله  قال: “إنما أنا مبشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون الحق بحجته من بعض فأقضى له فمن قضيت له بحق مسلم فإنها هي قطعة من نار فليحملها أو لينيرها”.
فدلت هذه الآية الكريمة و هذا الحديث على أن الخصم، حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر فلا يحل في نفس الأمر حلالا حراما هو حرام ولا يحرم حلالا وهو حلال وإنما هو ملزم في الظاهر فإن طابق في نفس الأمر فذاك وإلا فالحاكم أجره وعلى المحتال وزره ولهذا قال تعالى:  ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس وأنتم تعلمون أي تعلمون بطلان ما تدعونه وترجونه في كلامكم، قال قتادة: “اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يحل لكم حراما ولا يحق لك باطلا وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى ويشهد به الشهود والقاضي بشر يخطئ ويصيب واعلمـوا أن من قضى له بباطل وأن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي له على المبطل بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا ( ).
وفي تفسير آخر للآية 188 من سورة البقرة نجد القرطبي “حيث قال: “… المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها… و هذا القول يترجح بأن الحكام مضنة الرشاء إلا من عصم، وتدلوا من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء كأنه يمد بها ليقضي الحاجة قلت ويقوى هذا قوله وتدلوا لها وتدل في موضع جزم عطفا على تأكل… والهاء في قوله بها ترجع إلى الأموال والجمع رشي ورشا وقد أرشاه يرشوه وارتشى أخذ الرشوة واسترشى في حكمه طلب الرشوة عليه، قلت فالحكام اليوم عي الرشا”.
الرشوة بضم الراء وكسرها ويجوز الفتح هي ما يؤخذ بغير عوض ويعاب أخذه، قال ابن العربي “الرشوة كل ما دفع ليبتاع بجاهل عونا على ما يحل والمرتشي قابضه والراشي والمرتشي… أما الثاني فإن كان لمعصية فلا يحل، وإن كان لطاعة فيستحب، وإن كان لجائز ولكن يستحب له ترك الأخذ وإن كان حاكما فهو حرام.


المواضيع المتشابهه: