8 مايو
  23 ينويو 2014 د.رزق الريس - ينتهى فى 8/9
النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: مبدأ المشروعية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    1
    Post Thanks / Like

    ميزان مبدأ المشروعية

    مبدأ المشروعية
    Le principe de la légalité




    المقدمة

    العمل المشروع هو الموافق للقانون في دولة ما أيّا من كان القائم به، و بالتالي فإن احترام المشروعية في مجتمع ما أو دولة ما يقصد بها خضوع التصرفات و السلوكيات إلى قواعد قانونية عامة تسري على كافة الأفراد ، و يكون هذا المسلك مِمّا يدعم كيان الدولة و يساعد على تطور المجتمع في جو من الأمن الاجتماعي.
    و الحضارات البشرية تتباهى بما يسودها من عدل و مشروعية وتفتخر بتطبيق قوانينها على الكافة دون تمييز سواء كانوا حكاما أو محكومين .
    و المتتبع لتطور المجتمعات يلاحظ أن تطبيق القوانين في مختلف الحضارات و الشعوب إنما كان يقتصر على المحكومين فقط ، بل على البعض منهم فقط لأن أصحاب النفوذ ( السياسي أو الديني أو المالي ) كانوا فوق القانون ، و كان الحكام يعتبرون أنفسهم لا يُخطئون فلا يقدمون حسابا على أعمالهم لأيٍّ كان سواء للشعب أو لأية سلطة كانت ، و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ يقول:
    )أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ , وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ , وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا(.

    و مع تطور البشرية توسَّعَ مفهوم المشروعية ليَطـَال الحُكام والمحكومين على حدّ سواء ، و أصبح معيار تصنيف الدول حاليا هو مدى خضوع الحكام لمبادئ القانون بمفهومه الواسع ، فهناك دول يسود فيها خضوع الحكام للشرعية فتـُسمى دولا ديمقراطية ، وفي مقابلها هناك الأنظمة المستبدة ( الديكتاتورية ) التي ترفض خضوع حكامها للقانون .
    و حتى في الدول المصنفة على أنها ديمقراطية فإن الأمور نسبية فقط أمام الأساليب المستعملة سرًّا وعلانية للمراوغة وتحاشي تطبيق القانون تحت ذرائع ذات صبغة قانونية ( كالاستثناءات والقوانين الخاصة ) أو بأساليب غير مشروعة لا تـُعَد و لا تُحْصَى ( كاستغلال النفوذ و الرشوة والضغوط المختلفة ...) .
    المدلول القانوني للمبدأ :

    و من الناحية النظرية يرى فقهاء القانون الإداري أن دراسة القضاء الإداري كلـّه تنطلق من دراسة مبدأ المشروعية أي مبدأ سيادة القانون لأن القضاء الإداري إنما يهدف إلى مراقبة مدى مطابقة تصرفات الإدارة ( السلطة التنفيذية ) للقانون .
    و يُعرفه الدكتور محمد رفعت عبد الوهاب [1] بأنه " يعني بوجه عام سيادة أحكام القانون في الدولة، بحيث تعلو أحكامه وقواعده فوق كل إرادة سواء إرادة الحاكم أو المحكوم ".
    أي أن على السلطات الإدارية عند اتخاذها أي قرار أن تلتزم بالقانون بمفهومه الواسع، سواء كان ذلك بمناسبة إصدارها لقرارات فردية أو تنظيمية أو عند إبرامها للعقود، و بذلك فمبدأ المشروعية هو القيد الذي يحد و ينظم سلطات الإدارة و صلاحياتها الواسعة و هو مطابق من حيث المعنى لمصطلح دولة القانون.
    و النظام القانوني المطلوب خضوع تصرفاتِ الإدارةِ له يشمل مجموع القواعد القانونية في الدولة فهو يتضمن :
    ü الدستور و القوانين الدستورية Constitutionet loisconstitutionnelles.
    ü المعاهدات الدولية Lestraités internationauxالتي تتم المصادقة عليها من طرف الدولة.
    ü القانون Leslois( و مجاله محدد في الدستور، فهو محدد على سبيل الحصر في الدستور الجزائري في المواد 122 و 123 منه )[2].
    ü التنظيم ( اللوائح Règlements ) بمفهومه الواسع، و مجاله هو تنفيذ القوانين و أيضا المواضيع غير المخصصة للقانون بموجب الدستور (المادة 125 من الدستور الجزائري ).
    ü العرف Lacoutume، و هو موضوع جدل و خلاف فقهي .
    ü المبادئ العامة للقانون Les principes généraux du droit ، و هي مجموعة مبادئ ليست محددة في نصوص معينة و لكن القضاء يعتبر أن على الإدارة احترامها و إلا كان تصرفها مخالفا للشرعية ، و قد ظهر هذا الاتجاه لدى مجلس الدولة بعد الحرب العالمية الثانية أمام المخاطر التي أصبحت تهدد الحريات العامة بفعل الإدارة ، و يمكن ذكر بعض هذه المبادئ :
    * مبدأ حقوق الدفاع Le principe des droits de ladéfense
    * مبدأ المساواة Le principe d’égalité
    * مبدأ استمرارية المرافق العامة Le principe decontinuitédesservicespublics
    * مبدأ إمكانية الطعن القضائي ضد قرارات الإدارة Lapossibilité de former un recours contentieux contre les actes de l’administration
    * مبدأ استقرار الحقوق المكتسبة L’intangibilitédesdroitsacquis
    * مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية Non-rétroactivitédesactesadministratifs
    * مبدأ كل مجهود يستأهل أجرًا Toutepeineméritesalaire
    * مبدأ حق الأجانب في التمتع بحياة عائلية عادية [3].
    و غيرها من المبادئ التي لم يستقر العمل بها بصفة متواترة .
    نطاق مبدأ المشروعية :

    و مبدأ المشروعية يتنازعه تيـّاران متعاكسان.
    فإذا كان الاتجاه إلى حماية حقوق الأفراد يدفع إلى التوسع قدر الإمكان في مفهوم مبدأ المشروعية فإن هناك اتجاها معاكسا يرى بأن السلطة الإدارية بحاجة إلى حرية الحركة من أجل تحقيق أهدافها و بالتالي فإن هناك حدوداً لمبدأ المشروعية بحيث يكون للإدارة مجالٌ للتصرف دون أن تتسلط عليها الرقابة، و يتجلى ذلك في المجالات التالية التي لا تزال خارج سلطان هذا المبدأ :
    السلطة التقديرية Le pouvoir discrétionnaire:

    و هي أن يكون للإدارة حرية التدخل و اختيار التصرف الملائم ، وأبرز مجالاتها ما هو مخول للإدارة في باب الحفاظ على النظام العام.
    و السلطة التقديرية تقابلها السلطة المقيدة Pouvoir lié ou compétenceliée فالإدارة إذا كانت صلاحياتها غير مقيدة في مجال ما فمعناه أن القانون لا يلزمها بالتصرف وفق منهج معيّن و بالتالي فإن امتناعها عن التصرف، أو اختيارها لحل دون آخر ، يكون تصرفا مشروعا و تعقيب عليها في ذلك.
    و أما إذا كانت سلطتها مقيدة فمعناه أنه إذا تحققت شروط محددة مسبقاً فإن على الإدارة أن تتصرف بقوة القانون على نحو محدد، و ليس أمامها أية حرية للوقوف موقفا مخالفا لما نص عليه القانون، و أظهر مثل على ذلك هو تسليم رخصة البناء إذا توافرت الشروط المطلوبة.
    و تظهر أهمية الفرق بين الحالتين في حالة الطعن القضائي ضد قرار الإدارة، فإذا كانت سلطتها تقديرية امتنع على القاضي أن يناقش هذه السلطة ، و أما إذا كانت سلطتها مقيدة فإن القرار الإداري المخالف يكون معرضا للإلغاء بسبب مخالفة القانون.
    مع العلم أنه حتى إذا كانت سلطة الإدارة تقديرية فإن ذلك لا يمنع القضاء من مراقبة مشروعية القرار من ناحية أركانه و جوانبه الأخرى، بالإضافة إلى قيام القضاء الإداري الفرنسي مؤخرا ببسط رقابته حتى في حالة السلطة التقديرية للإدارة و ذلك اعتمادا على فكرتين :
    الأولى : حالة الخطأ الفاضح ، و ذلك إذا كان هناك خطأ جسيم في التقدير Erreur d’appréciation .
    الثانية : مراقبة التناسب contrôle de proportionnalité ، و أوضح ما يكون ذلك في حالة العقوبات التأديبية المسلطة على الموظفين و مدى تناسبها مع الخطأ المهني، و قد تطورت فكرة التناسب إلى مبدأ قانوني عالمي ( فرنسا و ألمانيا و سويسرا و بعض الهيئات العالمية ).
    الظروف الاستثنائية Les circonstances exceptionnelles :

    وهي نظرية قضائية النشأةِ وَضَعَها مجلس الدولة الفرنسي بدأ ً من الحرب العالمية الأولى، و مفادها أن بعض القرارات الإدارية التي تكون في الظروف العادية غير مشروعة فإنها تعتبر مشروعة في ظل الظروف الاستثنائية لأنها تكون حينئذ ضرورية لضمان النظام العام و استمرارية سير المرافق العامة.
    و هي تختلف عن الصلاحيات الاستثنائية المخولة لرئيس الجمهورية للحفاظ على أمن الدولة إذا طرأت ظروف تهدد أمن الدولة و سلامتها، مثل :
    · حالة الحصار L’état de siège( المادة 91 من الدستور الجزائري).
    · حالة الطوارئ L’état d’urgence( المادة 91 من الدستور الجزائري).
    · الحالة الاستثنائية L’état d’exception( المادة 93 من الدستور الجزائري).
    · حالة الحرب L’étatdeguerre( المادة 95 من الدستور الجزائري).
    فنظرية الظروف الاستثنائية تأتي إضافة إلى الحالات القانونية المذكورة.
    و مفهوم الظروف الاستثنائية برز بسبب الحرب العالمية الأولى أساسا، و ظهرت بذرته الأولى في شكل " صلاحيات الحرب " التي تتذرع بها الإدارة، ثم توسعت إلى حالات " ما بعد الحرب " ، ثم زحفت شيئا فشيئا إلى وقت السلم بفعل " فترات الأزمات " ، ثم عمّ مفهومها و أصبحت تطبـَّق كلما كان التقيد بأحكام الشرعية العادية يؤدي إلى اضطراب النظام العام.
    و عملا بالمبدأ القائل بأن الضرورة تقدر بقدرها فإن صلاحيات الإدارة حتى في ظل الظروف الاستثنائية تبقى خاضعة لرقابة القضاء تفاديا للتجاوزات أو التوسع المفرط، ثم أنه حتى إذا كان تصرف الإدارة تمليه الظروف الاستثنائية فهو يعتبر مشروعا مبدئيا و لكن ذلك لا يعفيها من تعويض الأضرار التي قد تحدث للغير بفعل هذه الصلاحيات الموسعة، و أساس المسؤولية في هذه الحالة ليس هو الخطأ بل المخاطر الناجمة عن التصرف و اختلال مساواة الأفراد في مواجهة الإدارة.
    أعمال السيادة Les actes de souveraineté:

    و تسمى أيضا أعمال الحكومة، و تتمثل في علاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية ، و العلاقات الدولية .
    فالقرارات و التصرفات التي تباشرها السلطة التنفيذية تحت مظلة هذه الاستثناءات لا تخضع لرقابة القاضي الإداري، فهي محصنة في مواجهة أية دعوى قضائية بخلاف حالات السلطة التقديرية و الظروف الاستثنائية التي تتوسع فيها صلاحيات الإدارة و لكن مع بقائها خاضعة للرقابة القضائية .
    و هذه النظرية أيضًا قضائية ُالنشأة. و في بداية الأمر كانت هذه الطائفة من الأعمال تشمل كل تصرف إداري يكون وراءه باعث سياسي، و قد هجر القضاء الإداري الفرنسي هذا التفسير مع نهاية القرن التاسع عشر.
    ثم وقع التوجه نحو معيار آخر لتحديد هذه الفئة و هو محاولة التمييز بين مهام الإدارة و مهام الحكم غير أن هذه المحاولة لم تثمر، و في الأخير اقتصر الأمر على تحديد هذه الأعمال بصفة حصرية حسب اجتهاد مجلس الدولة و محكمة التنازع، و بذلك أصبحت هناك قائمة قضائية محددة تشمل ما يلي :


    أ‌- علاقات السلطة التنفيذية بالبرلمان، كالأعمال المتعلقة بالمبادرة بالقوانين، و مراسيم نشر القوانين، و تعيين أعضاء المجلس الدستوري.
    ب‌- العلاقات الخارجية للدولة، و تشمل إعداد المعاهدات الدولية و علاقة الدول فيما بينها و قرارات السفراء بمناسبة عملهم الدبلوماسي.
    و على العموم فإن طائفة القرارات التي تندرج تحت لواء العلاقات الخارجية للدولة تطرح مسائل عدة و معقدة، و من ذلك مسائل تنفيذ المعاهدات الدولية خصوصا على المستوى المحلي.
    إن النظام القانوني لأعمال الحكومة هو أنها محصنة قضائيا بصفة مطلقة أمام دعوى الإلغاء و فحص المشروعية، و أما عن دعوى التعويض فإن مجلس الدولة الفرنسي يقبلها على أساس مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.
    و إذا كان مبدأ المشروعية يضبط التصرفات الإيجابية للإدارة ، فإنه أيضا يراقب تصرفاتها السلبية أي امتناعها عن التصرف عندما يكون من الواجب عليها قانونا أن تتصرف في حدود الصلاحيات الممنوحة لها ثم تتقاعس و تمتنع عن اتخاذ الإجراءات اللازمة، فيكون امتناعها تصرفا مخالفا لمبدأ المشروعية و يؤدي إلى إبطال الامتناع إلى جانب المسؤولية المدنية لتعويض الأضرار المحتملة.
    ففي باب البوليس الإداري ترتكب الإدارة خطأ إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة لمواجهة خطر مُحْدِق يهدد النظام العام أو الأمن أو الصحة العامة، كما أنها تخالف الشرعية إذا امتنعت عن المبادرة بإزالة وضعية مخالفة للقانون باعتبار أن من واجب الإدارة أن تعمل على تنفيذ القوانين، كما أنه من الواجب عليها أن تمُدّ يَدَ المساعدة لتنفيذ الأحكام القضائية عندما يطلب منها ذلك بصفة قانونية.
    نتائج مخالفة مبدأ المشروعية :

    يترتب على مخالفة مبدأ المشروعية بطلان التصرف الصادر عن الإدارة غير أن هذا البطلان يجب أن تصرح به سلطة عمومية مؤهلة، فالقرار يبقى منتجاً لآثاره إلى غاية التصريح ببطلانه و ذلك عملا بقرينة موافقة تصرفات الإدارة و قراراتها للقانون .
    و بالنسبة للقرارات الإدارية فإن البطلان تصرح به السلطة القضائية أو الإدارة نفسها.
    و البطلان قد يكون مطلقاً، و قد يكون نسبيا.
    فالبطلان المطلق يكون في حالة ما إذا كان القرار مشوبا بعيب فاضح ينزع عنه صفة المشروعية كحالة تعدي جهة ما على صلاحيات جهة أخرى ، أو تعدي الإدارة على صلاحيات القضاء مثلا ، أو أن يكون التصرف ليس له أي سند من القانون ، و يصل الأمر إلى غاية اعتبار هذا القرار و كأنه غير موجود و لا يتحصّن بمرور الزمن فيمكن الطعن فيه و في النتائج المترتبة عنه في أي وقت ( فما بُني على باطل فهو باطل ) ، بل يمكن للقاضي أن يثير البطلان تلقائيا ، بل إن صلاحية التصريح ببطلانه معترف بها حتى للقاضي العادي.
    و أما إذا كان البطلان نسبيا أي أن أحد أركان القرار مشوب بعيب فبطبيعة الحال يتعين طرح المسألة على القاضي الإداري الذي يفحص مدى مطابقة القرار لقواعد القانون.
    أشكال الرقابة على أعمال الإدارة : Le contrôle de la légalité

    يمكن تصنيف أنواع الرقابة التي تتعرض لها أعمال الإدارة إلى ثلاثة أنواع :
    · الرقابة السياسية .
    · الرقابة الإدارية .
    · الرقابة القضائية .
    أولا – الرقابة السياسية :
    و تتمثل في رقابة المجالس النيابية حسبما هو محدد في الدساتير، و تتجسد في الاستماع و الاستجواب أو السؤال الكتابي أو مناقشة بيان السياسة العامة أو إنشاء لجان تحقيق .
    و يندرج ضمن الرقابة السياسية أيضا مراقبة الأحزاب و الجمعيات المدنية و وسائل الإعلام .
    ثانيا - الرقابة الإدارية :
    و تتمثل في الرقابة الداخلية التي تمارسها الإدارة نفسها وفق طرق وأساليب مختلفة مثل المراجعة الذاتية بناء على طعن ولائي Recoursgracieuxأمام مُصْدِر القرار نفسه، أو رقابة السلطة الرئاسية داخل الهرم الإداري سواء بصفة تلقائية أو بناء على تظلم رئاسي Recourshiérarchique، أو رقابة الوصاية في حالة اللامركزية للتحقق من مدى مشروعية التصرف و مطابقته للقانون .

    ثالثا - الرقابة القضائية :
    و تتمثل في إخضاع تصرفات الإدارة إلى رقابة السلطة القضائية فيما يتعلق بمدى مشروعية أعمالها .
    و الأنظمة القضائية نوعان :
    القضاء الموحد و القضاء المزدوج :

    أ - نظام القضاء الموحد :
    وفيه يتولى القضاء العادي الفصل في كل المنازعات المدنية والجزائية و الإدارية طبقا لنفس القوانين ، و هو المعمل به في الدول الأنجلوسكسونية ( إنكلترا و الولايات المتحدة الأمريكية .. ) وليس في ظل هذا النظام قوانين خاصة بالإدارة أو امتيازات في التقاضي بينها و بين الأفراد كقاعدة عامة ، و القاضي في هذا النظام يملك سلطات مطلقة في مواجهة الإدارة فلديه سلطة الإلغاء والتعديل و مراقبة الملاءمة ، و له أن يوجه للإدارة ما يشاء من أوامر لإجبارها على احترام المشروعية و يحكم عليها بالتعويض لجبر الضرر الذي تتسبب فيه ، فسلطاته تجاه الإدارة ليست محدودة بقيود أو موانع مثل القاضي الإداري في نظام القضاء المزدوج.
    ب - نظام القضاء المزدوج :
    و يقصد به أن الوظيفة القضائية في الدولة لا تسند إلى جهة قضائية واحدة بل تسند إلى جهتين مختلفتين و مستقلتين عن بعضهما وتطبق كل منهما قوانين خاصة بها ، إحداهما تتولى القضاء العادي للفصل في خصومات الأفراد المدنية و الجزائية ، و الثانية تتولى الفصل في المنازعات الإدارية التي تثور بين الأفراد و الإدارة العامة وفقا للقوانين التي تحكم سير الإدارة العامة في مختلف المجالات ، والدولة التي عرفت نشأة هذا النظام هي فرنسا ، و منها انتشر إلى العديد من دول العالم منها من كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي (كدول المغرب العربي و بعض الدول الإفريقية و لبنان ) و منها من أخذت به طواعية ( كمصر و بلجيكا و إيطاليا ...).
    و الأساس التاريخي لنشأة نظام قضائي إداري متميز عن القضاء العادي هو العداء الشديد الذي ظهر بين رجال الثورة الفرنسية وجهاز القضاء الذي كان معاديا لكل إصلاح ( دفاعا عن الامتيازات التي كانت تتمتع بها بعض الفئات) ، و لذلك أصدرت الثورة الفرنسية قانون 16 – 24 أوت 1790 الذي قرر فصل الوظائف القضائية عن الوظائف الإدارية و منع القضاة من التدخل في العمل الإداري [4].
    و في البداية تولت الإدارة نفسها الفصل في المنازعات الإدارية ، ثم خلال السنة الثامنة للثورة تمّ إنشاء مجلس الدولة على يد نابليون بونابرت الذي أسندت له مهام :
    · صياغة مشاريع القوانين .
    · تقديم الفتوى و الاستشارة للإدارة .
    · اقتراح الحلول للمنازعات التي تعرض في شكل تظلمات ، ثم تطورت هذه المهمة إلى الفصل في المنازعات ( Justicedéléguée ) كجهة استئناف لقرار الوزير ( Leministre-juge ) منذ قانون 24 مايو 1872 الذي فوض المجلس بذلك و أنشأ محكمة التنازع .. ثم قرر مجلس الدولة بمبادرة منه عام 1889 قبول الدعوى التي رفعت مباشرة أمامه دون سبق عرض النزاع على الوزير المختص (قضية 13/12/1889Cadot )[5] و بذلك انتهى كل أثر للإدارة القاضية و أصبح المجلس هو قاضي المنازعات الإدارية .
    و بقي مجلس الدولة هو القاضي العام للمنازعات الإدارية إلى غاية صدور مرسوم 30/9/1953 الذي جعل من مجالس الأقاليم محاكم إدارية هي صاحبة الولاية العامة في المنازعات الإدارية .
    فأصبح مجلس الدولة هو قاضي أول و آخر درجة بالنسبة لبعض القضايا ، و بمثابة جهة استئناف لأحكام المحاكم الإدارية ، و بمثابة جهة نقض بالنسبة لقرارات بعض الهيئات مثل مجلس المحاسبة .
    و أمام ازدياد حجم القضايا و تباطؤ وتيرة الفصل من طرف المجلس بعد ثلاثة عقود من ذلك صدر قانون 31/12/1987 الذي أنشأ المحاكم الإدارية الاستئنافية ( Cours administratives d’appel) و جعل قراراتها قابلة للطعن بالنقض أمام مجلس الدولة .

    و في ظل ازدواجية القضاء إذا طرحت المسألة أمام القضاء المدني العادي فإنها تكون في شكل مسألة أولية يتعين إحالتها أمام القاضي الإداري المختص، و يكون حكمه مقصورا على الأطراف أي ذا حجية نسبية و لا يتجاوز النزاع المطروح.
    و أما إذا طرحت مسألة مشروعية القرار الإداري على القاضي الجزائي فلقد استقر العمل على أن يتولى القاضي الجزائي الفصل في الدعوى برمتها بما فيها من مسائل أولية و دفوع، بما في ذلك مراقبة مشروعية القرارات الإدارية .
    و أما طرح المسألة بصفة مستقلة و مباشرة أمام القضاء فذلك يكون أمام القاضي الإداري عن طريق دعوى تجاوز السلطة ( Le recours pour excès de pouvoir ) التي يعرفها الأستاذ بينوا فرانسيس بول Francis-Paul Bénoitبأنها ذلك الطعن القضائي الذي يطلب فيه الطاعن من القاضي الإداري أن يراقب مشروعية قرار إداري فردي ، و أن يصرح بإلغائه إن كان ذلك القرار غير مشروع[6].
    و يوضح الأستاذ في إطار حديثه عن القيمة الكبيرة لدعوى تجاوز السلطة بأنها من صنع مجلس الدولة ( الفرنسي ) دون أن يعتمد على أي نص قانوني، فهي ثمرة العمل القضائي الإداري من أجل ضمان خضوع الإدارة للمشروعية فعلياً.
    و في البداية كانت المراقبة تنصب على الاختصاص و الجوانب الشكلية للقرار الإداري ثم توسعت لتطال صميم القرار و صلبه مع نهاية القرن التاسع عشر، ثم شملت كل نواحي القرار خلال القرن العشرين ما عدا جانب الملاءمة Opportunité الذي بقي خارج مجال الرقابة القضائية.
    أوجه الطعن بالإلغاء من أجل تجاوز السلطة :

    في البداية كان مجلس الدولة الفرنسي يراقب اختصاص من أصدر القرار، ثم توسعت المراقبة فتناولت احترام الإجراءات، أي أن الرقابة كانت تتعلق بالجانب الخارجي للقرار، ثم توسعت المراقبة لتصل إلى التأكد من أن الهدف المنشود من إصدار القرار ذا نفع عام ( مراقبة الانحراف بالسلطة ).
    و في مرحلة لاحقة شملت المراقبة خرق القوانين، ثم وصلت إلى صميم العمل الإداري و هو البحث في الباعث وراء إصدار القرار و لكن مع الحذر و الاحتياط من المساس بالسلطة التقديرية للإدارة.
    فيمكن تقسيم عيوب القرار التي يتناولها قاضي المشروعية بالفحص تنقسم إلى قسمين :
    أ – فحص المشروعية الخارجية ، و تشمل : عدم الاختصاص و الإجراءات و الشكل.
    ب – فحص المشروعية الداخلية ، و تشمل : الانحراف بالسلطة و الغلط في القانون و السبب.


    فأهم أوجه الطعن هي إذن :
    * عدم الاختصاصL’incompétence: و الاختصاص هو الصلاحيات التي يخولها المشرع للعون الإداري للقيام بتصرفات قانونية باسم الجهة الإدارية التي يتبعها و داخل نطاق إقليمي محدد.
    و هذا الوجه من النظام العام، فلا يمكن الاتفاق على مخالفته و يمكن للقاضي أن يثيره تلقائياً.
    * عيب الإجراءاتLe vice de procédureو ذلك عندما يكون اتخاذ القرار مشروطا باحترام إجراءات محددة بالنص الذي يمنح الاختصاص أو النصوص التنظيمية المنبثقة عنه، كالقيام بتحقيق ما، أو احترام آجال معينة، أو الحصول على رأي جهة محددة، شريطة أن يكون الخلل جوهريا.
    * عيب الشكلViolationdesformes : و قد كان في السابق مختلطا بعيب الإجراءات، و هو يتناول القواعد الشكلية التي يجب أن يحترمها القرار الإداري مثل التسبيب و الإمضاء، شريطة أن يكون الخلل جوهريا أيضاً.
    * الانحراف بالسلطةDétournementdepouvoir و هو اتخاذ القرار لأهداف خارجة عن الغرض الذي يقصده المشرع حين أسند الاختصاص لتلك الجهة، فالمقصود بالسلطة هنا هو الاختصاص،والانحراف بالسلطة قد يكون لأسباب سياسية أو عقائدية أو نفعية.
    فقد يكون الهدف من القرار هو تفضيل فرد على آخر، أو تحقيق نفع تجاري لمصدر القرار ، أو التحايل من أجل عدم تنفيذ حكم قضائي.
    * الخطأ في الأسباب : و يقصد بها الأسباب التي تهدف إليها النصوص التي تمنح الاختصاص سواء بصفة صريحة أو ضمنية، و هذا الخطأ قد يكون في الوقائع ( Erreur de fait ) ( مثل نسبة فعل ما لموظف و هو لم يرتكبه )، و قد يكون في القانون (Erreur de droit ) أي في التكييف القانوني للوقائع من طرف الإدارة ، أو في تفسير القانون.
    مع ملاحظة أن أوجه الطعن هذه كلها قد تتداخل أحيانا و يصعب التمييز بينها بهذا الوضوح، و لكن يبقى الوصف الجامع لها هو " الانحراف بالسلطة ".


    المستشار نجيمي جمال.


    المراجع :
    · القضاء الإداري – الدكتور إبراهيم عبد العزيز شيحا – منشأة المعارف – الإسكندرية 2006.
    · الوسيط في مبادئ و أحكام القانون الإداري – د. إبراهيم عبد العزيز شيحا – الدار الجامعية – بيروت 1997 .
    · الوجيز في المنازعات الإدارية – الدكتور محمد الصغير بعلي – دار العلوم – عنابة 2002.
    · القضاء الإداري – الدكتور محمد رفعت عبد الوهاب – منشورات الحلبي الحقوقية – بيروت 2005.
    · Le droit administratif français – Francis-Paul Bénoit – Dalloz Paris 1968 .
    · Précis de droit administratif – Pierre-Laurent Frier – 3e édition – Montchrestien 2004.
    · قانون المنازعات الإدارية – الأستاذ خلوفي رشيد – ديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر – الطبعة الثانية 2005 .
    · مبادئ القانون الإداري – الدكتور سليمان الطماوي – دار الفكر العربي – القاهرة 2007.
    · Traité de droit administratif – Yves Gaudemet Tome 1 – 16e édition – Editions Delta, 2002.


    [1] القضاء الإداري ( الكتاب الأول ) – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2005 .

    [2] بالنسبة للأوامر Ordonnances فإن القضاء الإداري الفرنسي يكيفها في باب المنازعات مثل القرارات التنظيمية و بالتالي يمكن الطعن فيها بالإلغاء أمام مجلس الدولة.


    [3]Par la décision GISTI du 8 décembre 1978, le Conseil d’État Français érige le droit de mener une vie familiale normale en principe général du droit.



    [4]Article 13 de la loi du 16-24 aout 1790
    « Les fonctions judiciaires sont distinctes et demeurerons toujours séparées des fonctions administratives.
    Les juges ne pourrons , à peine de forfaiture , troubler de quelques manière que soit les opérations des corps administratifs , ni citer devant eux les administrateurs pour raisons de leurs fonctions .”

    [5] M. Cadot était directeur de la voirie et des eaux de la ville de Marseille, lorsque cet emploi fut supprimé. Il réclama des dommages-intérêts et demanda au Conseil d’État d’annuler le refus que la ville lui opposa.



    [6] Le droit administratif français, p 574 – Francis-Paul Bénoit – Librairie Dalloz – 1968.

    المواضيع المتشابهه:
    التعديل الأخير تم بواسطة البريتور ; 20-03-2009 الساعة 07:52 PM

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •