23 ينويو 2014 د.رزق الريس - ينتهى فى 8/9
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 18

الموضوع: من مقامات الحريري - المقامة المغربية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    636
    Post Thanks / Like

    stop من مقامات الحريري - المقامة المغربية

    من مقامات الحريري


    محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري ولد في البصرة (446 هـ/1054 - 6 رجب 516 هـ/11 سبتمبر 1112 م) من أكبر أدباء العرب، وصاحب مقامات الحريري.




    الحريري - المقامة الصنعانية



    حدث الحارث بن همام قال: لما اقتعدت غارب الاغتراب، وأنأتني المتربة عن الأتراب، طوّحت بي طوائحُ الزمنِ. إلى صنْعاء اليَمَنِ. فدَخَلْتُها خاويَ الوِفاضِ. باديَ الإنْفاضِ. لا أملكُ بُلْغَةً. ولا أجِدُ في جِرابي مُضْغَةً. فطَفِقْتُ أجوبُ طُرُقاتِها مِثلَ الهائِمِ. وأجولُ في حَوْماتِها جَوَلانَ الحائِمِ. وأرُودُ في مَسارحِ لمَحاتي. ومَسايِحِ غدَواتي ورَوْحاتي. كريماً أُخْلِقُ لهُ ديباجتي. وأبوحُ إلَيْهِ بحاجتي. أو أديباً تُفَرّجُ رؤيَتُه غُمّتي. وتُرْوي رِوايتُه غُلّتي. حتى أدّتْني خاتمةُ المطافِ. وهدَتْني فاتِحةُ الألْطافِ. إلى نادٍ رَحيبٍ. مُحتَوٍ على زِحامٍ ونَحيبٍ. فوَلَجْتُ غابةَ الجمْعِ. لأسْبُرَ مَجْلَبَةَ الدّمْعِ. فرأيتُ في بُهْرَةِ الحَلْقَةِ. شخْصاً شخْتَ الخِلْقَةِ. عليْهِ أُهْبَةُ السّياحَةِ. وله رنّةُ النِّياحَةِ. وهوَ يطْبَعُ الأسْجاعَ بجواهِرِ لفظِهِ. ويقْرَعُ الأسماعَ بزواجرِ وعْظِهِ. وقدْ أحاطت به أخلاطُ الزُّمَرِ. إحاطَةَ الهالَةِ بالقَمَرِ. والأكْمامِ بالثّمرِ. فدَلَفْتُ إليهِ لأقْتَبِسَ من فوائدِه. وألْتَقِطَ بعْضَ فرائدِه. فسمعتُهُ يقولُ حينَ خبّ في مجالِه. وهَدَرَتْ شَقاشِقُ ارتِجالِه. أيّها السّادِرُ في غُلَوائِهِ. السّادِلُ ثوْبَ خُيَلائِهِ. الجامحُ في جَهالاتِهِ. الجانِحُ إلى خُزَعْبِلاتِه. إلامَ تسْتَمرُّ على غَيّكَ. وتَستَمْرئُ مرْعَى بغْيِكَ؟ وحَتّامَ تتَناهَى في زهوِكَ. ولا تَنْتَهي عن لَهوِكَ؟ تُبارِزُ بمعصيتكَ. مالِكَ ناصِيَتِكَ! وتجْتَرِئُ بقُبْحِ سيرَتِك. على عالِمِ سريرتِكَ! وتَتَوارَى عَن قَريبِكَ. وأنتَ بمرأى رقيبِكَ! وتَستَخْفي مِن ممْلوكِكَ وما تَخْفى خافِيَةٌ على مَليكِكَ! أتَظُنُّ أنْ ستَنْفَعُكَ حالُكَ. إذا آنَ ارتِحالُكَ؟ أو يُنْقِذُكَ مالُكَ. حينَ توبِقُكَ أعمالُكَ؟ أو يُغْني عنْكَ ندَمُكَ. إذا زلّتْ قدَمُكَ؟ أو يعْطِفُ عليْكَ معشَرُكَ. يومَ يضُمّكَ مَحْشَرُكَ؟ هلاّ انتَهَجْتَ مَحَجّةَ اهتِدائِكَ. وعجّلْتَ مُعالجَةَ دائِكَ. وفَلَلْتَ شَباةَ اعتِدائِكَ. وقدَعْتَ نفْسَكَ فهِيَ أكبرُ أعدائِكَ؟ أما الحِمام ميعادُكَ. فما إعدادُكَ؟ وبالمَشيبِ إنذارُكَ. فما أعذارُكَ؟ وفي اللّحْدِ مَقيلُكَ. فما قِيلُكَ؟ وإلى اللّه مَصيرُكَ. فمَن نصيرُكَ؟ طالما أيْقَظَكَ الدّهرُ فتَناعَسْتَ. وجذبكَ الوعْظُ فتقاعستَ! وتجلّتْ لكَ العِبَرُ فتَعامَيْتَ. وحَصْحَصَ لكَ الحقُّ فتمارَيْتَ. وأذْكَرَكَ الموتُ فتناسيتَ. وأمكنَكَ أنْ تُؤاسِي فما آسيْتَ! تُؤثِرُ فِلساً توعِيهِ. على ذِكْرٍ تَعيهِ. وتَختارُ قَصْراً تُعْليهِ. على بِرٍ تُولِيهِ. وتَرْغَبُ عَنْ هادٍ تَسْتَهْدِيهِ . إلى زادٍ تَستَهْديهِ. وتُغلِّبُ حُبّ ثوبٍ تشْتَهيهِ. على ثوابٍ تشْتَريهِ. يَواقيتُ الصِّلاتِ. أعْلَقُ بقَلبِكَ منْ مَواقيتِ الصّلاةِ. ومُغالاةُ الصَّدُقاتِ. آثَرُ عندَكَ من مُوالاةِ الصَّدَقاتِ. وصِحافُ الألْوانِ. أشْهى إلَيْكَ منْ صَحائِفِ الأدْيانِ. ودُعابَةُ الأقرانِ. آنَسُ لكَ منْ تِلاوَةِ القُرْآنِ! تأمُرُ بالعُرْفِ وتَنتَهِكُ حِماهُ. وتَحْمي عنِ النُّكْرِ ولا تَتحاماهُ! وتُزحزِحُ عنِ الظُلْمِ ثمْ تغْشاهُ. وتخْشَى الناسَ واللهُ أحقُّ أنْ تخْشاهُ! ثمّ أنْشَدَ:

    تباً لطالِـبِ دُنْـيا *** ثَنى إلَيها انصِبابَهْ

    ما يسْتَفيقُ غَراماً *** بها وفَرْطَ صَبابَهْ

    ولوْ دَرى لَكفَـاهُ *** مما يَرومُ صُبابَهْ

    ثم إنهُ لبّدَ عَجاجَتَهُ. وغيّضَ مُجاجتَهُ. واعْتَضَدَ شكْوَتَهُ. وتأبّطَ هِراوَتَهُ. فلمّا رنَتِ الجَماعَةُ إلى تحفُّزِهِ. ورأتْ تأهُّبَهُ لمُزايَلَةِ مركَزِهِ. أدْخَلَ كلٌ منهُمْ يدَهُ في جيْبِهِ. فأفْعَمَ لهُ سَجْلاً منْ سَيْبِه. وقال: اصْرِفْ هَذا في نفقَتِكَ. أو فرّقْهُ على رُفْقَتِكَ. فقبِلَهُ منهُم مُغضِياً. وانْثَنى عنْهُم مُثْنِياً. وجعَلَ يودِّعُ مَنْ يُشيّعُهُ. ليَخْفَى علَيْهِ مَهْيَعُهُ. ويُسرّبُ منْ يتْبَعُهُ. لكَيْ يُجْهَلَ مرْبَعُهُ. قال الحارِثُ بنُ هَمّامٍ: فاتّبعْتُهُ مُوارِياً عنْهُ عِياني. وقَفوْتُ أثرَهُ منْ حيثُ لا يَراني. حتّى انْتَهى إلى مَغارَةٍ. فانْسابَ فيها على غَرارَةٍ. فأمْهَلْتُه ريثَما خلَعَ نعْلَيْهِ. وغسَل رِجلَيْهِ. ثمّ هجَمْتُ علَيهِ. فوجدتُهُ مُشافِناً لتِلْميذٍ. على خبْزِ سَميذٍ. وجَدْيٍ حَنيذٍ. وقُبالَتَهُما خابيةُ نبيذٍ. فقلتُ لهُ: يا هذا أيَكونُ ذاكَ خبرَكَ. وهذا مَخْبَرَكَ؟ فزَفَرَ زفْرَةَ القَيْظِ. وكادَ يتميّزُ منَ الغيْظِ. ولمْ يزَلْ يحَمْلِقُ إليّ. حتّى خِفْتُ أن يسطُوَ عليّ. فلمّا أن خبَتْ نارُهُ. وتَوارَى أُوارُهُ. أنْشَد:

    لبِسْتُ الخَميصةَ أبغي الخَبيصَـهْ *** وأنْشَبْتُ شِصّيَ في كل شِيصَـه

    وصيّرتُ وعْـظـيَ أُحـبـولَةً *** أُريغُ القَنيصَ بها والقَـنـيصَـه

    وألْجأني الدّهْرُ حتـى ولَـجْـتُ *** بلُطْفِ احتِيالي على اللّيثِ عيصَه

    على أنّني لـم أهَـبْ صـرفَـهُ *** ولا نبَضَتْ لي مِنْـهُ فَـريصَـه

    ولا شرَعت بي عـلـى مَـورِدٍ *** يُدنّسُ عِرضيَ نفْسٌ حَـريصَـه

    ولو أنْصَفَ الدّهرُ في حُكـمِـهِ *** لَما ملّكَ الحُكْمَ أهلَ النّقـيصَـه

    ثمّ قال ليَ: ادْنُ فكُلْ. وإنْ شِئْتَ فقُم وقُلْ. فالتَفَتّ إلى تِلميذِه وقُلتُ: عزَمْتُ عليْكَ بمَن تستَدفِعُ بهِ الأذى. لتُخْبرَنّي مَنْ ذا. فقال: هذا أبو زيْدٍ السَّروجيُّ سِراجُ الغُرَباء. وتاجُ الأدَباء. فانصرَفْتُ من حيثُ أتيتُ. وقضَيْتُ العجَبَ ممّا رأيْتُ.

    المواضيع المتشابهه:


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    636
    Post Thanks / Like
    الحريري - المقامة الحلوانية



    حَكى الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: كلِفْتُ مُذْ ميطَتْ عني التّمائِمُ. ونِيطَتْ بيَ العَمائِمُ. بأنْ أغْشى مَعانَ الأدَبِ. وأُنضيَ إليْهِ رِكابَ الطّلَبِ. لأعْلَقَ منْهُ بِما يكونُ لي زينَةً بينَ الأنامِ. ومُزنَةً عندَ الأُوامِ. وكُنْتُ لفَرْطِ اللّهَجِ باقْتِباسِه. والطّمَعِ في تقمّصِ لِباسِهِ. أُباحِثُ كلّ مَنْ جَلّ وقَلّ. وأسْتَسْقي الوَبْلَ والطّلّ. وأتعلّلُ بعَسى ولَعلّ. فلمّا حلَلْتُ حُلْوانَ. وقدْ بلَوْتُ الإخْوانَ. وسَبَرْتُ الأوْزانَ. وخبَرْتُ ما شانَ وَزانَ. ألفَيْتُ بها أبا زيْدٍ السَّروجيَّ يتقلّبُ في قوالبِ الانتِسابِ. ويخْبِطُ في أساليبِ الاكتِسابِ. فيدّعي تارَةً أنّهُ من آلِ ساسانَ. ويعْتَزي مرّةً إلى أقْيالِ غسّانَ. ويبْرُزُ طَوراً في شِعارِ الشّعَراء. ويَلبَسُ حيناً كِبَرَ الكُبَراءِ. بيْدَ أنّهُ معَ تلوّنِ حالِهِ. وتبَيّنِ مُحالِهِ. يتحلّى برُواءٍ ورِوايَةٍ. ومُدراةٍ ودِرايَةٍ. وبَلاغَةٍ رائِعَةٍ. وبَديهةٍ مُطاوعةٍ. وآدابٍ بارِعةٍ. وقدَمٍ لأعْلامِ العُلومِ فارِعةٍ. فكانَ لمحاسِنِ آلاتِهِ. يُلْبَسُ على عِلاّتِه. ولِسَعَةِ رِوايَتِه. يُصْبى إلى رؤيَتِهِ. ولخلابَةِ عارِضَتِهِ. يُرْغَبُ عنْ مُعارضَتِهِ. ولعُذوبَةِ إيرادِهِ. يُسْعَفُ بمُرادِهِ. فتعَلّقتُ بأهْدابِهِ. لخَصائِصِ آدابِهِ. ونافَسْتُ في مُصافاتِهِ. لنَفائِسِ صِفاتِه.

    فكُنتُ بهِ أجْلو هُمومي وأجْتَلـي *** زمانيَ طلقَ الوجْهِ مُلتَمِعَ الضّيا

    أرَى قُرْبَهُ قُرْبى ومَغْناهُ غُنْـيَةً *** ورؤيَتَهُ رِيّاً ومَحْياهُ لـي حَـيا


    ولَبِثْنا على ذلِكَ بُرْهَةً. يُنْشئ لي كلَّ يومٍ نُزهَةً. ويدْرَأُ عن قلبي شُبهَةً. إلى أنْ جدَحَتْ لهُ يَدُ الإمْلاقِ. كأس الفِراقِ. وأغْراهُ عدَمُ العُراقِ. بتَطْليقِ العِراقِ. ولفَظَتْهُ مَعاوِزُ الإرْفاقِ. إلى مَفاوِزِ الآفاقِ. ونظَمَهُ في سِلْكِ الرّفاقِ. خُفوقُ رايةِ الإخْفاقِ. فشحَذَ للرّحْلَةِ غِرارَ عزْمَتِهِ. وظَعَنَ يقْتادُ القلْبَ بأزِمّتِهِ.


    فما راقَني مَنْ لاقَني بعْدَ بُعْدِهِ *** ولا شاقَني مَنْ ساقني لوِصالِهِ

    ولا لاحَ لي مُذْ ندّ نِدٌ لفَضْلِـهِ *** ولا ذو خِلالٍ حازَ مثلَ خِلالِهِ

    واسْتَسَرّ عني حيناً. لا أعرِفُ لهُ عَريناً. ولا أجِدُ عنْهُ مُبيناً. فلمّا أُبْتُ منْ غُربَتي. إلى منْبِتِ شُعْبَتي. حضَرْتُ دارَ كُتُبِها التي هيَ مُنتَدى المتأدّبينَ. ومُلتَقَى القاطِنينَ منهُمْ والمُتغرّبينَ. فدخَلَ ذو لِحْيَةٍ كثّةٍ. وهيئَةٍ رثّةٍ. فسلّمَ على الجُلاّسِ. وجلَسَ في أُخرَياتِ الناسِ. ثمّ أخذَ يُبْدي ما في وِطابِهِ. ويُعْجِبُ الحاضِرينَ بفصْلِ خِطابِهِ. فقال لمَنْ يَليه: ما الكِتابُ الذي تنظُرُ فيهِ؟ فقالَ: ديوانُ أبي عُبادةَ. المشْهودِ لهُ بالإجادَةِ. فقال: هلْ عثَرْتَ لهُ فيما لمحْتَهُ. على بَديعٍ استَملَحْتَهُ؟ قال: نعمْ قولُه:


    كأنّما تبْسِمُ عن لُؤلُـؤٍ *** منضّدٍ أو برَدٍ أو أقاحْ

    فإنّهُ أبدَعَ في التّشبيهِ. المُودَعِ فيهِ. فقالَ لهُ: يا لَلعجَبِ. ولَضَيْعَةِ الأدبِ! لقدِ استَسْمَنْتَ يا هَذا ذا ورَمٍ. ونَفَخْتَ في غيرِ ضرَمٍ! أينَ أنتَ منَ البيْتِ النّدْرِ. الجامِعِ مُشَبّهاتِ الثّغْرِ؟ وأنْشَد:

    نفْسي الفِداءُ لثَغْرٍ راقَ مبسِمُـهُ *** وزانَهُ شنَبٌ ناهيكَ من شـنَـبِ

    يفترُّ عن لُؤلُؤٍ رطْبٍ وعن بـرَدٍ *** وعن أقاحٍ وعن طلْعٍ وعن حبَبِ


    فاستَجادَهُ مَنْ حضَر واسْتَحْلاهُ. واستَعادَهُ منْهُ واسْتمْلاهُ. وسُئِلَ: لمنْ هذا البيتُ. وهلْ حيٌ قائِلُهُ أو ميْتٌ؟ فقال: أيْمُ اللهِ لَلحَقُّ أحَقُّ أنْ يُتّبَعَ. ولَلصّدْقُ حَقيقٌ بأنْ يُستَمَعَ! إنّهُ يا قَوْمُ. لنَجيّكُمْ مُذُ اليوْمَ. قال: فكأنّ الجَماعَةَ ارْتابَتْ بعزْوَتِه. وأبَتْ تصْديقَ دعْوَته. فتوجّسَ ما هجَسَ في أفْكارِهِمْ. وفطِنَ لِما بَطَنَ مِنِ استِنْكارِهِمْ. وحاذَرَ أنْ يفْرُطَ إليْهِ ذمّ. أو يَلْحَقَهُ وصْمٌ. فقرأ: إنّ بعْضَ الظنّ إثْمٌ. ثم قال: يا رُواةَ القَريضِ. وأُساةَ القوْلِ المَريضِ. إنّ خُلاصَةَ الجوهَرِ تظهَرُ بالسّبْكِ. ويدَ الحقّ تصْدَعُ رِداءَ الشّكّ. وقدْ قيلَ فيما غبَرَ منَ الزّمانِ: عندَ الامتِحانِ. يُكرَمُ الرّجُلُ أو يُهانُ. وها أنا قدْ عرّضْتُ خبيئَتي للاخْتِبارِ. وعرَضْتُ حَقيبَتي على الاعْتِبارِ. فابْتَدَر. أحدُ مَنْ حضَرَ. وقال: أعرِفُ بيْتاً لمْ يُنسَجْ على مِنْوالِهِ. ولا سمَحَتْ قَريحةٌ بمِثالِهِ. فإنْ آثَرْتَ اختِلابَ القُلوبِ. فانْظِمْ على هذا الأسْلوبِ. وأنْشَدَ:

    فأمطَرَتْ لؤلؤاً من نرْجِسٍ وسقَتْ *** ورْداً وعضّتْ على العُنّابِ بالبَرَدِ

    فلم يكُنْ إلا كلَمْحِ البَصَرِ أو هُوَ أقرَبُ. حتى أنْشَدَ فأغْرَب:

    سألتُها حينَ زارَتْ نَضْوَ بُرْقُعِها الـ *** قاني وأيداعَ سمْعي أطيَبَ الخبَـرِ

    فزَحزَحَتْ شفَقاً غشّى سَنا قـمَـرٍ *** وساقَطَتْ لُؤلؤاً من خاتَمٍ عطِـرِ

    فحارَ الحاضِرونَ لبَداهَتِه. واعتَرَفوا بنَزاهَتِه. فلمّا آنَسَ استِئْناسَهُمْ بكَلامِهِ. وانصِبابَهُمْ إلى شِعْبِ إكْرامِهِ. أطْرَقَ كطَرْفَةِ العَينِ. ثمّ قال: ودونَكُمْ بيتَينِ آخرَينِ. وأنشدَ:

    وأقبَلَتْ يومَجدّ البينُ في حُلَـلٍ *** سودٍ تعَضُّ بَنانَ النّادِم الحَصِرِ

    فلاحَ ليْلٌ على صُبْحٍ أقلّهُـمـا *** غُصْنٌ وضرّسَتِ البِلّورَ بالدَّرَرِ

    فحينَئذٍ استَسْنى القوْمُ قيمَتَهُ. واستَغْزَروا ديمَتَهُ. وأجْمَلوا عِشْرَتَهُ. وجمّلوا قِشرَتَهُ. قال المُخْبِرُ بهَذِهِ الحِكايَةِ: فلمّا رأيتُ تلهُّبَ جذْوَتِهِ. وتألُّقَ جلْوَتِهِ. أمعَنْتُ النّظَرَ في توسُّمِهِ. وسرّحْتُ الطّرْفَ في ميسِمِهِ. فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيّ. وقدْ أقْمَرَ ليلُه الدّجُوجيُّ. فهنّأتُ نفسي بمَورِدِهِ. وابتدَرْتُ اسْتِلام يدِهِ. وقلتُ لهُ: ما الذي أحالَ صفَتَكَ. حتى جهِلْتُ معرِفَتَكَ؟ وأيّ شيء شيّبَ لحيَتَكَ. حتى أنْكَرْتُ حِليَتَكَ؟ فأنشأ يقول:


    وقْعُ الشّوائِبِ شـيّبْ *** والدّهرُ بالناسِ قُلَّـبْ

    إنْ دانَ يوماً لشَخْـصٍ *** ففي غدٍ يتـغـلّـبْ

    فلا تثِـقْ بـوَمـيضٍ *** منْ برْقِهِ فهْوَ خُلّـبْ

    واصْبِرْ إذا هوَ أضْرى *** بكَ الخُطوبَ وألّـبْ

    فما على التِّبْرِ عـارٌ *** في النّارِ حينَ يُقلَّـبْ


    ثمّ نهضَ مُفارِقاً موضِعَهُ. ومُستَصْحِباً القُلوبَ معَهُ.


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    636
    Post Thanks / Like
    الحريري - المقامة الدينارية


    روى الحارث بن همام قال: نظمني وأخدانا لي ناد. لم يخب فيه مناد. ولا كبا قدح زناد. ولا ذكت نار عناد. فبينما نحن نتجاذب أطراف الأناشيد. ونتوارد طرف الأسانيد. إذ وقف بنا شخص عليه سمل. وفي مشيته قزل. فقال: يا أخاير الذخائر. وبشائر العشائر. عموا صباحا. وأنعموا اصطباحا. وانظروا إلى من كان ذا ندي وندى. وجدة وجدا. وعقار وقرى. ومقار وقرى. فما زال به قطوب الخطوب. وحروب الكروب. وشرر شر الحسود. وانتياب النوب السود. حتى صفرت الراحة. وقرعت الساحة. وغار المنبع. ونبا المربع. وأقوى المجمع. وأقض المضجع. واستحالت الحال. وأعول العيال. وخلت المرابط. ورحم الغابط. وأودى الناطق والصامت. ورثى لنا الحاسد والشامت. وآل بنا الدهر الموقع. والفقر المدقع. إلى أن احتذينا الوجى. واغتذدينا الشجا. واستبطنا الجوى. وطوينا الأحشاء على الطوى. واكتحلنا السهاد. واستوطنا الوهاد. واستوطأن القتاد. وتناسينا الأقتاد، واستطبنا الحين المحتاج واستبطأنا اليوم المتاح. فهل من حر آس. أو سمح مؤاس؟ فوالذي استخرجني من قيله. لقد أمسيت أخا عيله. لا أملك بيت ليله. قال الحارث بن همام: فأويت لمفاقره. ولوطت إلى استنباط فقره. فأبرزت دينارا. وقلت له اختبارا: إن مدحته نظما. فهو لك حتما. فانبرى ينشد في الحال. من غير انتحال:

    أكرم به أصفر راقت صفرته ... جواب آفاق ترامت سفرته

    مأثورة سمعته وشهرته ... قد أودعت سر الغنى أسرته

    وقارنت نجح المساعي خطرته ... وحببت إلى الأنام غرته

    كأنما من القلوب نقرته ... به يصول من حوته صرته

    وإن تفانت أو توانت عترته ... يا حبذا نضاره ونضرته

    وحبذا مغناته ونصرته ... كم آمر به استتبت إمرته

    ومترف لولاه دمت حسرته ... وجيش هم هزمته كرته

    وبدر تم أنزلته بدرته ... ومستشيط تتلظى جمرته

    أسر نجواه فلانت شرته ... وكم أسير أسلمته أسرته

    أنقذه حتى صفت مسرته ... وحق مولى أبدعته فطرته

    لولا التقى لقلت جلت قدرته

    ثم بسط يده. بعدما أنشده. وقال: أنجز حر ما وعد. وسح خال إذ رعد. فنبذت الدينار إليه. وقلت: خذه غير مأسوف عليه. فوضعه في فيه. وقال: بارك اللهم فيه! ثم شمر للانثناء. بعد توفية الثناء. فنشأت لي من فكاهته نشوة غرام. سهلت علي ائتناف اغترام. فجردت دينارا آخر وقلت له: هل لك في أن تذمه. ثم تضمه؟ فأنشد مرتجلا. وشدا عجلا:

    تبا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق

    يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق

    وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق

    لولاه لم تقطع يمين سارق ... ولا بدت مظلمة من فاسق

    ولا اشمأز باخل من طارق ... ولا شكا الممطول مطل العائق

    ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق

    أن ليس يغني عنك في المضايق ... إلا إذا فر فرار الآبق

    واها لمن يقذفه من حالق ... ومن إذا ناجاه نجوى الوامق

    قال له قول المحق الصادق ... لا رأي في وصلك لي ففارق

    فقلت له: ما أغزر وبلك! فقال: والشرط أملك. فنفحته بالدينار الثاني. وقلت له: عوذهما بالمثاني. فألقاه في فمه. وقرنه بتوأمه. وانكفأ يحمد مغداه. ويمدح النادي ونداه. قال الحارث بن همام: فناجاني قلبي بأنه أبو زيد. وأن تعارجه لكيد. فاستعدته وقلت له: قد عرفت بوشيك. فاستقم في مشيك. فقال: إن كنت ابن همام. فحييت بإكرام. وحييت بين كرام! فقلت: أنا الحارث. فكيف حالك والحوادث؟ فقال: أتقلب في الحالين بؤس ورخاء. وأنقلب مع الريحين زعزع ورخاء. فقلت: كيف ادعيت القزل؟ وما مثلك من هزل. فاستسر بشره الذي كان تجلى. ثم أنشد حين ولى:

    تعارجت لا رغبة في العرج ... ولكن لأقرع باب الفرج

    وألقي حبلي على غاربي ... وأسلك مسلك من قد مرج

    فإن لامني القوم قلت اعذروا ... فليس على أعرج من حرج



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    636
    Post Thanks / Like
    الحريري - المقامة الكوفية


    حكى الحارث بن همام ، قال: سمرت بالكوفة، في ليلة أديمها ذو لونين، وقمرها كتعويذة من لجين، مع رفقةٍ غذوا بلبان البيان، وسحبوا على سحبان ذيل النسيان، وما فيهم إلا من يحفظ عنه ولا يحتفظ منه، ويميل الرفيق إليه ولا يمل عنه، فأستهوانا السمر إلى غرب القمر وغلب السهر، فلما روق الليل البهيم، ولم يبقى إلا الهويم، سمعنا من الباب نبأة مستنبحٍ، ثم تلتها صكةُ مستفتح، فقلنا من الملم، في الليل المدلهم، فقال:

    يا أهل ذا المغنى وقيتم شراً *** ولا لقيتم ما بقيتم ضراً

    قد دفع الليل الذي أكفهرا *** إلى ذراكم شَعِثاً مغبرا

    أخا سِفارٍ طال واسبطرا *** حتى أنثنا محقوقفاً مصفرا

    مثل الهلال الأفق حين إفترا *** وقد عرا فناءكم معترا

    وأمكم دون الأنام طراً *** يبغي قرى ومنكم مستقرا

    فدونكم ضيفاً قنوعاً حرا *** يرضى بما أحلو لي وما مرا

    وينثني عنكم وينبث البرا

    قال الحارث بن همام: فلما خلبنا بعذوبة نطقه، وعلمنا ما وراء برقه، إبتدرنا فتح الباب، وتلقيناه بالترحاب، وقلنا للغلام هيأ هيأ، وهلم وتهيأ، فقال الضيف والذي أحلني ذراكم، لا لا تلمظت بقراكم، أو تضمنوا لي أن لا تتخذوني كلا، ولا تجشموا لأجلي كلاً، فرب كلةٍ هاضت الآكل وحرمته مآكل، وشر الأضياف من سام التكليف وآذى المضيف، خصوصاً إذ يتعلق بالأجسام، ويقضي إلى الأسقام، وما قيل في المثل الذي سار سائره خير العشاء سوافره إلا ليعجل التعشي ويجتنب أكل الليل الذي يعشي، اللهم إلا أن تقد نار الجوع، وتحول دون الهجوع.

    (قال) فكأنه أطلع على إرادتنا فرمى عن قوس عقيدتنا، لا جرم أنا آنسناه بالتزام الشرط، وأثنينا على خُلقه السبط، ولما أحضر الغلام، وماراج وأذكى بيننا السراج، تأملته فإذا هو أبو زيد. فقلت لِصحابي: ليهنئكم الضيف الوارد بل المغنم البارد. فإن يكن أفل قمر الشِعرى، فقد طلع قمر الشِعرا، وأستتر بدر النثرة فقد تبلج بدر النثر، فسرة حُميا المسرة فيهم، وطارت السِنة عن مآقيهم، ورفضوا الدعة التي كانو نووها، وتابوا إلى نشر الفكاهة بعد ما طووها، وأبو زيدٍ مكب على إعمال يديه، حتى إذا أسترفع ما لديه قلنا له: أطرفنا بغربية من غرائب أسمارك، وعجيبة من عجائب أسفارك؟

    فقال: لقد بلوت من العجائب ما لم يره الراؤون، ولا رواه الروون، وأن من أعجبها ما عاينته الليلة قبيل أنتيابكم ومصيري إلى بابكم.

    فأستخبرناه عن طرفة مراه في مسرح مسراه، فقال: إن مرامي الغربة لفظتني إلى هذه التربة، وأنا ذو مجاعةٍ وبؤسى وجرابٍ كفؤاد أم موسى، فنهضت حين سجى الدجى على ما بي من الوجى، لأرتاد مضيفاً أو أقتاد رقيفاً. فساقني حادي السّغب، والقضاء المكنى أبا العجب، إلى أن وقفت على باب دارٍ فقلت على بدارٍ (شعر):

    حييتم يا أهل هذا المنزل *** وعشتم في خضل عيشٍ خضل

    ما عنكم لأبن سبيلٍ مرملٍ *** نضو سرىً خابط أليل أليل

    جوى الحشى على الطوى مشتمل *** ما ذاق مذ يومين طعم مأكل

    ولا له في أرضكم موئل *** وقد دجى جنح الظلام المسبل

    وهو من الحيرة في تململ *** فهل بهذا الربع عذب المنهل

    يقول لي ألق عصاك وأدخل *** وأبشر ببشرٍ وقرىً معجل

    قال: فبرز إلي جوذر، عليه شوذر وقال (شعر):

    وحرمة الشيخ الذي سن القرى *** وأسس المحجوج في أم القرى

    ما عندنا لطارقٍ إذا عرا *** سوى الحديث والمُناخ في الذرى

    وكيف يقري من نفى عنه الكرى *** طوى برى أعظُمه لما أنبرى

    فما ترى فيما ذكرت ما ترى؟

    فقلت: ما أصنع بمنزلٍ قفرٍ ومنزلٍ حِلفِ فقرٍ، ولكن يا فتى ما أسمك فقد فتتني فهمك، فقال أسمي زيد ومنشئي فيد، ووردت هذه المدرة أمس، مع أخوالي من بني عبس.

    فقلت زدني إضاحاً زادك الله صلاحاً، عشت ونعشت. فقال: أخبرتني أمي برة، وهي كأسمها برة، أنها نكحت عام الغارة بماوان رجلاً من سراة سروج وغسان، فلما أنس منها الإثقال، وكان باقعةً على ما يقال، ظعن عنها سراً وهلم جراً، فما يعرف أحي هو فيتوقع أم أودع اللحد البلقع.

    قال أبو زيد: فعلمت بصحة العلامات أنه ولدي، وصدفني عن التعرف إليه صفر يدي، ففصلت عنه بكبد مرضوضة ودموعٍ مفضوضةٍ، فهل سمعتم ي أولي الألباب بأعجب من هذا العجاب؟

    فقالنا: أثبتوها في عجائب الأتفاق، وخلدوها في بطون الأوراق، فما سير مثلها في الآفاق.

    فأحضرنا الدواة وأساودها، ورشقنا الحكاية على ما سردها، ثم أستنبطناه عن مرتآه، في أستضمام فتاه، فقال: إذا ثقل ردني، خف علي أن أكفل أبني.

    فقلنا: أن كان يكفيك نصاب من المال، ألفناه لك في الحال. فقال: وكيف لا يقنعني نصاب، وهل يحتقر قدره إلا مصاب. (قال الراوي): فألتزم كل منا قسطاً وكتب له به رقطاً. فشكر عند ذلك الصنع وأستنفد في الثناء الوسع، حتى أننا أستطلنا القول وأستققلنا الطول، ثم أنه نشر من وشي السمر ما أزرى به محبر، إلى أن أطل التنوير وجشر الصبح المنير، فقضيناها ليلة غابت شوائبها إلى أن شابت ذوائبها، وكمل سعودها إلى أن أنفطر عودها، ولما ذر قرن الغزالة، وقال أنهض بنا لنقبض الصلات ولنستنضر الإحالات. فقد أستطارت صدوع كبدي من الحنين إلى ولدي، فوصلت جناحه حتى سنيت نجاحه، فحين أحرز العين في صرته برقت اسارير مسرته، وقال لي: جزيت خيراً عن خطا قدميك والله خليفتي عليك. فقلت: أريد أن أتعبك لأشاهد ولدك النجيب وأنافثه لكي يجيب، فنظر إلي نظرة الخادع إلى المخدوع وضحك حتى تغرغرت مقلتاه بالدموع، ثم أنشد:

    يا من تظني السراب ماءً *** لما رويت الذي رويتُ

    ما خلت أن يستسر مكري *** وأن يخيل الذي عنيت

    والله ما برة بعرسي *** ولا لي أبن به أكتنيت

    وأنما لي فنون سحرٍ *** أبدعت فيها وأقتديت

    لم يحكها الأصمعي فيما *** حكى ةلا حكاها الكميت

    تخذتها وصلة إلى ما *** تجنيه كفي متى أشتهيت

    ولو تعافيتها لحالت *** حالي ولم أحوِ ما حويت

    فمهد العذر أو فسامح *** أن كنت أجرمت أو جنيت

    ثم أنه ودعني ومضى، وأودع قلبي جمر الغضى


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    636
    Post Thanks / Like
    الحريري - المقامة الدمياطية


    أخبَرَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: ظعَنْتُ إلى دُمْياطَ. عامَ هِياطٍ ومِياطٍ. وأنا يومئِذٍ مرْموقُ الرَّخاء. موموقُ الإخاء. أسْحَبُ مَطارِفَ الثّراء. وأجْتَلي معارِفَ السّرّاء. فرافَقْتُ صَحْباً قد شَقّوا عَصا الشِّقاقِ. وارْتَضَعوا أفاوِيقَ الوِفاقِ. حتى لاحُوا كأسْنانِ المُشْطِ في الاستِواء. وكالنّفْسِ الواحِدَةِ في التِئامِ الأهْواء. وكُنّا مع ذلِك نسيرُ النّجاء. ولا نرْحَلُ إلا كُلّ هَوْجاء. وإذا نزَلْنا منزِلاً. أو وَردْنا مَنْهَلاً. اخْتلَسْنا اللُّبْثَ. ولمْ نُطِلِ المُكْثَ. فعنّ لَنا إعْمالُ الرِّكابِ. في ليلةٍ فَتيّةِ الشّبابِ. غُدافيّةِ الإهابِ. فأسرَيْنا إلى أن نَضا اللّيلُ شَبابَهُ. وسلَتَ الصّبحُ خِضابَهُ. فحينَ ملِلْنا السُرَى. ومِلْنا إلى الكَرى. صادَفْنا أرْضاً مُخضَلّةَ الرُّبا. مُعتلّةَ الصَّبا. فتخيّرْناها مُناخاً للعِيسِ. ومَحطّاً للتّعريسِ. فلمّا حلّها الخَليطُ. وهَدا بها الأطيطُ والغَطيطُ. سمِعْتُ صَيّتاً منَ الرّجالِ. يقولُ لسَميرِه في الرّحالِ: كيفَ حُكْمُ سيرَتِكَ. معَ جيلِكَ وجيرتِكَ؟ فقال: أرْعَى الجارَ. ولوْ جارَ. وأبذُلُ الوِصالَ. لمَنْ صالَ. وأحْتَمِلُ الخَليطَ. ولوْ أبْدى التّخليطَ. وأودّ الحَميمَ. ولو جرّعَني الحَميمَ. وأفضّلُ الشّفيقَ. على الشّقيقِ. وأفي للعَشيرِ. وإنْ لمْ يُكافئْ بالعَشيرِ. وأستَقِلّ الجَزيلَ. للنّزيلِ. وأغمُرُ الزّميلَ. بالجميلِ. وأنزّلُ سَميري. منزِلَةَ أميري. وأُحِلّ أنيسي. محَلّ رَئيسي. وأُودِعُ مَعارِفي. عَوارِفي. وأُولي مُرافِقي. مَرافقي. وأُلينُ مَقالي. للقالي. وأُديم تَسْآلي. عنِ السّالي. وأرْضى منَ الوَفاء. باللَّفاء. وأقْنَعُ منَ الَجزاء. بأقَلّ الأجزاء. ولا أتظلّمُ. حينَ أُظلَمُ. ولا أنْقَمُ. ولو لدَغَني الأرقَمُ. فقال لهُ صاحبُه: ويْكَ يا بُنيّ إنّما يُضَنّ بالضّنينِ. ويُنافَسُ في الثّمينِ. لكِنْ أنا لا آتي. غيرَ المُؤاتي. ولا أسِمْ العاتي. بمُراعاتي. ولا أُصافي. مَنْ يأبى إنْصافي. ولا أُواخي. مَنْ يُلْغي الأواخي. ولا أُمالي. مَنْ يُخيّبُ آمالي. ولا أُبالي بمَنْ صرَمَ حِبالي. ولا أُداري. مَنْ جهِلَ مِقداري. ولا أُعطي زِمامي. مَنْ يُخْفِرُ ذِمامي. ولا أبْذُلُ وِدادي. لأضْدادي. ولا أدَعُ إيعادي. للمُعادي. ولا أغرِسُ الأيادي. في أرضِ الأعادي. ولا أسمَحُ بمُواساتي. لمَنْ يفْرَحُ بمَساءاتي. ولا أرى التِفاتي. إلى مَن يشْمَتُ بوَفاتي. ولا أخُصّ بحِبائي. إلا أحبّائي. ولا أستَطِبّ لدائي. غيرَ أوِدّائي. ولا أمَلِّكُ خُلّتي. مَنْ لا يسُدّ خَلّتي. ولا أصَفّي نيّتي. لمَنْ يتمنّي منيّتي. ولا أُخْلِصُ دُعائي. لمَنْ لا يُفعِمُ وِعائي. ولا أُفرِغُ ثَنائي. على مَنْ يفْرغُ إنائي. ومنْ حكمَ بأنْ أبذُلَ وتخْزُنَ. وألينَ وتخْشُنَ. وأذوبَ وتجْمُدَ. وأذْكو وتخْمُدَ؟ لا واللهِ بلْ نتَوازَنُ في المَقالِ. وزْنَ المِثْقالِ. ونَتحاذَى في الفِعالِ. حذْوَ النّعالِ. حتى نأَنَ التّغابُنَ. ونُكْفى التّضاغُنَ. و إلا فلِمَ أعُلّكَ وتُعلّني. وأُقلّكَ وتستَقلّني. وأجتَرِحُ لكَ وتجرَحُني. وأسْرَحُ إليْكَ وتُسرّحُني؟ وكيف يُجْتَلَبُ إنْصافٌ بضَيْمٍ. وأنّى تُشرِقُ شمْسٌ معَ غيْمٍ؟ ومتى أُصْحِبَ وُدٌ بعَسْفٍ. وأيّ حُرّ رضيَ بخُطّةِ خسْفٍ? وللهِ أبوكَ حيثُ يقول:

    جزَيْتُ مَنْ أعـلَـقَ بـي وُدَّهُ *** جَزاءَ مَنْ يبْني عـلـى أُسّـهِ

    وكِلْتُ للخِلّ كمـا كـالَ لـي *** على وَفاء الكَيْلِ أو بخْـسِـهِ

    ولمْ أُخَـسِّـرْهُ وشَـرُّ الـوَرى *** مَنْ يوْمُهُ أخْسَرُ منْ أمْـسِـهِ

    وكلُّ منْ يطلُبُ عِندي جَـنـى *** فما لهُ إلا جَـنـى غـرْسِـهِ

    لا أبتَغي الغَبْـنَ ولا أنْـثَـنـي *** بصَفقَةِ المغْبونِ في حِـسّـهِ

    ولسْتُ بالموجِبِ حقـاً لـمَـنْ *** لا يوجِبُ الحقَّ على نفـسِـهِ

    ورُبّ مَذاقِ الهَوى خـالَـنـي *** أصْدُقُهُ الوُدّ علـى لَـبْـسِـهِ

    وما دَرى منْ جهلِـهِ أنّـنـي *** أقْضي غَريمي الدّينَ منْ جِنسِه

    فاهجُرْ منِ استَغباكَ هجرَ القِلى *** وهَبْهُ كالمَلْحودِ في رمْـسِـهِ

    والبَسْ لمَنْ في وصْلِهِ لُـبـسَةٌ *** لباسَ مَنْ يُرْغَبُ عنْ أُنـسِـهِ

    ولا تُرَجِّ الـوُدَّ مـمّـنْ يرَى *** أنّك مُحْتاجٌ إلى فَـلْـسِـهِ

    قال الحارثُ بنُ همّام: فلمّا وعَيتُ ما دارَ بينهُما. تُقْتُ إلى أن أعرِفَ عينَهُما. فلمّا لاحَ ابنُ ذُكاء. وألحَفَ الجوَّ الضّياءُ. غدَوْتُ قبلَ استِقلالِ الرّكابِ. ولا اغتِداءَ الغُرابِ. وجعلْتُ أستَقْري صوْبَ الصّوتِ اللّيْليّ. وأتوسّمُ الوُجوهَ بالنّظَر ِالجَليّ. إلى أنْ لمحْتُ أبا زيْدٍ وابنَهُ يتحادَثان. وعلَيهِما بُرْدانِ رثّانِ. فعَلِمتُ أنّهُما نجِيّا ليلَتي. ومُعْتَزَى رِوايَتي. فقَصَدْتُهُما قصْدَ كلِفٍ بدَماثَتِهِما. راثٍ لرَثاثَتِهِما. وأبَحْتُهُما التحَوّلَ إلى رحْلي. والتّحكّمَ في كُثْري وقُلّي. وطَفِقْتُ أُسيّرُ بينَ السّيّارةِ فضْلَهُما. وأهُزّ الأعْوادَ المُثمِرَةَ لهُما. إلى أنْ غُمِرا بالنُّحْلانِ. واتُّخِذا منَ الخُلاّنِ. وكُنّا بمعرَّسٍ نتبيّنُ منْهُ بُنْيانَ القُرَى. ونتنوّرُ نيرانَ القِرَى. فلمّا رأى أبو زيدٍ امتِلاءَ كِيسِهِ. وانجِلاءَ بُوسِهِ. قال لي: إنّ بدَني قدِ اتّسَخَ. ودرَني قد رسَخَ. أفتأذَنُ لي في قصْدِ قريَةٍ لأستَحمّ. وأقضيَ هذا المُهِمَّ? فقلتُ: إذا شِئْتَ فالسّرعَةَ السّرْعَهْ. والرّجعَةَ الرّجْعَهْ! فقال: ستجِدُ مطْلَعي عليْكَ. أسرَعَ منِ ارْتِدادِ طرْفِكَ إليْكَ. ثمّ استَنّ استِنانَ الجَوادِ في المِضْمارِ. وقال لابْنِهِ: بَدارِ بَدارِ! ولمْ نخَلْ أنّهُ غَرَّ. وطلَبَ المفَرّ. فلبِثْنا نرقُبُهُ رِقبَةَ الأعْيادِ. ونستَطلِعُهُ بالطّلائِعِ والرّوّادِ. إلى أنْ هَرِمَ النّهارُ. وكادَ جُرُفُ اليومِ ينْهارُ. فلمّا طالَ أمَدُ الانتِظارِ. ولاحَتِ الشمسُ في الأطْمارِ. قُلتُ لأصْحابي: قد تَناهَيْنا في المُهْلَةِ. وتمادَيْنا في الرّحلَةِ. إلى أنْ أضَعْنا الزّمانَ. وبانَ أنّ الرجُلَ قد مان. فتأهّبوا للظّعَنِ. ولا تَلْووا على خضْراء الدِّمنِ. ونَهَضْتُ لأحدِجَ راحِلَتي. وأتحمّلَ لرِحلَتي. فوجدْتُ أبا زيْدٍ قد كتبَ. على القَتَبِ:


    يا مَنْ غَدا لي ساعِـداً *** ومُساعِداً دونَ البَشَرْ

    لا تحْسَبَنْ أنّـي نـأي *** تُكَ عنْ مَلالٍ أو أشَرْ

    لكنّني مُـذْ لـمْ أزَلْ *** ممّنْ إذا طَعِمَ انتشَرْ

    قال: فأقْرَأتُ الجَماعةَ القتَبَ. ليعْذِرَهُ منْ كان عتَبَ. فأُعجِبوا بخُرافَتِه. وتعوّذوا منْ آفَتِه. ثمّ إنّا ظعَنّا. ولمْ ندْرِ منِ اعتاضَ عنّا.


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    554
    Post Thanks / Like
    اكثر من رائع مصرية
    امنى ان ارى المزيد
    وبما انك بداتى فى المقامات
    اتمنى ان ارى المقامة الحلوانية لبديع الزمان الهمزانى
    شكرا صديقتى الكريمة

    There is no word as beautiful as ALLAH . nO example as beautiful as RASULULLAH no lesson as beautiful as ISLAM no song as melodius as AZAN no charity as meaningful as ZAKAATencyclopedia as perfect as AL-QURAN no exercise as perfect as AL SALAT no dite as perfect as AL SOUM no journey as perfect as HAJJ
    I'm proud to be a Muslim
    Thanks GOD

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    636
    Post Thanks / Like

    سيء

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة noura_cute مشاهدة المشاركة
    اكثر من رائع مصرية
    امنى ان ارى المزيد
    وبما انك بداتى فى المقامات
    اتمنى ان ارى المقامة الحلوانية لبديع الزمان الهمزانى
    شكرا صديقتى الكريمة

    ان شاء الله هنزلك المقامة الحلوانية بعد ما اخلص مقامات الحريري
    واي حاجة تحتجيها في المنتدى الادبي ابقى قولي لي بس وانا اجبهالك


  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    636
    Post Thanks / Like
    الحريري - المقامة المراغية



    رَوى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: حضَرْتُ ديوانَ النّظرِ بالمَراغَةِ. وقدْ جَرى بهِ ذكْرُ البَلاغَةِ. فأجمَعَ مَنْ حضَرَ منْ فُرْسانِ اليَراعَةِ. وأرْبابِ البَراعةِ. على أنّهُ لمْ يبْقَ مَنْ يُنقّحُ الإنْشاءَ. ويتصرّفُ فيهِ كيفَ شاءَ. ولا خلَفَ. بعْدَ السّلَفِ. مَنْ يبتَدِعُ طريقةً غَرّاء. أو يفتَرِعُ رسالةً عذْراءَ. وأنّ المُفلِقَ من كُتّابِ هذا الأوانِ. المُتمكّنَ من أزِمّةِ البَيانِ. كالعِيالِ على الأوائِلِ. ولو ملَكَ فَصاحَةَ سحْبانِ وائِلٍ. وكان بالمجْلِسِ كهْلٌ جالِسٌ في الحاشيةِ. عندَ مَواقِفِ الحاشِيَةِ. فكانَ كلّما شطّ القوْمُ في شوْطِهِمْ. ونشَروا العَجْوَةَ والنّجْوَةَ منْ نوْطِهِمْ. يُنْبئ تَخازُرُ طرْفِهِ. وتشامُخُ أنفِهِ. أنّهُ مُخْرَنْبِقٌ ليَنْباعَ. ومُجْرَمِّزٌ سيَمُدّ الباعَ. ونابِضٌ يبْري النِّبالَ. ورابِضٌ يبْغي النّضالَ. فلمّا نُثِلَتِ الكَنائِنُ. وفاءتِ السّكائِنُ. وركَدَتِ الزّعازعُ. وكفّ المُنازِعُ. وسكنَتِ الزّماجِرُ. وسكتَ المزْجورُ والزّاجِرُ. أقبَلَ على الجَماعَةِ وقال: لقَدْ جئْتُمْ شيْئاً إدّاً. وجُرْتُمْ عنِ القصْدِ جِدّاً. وعظّمتُمُ العِظامَ الرُّفاتَ. وافْتَتُّمْ في المَيْلِ إلى مَنْ فات، وغمصتم جيلكم الذين فيهم لكم اللذت، معهم انعَقَدَتِ المودّاتُ. أنَسيتُمْ يا جَهابِذَةَ النّقْدِ. ومَوابِذَةَ الحَلّ والعَقْدِ. ما أبْرَزَتْهُ طَوارِفُ القَرائِحِ. وبرّزَ فيهِ الجذَعُ على القارِحِ. منَ العِباراتِ المهَدَّبَةِ. والاستِعاراتِ المُستَعْذَبَةِ. والرّسائِلِ الموشّحَةِ. والأساجيعِ المُستَمْلَحَةِ؟ وهلْ للقُدَماء إذا أنعَمَ النّظَرَ. مَنْ حضَرَ. غيرُ المَعاني المطْروقَةِ المَوارِدِ. المعْقولَةِ الشّوارِدِ. المأثورَةِ عنهُمْ لتَقادُمِ المَوالِدِ. لا لتقدُّمِ الصّادِرِ على الوارِدِ؟ وإني لأعْرِفُ الآنَ مَنْ إذا أنْشا. وشّى. وإذا عبّرَ. حبّرَ. وإنْ أسهَبَ. أذْهَبَ. وإذا أوْجَزَ. أعْجَزَ. وإنْ بَدَهَ. شدَهَ. ومتى اخْتَرَعَ. خرَعَ. فقالَ لهُ ناظورَةُ الدّيوانِ. وعينُ أولَئِكَ الأعْيانِ: مَنْ قارِعُ هذِهِ الصّفاةِ. وقَريعُ هذِهِ الصّفاتِ؟ فقال: إنّه قِرْنُ مَجالِكَ. وقَرينُ جِدالِكَ. وإذا شِئْتَ ذاكَ فرُضْ نَجيباً. وادْعُ مُجيباً. لتَرى عَجيباً. فقال لهُ: يا هَذا إنّ البُغاثَ بأرضِنا لا يَستَنْسِرُ. والتّمييزَ عندَنا بينَ الفِضّةِ والقضة متيَسِّرٌ. وقَلَّ منِ استَهدَفَ للنّضالِ. فخلّصَ منَ الدّاء العُضالِ. أوِ استَسارَ نقْعَ الامْتِحانِ. فلمْ يُقْذَ بالامتِهانِ. فلا تُعرِّضْ عِرْضَكَ للمَفاضِحِ. ولا تُعْرِضْ عنْ نَصاحَةِ النّاصِحِ. فقال: كُلُّ امرِئٍ أعْرَفُ بوسْمِ قِدْحِهِ. وسيَتَفرّى الليلُ عنْ صُبْحِهِ. فتَناجَتِ الجَماعَةُ فيما يُسْبَرُ بهِ قُلَيْبُهُ. ويُعْمَدُ فيهِ تقْليبُهُ. فقال أحدُهُمْ: ذَرُوهُ في حِصّتي. لأرْميَهُ بحَجَرِ قِصّتي. فإنّها عُضْلَةُ العُقَدِ. ومِحَكُّ المُنْتَقَدِ. فقلّدوهُ في هذا الأمْرِ الزّعامَةَ. تقْليدَ الخوارِجِ أبا نَعامَةَ. فأقْبَلَ على الكهْلِ وقالَ: اعْلَمْ أني أُوالي. هذا الوالي. وأُرَقّحُ حالي. بالبَيانِ الحالي. وكُنْتُ أستَعينُ على تقْويمِ أوَدي. في بلَدي. بسَعَةِ ذاتِ يَدي. معَ قِلّةِ عدَدي. فلمّا ثَقُلَ حاذي. ونفِدَ رَذاذي. أمّمْتُهُ منْ أرْجائي. برَجائي. ودعوْتُهُ لإعادَةِ رُوائي وإرْوائي. فهَشّ للوِفادَةِ وراحَ. وغَدا بالإفادَةِ وراحَ. فلمّا استأذَنْتُهُ في المَراحِ. إلى المُراحِ. على كاهِلِ المِراحِ. قال: قدْ أزْمَعْتُ أنْ لا أزوّدَكَ بَتاتاً. ولا أجْمعَ لكَ شَتاتاً. أو تُنْشِئَ لي أمامَ ارتِحالِكَ. رِسالَةً تودِعُها شرْحَ حالِكَ. حُروفُ إحْدى كلِمتَيْها يعُمّها النَّقْطُ. وحُروفُ الأخْرى لمْ يُعْجَمْنَ قطّ. وقدِ استأنَيْتُ بَياني حَوْلاً. فَما أحارَ قوْلاً. ونَبَهْتُ فِكْري سَنَةً. فما ازْدادَ إلا سِنَةً. واستَعَنْتُ بقاطِبَةِ الكُتّابِ. فكلٌ منْهُمْ قطّبَ وتابَ. فإنْ كُنتَ صدَعْتَ عنْ وصْفِكَ باليَقينِ. فأتِ بآيَةٍ إنْ كُنتَ منَ الصّادِقين. فقال لهُ: لقَدِ استَسْعَيْتَ يَعْبوباً. واستَسْقَيْتَ أُسْكوباً. وأعطَيْتَ القوْسَ بارِيَها. أسْكَنْتَ الدّارَ ثانِيَها. ثمّ فكّرَ ريثَما اسْتَجَمّ قريحَتَهُ. واستَدَرّ لَقْحَتَهُ. وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ. وخُذْ أداتَكَ واكتُبْ:اسْتَجَمّ قريحَتَهُ. واستَدَرّ لَقْحَتَهُ. وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ. وخُذْ أداتَكَ واكتُبْ: الكرَمُ ثبّتَ اللهُ جيْشَ سُعودِكَ يَزينُ. واللّؤمُ غَضّ الدّهرُ جَفْنَ حَسودِكَ يَشينُ. والأرْوَعُ يُثيبُ. والمُعْوِرُ يَخيبُ. والحُلاحِلُ يُضيفُ. والماحِلُ يُخيفُ. والسّمْحُ يُغْذي. والمَحْكُ يُقذي. والعطاء ينجي والمطال يشجي، والدعاء يفي والمدح ينقي والحُرُّ يَجْزي. والإلْطاطُ يُخْزي. واطّراحُ ذي الحُرْمَةِ غَيٌ. ومَحْرَمَةُ بَني الآمالِ بغْيٌ. وما ضنّ إلا غَبينٌ. ولا غُبِنَ إلا ضَنينٌ. ولا خزَنَ إلا شَقيٌ. ولا قبَضَ راحَهُ تقيٌ. وما فتئ وعدُك يَفي. وآراؤكَ تَشْفي. وهِلالُكَ يُضي. وحِلْمُك يُغْضي. وآلاؤكَ تُغْني. وأعداؤكَ تُثْني. وحُسامُك يُفْني. وسؤدَدُكَ يُقْني. ومُواصِلُكَ يجْتَني. ومادِحُك يقْتَني. وسماحُكَ يُغيثُ. وسماؤكَ تَغيثُ. ودرُّكَ يَفيضُ. وردُّكَ يَغيضُ. ومؤمِّلُكَ شيْخٌ حَكاهُ فَيْءٌ. ولمْ يبْقَ لهُ شيءٌ. أمّكَ بظَنٍ حِرصُهُ يثِبُ. ومدَحَكَ بنُخَبٍ. مُهورُها تجِبُ. ومَرامُهُ يخِفُّ. وأواصِرُهُ تشِفُّ. وإطْراؤهُ يُجْتَذَبُ. وملامُهُ يُجتَنَبُ. وورَاءهُ ضَفَفٌ. مَسّهُمْ شظَفٌ. وحصّهُمْ جنَفٌ. وعمّهُمْ قشَفٌ. وهوَ في دمْعٍ يُجيبُ. وولَهٍ يُذيبُ. وهَمٍّ تَضيّفَ. وكمَدٍ نيّفَ. لمأمولٍ خيّبَ. وإهْمالٍ شيّبَ. وعدوٍّ نَيّبَ. وهُدُوٍّ تغيّبَ. ولمْ يزِغْ ودُّهُ فيغْضَبَ. ولا خَبُثَ عودُهُ فيُقْضَبَ. ولا نفَثَ صدْرُهُ فيُنْفَضَ. ولا نشَزَ وصْلُهُ فيُبْغَضَ. وما يقْتَضي كرَمُكَ نبْذَ حُرَمِهِ. فبيِّضْ أمَلَهُ بتَخْفيفِ ألَمِهِ. ينُثّ حمدَكَ بينَ عالَمِهِ. بقيتَ لإماطَةِ شجَبٍ. وإعْطاءِ نشَبٍ. ومُداواةِ شجَنٍ. ومُراعاةِ يفَنٍ. موصولاً بخَفْضٍ. وسُرورٍ غَضٍّ. ما غُشِيَ معْهَدُ غنيٍّ. أو خُشِيَ وهْمُ غبيٍّ. والسّلامُ. فلمّا فرَغَ منْ إمْلاءِ رِسالَتِهِ. وجلّى في هَيْجاء البَلاغَةِ عنْ بَسالَتِهِ. أرضَتْهُ الجماعَةُ فِعْلاً وقوْلاً. وأوْسَعَتْهُ حَفاوَةً وطَوْلاً. ثمّ سُئِلَ منْ أيّ الشّعوبِ نِجارُهُ. وفي أيّ الشِّعابِ وِجارُهُ؟ فقال:

    غسّانُ أُسرَتيَ الصّـمـيمَـهْ *** وسُروجُ تُرْبَتي القَـديمَـهْ

    فالبَيتُ مثلُ الـشّـمْـسِ إشْـ *** راقاً ومنـزِلَةً جـسـيمَـهْ

    والرّبْعُ كالـفِـرْدَوْسِ مـطْ *** يَبَةً ومَـنْـزَهَةً وقـيمَـهْ

    واهـاً لـعـيْشٍ كـانَ لـي *** فيهـا ولـذّآتٍ عَـمـيمَـهْ

    أيّامَ أسْحَـبُ مُـطْـرَفـي *** في روضِها ماضي العَزيمَهْ

    أخْتالُ فـي بُـردِ الـشّـبـا *** بِ وأجْتَلي النِّعَمَ الوَسيمَـهْ

    لا أتّـقـي نُـوَبَ الـزّمـا *** نِ ولا حَوادِثَهُ المُـلـيمَـهْ

    فلوَ انّ كـرْبـاً مُـتْـلِـفٌ *** لَتَلِفْتُ منْ كُرَبي المُقـيمَـهْ

    أو يُفْتَدَى عـيْشٌ مـضـى *** لفدَتْهُ مُهجَتيَ الـكَـريمَـهْ

    فالموْتُ خـيرٌ لـلـفـتـى *** منْ عيشِهِ عيْشَ البَهـيمَـهْ

    تقْـتـادُهُ بُـرَةُ الـصَّـغـا *** رِ إلى العظيمَةِ والهضيمَـهْ

    ويرَى السّباعَ تَـنـوشُـهـا *** أيْدي الضّباعِ المُستَضيمَـهْ

    والـذّئبُ لــلأيّامِ لـــوْ *** لا شُؤمُها لمْ تنْبُ شـيمَـهْ

    ولوِ استَقامَـتْ كـانـتِ الـ *** أحوالُ فيها مُسـتَـقـيمَـهْ



    ثمّ إنّ خبَرَه نَما إلى الوالي. فمَلأ فاهُ باللآلي. وسامَهُ أن ينضَويَ إلى أحشائِهِ. ويَليَ ديوانَ إنْشائِهِ. فأحْسَبَهُ الحِباءُ. وظلَفَهُ عنِ الوِلايَةِ الإباءُ. قال الراوي: وكُنتُ عرَفْتُ عُودَ شجَرَتِه. قبلَ إيناعِ ثمرَتِهِ. وكِدْتُ أنبّهُ على عُلوّ قدْرِهِ. قبلَ استِنارَةِ بدْرِهِ. فأوْحى إليّ بإيماضِ جفْنِهِ. أن لا أجرِّدَ عضْبَهُ منْ جفْنِهِ. فلمّا خرَجَ بَطينَ الخُرْجِ. وفصَلَ فائِزاً بالفُلْجِ. شيّعْتُهُ قاضِياً حقّ الرّعايَةِ. ولاحِياً لهُ على رفْضِ الوِلايَةِ. فأعْرَضَ مُتَبَسّماً. وأنْشَدَ مترنّماً:


    لَجَوْبُ البِلادِ معَ المَتْرَبَـهْ *** أحَبُّ إليّ منَ المرْتَـبَـهْ

    لأنّ الوُلاةَ لـهُـمْ نَـبـوَةٌ *** ومعْتَبَةٌ يا لَها مَعْـتَـبَـهْ

    ومافيهمِ مَنْ يرُبُّ الصّنيعَ *** ولا مَنْ يُشيِّدُ ما رتّـبَـهْ

    فلا يخدَعنْكَ لَموعُ السّرابِ *** ولا تأتِ أمْراً إذا ما اشْتبَهْ

    فكَمْ حالِمٍ سرّهُ حُـلْـمُـهُ *** وأدرَكَهُ الرّوْعُ لمّا انْتبَـهْ



  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    636
    Post Thanks / Like
    الحريري - المقامة البرقعيدية


    حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: أزْمَعْتُ الشّخوصَ منْ بَرْقَعيدَ. وقد شِمْتُ برْقَ عِيدٍ. فكرِهتُ الرّحلةَ عنْ تلكَ المَدينَةِ. أو أشهَدَ بها يوْمَ الزّينَةِ. فلمّا أظَلّ بفَرْضِهِ ونفْلِهِ. وأجْلَبَ بخَيْلِهِ ورَجْلِهِ. اتّبَعْتُ السُنّةَ في لُبسِ الجَديدِ. وبرَزْتُ معَ مَنْ برَزَ للتّعييدِ. وحينَ التَأمَ جمْعُ المُصَلّى وانْتَظَمَ. وأخذَ الزِّحامُ بالكَظَمِ. طلَعَ شيخٌ في شمْلَتَينِ. محْجوبُ المُقلتَيْنِ. وقدِ اعْتَضَدَ شِبْهُ المِخْلاةِ. واسْتَقادَ لعَجوزٍ كالسِّعْلاةِ. فوقَفَ وِقْفَة مُتهافِتٍ. وحيّا تحيّةَ خافِتٍ. ولمّا فرَغَ منْ دُعائِهِ. أجالَ خَمْسَهُ في وِعائِهِ. فأبْرَزَ منْهُ رِقاعاً قدْ كُتِبنَ بألوانِ الأصْباغِ. في أوانِ الفَراغِ. فناوَلَهُنّ عَجوزَهُ الحَيْزَبونَ. وأمرَها بأنْ تتوسّمَ الزَّبونَ. فمَنْ آنسَتْ نَدى يدَيْهِ. ألْقَتْ ورَقَةً منهُنّ لدَيْهِ. فأتاحَ ليَ القدَرُ المعْتوبُ. رُقْعَةً فيها مكْتوبٌ:

    لقَدْ أصبَحْتُ موقـوذاً *** بأوجـاعٍ وأوْجــالِ

    ومَمْنُواً بمُـخْـتـالٍ *** ومُحْتالٍ ومُغْـتـالِ

    وخَوّانٍ مـنَ الإخْـوا *** نِ قالٍ لي لإقْلالـي

    وإعْمالٍ منَ العُـمّـا *** لِ في تضْليعِ أعْمالي

    فكمْ أُصْلي بـإذحـالٍ *** وإمْحالٍ وتـرْحـالِ

    وكَمْ أخْطِرُ في بـالٍ *** ولا أخْطُرُ في بـالِ

    فلَيْتَ الدّهْرَ لمّا جـا *** رَ أطْفا ليَ أطْفالـي

    فلَـوْلا أنّ أشْـبــا *** ليَ أغْلالي وأعْلالي

    لَما جهّزْتُ آمـالـي *** إلى آلٍ ولا والـي

    ولا جـرّرْتُ أذْيالـي *** على مَسْحَبِ إذْلالي

    فمِحْرابيَ أحْرَى بـي *** وأسْماليَ أسْمَى لـي

    فهلْ حُرٌ يَرى تخْفـي *** فَ أثْقالي بمِثْـقـالِ

    ويُطْفي حَرَّ بَلْبـالـي *** بسِرْبـالٍ وسِـرْوالِ

    قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلما استَعْرَضْتُ حُلةَ الأبْياتِ تُقْتُ إلى معرِفَةِ مُلْحِمِها. وراقِمِ علَمِها. فناجاني الفِكْرُ بأنّ الوُصْلَةَ إلَيْهِ العَجوزُ. وأفْتاني بأنّ حُلوانَ المُعرِّفِ يَجوزُ. فرَصَدْتُها وهيَ تستَقْري الصّفوفَ صَفّاً صَفاً. وتستَوكِفُ الأكُفَّ كفّاً كفاً. وما إنْ ينْجَحُ له عَناءٌ. ولا يرْشَحُ على يدِها إناءٌ. فلما أكْدى استِعْطافُها. وكدّها مَطافُها. عاذَتْ بالاسْتِرْجاعِ. ومالَتْ إلى إرجاعِ الرِّقاعِ. وأنْساها الشيْطانُ ذِكْرَ رُقْعَتي. فلمْ تعُجْ إلى بُقْعَتي. وآلَتْ إلى الشيْخِ باكيةً للحِرْمانِ. شاكِيةً تحامُلَ الزّمانِ. فقالَ: إنّا للهِ. وأفوّضُ أمْري إلى اللهِ. ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلا باللهِ. ثمّ أنْشَدَ:


    لمْ يبْقَ صافٍ ولا مُصافٍ *** ولا مَعينٌ ولا مُـعـينُ

    وفي المَساوي بَدا التّساوي *** فلا أمـينٌ ولا ثَـمـينُ


    ثم قال لها: مَنّي النّفْسَ وعِديها. واجْمَعي الرِّقاعَ وعُدّيها. فقالَتْ: لقدْ عدَدْتُها. لمّا استَعَدْتُها. فوجَدْتُ يدَ الضّياعِ. قد غالَتْ إحْدى الرِّقاعِ. فقال: تعْساً لكِ يا لَكاعِ! أنُحْرَمُ ويْحَكِ القنَصَ والحِبالَةَ. والقَبَسَ والذُبالةَ؟ إنّها لضِغْثٌ على إبّالَةٍ! فانْصاعَتْ تقْتَصّ مَدْرَجَها. وتَنْشُدُ مُدْرَجَها. فلمّا دانَتْني قرَنْتُ بالرُقعَةِ. دِرْهَماً وقِطْعَةً. وقلتُ لها: إنْ رَغِبتِ في المَشوفِ المُعْلَمِ. وأشَرْتُ إلى الدّرهَمِ. فَبوحي بالسّرّ المُبهَمِ. وإنْ أبَيْتِ أنْ تشْرَحي. فخُذي القِطعَةَ واسرَحي. فمالَتْ إلى استِخْلاصِ البدْرِ التِّمّ . والأبلَجِ الهِمّ. وقالتْ: دعْ جِدالَكَ. وسَلْ عمّا بَدا لَكَ. فاستَطْلَعْتُها طِلْعَ الشّيخٍ وبَلْدَتِهِ. والشِّعْرِ وناسِجِ بُرْدَتِه. فقالَتْ: إنّ الشيخَ من أهلِ سَروجَ. وهوَ الذي وشّى الشّعرَ المَنسوجَ. ثمّ خَطِفَتِ الدّرْهمَ خَطفَةَ الباشِقِ. ومرَقَتْ مُروقَ السّهْمِ الرّاشِقِ. فخالَجَ قلْبي أنّ أبا زيْدٍ هوَ المُشارُ إليْهِ. وتأجّجَ كرْبي لمُصابِهِ بناظِرَيْهِ. وآثرْتُ أنْ أُفاجِيهِ وأناجيهِ. لأعْجُمَ عودَ فِراسَتي فيه. وما كُنتُ لأصِلَ إليْهِ إلا بتَخطّي رِقابِ الجمْعِ. المَنْهيّ عنْهُ في الشّرْعِ. وعِفْتُ أنْ يتأذّى بي قوْمٌ. أو يسْري إليّ لوْمٌ. فسَدِكْتُ بمَكاني. وجعلْتُ شخْصَهُ قيْدَ عِياني. إلى أنِ انْقضَتِ الخُطبَةُ. وحقّتِ الوثْبَةُ. فخفَفْتُ إليْهِ. وتوسّمْتُهُ على التِحامِ جَفنَيْهِ. فإذا ألمَعيّتي ألمَعيّةُ ابنِ عبّاسٍ. وفِراسَتي فِراسَةُ إياسٍ. فعرّفتُهُ حينَئِذٍ شخْصي. وآثَرْتُه بأحَدِ قُمْصي. وأهَبْتُ بهِ إلى قُرْصي. فهشّ لعارِفَتي وعِرْفاني. ولبّى دعْوَةَ رُغْفاني. وانْطَلَقَ ويَدي زِمامُهُ. وظلّي إمامُهُ. والعجوزُ ثالثَةُ الأثافي. والرّقيبُ الذي لا يَخْفَى عليْهِ خافي. فلمّا استَحْلَسَ وُكْنَتي. وأحضَرْتُهُ عُجالَةَ مُكْنَتي. قال لي: يا حارِثُ. أمَعَنا ثالِثٌ؟ فقلتُ: ليسَ إلا العَجوزُ. قال: ما دونَها سِرٌ محْجوزٌ. ثمّ فتَحَ كريمَتَيْهِ. ورأرَأ بتوْأمَتَيهِ. فإذا سِراجا وجْهِهِ يقِدانِ. كأنّهُما الفَرْقَدانِ. فابْتَهَجْتُ بسَلامَةِ بصَرِهِ. وعجِبْتُ منْ غَرائِبِ سِيَرِهِ. ولمْ يُلْقِني قَرارٌ. ولا طاوَعَني اصْطِبارٌ. حتى سألْتُهُ: ما دَعاكَ إلى التّعامي. معَ سيرِكَ في المَعامي. وجوْبِكَ المَوامي. وإيغالِكَ في المَرامي؟ فتَظاهَرَ باللُّكْنَةِ. وتشاغَلَ باللُّهْنَةِ. حتى إذا قَضى وطَرَهُ. أتْأرَ إليّ نظَرَهُ. وأنشَدَ:

    ولمّا تَعامى الدّهرُ وهْوَ أبو الوَرى *** عنِ الرُشْدِ في أنحائِهِ ومقاصِـدِهْ

    تعامَيتُ حى قيلَ إني أخو عَـمًـى *** ولا غَرْوَ أن يحذو الفتى حَذوَ والِدهْ

    ثمّ قال لي: انْهَضْ إلى المُخدَعِ فأتِني بغَسولٍ يَروقُ الطّرْفَ. ويُنْقي الكَفَّ. وينعِّمُ البَشَرةَ. ويُعطِّرُ النّكهَةَ. ويشُدّ اللّثَةَ. ويقوّي المَعِدَةَ. ولْيَكُنْ نَظيفَ الظَّرْفِ. أريجَ العَرْفِ. فتيَّ الدّقِّ. ناعِمَ السّحْقِ. يحسَبُهُ اللاّمِسُ ذَروراً. ويَخالُهُ الناشِقُ كافوراً. واقْرُنْ بهِ خِلالَةً نقيّةَ الأصْلِ. محبوبَةَ الوصْلِ. أنيقَةَ الشّكلِ. مَدْعاةً إلى الأكْلِ. لها نَحافَةُ الصّبّ. وصَقالَةُ العَضْبِ. وآلَةُ الحرْبِ. ولُدونَةُ الغُصْنِ الرّطْبِ. قال: فنَهضْتُ فيما أمَرَ. لأدْرَأَ عنْهُ الغَمَرَ. ولمْ أهِمْ إلى أنّهُ قصَدَ أنْ يَخْدَعَ. بإدْخاليَ المُخدَعَ. ولا تظنّيْتُ أنّهُ سخِرَ منَ الرّسولِ. في استِدْعاء الخِلالَةِ والغَسولِ. فلمّا عُدْتُ بالمُلتَمَسِ. في أقرَبَ منْ رجْعِ النّفَسِ. وجدْتُ الجوّ قدْ خَلا. والشيْخَ والشيْخَةَ قد أجْفَلا. فاستَشَطْتُ منْ مَكْرِهِ غضَباً. وأوْغَلتُ في إثْرِهِ طلَباً. فكانَ كمَنْ قُمِسَ في الماء. أو عُرِجَ بهِ إلى عَنانِ السّماء.


  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    636
    Post Thanks / Like
    الحريري - المقامة المعرية



    أخبرَ الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: رأيتُ منْ أعاجيبِ الزّمانِ. أن تقدّم خَصْمانِ. إلى قاضي مَعرّةِ النّعمانِ. أحدُهُما قدْ ذهَبَ منْهُ الأطْيَبانِ. والآخَرُ كأنّهُ قَضيبُ البانِ. فقال الشيخُ: أيّدَ اللهُ القاضيَ. كما أيّدَ بهِ المُتقاضيَ. إنّهُ كانَتْ لي مَمْلوكَةٌ رَشِقَةُ القدّ. أسيلَةُ الخدّ. صَبورٌ على الكدّ. تخُبّ أحْياناً كالنّهْدِ. وترقُدُ أطْواراً في المهْدِ. وتجِدُ في تمّوزَ مَسَّ البَرْدِ. ذاتُ عقْلٍ وعِنانٍ. وحدٍ وسِنانٍ. وكفٍّ ببَنانٍ. وفمٍ بلا أسْنانٍ. تلْدَغُ بلِسانٍ نَضْناضٍ. وترْفُلُ في ذيْلٍ فضْفاضٍ. وتُجْلى في سَوادٍ وبَياضٍ. وتُسْقَى ولكِنْ منْ غيرِ حِياضٍ. ناصِحَةٌ خُدَعَةٌ. خُبَأةٌ طُلَعَةٌ. مطْبوعَةٌ على المنفَعَةِ. ومطْواعَةٌ في الضّيقِ والسَّعَةِ. إذا قطَعَتْ وصَلَتْ. ومتى فصَلتَها عنْكَ انفَصَلَتْ. وطالَما خدَمَتْكَ فجمّلَتْ. وربّما جنَتْ عليْكَ فآلَمَتْ وملْمَلَتْ. وإنّ هذا الفَتى استَخْدَمَنيها لغرَضٍ. فأخْدَمْتُهُ إيّاها بِلا عِوَضٍ. على أن يجْتَنيَ نفْعَها. ولا يُكلّفَها إلا وُسْعَه. فأوْلَجَ فيها مَتاعَهُ. وأطالَ بها استِمْتاعَهُ. ثم أعادَها إليّ وقدْ أفْضاها. وبذَلَ عنْها قيمَةً لا أرضاها. فقال الحَدَثُ: أمّا الشيخُ فأصدَقُ منَ القَطا. وأما الإفْضاءُ ففَرَطَ عنْ خَطا. وقدْ رهَنْتُهُ. عن أرْشِ ما أوْهَنْتُهُ. ممْلوكاً لي مُتناسِبَ الطّرَفَينِ. مُنتَسِباً إلى القَينِ. نقِيّاً منَ الدّرَنِ والشَّينِ. يُقارِنُ محلُّهُ سَوادَ العينِ. يُفْشي الإحْسانَ. ويُنْشي الاسْتِحْسانَ. ويُغْذي الإنْسانَ. ويتَحامَى اللّسانَ. إنْ سُوّدَ جادَ. أو وَسَمَ أجادَ. وإذا زُوّدَ وَهَبَ الزّادَ. ومَتى اسْتُزيدَ زادَ. لا يستَقِرّ بمَغْنى. وقلّما ينكِحُ إلا مَثْنى. يسْخو بمَوجودِه. ويسْمو عندَ جودِهِ. وينْقادُ معَ قَرينَتِهِ. وإنْ لمْ تكنْ منْ طينَتِهِ. ويُستَمْتَعُ بزينَتِهِ. وإنْ لمْ يُطْمَعْ في لينَتِه. فقال لهُما القاضي: إمّا أن تُبينا. وإلا فَينا.فابْتَدَر الغُلامُ وقال:


    أعارني إبرَةً لأرفـوَ أطْـمـا *** راً عَفاها البِلـى وسـوّدَهـا

    فانخرَمَتْ في يَدي على خطَـإٍ *** منّيَ لمّا جذَبْتُ مِـقـوَدَهـا

    فلمْ ير الشيخُ أن يُسامِحَـنـي *** بإرْشِـهـا إذْ رأى تـأوُّدَهـا

    بلْ قال هاتِ إبرَةً تُماثِـلُـهـا *** أو قيمَةً بعْدَ أن تـجـوّدَهـا

    واعْتاقَ ميلي رَهْناً لـدَيْهِ ونـا *** هيكَ بـه سُـبّةً تَـزوّدَهــا

    فالعينُ مَرْهَى لرَهْـنِـه ويدي *** تقصُرُ عنْ أن تفُكّ مِروَدَهـا

    فاسبُرْ بذا الشّرْحِ غوْرَ مسكَنتي *** وارْثِ لمنْ لم يكُنْ تعـوّدَهـا


    فأقبلَ القاضي على الشيخِ وقال: إيهٍ. بغَيرِ تمْويهٍ! فقال:

    أقسَمْتُ بالمَشْعَرِ الحَرامِ ومنْ *** ضمّ منَ الناسِكينَ خَيْفُ مِنى

    لوْ ساعَفَتْني الأيّامُ لمْ يرَنـي *** مُرتَهِناً مِيلَهُ الذي رَهَـنـا

    ولا تصدّيتُ أبتَـغـي بـدَلاً *** منْ إبرَةٍ غالَها ولا ثَمَـنـا

    لكِنّ قوْسَ الخُطوبِ ترْشِقُني *** بمُصْمِياتٍ منْ هاهُنا وهُنـا

    وخُبْرُ حالي كخُبْرِ حالـتِـهِ *** ضُرّاً وبؤساً وغُربَةً وضَنى

    قد عدَلَ الدهْرُ بينَنـا فـأنـا *** نظيرُهُ في الشّقاء وهْوَ أنـا

    لا هُوَ يسْطيعُ فـكّ مِـروَدِهِ *** لمّا غدا في يَدَيّ مُرتَهَـنـا

    ولا مَجالي لِضيقِ ذاتِ يَدي *** فيهِ اتّساعٌ للعَفْوِ حينَ جَنـى

    فهَذِهِ قصّتـي وقـصّـتُـه *** فانْظُرْ إلَيْنا وبينَنـا ولَـنـا


    فلمّا وعَى القاضي قَصَصهُما. وتبيّنَ خَصاصَتَهُما وتخَصُّصَهُما. أبرَزَ لهُما ديناراً منْ تحْتِ مُصَلاُّه. وقال لهُما: اقْطَعا بهِ الخِصامَ وافِصلاهُ. فتلقّفَهُ الشيخُ دونَ الحدَثِ. واستَخلَصَهُ على وجهِ الجِدِّ لا العبَثِ. وقال للحدَثِ: نِصْفُه لي بسَهْمِ مَبَرّتي. وسهْمُكَ لي عنْ أرْشِ إبْرَتي. ولستُ عنِ الحقّ أميلُ. فقُمْ وخُذِ الميلَ. فعَرا الحدَثَ لما حدثَ اكتِئابٌ. واكفَهَرّ على سَمائِهِ سَحابٌ. وجَمَ لهُ القاضي. وهيّجَ أسَفَهُ على الدّينارِ الماضي. إلا أنّهُ جبَرَ بالَ الفتَى وبَلْبالَهُ. بدُرَيْهِماتٍ رضَخَ بها له. وقال لهُما: اجْتَنِبا المُعامَلاتِ. وادْرآ المُخاصَماتِ. ولا تحْضُراني في المُحاكَماتِ. فما عِندي كيسُ الغَراماتِ. فنَهَضا منْ عِنْدِه. فرِحَينَ برِفْدِه. مُفصِحَينِ بحَمدِه. والقاضي ما يخْبو ضجَرُهُ. مُذْ بضَّ حجَرُهُ. ولا ينْصُلُ كمدُه. مُذْ رشَحَ جَلمَدُهُ. حتى إذا أفاقَ منْ غشيَتِه. أقبلَ على غاشِيَتِه. وقال: قدْ أُشرِبَ حِسّي. ونبّزني حدْسي. أنهُما صاحِبا دَهاء. لا خَصْما ادّعاء. فكيفَ السّبيلُ إلى سبرِهِما. واستِنْباطِ سرّهِما؟ فقال له نِحْريرُ زُمرَتِه. وشِرارَةُ جَمرَتِه: إنّه لنْ يتِمّ استِخراجُ خَبْئِهِما. إلا بهِما. فقَفّاهُما عَوْناً يُرْجِعُهُما إليْهِ. فلمّا مَثَلا بينَ يدَيهِ. قالَ لهُما: اصْدُقاني سِنّ بَكْرِكُما. ولكُما الأمانُ منْ تبِعَةِ مَكْرِكُما. فأحْجَمَ الحدَثُ واسْتقالَ. وأقدَمَ الشيخُ وقال:


    أنا السَّروجـيُّ وهـذا ولَـدي *** والشّبْلُ في المَخْبَرِ مثلُ الأسَدِ

    ومـا تـعــدّتْ يدُهُ ولا يَدي *** في إبرَةٍ يوْماً ولا في مِـرْوَدِ

    وإنّما الدهرُ المُسيءُ المُعْتَـدي *** مالَ بِنا حتى غدَوْناً نجْـتَـدي

    كلَّ نَدي الرّاحةِ عذْبِ المَـوْرِدِ *** وكلَّ جعْدِ الكفّ مغْلولَ الـيَدِ

    بكُلّ فنٍ وبـكـلّ مـقْـصَـدِ *** بالجِدّ إنْ أجْـدَى وإلاّ بـالـدَّدِ

    لنَجلِبَ الرّشْحَ إلى الحظّ الصّدي *** ونُنْفِدَ العُمْرَ بـعـيشٍ أنْـكَـدِ

    والموتُ منْ بعْدُ لَنا بالمَرصَـدِ *** إنْ لمْ يُفاجِ اليومَ فاجَى في غَدِ

    فقال لهُ القاضي: للهِ دَرُّكَ فما أعذَبَ نفَثاتِ فيكَ. وواهاً لكَ لوْلا خِداعٌ فيكَ! وإني لكَ لمِنَ المُنْذِرِينَ. وعليْكَ منَ الحَذِرينَ. فلا تُماكِرْ بعْدَها الحاكِمينَ. واتّقِ سَطْوَةَ المُتحكّمينَ. فما كُلّ مُسيْطِرٍ يُقيلُ. ولا كُلّ أوانٍ يُسْمَعُ القِيلُ. فعاهَدَهُ الشيخُ على اتّباعِ مَشورَتِه. والارْتِداعِ عن تلْبيسِ صورتِهِ. وفصَلَ عن جِهتِهِ. والختْرُ يلمَعُ من جبهتِهِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمْ أرَ أعجَبَ منْها في تصاريفِ الأسْفارِ. ولا قرَأتُ مِثلَه في تصانيفِ الأسْفارِ


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •