23 ينويو 2014 د.رزق الريس - ينتهى فى 8/9
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 26

الموضوع: منظمة التجارة العالمية (wto)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like

    منظمة التجارة العالمية (wto)

    منظمة التجارة العالمية (WTO)

    moqatel.com
    المقدمة
    في أعقاب الحرب العالمية الثانية، شهد العالم العديد من المشكلات الاقتصادية. ولجأت الدول المنتصرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى فرض هيمنتها على نُظُم التجارة العالمية. ورغبة منها في إعادة ترتيب الأوضاع الاقتصادية الدولية ترتيباً، يخدم مصالحها وأولوياتها، تقدمت الحكومة الأمريكية باقتراح للبدء في مفاوضات تجارية دولية، تستهدف تحرير التجارة الدولية من القيود المفروضة عليها. وحؤولاً دون تكرار الكساد الاقتصادي، الذي حاق بالعالم، في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، أُنشئت اتفاقية الجات General Agreement on Tariffs and Trade GATT، التي تعني الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة؛ لتقود العالم إلى الانتعاش الاقتصادي والرخاء، ولتكوِّن هي و صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء وإعادة الإعمار، مثلث الدعائم الأساسية للاقتصاد العالمي.
    ومن المعروف أن قواعد النظام العالمي، وُضعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عام 1945، بناءً على اتفاقية (بريتون وودز)[1]، التي أنشئ بموجبها صندوق النقد الدولي، ليتولى وضع القواعد التي تحكم سلوك كلّ دولة في أسعار الصرف، وسياسة ميزان المدفوعات، ووسائل تمويل العجز الخارجي، على النحو، الذي لا يلحق الضرر بالبلاد الأخرى، ولا يعارض معايير الاستقرار الاقتصادي والتنمية. ثم أُنشئ البنك الدولي للإنشاء وإعادة التعمير، في ديسمبر 1945، ليتولى مساعدة الدول الأعضاء، وخاصة تلك النامية، من خلال تقديم قروض طويلة المدى، لتمويل المشروعات اللازمة لعملية التنمية، وتشجيعها على تطبيق السياسات الاقتصادية، التي تكفل الاستخدام الأمثل للموارد.
    ولكي تستكمل أركان النظام الاقتصادي العالمي، بدأ التفكير في إنشاء منظمة التجارة الدولية، لكي تعمل على تنمية التجارة بين البلاد الأعضاء، وتضع قواعد السلوك والمعايير، التي تحكم هذه التجارة. وفعلاً، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، بناءً على مقترح أمريكي، توصية بعقد مؤتمر دولي للتجارة والتوظيف، في لندن، عام 1946. ولقد عُقد المؤتمر فعلاً؛ واستكمل أعماله، في جنيف، عام 1947؛ ثم اختتمها، في هافانا Havana، عاصمة كوبا، في عام 1948. وقد صدر عن اجتماعه الأخير وثيقة، عُرفت باسم "ميثاق هافانا" أو ميثاق التجارة الدولية، الذي حاول وضع أُسُس التوصل إلى اتفاقية للتجارة الدولية، والعمل على إنشاء منظمة التجارة العالمية.
    وكان هدف مؤتمر هافانا هو العمل على إنشاء منظمة التجارة الدولية، بجانب صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي؛ ليكوِّن هذا الثالوث المؤسسات الدولية، التي تشرف على الاقتصاد العالمي، في المجالات: النقدية والمالية والتجارية. غير أن هذا التصور، لم يُكتب له النجاح، بعد أن رفض الكونجرس الأمريكي التصديق على ميثاق هافانا؛ على الرغم من أن انعقاده، كان بمبادرة أمريكية. واستمر هذا الموقف الأمريكي الرافض حتى عام 1950، إلى أن رفضت الإدارة الأمريكية رسمياً التصديق على الوثيقة، وخاصة الجزء الخاص بإنشاء منظمة التجارة الدولية؛ وذلك خشية أن تنتقص هذه المنظمة من سيادة الولايات المتحدة الأمريكية على تجارتها الخارجية. ومن ثَم، سقطت فكرة منظمة التجارة الدولية؛ لاستحالة تحققها من دون المشاركة الأمريكية، التي كانت تمثل، حينذاك، ما يقرب من نصف الناتج القومي العالمي.
    بيد أن بعض الدول الصناعية، ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وعدداً محدوداً من الدول النامية، رأت أن ما لا يُدرك كلّه، لا يُترك جلّه. ومن ثَم، قررت أن تأخذ من ميثاق هافانا ذلك الجزء، الذي يتعلق بتحرير التجارة الدولية، وأن تضعه موضع التنفيذ؛ وهكذا كانت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة، أو الجات.
    اطرد نمو اتفاقية الجات، فاتسع نطاق عضويتها، ليشمل 105 دول، تسيطر على أكثر من 90% من حجم التجارة السلعية الدولية؛ إضافة إلى 34 دولة أخرى، تطبق مبادئ الجات أحكامها في سياساتها الخارجية، من دون أن تكون أعضاء فيها.
    ولما كان الغرض الأساسي من إبرام الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات)، هو تحقيق قدر متزايد من حرية تدفق التجارة الدولية وسهولته، فقد كان من الضروري، تحقيقاً لهذا الهدف, إجراء سلسلة من المفاوضات، في جولات متعاقبة، تشارك فيها الدول الأعضاء في الاتفاقية، بغرض توسيع نطاق المشاركة، وحجم التخفيضات الجمركية المتبادلة بين الأطراف المتعاقدة. وقد أُجريت ثماني جولات في مفاوضات متعددة الأطراف، لتحرير التجارة الدولية. وكانت كالتالي:
    1. الجولة الأولى: عُقدت في جنيف (سويسرا)، في أكتوبر 1947، بمشاركة 23 دولة. ووُقعت خلالها اتفاقية الجات، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1948.
    2. الجولة الثانية: عُقدت في مدينة نيس (فرنسا)، عام 1949، بمشاركة 13 دولة. وتمخضت بتخفيض التعريفة الجمركية لأكثر من 500 سلعة.
    3. الجولة الثالثة: عُقدت في منتجع توركواي (إنجلترا)، عام 1951، بمشاركة 38 دولة.
    4. الجولة الرابعة: عُقدت في جنيف (سويسرا)، عام 1956، بمشاركة 26 دولة.
    5. الجولة الخامسة: (جولة ديلون)[2]. عُقدت في جنيف (سويسرا)، بين عامَي 1960-1961، بمشاركة 26 دولة. وقد ركزت في تبادل التخفيضات الجمركية.
    6. الجولة السادسة: (جولة كنيدي)[3]، عُقدت في طوكيو (اليابان)، وبدأت عام 1964، وانتهت عام 1967. وفيها أُقر عدد آخر من التخفيضات في التعريفة الجمركية. وشارك فيها 62 دولة.
    7. الجولة السابعة: (جولة طوكيو)، عُقدت في طوكيو (اليابان)، وبدأت عام 1973، واختتمت عام 1979. وشارك فيها اثنتان ومائة دولة.
    8. الجولة الثامنة والأخيرة: كانت في أوروجواي (الأرجنتين)، وبدأت عام 1986، وانتهت عام 1994. وشارك فيها 124 دولة. وأسفرت عن اتفاقية لتحرير التجارة العالمية، معلنة نشوء منظمة التجارة العالمية (WTO)، خلفاً للاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (GATT). وعلى الرغم من أن هذه الجولة هي الثامنة في سلسلة الجولات، التي عُقدت في إطار الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة؛ إلا أنها اكتسبت، دون سائر نظيراتها، مكانة خاصة، وأهمية بالغة. وتُعَدّ نتائجها من أهم ما توصلت إليه "الجات"، منذ إنشائها، عام 1947، في معظم جوانب التجارة الدولية، في السلع والخدمات، وحقوق الملكية الفكرية، وقوانين الاستثمار، والقواعد العامة للتجارة الدولية.
    وفي 15 أبريل 1994، شهدت مدينة مراكش، بالمغرب، عقد مؤتمر[4]، أُعلن فيه الانتهاء الرسمي لأطول جولة وأنجحها للمفاوضات التجارية، في إطار الجات، لتحرير التجارة الدولية، والتي عُرفت باسم "جولة أوروجواي". أقرت إنشاء كيان دولي جديد، يتمتع بالشخصية المعنوية المستقلة للمنظمات الدولية، هو "منظمة التجارة العالمية" (WTO)، التي نيط بها الإشراف على الاتفاقيات كافة، التي أسفرت عنها جولة "أوروجواي"، والتي ناهزت 28 اتفاقاً وبروتوكولاً وقراراً وزارياً، وُضعت في صورة ملاحق للاتفاقية المنشئة لمنظمة التجارة العالمية، المعروفة باسم "اتفاقية مراكش". ويرجع وضعها على هذه الصورة إلى الأخذ بمبدأ الارتباط أو الصفقة الواحدة، ومعنى ذلك، أن الدولة التي توافق على اتفاقية مراكش (الاتفاقية الأمّ)، تصبح مرتبطة بالاتفاقية الملحقة كافة، من دون حاجة إلى توقيع كلّ اتفاقية بمفردها.
    ومع نشوء منظمة التجارة العالمية، اختفت "اتفاقية الجات"، لتحل محلها تلك المنظمة الجديدة، التي اكتسبت صلاحيات التفتيش في الدول الأعضاء كافة؛ ضماناً لحرية التجارة، ومحاربة لأي سياسات حمائية. وخُوِّلت إشرافاً على تنفيذ القوانين الخاصة بالقضايا التجارية، هو أشمل من إشراف الجات، مثل قضايا الملكية الفكرية، والخدمات والاستثمار. كما فُوِّض إليها أمور فض المنازعات التجارية، وتنظيم المفاوضات الدولية، لتحقيق المزيد من تحرير التجارة العالمية، وتوسيع قاعدة التبادل التجاري للسلع والخدمات.
    ويُعَدّ إنشاء منظمة التجارة العالمية من أهم الأحداث التي شهدها القرن العشرون؛ فهي تمثل إحدى الدعائم الأساسية لنظام التجارة العالمي، وتشارك كلاً من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، في إرساء قواعد النظام الاقتصادي العالمي. وتعمل المنظمة من خلال هيكل تنظيمي، يشتمل على رئاسة، تتكون من المجلس الوزاري، والمجلس العام؛ وتتفرع منهما مجالس نوعية، ولجان متخصصة. ويتألف المجلس الوزاري من ممثلي جميع الأعضاء. ويجتمع مرة على الأقل كلّ سنتيَن. ويضطلع بمهام المنظمة. وله صلاحية اتخاذ القرارات في جميع الموضوعات، التي تنص عليها الاتفاقيات التجارية المختلفة.
    ولقد عقد المجلس الوزاري لمنظمة التجارة العالمية، منذ نشأتها وحتى اليوم، أربعة مؤتمرات: عُقد أولها في سنغافورة، في الفترة من 10 إلى 13 ديسمبر 1996، واتسم بتقييم عمل المنظمة؛ ثم عٌقد الثاني في جنيف، في مايو 1998؛ وعُقد الثالث في سياتل، في الفترة من 30 نوفمبر إلى 3 ديسمبر 1999؛ وعُقد الرابع في الدوحة، في الفترة من 9 إلى 14 نوفمبر 2001.



    [1] بريتون وودز: اسم المدينة الأمريكية التي شهدت توقيع الاتفاقية.
    [2] جولة ديلون: نسبة إلى وزير تجارة الولايات المتحدة الأمريكية الذي يمثل دولته وكان المحرك الأساسي للمفاوضات.
    [3] جولة كنيدي: نسبة إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي دعا إلى انعقادها عام 1964.
    [4] شارك في مؤتمر مراكش الذي أُعلن فيه قيام "منظمة التجارة العالمية"، وزراء مالية واقتصاد 117 دولة.

    المواضيع المتشابهه:


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like
    الفصل الأول
    تحرير التجارة الدولية، وإنشاء منظمة التجارة العالمية
    في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ظهرت الحاجة إلى تحرير التجارة الدولية؛ للتغلب على المصاعب والمشاكل التي عاناها الاقتصاد العالمي، خلال فترة الحرب؛ ولمنع تكرار الكساد الاقتصادي الكبير، الذي حاق بالعالم، في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين. وقد أدرك العالم، حينذاك، أن تحرير التجارة هو الاتجاه الصحيح الوحيد للتنمية الاقتصادية، وتحقيق معدلات نمو عالية، وتحرير التجارة من تأثير مباشر في الإنتاج والاستهلاك والاستثمار. ونتيجة لذلك، جاءت اتفاقية الجات Gatt، عام 1947، وهي اتفاقية للتجارة متعددة الأطراف، هدفها "تحرير التجارة الدولية"، من طريق إزالة الحواجز التجارية: الجمركية وغير الجمركية، التي تضعها الدول في وجه التجارة الخارجية؛ وفتح الأسواق للمنافسة الدولية؛ لتقود العالم إلى الانتعاش الاقتصادي والرخاء؛ ولتكوِّن مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء وإعادة التعمير، أركان النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
    وقد شهدت الجات ثماني جولات من المفاوضات، بين عامَي 1947 و1994. وتُعَدّ الجولة الثامنة، المعروفة باسم "جولة أوروجواي"، أهم الجولات جميعاً؛ إذ دارت المفاوضات خلالها بين عدد كبير، غير مسبوق، من الدول (124 دولة)، في معظم جوانب التجارة العالمية، مثل: التجارة الدولية في السلع، وفي قطاع الخدمات، وحقوق الملكية الفكرية، وقوانين الاستثمار وآثارها في التجارة الدولية، والقواعد العامة لتلك التجارة؛ بل إن نتائج جولة أوروجواي، كانت أهم ما توصلت إليه الجات، منذ إنشائها، عام 1947.
    ولقد انتهت مفاوضات تحرير التجارة الدولية، بين الدول الأعضاء في الجات إلى إعلان اتفاقية إنشاء "منظمة التجارة العالمية"، بديلاً من اتفاقية الجات، وذلك في مؤتمر، عُقد في مدينة مراكش، بالمغرب، في 15 أبريل 1994؛ فكان إنشاؤها من أهم إنجازات جولة مفاوضات أوروجواي؛ لأنها تمثل كياناً دولياً جديداً، يتمتع بالشخصية المعنوية المستقلة للمنظمات الدولية، على عكس اتفاقية الجات، التي كانت تمثل اتفاقاً بين أطراف متعاقدة.
    ومنذ إنشاء منظمة التجارة العالمية، أصبحت المنظمة مسؤولة عن الإشراف على النظام التجاري العالمي، وتيسير إدارة اتفاقيات الجات وتنفيذها، وتوفير برنامج لمفاوضات تجارية متعددة الأطراف، ومراجعة السياسات التجارية للدول الأعضاء، بصفة دورية.


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like
    المبحث الأول
    النظام الاقتصادي العالمي، ونشأة "الجات"
    النظام الاقتصادي العالمي هو القواعد والترتيبات، التي وُضعت، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لضبط العلاقات الاقتصادية بين الدول المختلفة، قوامه ثلاثة أركان: أولها، النظام النقدي الدولي، وهو الذي يحكم قواعد السلوك في كلّ ما يتعلق بأسعار الصرف، وموازين المدفوعات، ومصادر تمويل العجز، وسياسات تصحيحية. وصندوق النقد الدولي International Monetary Fund هو المرفق الأول، المسؤول عن ذلك النظام. وركنه الثاني هو النظام المالي الدولي، وهو الذي يحكم قواعد السلوك في كلّ ما يتعلق بالانتقالات الدولية لرؤوس الأموال، سواء كانت مساعدات أجنبية، أو قروضاً خارجية، أو استثمارات أجنبية مباشرة أو غير مباشرة. ويضطلع البنك الدولي لإعادة التعمير والتنمية International Bank for Reconstruction and Development بإسهام قيادي في هذا المجال. ويتمثل ثالث أركانه في النظام التجاري الدولي، وهو الذي يحكم قواعد السلوك في كلّ ما يتعلق بتصدير السلع أو استيرادها، وما يجوز وما لا يجوز، من الإجراءات الحمائية أو إعانات التصدير. وقد تولت الجات المسؤولية عنه، إلى أن استبدلت بها منظمة التجارة العالمية.
    أولاً: اتفاقية "بريتون وودز"، وأركان النظام الاقتصادي العالمي
    في الأول من يوليه 1944، وجهت الولايات المتحدة الأمريكية الدعوة إلى عقد مؤتمر، في "بريتون وودز" إحدى مدنها. ضم المؤتمر 44 دولة، استهدفت تكوين نظام اقتصادي عالمي جديد، عماده ثلاثة أركان رئيسية: النظام النقدي الدولي، النظام المالي الدولي، النظام التجاري الدولي. وترعاه ثلاث منظمات عالمية، وذلك من خلال القواعد، التي تحكم سلوك كلّ دولة تجاه هذا النظام، وتجاه أيّ دولة أخرى عضو في أيّ منظمة من تلك المنظمات، التي تتبع المنظمة الكبرى، الأمّ، وهي منظمة الأمم المتحدة.
    وقد تمخض المؤتمر، بعد ثلاثة أسابيع من انعقاده، بالمشروع النهائي لاتفاقية "بريتون وودز"، التي أنشئ بموجبها صندوق النقد الدولي، ليكون حارساً للنظام النقدي الدولي؛ والبنك الدولي لإعادة التعمير والتنمية، ليكون حارساً للنظام المالي الدولي. أنشئ أولهما في 25 ديسمبر 1945. وعهد إليه اشتراع السياسات النقدية العالمية، وتحقيق الاستقرار لأسعار الصرف، وتخفيف القيود على الصرف الأجنبي؛ فضلاً عن تدارك الاختلالات الطارئة على موازين المدفوعات، من طريق توفير رصيد مالي دولي لهذا الغرض. ووُلد ثانيهما، عام 1946. وفوِّض إليه إدارة السياسات المالية العالمية، والإسهام في إعادة تعمير ما خربته الحرب العالمية الثانية في الدول، أطراف الاتفاقية، ومساعدة تلك النامية منها على عملية التنمية؛ وذلك من طريق تقديم القروض والتسهيلات الائتمانية، وتوفير التمويل اللازم للاستثمار، وتشجيع نمو التجارة الدولية.
    ثانياً: "ميثاق هافانا"، ونشأة "الجات"
    لاستكمال أركان النظام الاقتصادي العالمي، اتجه تفكير الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، إلى إنشاء منظمة للتجارة العالمية، في عام 1947، سُميت بمنظمة التجارة الدولية International Trade Organization (ITO)، هدفها التوسع في تلك التجارة، من خلال إقامة نظام للتجارة الحرة بين الدول.
    ولقد طُرحت فكرة إنشاء المنظمة الآنفة، حينما أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، بناءً على مقترح أمريكي، توصية بعقد مؤتمر دولي للتجارة والتوظيف، في لندن، عام 1946. فانعقد في العاصمة البريطانية، واستكمل أعماله في جنيف، في سويسرا، عام 1947، ثم اختتمها في هافانا، عاصمة كوبا، في 24 مارس 1948. وأسفر عن وثيقة، عُرفت باسم "ميثاق هافانا"، أو "ميثاق التجارة الدولية". اشتمل الميثاق على قواعد وأُسُس، تستند إليها اتفاقية للتجارة الدولية، تنظم المبادلات التجارية بين الدول، بما يحقق العدالة فيما بينها؛ والعمل على إنشاء منظمة للتجارة العالمية، توازي صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتألف من أربعة فصول، خُصت بالثلاثة الأولى منها مشكلات السياسة التجارية الدولية، وما يشوبها من عوائق وأوجُه قصور، تؤثر سلباً، في التدفقات السلعية للدول، والاتفاقيات المتعلقة بتجارة السلع الأولية، والتجمعات التصديرية الأساسية، وسياسات العمل والتوظيف. وقُصر الفصل الرابع على القواعد الأساسية للسياسة التجارية، التي يقرها الميثاق، وتتضمن تقييداً لسيادة الدول المطلقة في سياساتها التجارية، بالقدر اللازم لتحقيق التزامها بأحكام الاتفاقيات الدولية في هذا المجال. ونص كذلك على إنشاء المنظمة التجارية المقترحة.
    شاركت في مفاوضات "ميثاق هافانا" 56 دولة، خلال الفترة من 21 نوفمبر 1947 إلى 24 مارس 1948. وكان من الضروري موافقة نصف عدد الدول المشاركة على الوثيقة، بالأحرف الأولى؛ على أن تصبح الموافقة نهائية، بعد أن تقرها، وتصدق عليها المؤسسات التشريعية في تلك الدول. وعلى الرغم من أن انعقاد المؤتمر، الذي أسفر عن "ميثاق هافانا"، كان استجابة لمبادرة أمريكية، فإن واشنطن، تنكرت لموافقتها المبدئية عليه، ولم تعرضه على الكونجرس؛ بل أعلنت، عام 1950، رفضها التصديق عليه، ولا سيما جزئه المتعلق بإنشاء منظمة للتجارة الدولية؛ خشية أن تنتقص من سيادتها في تجارتها الخارجية. إلا أن رفض الولايات المتحدة الأمريكية، لم يخلّ بتوجهها العام، الرامي إلى توقيع اتفاقية شاملة لتحرير التجارة الدولية السلعية من القيود، التي تعوق تدفقها؛ إذ كانت دعت إلى عقد مؤتمر دولي، عام 1947، في جنيف، أيْ قبل التوصل إلى وثيقة "ميثاق هافانا"؛ ويماشي هذا التوجه النمط الأمريكي التقليدي، المعروف بالازدواجية في التحرك Double-Track Approach.
    ولقد ضم المؤتمر، في بدايته، ثماني عشرة دولة، وما لبث عددها أن ارتفع إلى 23 دولة، تفاوضت في اتفاقية دولية لتحرير التجارة، تكون ترتيباً مؤقتاً، ريثما تتضح مواقف الدول من التصديق على "ميثاق هافانا". بدأت المفاوضات ثنائية، لتبادل التخفيضات الجمركية على السلع المختلفة. وتلا ذلك تجميع الاتفاقيات الثنائية كافة في اتفاقية شاملة، متعددة الأطراف، لتحرير التجارة في السلع. وفي هذه الأثناء، جاء الرفض الأمريكي للتصديق على "ميثاق هافانا"، ليقوض الجهود الرامية إلى إنشاء منظمة التجارة الدولية؛ إلا أنه لم يمنع من التوصل، في 20 أكتوبر 1947، إلى اتفاقية متعددة الأطراف، أُطلق عليها "الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة" General Agreement on Tariffs and Trade GATT، وأصبحت سارية المفعول، منذ الأول من يناير 1948.
    اتفاقية الجات، إذاً، تنظيم دولي مؤقت. وعلى الرغم من أنها ليست منظمة عالمية، من الناحية القانونية، مثل: صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي؛ إلا أنها اكتسبت، بقوة الممارسة خلال سنوات عملها الطويلة، وضع المنظمة العالمية، غير الدائمة، التي تمارس مهامها من خلال سكرتارية دائمة، مقرها جنيف، في سويسرا. وكان من أهم أعمال سكرتارية الجات إشرافها على جولات المفاوضات في التعريفات الجمركية، والقواعد والإجراءات المنظمة للتجارة الدولية بين الدول المنضمة إلى الاتفاقية. واستمرت مضطلعة بمهامها إلى أن أعلن، في الأول من يناير 1995، نشوء منظمة التجارة العالمية، التي استبدلت بها.
    وخلاصة ذلك، أن الجات، نشأت عام 1947، بانضمام 23 دولة عضو. وانتهت عام 1994، حينما وقعت 117 دولة، في مراكش، في المغرب، إنشاء منظمة التجارة العالمية.


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like
    المبحث الثاني
    الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات)

    أولاً: التعريف بها الجات GATT مصطلح، يتكون من الأحرف الإنجليزية الأولى للعبارة، الدالة على "الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة" General Agreement on Tariffs and Trade ، التي تُعَدّ معاهدة دولية، غايتها تحرير التجارة في السلع، بين "الأطراف المتعاقدة"، من القيود الجمركية أيْ "القيود التعريفية" و"القيود الكمية" أيْ "القيود غير التعريفية". تنظم الاتفاقية السلوك التجاري للأطراف المتعاقدة، وتتيح تفاوضها التجاري، في ظل مناخ، يتسم بحرية التجارة. ولم يزد عدد أطرافها، حين توقعيها، عام 1947، على 23 دولة. واطَّرد الانضمام إليها، فبلغ عدد دولها 117 دولة، في أوائل عام 1994، حينما استبدلت بها منظمة التجارة العالمية WTO. ثانياً: أهدافها استهدفت اتفاقية الجات: 1. إنشاء نظام تجارة دولية حرة، يساعد على رفع مستوى المعيشة في الدول المتعاقدة، والعمل على تحقيق مستويات التوظيف الكامل فيها. 2. السعي إلى تحقيق زيادة في حجم الدخل القومي. 3. الاستغلال الكامل للموارد الاقتصادية العالمية، والعمل على تطويرها. 4. تنمية الإنتاج والمبادلات التجارية السلعية الدولية والخدمات، والتوسع فيها. 5. سهولة الوصول إلى الأسواق ومصادر المواد الأولية. 6. تشجيع الحركات الدولية لرؤوس الأموال، وما يقترن بها من ازدياد الاستثمارات العالمية. 7. تشجيع التجارة الدولية، من خلال إزالة القيود والحواجز العائقة. أمّا السبيل إلى تحقيق تلك الأهداف، فتمثل في: 1. تخفيض التعريفة الجمركية. 2. تخفيف القيود الكمية على الواردات. 3. منع التمييز بين الدول في التجارة. 4. انتهاج المفاوضات في حل المشكلات المتعلقة بالتجارة الدولية، وفض المنازعات بين الأطراف المتعاقدة. ثالثاً: مبادئها تستند اتفاقية الجات إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: 1. مبدأ الدولة الأَولى بالرعاية Most Favoured Nation MFN وهو الركيزة الأساسية لتحرير التجارة الدولية، في إطار الجات. ومعناه أن أيّ امتياز تجاري بين بلدَين من بلدان الاتفاقية، لا بدّ أن يشمل، تلقائياً، كلّ دولها الأخرى، من دون مطالبة بذلك. فإذا منحت إحدى دولها نظيرة لها تخفيضاً أو إعفاءً من ضريبة جمركية على سلعة مستوردة منها، فإن هذا التخفيض أو الإعفاء، يعمّ السلعة نفسها المستوردة من سائر دول الجات الأخرى؛ فتتساوى كلّها في ظروف المنافسة في الأسواق الدولية. مبدأ الدولة الأَولى، بالرعاية يعني، إذاً، المساواة في المعاملة بين كلّ دول الاتفاقية، وليس منح رعاية خاصة لإحدى دولها، دون الدول الأخرى. 2. مبدأ تحرير التجارة الدولية القيود التعريفية هي الرسوم الجمركية. والقيود غير التعريفية، تشمل كثيراً من معوقات التجارة، ولا سيما القيود الكمية، مثل: حصص الاستيراد، وأذون الاستيراد، واشتراط إيداع نسبة من قيمة الواردات، ودعم الصادرات. وتحرير التجارة هو هدف الجات الأساسي؛ إذ إن دول الاتفاقية الأعضاء، ملتزمة بالعمل على إزالة تلك القيود، أو تخفيفها، في إطار مفاوضات، تشارك فيها كلّ تلك الدول، على أساس مبدأ التبادلية؛ بمعنى أن ما تعرضه كلّ دولة، من إزالة أو تخفيف، يكون مشروطاً بحصولها على عروض مماثلة من الدول الأخرى، فتتعادل فوائد كلّ منها؛ أيْ أن تخفيف الحواجز: الجمركية أو غير الجمركية، من جانب، لا بدّ أن يقابله تخفيف معادل في القيمة، من الجانب الآخر. وما إن تسفر المفاوضات عن اتفاق على تعريفة جمركية معينة، تسمى تعريفة مربوطة، حتى تصبح إلزامية، لا يجوز رفْعها إلا من خلال مفاوضات أخرى، أو إجراءات محددة. 3. مبدأ الاعتماد على التعريفة الجمركية في تقييد التجارة الدولية حصص الاستيراد، وما شابهها، هي من المحرمات، في اتفاقية الجات. فإذا كان لا بدّ من التقييد؛ حماية للصناعة الوطنية، أو علاجاً لعجز في ميزان المدفوعات، فإنه ينبغي الالتجاء إلى الوسائل السعرية (أيْ التعريفة الجمركية)، وليس إلى تلك الكمية، أو غير التعريفية، التي تفتقر إلى الشفافية. ومثال ذلك، أن رسماً جمركياً، مقداره 50%، يُفرض على الواردات من سلعة معينة، لحماية المنتج المحلي ـ يحدد مقدار الدعم، الذي يحظى به ذلك المنتج. ولو اعتُمد أسلوب كمي، بالحظر الكلي، أو بتحديد الكمية المسموح باستيرادها، لَما أمكن معرفة مقدار الدعم الممنوح، ولا النفقة الحقيقية، التي ينطوي عليها هذا النوع من الحماية. ولذلك، تنكرت الجات للأساليب الكمية، إلا في حالات استثنائية، نصت عليها صراحة؛ وذلك في السلع الزراعية، وفي حالة عجز مخطر في ميزان المدفوعات، أو ازدياد مفاجئ للواردات من سلعة معينة، يضر بإنتاجها المحلي. رابعاً: إطارها العام تضمنت اتفاقية الجات، لدى إبرامها عام 1947، 35 مادة، انتظمت الأحكام المختلفة، المتفق عليها في إطار المبادئ العامة لتحرير التبادل التجاري السلعي، ولا سيما مبدأ تبادل المعاملة التفضيلية، من خلال المساواة بين الدول الأعضاء كافة في تطبيق شرط الدولة الأَوْلى بالرعاية. وخلت الاتفاقية، عامئذٍ، من أيّ حكم، يتعلق بمتطلبات التنمية الاقتصادية، في البلدان النامية خاصة، ونشطت في مطاولتها، فأمكنها التوصل، عام 1965، إلى بروتوكول تكميلي، لتعديل هيكل الاتفاقية، نال موافقة ثلثَي الأعضاء، وقضى بإضافة باب إليها، يتناول العلاقة بين التجارة والتنمية، ويمنح الدول النامية معاملة خاصة. احتوت الاتفاقية على ثلاثة أبواب، أُلحق بها، رابع، يتعلق بمعاملة الدول النامية. الباب الأول: يتضمن المادتَين: الأولى والثانية. ويتناول التزام الأطراف المتعاقدة بتطبيق شرط الدولة الأَوْلى بالرعاية، ومعاملة السلع الأجنبية، المستوردة من الدول الأعضاء، معاملة نظائرها الوطنية؛ وتبادل التخفيضات الجمركية المتفق عليها، والملحقة جداولها بالاتفاقية. الباب الثاني: يبدأ بالمادة الثالثة، ويختتم بالمادة الثالثة والعشرين. وهو يؤكد التزام الدول الأعضاء بأحكام الاتفاقية. ويحظر فرض ضرائب أو إجراءات، تقيد التجارة، أو تميز بين الواردات. وينظم تنقل السلع العابرة "الترانزيت". وينص على إجراءات مكافحة الدعم والإغراق، وعلى أسلوب احتساب الجمارك، وعلامات المنشأ. ويمنع فرض القيود الكمية على الواردات. ويحدد الاستثناءات الأمنية. ويعيِّن الإطار الملائم للمشاورات بين الأطراف المتعاقدة. الباب الثالث: يضم 12 مادة، من 24 إلى 35. ويضبط وضع الاتحادات الجمركية، ومناطق التجارة الحرة، وفق شرط الدولة الأَوْلى بالرعاية. ويحصر مسوغات التخلي عن الالتزامات المتفق عليها، أو تعديلها. وينوِّه بأسلوب عمل الجات، وطريقة اكتساب عضويتها، والانسحاب منها، وتعديل جداولها وأحكامها. الباب الرابع: وهو باب، أضيف إلى الاتفاقية بموجب بروتوكول 1965، استجابة للدول النامية الأعضاء. ويشتمل على ثلاث مواد: المادة 36: تعرض مبادئ التنمية الاقتصادية وأهدافها؛ والتدابير الميسرة لتجارة المواد والسلع الأولية؛ وتنويع إنتاج الدول النامية، وتوفير المساندة الدولية لها، لعلاج نقص حصيلة صادراتها. المادة 37: تشترط على الأطراف المتعاقدة: 1. التزام الدول المتقدمة بعدة أحكام، تنعش مصالح الدول النامية، كإعطاء سلعها التصديرية المهمة الأولوية في التخفيضات الجمركية، سواء كانت سلعاً مصنعة أو في صورتها الأولية؛ والامتناع عن فرض رسوم جديدة على منتجات الدول النامية الأعضاء، أو زيادة الرسوم الجمركية، والحواجز القائمة. 2. التعهد بتطبيق الإجراءات، المنصوص عليها في الباب الرابع، على الدول النامية الأخرى، غير الأعضاء في الاتفاقية؛ دعماً لجهود التنمية المستقبلية فيها. المادة 38: وتنص على أن تتعاون الأطراف المتعاقدة على تنفيذ الأهداف المدرجة في المادة 36، بإبرام اتفاقيات دولية، تحسن من إمكانية تسويق السلع الأولية، ذات الأهمية التصديرية للدول النامية؛ والتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة كافة، على زيادة صادرات تلك الدول النامية. استندت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة إلى النظرية الراتبة في التجارة الخارجية، التي سادت القرنَين: الثامن عشر والتاسع عشر؛ فاقتصرت على تحرير التجارة السلعية فقط، بين دولها الأعضاء. واستمرت في النمو، فاجتذبت المزيد من الأعضاء، من دول شرقي أوروبا؛ إضافة إلى روسيا، التي تقدمت بطلب للانضمام إلى الاتفاقية، وكذلك الصين. وظلت الجات، منذ إبرامها في عام 1947 وحتى نهاية عام 1994، هي الأداة القانونية الدولية، الوحيدة، التي تنظم تنظيماً شاملاً نشاط التبادل التجاري الدولي، سواء من خلال المبادئ والقواعد والإجراءات، التي أقرت أحكامها، والتزمت بها الدول الأعضاء؛ أو بالتخفيضات الجمركية المتبادلة؛ ما أسهم إسهاماً كبيراً في خفض عوائق التجارة، وزيادة حجم التدفقات السلعية الدولية. خامساً: أجهزتها وآلية عملها تتمثل أجهزة الجات في مؤتمر الأطراف المتعاقدة، ومجلس عام، وسكرتاريا، ولجان. وقد اختيرت مدينة جنيف، في سويسرا، لتكون مقراً لها. ويعيِّن أغلب الدول الأعضاء سفراء لدى الجات. 1. مؤتمر الأطراف المتعاقدة يتألف المؤتمر من جميع الأعضاء المنضمين إلى الاتفاقية. وتنعقد اجتماعاته سنوياً. وغالباً ما ينعقد على مستوى وزاري. ويشترط حضور الأكثرية المطلقة لالتئام الاجتماع. وتتخذ القرارات بالأغلبية الطفيفة، عدا حالتَين: أولاهما، طلب الاستثناء من تطبيق الاتفاقية؛ والثانية، قبول انضمام أعضاء جدد؛ إذ لا بُدّ فيهما من أغلبية ثلثي أصوات الحاضرين، على أن تفوق بواحد نصف عدد الأعضاء. أمّا تعديل الاتفاقية، فيستلزم موافقة ثلثَي الأعضاء جميعاً. والمؤتمر هو أعلى سلطة في الجات. يقرر كلّ ما يتعلق بها، وخاصة تحديد جولات المفاوضات، وقبول انضمام أعضاء جدد، وتعيين الأمين العام وتحديد صلاحياته، وتعديل نصوص الاتفاقية، وإقرار الميزانية. وقد ترأس الأمين العام للأمم المتحدة أول اجتماع لمؤتمر الأطراف المتعاقدة، في الأول من مارس 1948. 2. مجلس الممثلين يتكوَّن من ممثل لكلّ عضو. يجتمعون تسع مرات، في السنة. وكلما دعت الحاجة، يضطلع المجلس بمهام المؤتمر الآنف. ويساعد السكرتارية على معالجة القضايا اليومية. ويجتمع بصفة جهاز لحل النزاعات التجارية. ويفصل في الانتساب إلى الاتفاقية والانسحاب منها، والاستثناءات، وقضايا تطبيق أحكام الجات. 3. السكرتاريا قوامها مدير عام، ومكتب وسكرتاريا، وعدد من الموظفين، يشرف المدير العام على تعيينهم، وتحديد أعمالهم، ومراقبة أدائهم؛ وهم يناهزون 400 موظف. وقد بلغت ميزانية الجات 70 مليون فرنك سويسري، يدفعها الأعضاء، كلٌّ بما يلائم حصته من التجارة الدولية. والدولة الراغبة في الانضمام إلى الجات، تودع السكرتاريا العامة خطاب موافقتها على الاتفاقية، الذي يصبح مستجاباً بعد مضي 30 يوماً على إيداعه. 4. اللجان: الفنية والإدارية يؤلِّف المدير العام لجاناً وجماعات استشارية مؤقتة، تعالج قضايا معينة، تتعلق بتطبيق أحكام الاتفاقية، وخاصة طلب الانضمام إليها، واستيفاء شروطه. أمَّا اللجان الدائمة، فأهمها: أ. لجنة العناية بمصالح الدول النامية. ب. لجنة النظر في السماح بتدابير حمائية، لتحسين ميزان المدفوعات في بعض الدول. ج. لجنة بحث قضايا التعريفة. د. لجنة الميزانية. سادساً: مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية United Nations Conference for Trade and Development (UNCTAD) 1. أسبابه طالما افتقدت اتفاقية الجات صفة العالَمية، حتى إنها كادت تقتصر على الدول الصناعية الغنية، لولا اشتمالها على بعض البلدان النامية، ولا سيما تلك الواقعة في أمريكا اللاتينية. ويُعزى عزوف سائر الدول النامية عن الاتفاقية إلى أن مبادئها، وبخاصة، عدم التمييز، والتبادلية، وعدم اللجوء إلى الوسائل الكمية، لا تراعي الظروف الخاصة لتلك الدول، ولا استراتيجيتها التنموية، المعتمدة على تقييد التجارة؛ ما انتهى بها، عام 1964، إلى عقد "مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية" (الأنكتاد)، لتنظيم التجارة الدولية على أُسُس مخالفة تماماً لأُسُس الجات. اقترنت نشأة المؤتمر بجمهورية مصر العربية، إثر دعوتها، في يوليه 1962، الدول النامية إلى اجتماع خاص، في القاهرة، شاركت فيه 31 دولة. وتمخض بوثيقة، سُميت "إعلان القاهرة"، وتضمنت رؤية الدول المجتمعة لقضية التنمية ومقتضياتها. فركزت في أهمية التجارة المتكافئة بين الدول النامية؛ وزيادة معونات التنمية، لدعم الجهود في تحقيق معدلات نمو عالية. وقد وافق إعلان القاهرة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الصادر في ديسمبر 1961، والذي جعل الفترة من 1961 إلى 1970 عقداً للتنمية، وحث على بذل أقصى الجهود، لكي يتسنى للدول الآخذة في النمو تحقيق معدل اقتصادي، سنوي، مرضي، لا يقلّ عن 5%. التأم الأنكتاد، عام 1964، في جنيف؛ فغدا ثاني مؤتمر دولي للتجارة، يعقد في رحاب الأمم المتحدة، بعد مؤتمر هافانا، الذي رعته خلال الفترة من 21 نوفمبر 1947 إلى 24 مارس 1948؛ ولكنه أمسى موءوداً. وكان أبرز هدف لمؤتمر الأنكتاد، هو السعي إلى نظام اقتصادي عالمي جديد؛ يتدارك ما شاب اتفاقية الجات، من استيحاء للفكر التقليدي في التجارة الخارجية، وخلوها من ترتيبات خاصة للتجارة الدولية في السلع؛ وتجاهلها لطبيعة عملية التنمية الاقتصادية، لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، والظروف الاقتصادية العائقة؛ حتى وقت قريب، فضلاً عن أنها لم تكن تضم دول أوروبا الاشتراكية. ويراعي مصالح الدول الآخذة في النمو. ويحاول تضييق الفجوة، بين الشمال المتقدم والجنوب المتخلف. فأوصى الأنكتاد بتشجيع التنمية في الدول النامية، ومنع تدهور شروط التبادل، والامتناع عن الإغراق، وإعطاء هذه الجماعة من الدول حق الحماية الجمركية؛ والعمل على فتح أسواق الدول المتقدمة، وعدم فرضها للقيود، وإلغاء الرسوم، وغير ذلك مما يسهل دخول صادرات الدول النامية إلى تلك الأسواق. 2. أسباب فشله واصل الأنكتاد عقد دوراته، كلّ أربع سنوات. وأصدر عدداً هائلاً من التوصيات، في شأن تحسين التبادل الدولي، لمصلحة الدول النامية خاصة. وأعدت سكرتاريته، في جنيف، دراسات عديدة، وقيِّمة، في هذا الشأن. إلا أنه اتسم بسلبية، أدت إلى فشله، وعجزه عن إنجاز مهامه؛ فساعدت على رواج فكرة الجات. ولعل أبرز أسباب ذلك الفشل، ما يلي: أ. دول المؤتمر غير ملزمة بتوصياته. ب. حرص الدول المتقدمة على استئثار اتفاقية الجات بتنظيم التبادل التجاري الدولي، وشعورها بأنها ستتحمل العبء الأكبر، من جراء التخفيضات الجمركية، التي أوصى بها المؤتمر؛ فضلاً عن اجتذاب تكتلاتها الاقتصادية. ج. تنكّر الدول الاشتراكية، وقتذاك، لبعض مشاكل التجارة في الدول النامية؛ بحجة مناقضة أحكام سوقها آلية السوق الرأسمالية. سابعاً: "اتفاقية الألياف المتعددة" اتفاقية الألياف المتعددة Multi- Fibre Arrangement، هي الاتفاقية التي نظمت التجارة في المنسوجات والملابس، من عام 1974 حتى عام 1994، وفق استثناء من القواعد العامة لاتفاقية الجات؛ إذ إن مفاوضات تحرير التجارة، ضمن اتفاقية الجات، تناولت عدداً وافراً من السلع؛ إلا أنها لم تطاول قطاع المنسوجات والملابس، فظل خاضعاً للعديد من القيود الاستثنائية.


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like
    [align=center]المبحث الثالث
    تفاوض دول "الجات" في تحرير تجارتها البينية[/align]

    استهدفت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات) تحرير التجارة الدولية، من خلال إزالة الحواجز والقيود: التعريفية (الجمركية) وغير التعريفية (الكمية)؛ ولذلك، خاضت دولها الأعضاء سلسلة من المفاوضات، في ثماني جولات متعاقبة، مبتغية توسيع نطاق المشاركة، وحجم التخفيضات الجمركية المتبادلة بين الأطراف المتعاقدة.
    أولاً: المفاوضات بين عامَي 1947 و1979
    1. جولة جنيف (سويسرا) Geneva Round
    عُقدت عام 1947. وشارك فيها 23 دولة. وتوخت تبادل التخفيضات الجمركية بين الدول الأعضاء. وهي الجولة، التي تمخضت بالإطار العام للاتفاقية.
    2. جولة أنسي (فرنسا) Annecy Round
    التأمت عام 1949. وشارك فيها 13 دولة فقط. ورمت إلى المزيد من التخفيضات الجمركية.
    3. جولة توركاي (إنجلترا) Torquay Round
    جرت عام 1951. وارتفع عدد الدول المشاركة فيها إلى 38 دولة، بعد أن ازداد الوعي والرغبة في تحرير التجارة الدولية. وركزت، كسابقتَيها، في خفض التعريفات الجمركية. وتقديم المزيد من التنازلات في هذا المجال.
    4. جولة جنيف (سويسرا) Geneva Round
    عُقدت بين عامَي 1952 و1956. وشارك فيها 26 دولة فقط. وكانت غايتها هي نفسها غاية سابقاتها.
    5. جولة ديلون (جنيف في سويسرا) Geneva Dillon Round
    تمت بين عامَي 1960 و1961. وشارك فيها 26 دولة. واقتصرت على تبادل التخفيضات الجمركية بين الدول المشاركة.
    6. جولة كنيدي (جنيف في سويسرا) Kennedy Round
    عُقدت بين عامَي 1964 و1967. وشارك فيها 62 دولة. دُعي إليها، في 25 يناير 1962، الرئيس الأمريكي، جون كنيدي Gon Kennedy؛ فنسبت إليه. واكبتها تطورات اقتصادية عالمية مهمة، أثرت في نتائجها، وتمثلت في إنشاء الجماعة الاقتصادية لأوروبا، وانتهاجها سياسة جمركية موحدة؛ وموافقة الكونجرس الأمريكي على قانون توسيع التجارة، الذي يخول الرئيس الأمريكي حق المفاوضة في توسيع نطاق التجارة، ويمنحه الحق في تخفيض التعريفة الجمركية، بنسبة 50%، خلال خمس سنوات، تنتهي في 30 يونيه 1967. وهكذا، بدأت، عام 1964، مفاوضات في تحقيق النسبة الآنفة.
    لم تسفر جولة كنيدي إلا عن اتفاق لمكافحة الإغراق. واتسمت بالخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجماعة الأوروبية، وخاصة في مجال السلع الزراعية، نتيجة السياسة الزراعية لتلك الجماعة، والتي تميزت بالحمائية الشديدة. وخيبت الجولة آمال أعضائها القلة من الدول النامية، التي كانت تأمل أن تتجاوز نتائجها مصالح الدول المتقدمة، إلى حل مشاكلها هي، والناجمة عن التجارة الدولية.
    7. جولة طوكيو (اليابان) Tokyo Round
    امتدت بين عامَي 1973 و1979. وشارك فيها دولتان ومائة دولة، منها 90 دولة عضو، والباقي دول غير أعضاء، في حكم المراقبين. وتخطت ما اقتصرت عليه سابقاتها، لتشمل، إلى جانب، التعريفات الجمركية، القيود التجارية الأخرى. وسُميت باسم "جولة طوكيو"؛ لأن المؤتمر الوزاري، الذي أعلن بدايتها، انعقد في العاصمة اليابانية، في سبتمبر 1973.
    أسفرت جولة طوكيو عن رُؤى غير مسبوقة لتحرير التجارة الدولية. إذ اتُّفق على خفض التعريفات الجمركية للسلع: الصناعية والزراعية، على مدى ثماني سنوات؛ ما أدى إلى انخفاض الرسوم في الدول الصناعية بمتوسط، يعادل ثلث تعريفاتها. ولم يطاول معدل التخفيضات نفسه بعض المنتجات الزراعية. وعالجت القيودَ التجارية، والمشكلات الناجمة عن تحرير التبادل التجاري الدولي، وتقوية النظام القانوني لاتفاقية الجات، اتفاقيات شتّى، يبدأ تنفيذها في الأول يناير 1980؛ أهمها:
    أ. اتفاقية الدعم
    حددت لدولها الأعضاء الحالات، التي يحق لها فيها فرض رسوم تعويضية على وارداتها، والضوابط المنظمة لتلك الرسوم. واشترطت ألا يضر ذلك الدعم بتجارة الدول الأخرى الأعضاء.
    ب. اتفاقية تراخيص الاستيراد
    استهدفت تخفيف الإجراءات المتشددة، العائقة للتجارة الدولية، ولا سيما تلك المتعلقة بتراخيص الاستيراد، التي تعاهدت الدول الأعضاء على إدارتها بطريقة عادلة، ومحايدة.
    ج. اتفاقية احتساب قيمة الجمارك
    سنََّت نظاماً موحداً، ومتجانساً، لتقدير قيمة الرسوم الجمركية على السلع المستوردة؛ للحؤول دون التقديرات الجزافية في بعض الدول.
    د. اتفاقية القيود الفنية على التجارة
    القيود الفنية، أو المعايير القياسية، هي الإجراءات التي تتخذها الدول، لتحقيق أغراض: أمنية أو صحية أو بيئية... وتطبقها على بعض السلع أو المنتجات، التي تصدرها إلى الخارج. وتلزمها هذه الاتفاقية بألاّ تعرقل القيود الفنية التجارة الدولية.
    هـ. اتفاقية المشتريات الحكومية
    حددت القواعد التي تحقق منافسة دولية عادلة، في سوق المشتريات التي تنفرد الحكومة باستيرادها، والتي تكفل مشاركة المنتجين والمصدرين الأجانب في مزاد تلك المشتريات، وعدم قصرها على المنتجين والمنتجات المحلية فقط.
    و. اتفاقية اللحوم والثروة الحيوانية
    تستهدف تحرير التجارة في اللحوم والثروة الحيوانية وتوسيع نطاقها؛ إذ إن اللحوم هي واحدة من أهم سلع التجارة الدولية، لارتباطها بغذاء الشعوب.
    ز. اتفاقية الألبان
    تتوخى توسيع نطاق التجارة الدولية في الألبان، وتحقيق الاستقرار لهذه السلعة الحيوية.
    ح. اتفاقية التجارة في الطائرات المدنية
    اتفقت جماعة الدول الصناعية على إلغاء، منذ الأول من يناير 1980، الرسوم والتعريفات كافة المفروضة على كلّ أنواع الطائرات المدنية وقطع غيارها.
    ط. اتفاقية مكافحة الإغراق
    كان قد اتُّفق، في جولة كنيدي، على مكافحة الإغراق. وتولت جولة طوكيو تطوير الاتفاق وتفصيل أحكامه وتفسيرها. عُرفت جولة طوكيو باسم "الاتفاقيات الجمعية" Plurilateral Agreement. وهي غير ملزمة لجميع دول الجات، بل تُطبق على تلك التي أبرمتها فقط. وهكذا، مهدت الجولة لترسيخ دعائم النظام التجاري العالمي، وكانت أساساً لجولة أوروجواي. وقد حولتها جولة أورجواي إلى "اتفاقيات متعددة الأطراف" Multilateral Agreement لتكون ملزمة لجميع الأطراف في الجات.
    ثانياً: مفاوضات جولة أوروجواي (1986-1993)
    أُزمعَ البدء في الجولة عام 1982. ولكن تردي معدلات الأداء الاقتصادي، في معظم دول العالم، وخصوصاً بين عامَي 1981 و1983 ـ حال دون ذلك. إذ إن ارتفاع معدلات التضخم والبطالة؛ ومن ثم، انخفاض معدلات الناتج المحلي الإجمالي، حمل بعض الدول على انتهاج سياسات انكماشية، انعكست على معدلات نمو التجارة الدولية. وازداد التردي الاقتصادي تفاقماً بظهور أزمة النفط، وأزمة الديون الخارجية للدول النامية، التي بدأت عام 1982، حينما تعثرت المكسيك في دفع ديونها. كلّ ذلك، سوَّل للدول المتقدمة، الصناعية، سياسات الحماية التجارية، المتمثلة في العوائق أو الحواجز غير الجمركية، وليس التعريفات الجمركية؛ فلجأت إليها، منذ عام 1981.
    ولاح خلال هذه الشدة توافق دولي عام على البدء في جولة جديدة من المفاوضات. فبادرت الأطراف المتعاقدة إلى اجتماع وزاري، في مدينة "بونتاديل إيستي"، في أوروجواي، بين 15 و20 سبتمبر 1986. شارك فيه 92 دولة. وصدر عن الاجتماع إعلان وزاري، يقضي ببدء جولة جديدة من المفاوضات التجارية، بين دول الجات، في إطار أهداف ومبادئ محددة، ولا سيما التجارة الدولية في السلع، والتجارة الدولية في الخدمات.
    أ. التجارة الدولية في السلع
    أشار الإعلان إلى ضرورة تحرير التجارة الدولية وتوسيعها لينتفع بها جميع الدول، وبخاصة تلك النامية؛ والعمل على خفض التعريفات الجمركية، وإزالة ما يعوق تلك التجارة. ولفت إلى التركيز في دعم اتفاقية الجات، في مجال التجارة العالمية، وتقوية دعائم التعاون التجاري الدولي بين أعضائها، وخصوصاً في مجال السياسات: التجارية، وتلك الاقتصادية، المؤثرة في النمو والتنمية الاقتصاديَّين؛ وإلى ضرورة أن تواصل الدول الأعضاء مجهوداتها، لتحسين النظام النقدي الدولي وتطويره، والعمل على زيادة التدفقات المالية والاستثمار في الدول النامية. ونوَّه بأهمية إزالة ما يقيِّد صادرات هذه الأخيرة، سواء كانت تلك القيود تعريفات جمركية أو غيرها؛ علّها تزيد صادراتها، فتزداد عوائدها من العملات الأجنبية، التي تعاني نقصها في دفع قيمة وارداتها أو ديونها الخارجية.
    ب. التجارة الدولية في الخدمات
    دعا الإعلان إلى إقرار مبادئ وقواعد، تنظم التجارة الدولية في الخدمات، وتوسعها، وفقاً لمبادئ الشفافية والتحرير التدريجي؛ وتراعي متطلبات التنمية في الدول النامية. وأكد أهمية احترام السياسات والقوانين الوطنية للدول الأعضاء؛ فضلاً عن قواعد الجات. قدِّر لجولة أوروجواي أن تختتم في الاجتماع الوزاري، الذي عُقد في ديسمبر 1990، في بروكسل. إلا أن تباين المواقف، وتعارض المصالح، والاختلافات في تحرير التجارة في السلع الزراعية، والحاجة إلى استكمال العديد من النقاط الفنية، أجّلت انتهاء الجولة إلى 15 ديسمبر 1993، حينما اتُّفق على وثيقة، تضمنت جميع الاتفاقيات والوثائق القانونية الملزمة، المنبثقة منها؛ وحظيت بموافقة دول الأمم المتحدة، في جنيف.
    فقد اشتملت على 28 نصاً قانونياً، ما بين اتفاقية وقرار ومذكرة تفاهمم[1]، لتفسير بعض مواد اتفاقية الجات الأصلية؛ لتطاول جميع مجالات التفاوض، التي أقرها الإعلان الوزاري، في مدينة بونتاديل إيستي، في أوروجواي، عام 1986 (انظر ملحق الوثيقة الختامية لجولة أوروجواي). ووقعتها في 15 أبريل 1994، 117 دولة عضو في الجات، خلال مؤتمر وزاري، عُقد في مدينة مراكش، في المغرب؛ شارك فيه 125 دولة، بما فيها تلك الموقعة.
    اتسمت جولة أوروجواي بجعلها كلّ الاتفاقيات، الناجمة عن مفاوضات الجات، كلاًّ واحداً متكاملاً، يُقْبَل أو يُرفَض برمّته؛ عدا أربع اتفاقيات، لا تلزم إلا الدول التي وقعتها، وهي: اتفاقية المشتريات الحكومية، اتفاقية اللحوم، اتفاقية الألبان، اتفاقية الطائرات المدنية. وتتلخص نتائجها في:

    أ. إنشاء منظمة التجارة العالمية، للإشراف على تطبيق اتفاقية الجات لعام 1994. ووضع أُسُس للتعاون بينها وبين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، من أجل تنسيق السياسات: التجارية والمالية، للدول الأعضاء. ولقد بدأت هذه المنظمة عملها مع بداية عام 1995.
    ب. تدارُك أوجُه النقص والقصور في الضوابط والقواعد، المسؤولة عن تحرير التجارة الدولية، والتي اتضحت في ضعف التأثير في توجهات السياسة التجارية للدول الأعضاء. يُضاف إلى ذلك التوصل إلى نظام أكثر انضباطاً وفاعلية، لرقابة تنفيذ الاتفاقيات، والقواعد والمبادئ المنظمة للتجارة الدولية.
    ج. إنشاء نظام متكامل أكثر صرامة وإنصافاً، لتسوية المنازعات التجارية بين الدول الأعضاء، من خلال قرارات تحكيم ملزمة، وحماية الدول الأصغر والأضعف من خطر تعرضها لانفراد الدول الكبرى بإجراءات انتقامية. وإنشاء آلية مراجعة السياسات التجارية، لتحقيق شفافية الأنظمة التجارية الدولية.
    د. تقوية النظام القانوني للجات، ولا سيما الإجراءات الخاصة بالحماية من الواردات، ومكافحة الدعم والإغراق، والتي كانت ضمن المطالب الرئيسية للدول النامية، لتحميها من الفوارق الهائلة في إمكانياتها الاقتصادية وقدرتها التنافسية، مقارنة بالدول المتقدمة.
    هـ. تخفيض الرسوم الجمركية، والحواجز غير الجمركية، على التجارة. وتوسيع قواعد الجات، لتشمل تحرير تجارة السلع الزراعية، والمنسوجات والملابس، وتجارة الخدمات، والجوانب التجارية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والاستثمار.
    و. استمرار الحفاظ على المعاملة التفضيلية للدول النامية، وخاصة تلك الأقل نمواً، سواء فيما يتعلق بنظام الالتزامات أو الفترات الزمنية الانتقالية، التي مُنِحَتْها، لاستكمال التزاماتها، بموجب الاتفاقيات. وكذلك المعاملة التفضيلية، الخاصة بتنمية التبادل التجاري فيما بين الدول النامية، من خلال الترتيبات التفضيلية، من دون الالتزام بشرط الدولة الأَوْلى بالرعاية، تجاه الدول الأخرى غير النامية.
    ز. التسليم بحق الدول النامية، وتلك الأقل نمواً، المستوردة للغذاء، في التعويضات، لمواجهة الآثار السلبية، الناشئة عن تحرير التجارة، وبرنامج الإصلاح الزراعي للجات، سواء من خلال المنح أو القروض الميسرة؛ والنص على ضرورة استمرار معدلات المعونات الغذائية، المتفق عليها بموجب اتفاقية المعونة لعام 1986.
    ح. تحقيق قدر أكبر من مشاركة الدول النامية في النظام التجاري الدولي الجديد، من خلال تمتع جميع الدول، الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، بحقوق متساوية في التصويت، حيث خصص صوت واحد لكل دولة، من دون النظر إلى حجم تجارتها الخارجية أو قوة اقتصادها.
    ومع أن الوثيقة الختامية المنبثقة عن مفاوضات كانت تتميز بالشمول، وسعت الدول المتقدمة، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، إلى إضافة موضوعَين مستحدثَين، لم تشملهما مفاوضات جولة أوروجواي؛ إذ رأت واشنطن أنهما يؤثران تأثيراً شديداً في مصالحها التجارية الدولية؛ وهما: العلاقة بين التجارة والبيئة، ومعايير العمل أو الإغراق الاجتماعي.
    أ. العلاقة بين التجارة والبيئة
    اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية، في المراحل الأخيرة لمفاوضات أوروجواي، إنشاء لجنة دائمة للتجارة والبيئة، في إطار منظمة التجارة العالمية. وقد استجيب لها في مؤتمر مراكش، فنص القرار الوزاري، الصادر عنه، على إنشاء تلك اللجنة، وتحديد نطاق عملها. وبذلك، يدخل موضوع العلاقة بين التجارة والبيئة، رسمياً، وأول مرة، في إطار الجات ومنظمة التجارة العالمية. وتحوي المعايير البيئية النشاط الصناعي، لضمان أساليب إنتاج ومنتجات غير ملوثة للبيئة؛ وكذا السلع الزراعية وما تتطلبه من استخدام مبيدات الآفات، والأسمدة، ومواصفات التعبئة والتغليف.
    ب. الإغراق الاجتماعي
    يُقصد به انخفاض الأجور في الدول النامية انخفاضاً كبيراً عنها في الدول المتقدمة؛ إضافة إلى عدم التزام بعض أوْلاهما بالمعايير الدولية المنظمة للعمل؛ ما ينجم عنه إنتاج سلع، في الدول النامية، تقل نفقاتها كثيراً عن نظائرها في الدول المتقدمة. وقد اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، إدراج هذا الموضوع ضمن المهام المستقبلية لمنظمة التجارة العالمية؛ لضمان التزام جميع الدول بمعايير العمل الدولية. وقد عارضت الدول النامية بشدة هذا التوجه، ونجحت في عدم إقحام موضوعات العمال ضمن أنشطة تلك المنظمة.



    [1] الفرق بين الاتفاقيات ومكذرات التفاهم، أن الاولى معاهدات دولية منشئة لحقوق والتزامات بالنسبة إلى أطرافها. أما الثانية فهي في حكم التفسيرات التشريعية التي تستهدف، بصورة أساسية، توضيح بعض الأحكام الواردة في الاتفاقيات الدولية. ويُستثنى من ذلك مذكرة التفاهم في شأن القواعد والإجراءات التي تحكم تسوية المنازعات، التي اشتملت على حقوق والتزامات تجاوز ما جاء في الجات، والاتفاقيات الدولية الأخرى.


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like
    المبحث الرابع
    منظمة التجارة العالمية (WTO)

    أولاً: إنشاؤها
    انتهت مفاوضات جولة أوروجواي، في مؤتمر مراكش، إلى إنشاء "منظمة التجارة العالمية"World Trade Organization المختصر بحروفها الأولى: WTO، والمعروفة باسم "اتفاقية مراكش". وتتضمن اتفاقية إنشائها 16 مادة، توضح الجوانب كافة: القانونية والتنظيمية، التي تحكم عملها (انظر شكل الهيكل التنظيمي). وسرعان ما استبدلت، في الأول من يناير 1995، باتفاقية الجات، وأُنيط بها الإشراف على الاتفاقيات كافة، التي أسفرت عنها جولة أوروجواي، والبالغ عددها 28 اتفاقاً وبروتوكولاً وقراراً وزارياً[1]، جُعلت وُضعت ملاحق للاتفاقية المُنشئة لتلك المنظمة؛ لتصبحا معاً كلاًّ واحداً، لا يتجزأ.
    ويمثل إنشاء هذه المنظمة تحولاً جوهرياً، في طبيعة النظام التجاري الدولي؛ إذ تتساوى، في إطارها، حقوق الدول الأعضاء كافة، بغض النظر عن حجم الدولة وقدرتها الاقتصادية أو إسهامها في التجارة العالمية. أمّا التزاماتها، فتختلف باختلاف مستويات التنمية فيها، فيراعى حجم الالتزامات، والمدد الزمنية اللازمة لتنفيذها، تبعاً لحال الدول بين التقدم والنمو.
    ثانياً: مهامّها
    عهدت الاتفاقية إلى المنظمة بالتالي:
    1. التفتيش في الدول كافة؛ ضماناً لحرية التجارة، ومحاربة أيّ سياسات حمائية.
    2. الإشراف على تنفيذ القوانين، الخاصة بالقضايا التجارية، إشرافاً أكثر شمولاً، مما اضطلعت به الجات؛ مثل: حقوق الملكية الفكرية، الخدمات، الاستثمار.
    3. التعهُّد، تنفيذاً وإدارةً، لاتفاقيات التجارة متعددة الأطراف، والتي تنظم العلاقات التجارية بين الدول الأعضاء؛ إضافة إلى الاتفاقيات الجماعية الأربع، الناجمة عن جولة طوكيو، وهي الاتفاقات الملزمة لمن وافق على الانضمام إليها فقط، دون سائر الأعضاء؛ وذلك على عكس اتفاقيات جولة أوروجواي ذات الطبيعة الإلزامية الشاملة.
    4. التخطيط لمفاوضات تجارية متعددة الأطراف. ومراجعة السياسات التجارية للدول الأعضاء، بصفة دورية.
    5. التعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، من أجل تحقيق أكبر قدر من التناسق في وضع السياسات الاقتصادية العالمية.
    6. الإشراف على فض المنازعات الدولية في تطبيق نصوص الاتفاقيات التجارية. وتسوية تلك المنازعات، وفق الأسس والمبادئ، التي نصت عليها الاتفاقية الخاصة بذلك. وقد خُوِّلت المنظمة صلاحية واسعة في تسويتها.
    ثالثاً: هيكلها التنظيمي
    يشتمل هيكل المنظمة على رئاسة، تتكون من مؤتمر وزاري ومجلس عام؛ وتتفرع منهما مجالس ولجان متخصصة، وسكرتاريا (انظر ملحق اتفاقية مراكش لإنشاء منظمة التجارة العالمية).
    1. المؤتمر الوزاري
    يتألف من ممثلي جميع الأعضاء، بمستوى وزير. ويلتئم كلّ سنتَين، على الأقل. وهو السلطة العليا المشرفة على تنفيذ مهامّ المنظمة، واتخاذ الإجراءات والقرارات اللازمة لذلك؛ فضلاً عن اتخاذها، بناءً على طلب الدول الأعضاء، القرارات المتعلقة بأيّ موضوع، يدخل في نطاق الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف.
    2. المجلس العام
    يتكون من ممثلي كلّ الدول الأعضاء. ويشرف على التنفيذ اليومي لمهام المنظمة. ويتولى مهام المؤتمر الوزاري، فيما بين فترات انعقاده. ويضطلع بمهام هيئة فض المنازعات، وبمراجعة السياسات التجارية للدول الأعضاء. ويجتمع المجلس كلّما دعت الحاجة.
    3. المجالس المتخصصة
    تتفرع من المجلس العام. منها مجلس لشؤون التجارة في السلع، وآخر لشؤون التجارة في الخدمات، وثالث لشؤون حماية الملكية الفكرية. والاشتراك فيها مباح للدول الأعضاء الراغبة فيه. وتنعقد اجتماعاتها، حسب الضرورة، لتنفيذ مهامها، طبقاً للاتفاقيات الخاصة بكلّ منها؛ فضلاً عن المهام، التي يحددها لها المجلس العام. ويضع كلّ منها قواعد إجراءاته، التي تخضع لموافقة المجلس العام، الذي تعمل تلك المجالس تحت إشرافه.
    4. اللجان الفرعية
    وهي: لجنة التجارة والتنمية، ولجنة قيود ميزان المدفوعات، ولجنة الميزانية، ولجنة الشؤون الإدارية. يوافق المؤتمر الوزاري على إنشائها، وينشئ لجاناً أخرى، كلّما دعت الحاجة. تنفذ تلك اللجان المهام، التي تكلها إليها الاتفاقيات متعددة الأطراف، وما يعهد به إليها المجلس العام، من مهام إضافية. وعضويتها متاحة لجميع الدول الأعضاء الراغبة فيها.
    5. السكرتاريا
    يرأسها مدير عام، يعيّنه المجلس الوزاري، ويحدد صلاحياته وواجباته وشروط خدمته. ويعيِّن المدير العام موظفي السكرتاريا، ويحدد واجباتهم وصلاحياتهم وشروط خدمتهم، طبقاً للقواعد العامة، التي يحددها المجلس الوزاري. ومسؤوليات مديرها العام وموظفيها مسؤوليات دولية، فهُم لا يأتمرون سوى تعليمات المنظمة. وليس لهم أن يستجيبوا لأيّ جهة أخرى رغبتها، ويخضعوا لتأثيرها.
    رابعاً: المركز القانوني للمنظمة
    تنص المادة الثامنة، من اتفاقية إنشاء المنظمة، على الآتي:
    1. يكون للمنظمة شخصية قانونية. وعلى كلّ عضو من أعضائها، أن يمنحها الأهلية القانونية، والامتيازات والحصانات، اللازمة لمباشرة مهامها.
    2. تمنح كلّ دولة عضو موظفي المنظمة، وممثلي الأعضاء، الامتيازات والحصانات، التي تكفل استقلالية ممارستهم لوظائفهم.
    3. تكون الامتيازات والحصانات، التي يمنحها العضو المنظمة وموظفيها وممثلي أعضائها، مثل تلك المنصوص عليها في اتفاقية امتيازات وحصانات الوكالات المتخصصة، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 21 نوفمبر 1947.
    خامساً: العضوية الأصلية في المنظمة
    تحدد المادة الحادية عشرة من الاتفاقية الآتي:
    1. تكون الأعضاء الأصلية في منظمة التجارة العالمية، منذ نفاذ الاتفاقية الحالية، في الأول من يناير 1995، هي الأطراف المتعاقدة في اتفاقية الجات 1947، والجماعة الأوروبية؛ على أن تقدّم كلّ دولة جداول التزاماتها وتعهداتها باتفاقية الجات الجديدة، "الجات 1994"[2].
    2. لا يطلب من البلدان الأقل نمواً، التي تعترف بها الأمم المتحدة، أن تقدم تعهدات أو نزولات، إلا في الحدود، التي تتفق مع مرحلة تنمية كلّ منها واحتياجاتها: المالية والتجارية، أو إمكاناتها: الإدارية والمؤسسية.
    سادساً: الانضمام إلى المنظمة والانسحاب منها
    1. الانضمام
    تجيز المادة الثانية عشرة، من اتفاقية منظمة التجارة العالمية، لأيّ دولة أو إقليم جمركي منفصل، يملك استقلالاً ذاتياً كاملاً في إدارة علاقاته التجارية الخارجية، أن ينضم إلى الاتفاقية، بالشروط التي يتفق عليها بينه وبين المنظمة. ويسري الانضمام إلى المنظمة على الاتفاقات التجارية الأخرى، الملحقة بها، وفق مبدأ القبول الكلي أو عدمه. ويتخذ المؤتمر الوزاري قرارات الانضمام، ويوافق على شروطه بأغلبية ثلثَي أعضاء المنظمة. ويتطلب الانضمام تقديم طلب، مرفق به دراسة وافية للأوضاع: الاقتصادية والتجارية الوطنية؛ وتعهد بالتزام أحكام اتفاقيات الجات جميعها؛ والالتزام بإجراء تعديلات هيكلية للأوضاع الاقتصادية، لتطابق لوائحها وقوانينها الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقيات الجات. وإن رغبت الدولة طالبة الانضمام عن تطبيق أحكام الاتفاقيات على أيّ من الدول الأعضاء، فعليها أن تبين ذلك في طلبها؛ لأنه لا يحق لها ذلك، بعد صدور قرار المؤتمر الوزاري قبول عضويتها.
    2. الانسحاب
    تبيح المادة الخامسة عشرة، من اتفاقية إنشاء المنظمة، لأيّ عضو أن ينسحب من تلك الاتفاقية. ويشمل الانسحاب كذلك جميع الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف. ويصبح نافذاً، بعد ستة أشهر على تلقى المدير العام للمنظمة إيذاناً خطياً به.
    سابعاً: العلاقات بالمنظمات الأخرى
    تخوِّل المادة الخامسة، من اتفاقية منظمة التجارة العالمية، المجلس العام اتخاذ الترتيبات الملائمة لتعاون فعال مع المنظمات الدولية، سيان الحكومية، التي تتصل مسؤولياتها بمسؤوليات المنظمة. كما أن للمجلس العام، أن يتخذ الترتيبات الملائمة للتشاور والتعاون مع المنظمات، الحكومية وغير الحكومية، المعنية بمسائل تماسّ أنشطة المنظمة.
    ثامناً: اتخاذ القرارات
    تُتَخذ القرارات في المنظمة ومجالسها، بتوافق الآراء Consensus، المسمّى كذلك "القبول السلبي"؛ إذ إن عدم إبداء أيّ من الأطراف اعتراضه، رسمياً، على القرار المطروح للبت، يعني الموافقة عليه. وإن لم تتوافق الآراء، يُلجأ إلى التصويت، حيث يتمتع كلّ عضو بصوت واحد، في اجتماعات المؤتمر الوزاري والمجلس العام. وتتخذ القرارات بأغلبية الأصوات، ما لم تنص الاتفاقيات على خلاف ذلك، كما هو الشأن في فض المنازعات، أو تفسير أيّ اتفاقية، أو إعفاء أيّ عضو في المنظمة من التزام مقرر في الاتفاقيات؛ إذ يشترط لاتخاذ القرار في صددها على ثلاثة أرباع عدد أصوات الحاضرين، على الأقل.
    أمّا تعديل المادتَيْن: الأولى والثانية، من اتفاقية الجات 1994، والمتعلقتَين، بالمبادئ الأساسية؛ والفقرة الأولى من المادة الثانية، من اتفاقية التجارة في الخدمات، الخاصة بشرط الدولة الأَوْلى بالرعاية؛ والمادة الرابعة، من اتفاقية حماية الملكية الفكرية، والمتعلقة بالشرط نفسه؛ والمادة التاسعة، من اتفاقية إنشاء المنظمة، والمتعلقة بأسلوب التصويت واتخاذ القرارات ـ فهو يحتاج إلى موافقة الدول الأعضاء كافة.
    تاسعاً: هيئة تسوية المنازعات
    يُعَدّ إنشاء هيئة لتسوية المنازعات التجارية، في إطار منظمة التجارة العالمية، واحداً من أهم إنجازات جولة أوروجواي. ويتولى تلك التسوية المجلس العام للمنظمة، استناداً إلى التفاهم الذي تمخضت به تلك الجولة، في شأن "القواعد والإجراءات الحاكمة لتسوية المنازعات"، والقاضي بأن لأي عضو متضرر من خرق عضو أو أعضاء للاتفاقيات، التي تشرف المنظمة على تطبيقها، الحق في رفع شكوى إلى المنظمة، بعد استنفاد فرص التوصل إلى حل ودي، يلائم الاتفاقيات القائمة.
    ويتأتَّى التفاهم من خلال لجان، تتَّبع جدولاً زمنياً محدداً. وتُمنع الدول الأعضاء من تقرير، أن إخلالاً بأيّ التزام، قد وقع من جانب أيّ دولة عضو، إلا من خلال آلية تسوية المنازعات في المنظمة. ومن ثَم، تمنع من اتخاذ أيّ إجراء عقابي، بناءً على انفرادها بقرار وقوع مخالفة؛ كما كان يحدث بمقتضى القسم، المسمَّى "سوبر 301"، من قانون التجارة الأمريكي، الذي تلجأ إليه الولايات المتحدة الأمريكية، لفرض العقوبات التجارية على الدول، التي لا تحترم الحقوق الأمريكية، في مجال الملكية الفكرية، أو التي تخل بمصالحها التجارية. وهذا إنجاز مهم، يعمل على تقوية للنظام المتعدد الأطراف. وتخول الترتيبات الجديدة، لتسوية المنازعات التجارية، بين الدول الأعضاء في المنظمة، دون عرقلة المتهم بخرق الاتفاقيات لحكم هيئة تسوية المنازعات. إذ قصرت عضوية اللجان أو الهيئات المكلفة بتلك التسوية، على ممثلي الأطراف المتعاقدة في الجات، عدا أطراف النزاع. وأجازت لها أن تضم خبراء ومحكمين، مستقلين عن المتنازعين. وحكم لجنة تسوية المنازعات، يصبح نافذاً، تلقائياً، إذا وافقت عليه أغلبية أعضاء المجلس العام، ما لم تستأنفه الدولة المتهمة. وحكم لجنة الاستئناف قطعي، واجب النفاذ.
    وإن لم يستجب العضو المتهم لحكم المجلس العام، فإنه يحق للدولة المتضررة طلب تعويض، أو توقيع عقوبات تجارية عليه؛ لا توقعها المنظمة نفسها، وإنما تفوض توقيعها إلى الطرف المتضرر. وتتمثل العقوبة في سحب أو تعليق ما سبق أن التزمه الأخير، لمصلحة المتهم، أيْ اتخاذ إجراء وقائي، بحرمانه مبدأ معاملة الدولة الأكثر رعاية. وربما لا تكون العقوبة من *** العمل، بمعنى أن إخلالاً بالتزام متعلق بالتجارة في السلع، قد يواجَه بعقوبة تتعلق بالتجارة في الخدمات، أو بحقوق الملكية الفكرية، أو بالاستثمار.
    وهو ما قد ينطوي على شيء من عدم التكافؤ في قوة العقوبة، أو عدم التواؤم بين الإخلال بالتزام معين والعقوبة الممكن توقيعها في هذا الشأن. فما دام توقيع العقوبة متروكاً للطرف المتضرر، فإن قدرة الدول القوية على معاقبة الدول الضعيفة، ستكون أشد من قدرة الأخيرة على فرض عقوبات مؤثرة أو رادعة على الأولى.
     


    [1] لاحظ الفرق بين اتفاقية مراكش وبروتوكول مراكش. فالأول هو الاتفاق المنشئ لمنظمة التجارة العالمية مع بيان المجلس واللجان التي تتكون منها، وشروط الانضمام إليها، وتعديل أحكامها. أما الثاني فهو وثيقة مستقلة من وثائق جولة أوروجواي تتضمن التخفيضات الجمركية والتنازلات المتفق عليها أثناء جولة أوروجواي، وقد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من جات 1994.
    [2] أصبحت الجات جزءاً من الاتفاقات التي أسفرت عنها جولة أوروجواي، وأصبحت تُسمى الجات 1994، تمييزاً لها عن الجات 1947. والفرق بين الاثنين أن الجات 1947 تعني الاتفاقية الأصلية المكونة من 38 مادة وملاحقها وما طرأ عليها من تعديلات منذ التوقيع عليها. أما الجات 1994 فهي تشمل الجات 1947 بالمعنى السابق، بالإضافة إلى جميع الأعمال القانونية التي اتفقت عليها الأطراف المتعاقدة، وكانت نافذة في أول يناير 1995. ويدخل في ذلك بروتوكولات الانضمام إلى الجات وبروتوكولات الإعفاءات وغير ذلك.


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like
    [align=center]الفصل الثاني
    اتفاقيات منظمة التجارة العالمية
    [/align]
    استبدلت الاتفاقيات، التي أسفرت عنها جولة أوروجواي، باتفاقية الجات 1947، التي طالما كانت الأداة القانونية الوحيدة لتنظيم التجارة العالمية، كياناً دولياً جديداً، يتمتع بكلّ مقومات الشخصية المعنوية للمنظمات الدولية، هو "منظمة التجارة العالمية"، التي أطلق عليها اسم "الجات 1994"، ونيط بها الإشراف على تنفيذ الدول الأعضاء لاتفاقيات الجات، وفض ما تثيره من منازعات تجارية بينها؛ فضلاً عن تنظيم المفاوضات الدولية، لتحقيق المزيد من التحرير في التجارة العالمية.
    وسيختص هذا الفصل بمبحث خاص كلاًّ من تلك الاتفاقيات، بصفتها الدعائم الأساسية لنظام التجارة الدولية.


  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like
    [align=center]المبحث الخامس
    التجارة في السلع[/align]



    أولاً: السلع الزراعية
    حظيت السلع الزراعية بمعاملة خاصة، في ظل الجات 1947، تمثلت في الثغرات والاستثناءات والإعفاءات من أغلب الضوابط، المطبقة على البضائع المصنعة. إلا أن الجات 1994، وضعت ضوابط منفصلة للحدّ أو التقليل من الإعفاءات، وأخضعت لها التجارة في تلك السلع. ويمكن تلخيص اتفاقية التجارة فيها، في إطار منظمة التجارة العالمية والتزامات دولها، في ما يلي:
    1. تقوية التجارة الدولية في المحاصيل والمنتجات الزراعية، وتحريرها التدريجي خلال 6 سنوات في الدول المتقدمة، و10 سنوات في الدول النامية؛ وإلغاء العوائق التجارية المختلفة، عدا التعريفات الجمركية فقط؛ ومن ثَم، تحويل القيود كافة غير التعريفية على السلعة الزراعية إلى قيود تعريفية.
    2. خفض الدعم للصادرات الزراعية، خلال فترة التنفيذ، 36% من القيمة، و21% من الحجم، في الدول المتقدمة؛ و 24% من القيمة، و14% من الحجم، في الدول النامية؛ على أن تطبق هذه التخفيضات علىّ كل منتج على حدة، أو عدة محاصيل ومنتجات زراعية، وليس على مستويات السلع الزراعية برمّتها.
    3. خفض التعريفات الجمركية، المحدَّدة للمحاصيل والمنتجات الزراعية، بمتوسط 36% في الدول المتقدمة، و24% في الدول النامية؛ وذلك خلال فترة التنفيذ، على أساس الفترة بين عامَي 1986 و1988، هي سنوات الأساس. واستثني بعض الحالات من مستويات تلك التخفيضات، كالواردات من المحاصيل والمنتجات الزراعية، التي تعادل 4%، على الأقل، من الاستهلاك المحلي للدولة المعنية من تلك السلع؛ مع ضمان زيادة سنوية في هذه الواردات، تصل إلى 0.8% سنوياً، لتبلغ 8% من الاستهلاك المحلي، في نهاية فترة التنفيذ.
    4. ضمان حد أدنى لفتح الأسواق للواردات، من المحاصيل والمنتجات الزراعية، من خلال حصص التعريفات Tariff Quotas، في الدول التي لم تبلغ وارداتها منها 5% من الاستهلاك المحلي. وإذا قلّت الواردات منها عن 3%، بين عامَي 1986 و1988، فإن على الدولة المعنية، أن تضمن زيادتها 5%، على الأقل، من الاستهلاك المحلي، خلال فترة التنفيذ.
    5. خفض الدعم المحلي Domestic Supports للصادرات، من المحاصيل والمنتجات الزراعية، بنسبة 20% (من فترة الأساس 1986-1988) خلال فترة التطبيق. وإن قلّ ذلك الدعم عن 5%، فإن الدولة لا تلتزم بتطبيق أيّ تخفيضات.
    6. مَنْح الدول النامية بعض الامتيازات، وأهمها:
    أ. تخصيص الدول النامية بمعدل في حجم تخفيضات التعريفات الجمركية، ودعم الصادرات الزراعية، والدعم المحلي، يبلغ ثلثَي التخفيضات المقررة في الدول المتقدمة؛ وإمهالها 10 سنوات، لتنفيذ تلك التخفيضات، مقابل 6 سنوات للدول المتقدمة. لا، بل إن الدول النامية المنخفضة الدخل، أُعفيت من تلك التخفيضات كلية.
    ب. تستثنى المعونات الغذائية Food Aid من اتفاقية دعم الصادرات، بشرط أن تكون تلك المعونات غير مقدمة بغرض تدعيم الصادرات، وأن تكون محددة، في إطار الأسس العامة لمنظمة الزراعة والأغذية، "الفاو"[1] Food and Agricultural Organization "FAO .
    ثانياً: رعاية الصحة
    خُشي التملص من تخفيض القيود: الجمركية وغير الجمركية، من أجل تحرير التجارة في السلع الزراعية، بالحدّ من استيرادها، باللجوء إلى وسائل مقنَّعة، مثل تدبير حماية الصحة: الإنسانية والحيوانية والنباتية؛ فاعتُمدت اتفاقية، غدت استكمالاً لاتفاقية التجارة في السلع الآنفة؛ إذ نظمت تلك الحماية.
    شُرع في تنفيذ الاتفاقية في الأول من يناير 1995. واستهدفت:
    1. حماية الإنسان والحيوان من الأخطار، الناجمة عن المواد المضافة Additives، والملوثات Contaminants والسموم ،Toxins والكائنات الدقيقة المسببة للأمراض، والمستخدمة في صناعة المواد الغذائية والأعلاف. ومثال على ذلك فرض قيود على الواردات من البرتقال، الذي يحتوي على نسبة معينة من المبيدات.
    2. حماية الإنسان من الأمراض، المنقولة من طريق النبات أو الحيوان. ومثال على ذلك حظر الواردات من اللحوم الموبوءة المنشأ.
    3. حماية الحيوان والنبات من الآفات والأمراض، والكائنات الحية المسببة لها. ومثال على ذلك حظر استيراد الماشية الحية من مناطق وَبِئَة؛ خشية تفشي المرض الماشية المحلية.
    4. حماية الدولة من الأضرار، الناجمة عن الآفات الدخيلة.
    واتسمت الاتفاقية بما يلي:
    1. التنسيق
    تشجع الاتفاقية دولها الأعضاء على التنسيق فيما بينها لوضع إجراءات موحدة، تحمي الصحة، وتطبيقها داخل حدودها.
    2. التكافؤ
    تشترط الاتفاقية أن تقبل الدولة العضو إجراءات الحماية، المتبعة في الدول الأعضاء الأخرى؛ وتَعُددَّها مكافئة لإجراءاتها، ما دامت توفر القدر عينه من الحماية، في ضوء المعايير الدولية.
    3. تقييم الخطر
    تنبثق إجراءات الحماية من الآفاق الأمنية للدول الأعضاء، والمستندة إلى تقييم منهجي، موضوعي، علمي، للأخطار الحقيقية، التي قد تهدد صحة الإنسان والحيوان والنبات، نتيجة استخدام سلعة زراعية معينة.
    4. تحديد المناطق الخالية من الأمراض
    لا تعترف الآفات بالحدود السياسية. فهي قد تغدو دولة بكمالها أو جزءاًَ منها، وقد تجتاح دولاً شتّ‍ى في منطقة جغرافية معينة. إذاً، ليس الاستيراد رهناً بإعلان الدولة المصدرة سلامتها، هي وحدها، من الأمراض؛ وإنما بإعلانها خلوّ منطقتها كلّها جمعاء من الآفات.
    5. الشفافية
    يلزم كلَّ دولة عضو إنشاء هيئة وطنية مركزية، تتولى إبلاغ سكرتاريا منظمة التجارة العالمية استحداث تلك الدولة أو تعديلها أيّ إجراء لحماية صحة الإنسان والنبات والحيوان.
    6. مراعاة الدول النامية
    منحت الاتفاقية دولها: النامية والأقل نمواً، فترة انتقالية، بلغت 5 سنوات، لثانيتهما، انتهت عام 2000؛ وسنتَين لأولاهما، انتهت عام 1997؛ وذلك لتتمكن من تطوير نُظُمها المحلية لحماية الصحة، والتوفيق بينها وبين المعايير الدولية.
    7. تسوية المنازعات
    يفصل في المنازعات، الناشئة عن الاتفاقية، تفاهم تسوية المنازعات في إطار منظمة التجارة العالمية. ويمكن مقاضاة الدولة، التي تفرض إجراء لحماية صحة الإنسان والحيوان والنبات، يقيد التجارة، من دون أساس علمي لتقييم المخاطرة.
    ثالثاً: المنسوجات والملابس
    رفعت اتفاقية للتجارة في المنسوجات والملابس، عن الدول النامية، حيف اتفاقية الألياف المتعددة، على ما تعتد به تلك الدول من صادرات؛ إذ نصت على أن يُدمج ذلك القطاع التجاري، خلال 10 سنوات، في الجات 1994، في أربع خطوات متدرجة:
    1. الخطوة الأولى: تبدأ فور الشروع في تنفيذ الاتفاقية، عام 1995، بإدماج منتجات مختارة من لائحة متفق عليها، ولا تقلّ عن 16% من الحجم الكلي للواردات، من المنسوجات والملابس، في عام 1990.
    2. الخطوة الثانية: تتمثل في إدماج منتجات، لا تقلّ عن 17% من حجم الواردات، بين عامَي 1995 و1998.
    3. الخطوة الثالثة: ترفع نسبة الواردات المدمجة، من المنسوجات والملابس، إلى 18%، بين عامَي 1998 و2002. 4. الخطوة الرابعة: تلغي، بين عامَي 2002 و2005، الحصص الكمية للمنتجات المدمجة في كلّ خطوة؛ وتزداد تلك المتعلقة بالمنتجات، التي تظل خاضعة للقيود المقررة في اتفاقية الألياف المتعددة، في الخطوات التالية، طبقاً لمعدل نمو ثابت. أمّا القيود الأخرى على تجارة المنسوجات والملابس، والتي تخرج عن إطار الاتفاقية الآنفة، ولا تجانس مبادئ الجات، فإنه يتعين إخضاعها لقواعد الجات 1994، خلال سنة من بدء ممارسة منظمة التجارة العالمية مهامها، أو تقديم برنامج إلى هيئة مراقبة المنسوجات في المنظمة، يتضمن الإنهاء التدريجي لهذه القيود، خلال عشر سنوات.
    اختصت الاتفاقية بمعاملة تفضيلية، عند تطبيق الإجراءات الوقائية الانتقالية، كلاّ من الدول الأقل نمواً، وتلك التي يكون إجمالي صادراتها من المنسوجات والملابس طفيفاً، قياساً بحجم صادرات الدول الأخرى الأعضاء، ولا يمثل غير نسبة ضئيلة من الحجم الكلي لواردات هذا المنتج، في الدول المستوردة، بيد أنها لم تَخْلُ من المحاذير التالية:
    1. الإدماج التدريجي للمنتجات في الجات 1994، قد استبقى نصف كمية الواردات من المنسوجات والملابس إلى المرحلة الأخيرة (2002-2005)؛ ما يتيح للدول، المستفيدة من تقييد التجارة في هذا القطاع، المطالبة بمد فترة إدماجها؛ ومن ثَم، إطالة فترة الحماية، لتتجاوز العشر سنوات المتفق عليها.
    2. اختيار كلّ دولة المنتجات المخرجة من اتفاقية الألياف المتعددة، واشتراطها أن تتضمن أصنافاً من كلّ قسم من أقسام أربعة محددة ـ قد يغريان الدول المتقدمة باختيار المنتجات غير الخاضعة لحماية كبيرة، كيْ تُدمج في الجات 1994، في المراحل الأولى؛ وهو ما يعني بقاء أسوار الحماية العالية دون كثير من المنتجات المنافسة، الآتية من الدول النامية.
    3. إباحة الدول الأعضاء، خلال الفترة الانتقالية، إجراءات وقائية، خلافاً لما تنص عليه الاتفاقية؛ وذلك إذا رأت الدولة المستوردة، أن تدفق الواردات من منتج معين، لم يُدمج بعد في الجات 1994، أو احتمال تدفقها، يضر بصناعتها المحلية ضرراً جسيماً أو يتهددها به؛ ومعايير تحديد الضرر الجسيم، تتسم بمرونة شديدة، تيسر اتخاذ هذا الإجراء الوقائي. وكان ذلك استجابة لإلحاح دول الاتحاد الأوروبي، التي تشبث بحماية أسواقها.
    رابعاً: السلع الصناعية
    أرست الجات 1947 ضوابط تحرير التجارة في السلع المصنعة، باستثناء المنسوجات والملابس، والتي تنظم عملية إزالة القيود الكمية؛ وخفض التعريفات الجمركية، وفق جداول التخفيضات الوطنية، التي تقدمها كلّ دولة على حدة. وتتفاوض الدول الأعضاء في التخفيضات المتبادلة، التي تعمها كافة، وفقاً لأحكام الدولة الأَوْلى بالرعاية، ومبدأ عدم التمييز. وقد اتفقت، في جولة أوروجواي، على أحكام تكميلية لتنظيم تحرير التجارة في السلع المصنعة، تمثلت في بروتوكول، يضمن وصول سلع كلّ منها إلى أسواق نظائرها.
    وينص البروتوكول على أن ترفق به الجداول كافة، المقدمة من الدول الأعضاء، والتي تتضمن التخفيضات الجمركية، والميزات التفضيلية المتبادلة، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الاتفاقية العامة. ويلتزم كلّ عضو بتنفيذ التخفيضات الجمركية المتفق عليها، تدريجاً، وبقدر واحد على خمس شرائح سنوياً، وطيلة خمس سنوات، تبدأ من يناير 1995. ولعل أبرز ما تمخضت به جولة أوروجواي، على صعيد التجارة في السلع المصنعة، هو تعدد وجوه التخفيضات الجمركية المتبادلة؛ فهي قد تحرر التجارة، في قطاع سلعي معين، تحريراً كاملاً، فتعفيه كلية من الرسوم الجمركية؛ أو تخفض قيمة الرسم الجمركي، بالنسبة التي تحددها الدولة في جداولها، يُتَّفق عليها؛ أو ربط تلك الرسوم عند حد أقصى؛ ويمكن كذلك إدماج النمطَين: الثاني والثالث، أي تحقيق الخفض والربط معاً، في آن واحد، لتعريفة جمركية واحدة؛ قد يأخذ التخفيض الجمركي شكل التعريفة، أي تحويل القيود غير الجمركية إلى قيود جمركية. ويمكن القول إن متوسط الخفض الكلي لرسوم السلع الصناعية، والناجم عن التخفيضات المتبادلة في إطار جولة أوروجواي، يناهز 30% من التعريفات السائدة من قبل.



    [1] منظمة الفاو: منظمة تختص بالمساعدات الفنية والبحوث الخاصة بالأغذية والزراعة.


  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like
    [align=center]المبحث السادس
    التجارة في الخدمات[/align]


    تشمل اتفاقية التجارة العامة في الخدمات (جاتس) General Agreement on Trade in Services GATS جميع قطاعات الخدمات المالية: سوق المال، البنوك، شركات التأمين؛ خدمات النقل البحري، خدمات النقل الجوي، خدمات الاتصالات الأساسية، السياحة، الخدمات المهنية: المحاسبة، المحاماة، مكاتب الاستشارات؛ خدمات المقاولات. ويُستثنى من نطاقها الخدمات التي تتولاها السلطات الحكومية.
    ويطاول النشاط الخدمي إنتاج الخدمة وتوزيعها وتسويقها وبيعها وتقديمها، وفقاً لما يلي:
    1. عبور الخدمة للحدود الدولية، كإرسال فاكس أو تلغراف.
    2. انتقال المستخدمين من دولة إلى أخرى، بهدف السياحة.
    3. دخول موردي الخدمة الأجانب إلى دولة ما، بهدف إنشاء كيان تجاري فيها، لتوليد خدمة ما.
    4. انتقال الأشخاص الطبيعيين، الذين ينتمون إلى دولة عضو لتوريد خدمة في دولة عضو أخرى.
    وعللت مقدمة الاتفاقية إدراج الخدمات في إطار التحرير الكامل للتجارة، بالمسوغات التالية:
    1. الاعتراف بالأهمية المتزايدة للتجارة في الخدمات، وأثرها في نمو الاقتصاد العالمي.
    2. الرغبة في نظام متعدد الأطراف لتجارة الخدمات، بهدف التوسع في تلك التجارة، في إطار من الشفافية والتحرر، واتخاذها وسيلة إلى حفز النمو الاقتصادي لجميع الأطراف.
    3. الطموح إلى تحقيق مستوى متقدم من التحرير، في مجال التجارة في الخدمات، من خلال جولات متعددة الأطراف، من النقاش والمفاوضات، تستهدف تحقيق غايات مشتركة لجميع الأعضاء المشاركين.
    4. الإقرار بحقوق الدول الأعضاء في تنظيم الخدمات داخل حدودها القومية، لأجل تحقيق أهداف السياسات الوطنية.
    5. حفْز الدول النامية إلى زيادة مشاركتها في تجارة الخدمات، وإكثار صادراتها الخدمية، من خلال تعزيز قدراتها الداخلية، وأهليتها لتحرير الخدمات؛ وكذلك مكانتها التنافسية.
    6. مراعاة المصاعب الجدية، التي تعانيها الدول الأقل نمواً.
    وتستند اتفاقية التجارة العامة في الخدمات إلى ثلاث ركائز أساسية:
    ­ الأحكام والمبادئ.
    ­ ملاحق بعض قطاعات الخدمات الرئيسية.
    ­ جداول التزامات قطاعات الخدمات.
    أولاً: الالتزامات
    يمكن تقسيم ما تستلزمه الاتفاقية، إلى قسمَين، هما:
    1. التزامات عامة
    وهي المبادئ التي تُطبق على الأطراف المتعاقدة كافة، عدا بعض الدول النامية، التي تُمنح بعض المرونة. وتمثل تلك الالتزامات قواعد رئيسية للسلوك التجاري الدولي، وإطاراً عاماً لمهمة منظمة التجارة العالمية، الساعية إلى خلق تجارة عالمية في السلع والخدمات، تنافس في سوق حر، يتسم بالوضوح والشفافية وعدم التمييز في المعاملة، وهي:
    أ. مبدأ الدولة الأَوْلى بالرعاية: وقد رُئي أن تطبيقه، من الفور، على جميع الخدمات ومورديها، ليس عملياً؛ ولذلك، سمح للدول المعنية بتحديد ما تراه من استثناءات، طبقاً لشروط معينة، من أهمها مراجعة الاستثناءات، بعد 5 سنوات، على أن لا تتعدى فترة سريانها 10 سنوات.


  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    7,811
    Post Thanks / Like
    [align=center]المبحث السابع
    الملكية الفكرية[/align]


    الملكية الفكرية Intellectual Property Rights، هي قصْر استغلال الاختراعات والإبداعات والأفكار على مخترعيها ومبدعيها ومفكريها وحدهم، وحمايتهم مما يحُول دون تفردهم باستغلالها. وقد أنشئ العديد من المنظمات، منذ أكثر من قرن، للتوفّر على تلك الحماية، كان آخرها المنظمة العالمية للملكية الفكريةThe World Intellectual Property Organization WIPO، التي تأسست عام 1967؛ وأصبحت تضم 132 دولة. وأُبرم العديد من الاتفاقيات، لتحديد الالتزامات الدولية، الحامية لحقوق أصحاب الملكية الفكرية؛ وأهمها: اتفاقية باريس لحماية حقوق الملكية الصناعية، واتفاقية برن لحماية حقوق المؤلف، ومعاهدة بودابست، واتفاقية لاهاي، واتفاق لوكارنو، واتفاق مدريد، واتفاق نيس، واتفاق لشبونة، واتفاق برن، واتفاق جنيف، واتفاقية بروكسل، والاتفاقية العالمية لحماية حقوق المؤلف، والاتحاد الدولي لحماية أصناف النباتات الجديدة.
    بيد أن التفاوت الواسع في قواعد الحماية وأسلوب تنفيذها والأهمية المتزايدة لآثار حقوق الملكية الفكرية في التجارة، واشتداد النزاعات في استخدام تلك الحقوق، وآثار ذلك في العلاقات الاقتصادية بين الدول ـ استدعت اتفاقية دولية، خلال جولة أوروجواي، تحمي حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة، لتصبح إحدى اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. وُعرفت بمصطلح "تريبس" TRIPS، المستمد من الأحرف الأولى لتسميتها الإنجليزية Trade Related Aspects of Intellectual Property Rights. وهي تنص على تطبيق المبادئ الأساسية لاتفاقية الجات 1994، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة؛ وتوفير الوسائل الفعالة، والملائمة، لتطبيق حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة، مع مراعاة الفوارق بين مختلف الأنظمة القانونية القومية في الدول الأعضاء؛ وإتاحة التدابير الفعالة، للحيلولة دون التنازع في تلك الحقوق.
    وتنتظم اتفاقية TRIPS حقوق الملكية الفكرية في المقومات التالية:
    1. تطبيق مبادئ النظام متعدد الأطراف عليها.
    2. تحقيق حمياتها وكيفيته.
    3. فض المنازعات فيها، وفقاً لقواعد الجات.
    4. الإجراءات الواجب اتخاذها، خلال الفترات الانتقالية، التي أتاحتها الاتفاقية.
    أولاً: السمات الأساسية للاتفاقية
    توزعت الاتفاقية سبعة أجزاء، اشتملت على 73 مادة. وكان أهم سماتها:
    1. تحديد أنواع حقوق الملكية الفكرية:
    أ. الإبداع: الأدبي والعلمي، والأعمال الفنية.
    ب. براءات الاختراع، لأفكار جديدة، قابلة للاستغلال الصناعي.
    ج. العلامات التجارية، بما فيها تلك التمييزية الخاصة بالخدمات.
    د. النماذج الصناعية، وتشمل الابتكارات الجديدة، التي تتعلق بالمظهر: الخارجي والجمالي، للمنتج الصناعي.
    هـ. خطط الدوائر المتكاملة.
    و. المؤشرات الجغرافية، التي تدل على منشأ السلع.
    ز. المعلومات غير المفصح عنها، بما فيها من أسرار تجارية.
    2. وجوب تطبيق مبادئ الجات، وخصوصاً مبدأ الدولة الأًوْلى بالرعاية، ومبدأ المعاملة الوطنية؛ ما يلزم الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية منح مواطني الدول الأخرى الأعضاء معاملة، لا تقلّ عن تلك التي تمنحها مواطنيها، فيما يتعلق بحماية الملكية الفكرية.
    3. اعتماد الاتفاقية في تنفيذ أحكامها على الدول الأعضاء في المنظمة، التي تتعهد تنفيذ إجراءات حماية الملكية الفكرية، من خلال سن التشريعات، وإنشاء المؤسسات اللازمة لتنفيذ التزاماتها في هذا الشأن.
    4. جعل الحدّ الأدنى لمدة حماية حقوق الطبع 50 عاماً، حالة براءات الاختراع 20 عاماً، والعلامات التجارية 7 سنوات.
    5. إتاحة الفرصة للدول من خلال فترات انتقالية، لتعديل تشريعاتها الوطنية تعديلاً، يوائم أحكام اتفاقية TRIPS، حسب مستوى نموها؛ فمنحت الدول المتقدمة عاماً واحداً، ينتهي في الأول من يناير 1996؛ والدول النامية خمس سنوات، تنتهي في الأول من يناير 2000؛ والدول الأقل نمواً إحدى عشرة سنة، تنتهي في الأول من يناير 2006. لا، بل إن الدول النامية، التي كانت توفر، وقت بدء سريان الاتفاق، في الأول من يناير 1995، حماية لطرق الصنع، وليس للمنتجات، في قطاعات: الأغذية والمواد الكيماوية والمستحضرات الصيدلانية ـ أُجيز لها تأخير تطبيق الالتزام بتوفير الحماية لتلك المنتجات، حتى الأول من يناير 2005. ولا تطالَب الدول الأعضاء، خلال الفترات الانتقالية، باتخاذ أيّ إجراءات، من شأنها أن تخفض حماية حقوق الملكية الفكرية فيها عما هي عليه (المادتان 65 و66).
    6. وجود نشر الأعضاء، كلّ بلغته الوطنية، المعلومات كافة، المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، بما في ذلك من قوانين وتشريعات وقرارات إدارية وقضائية؛ إضافة إلى نشر الاتفاقيات الحكومية المعنية كافة. وتقضي الفقرة الثانية، من المادة 63 بأنه يمكن مجلس TRIPS، الذي يحاط علماً بتلك المعلومات، أن يستثني من ذلك الدول، التي أتمت، بنجاح، مشاورات مع WIPO، لإنشاء تسجيل مشترك لقوانين الحماية.
    7. تقديم الدول المتقدمة معونة: فنية ومالية، وفق المادة 67، إلى الدول: النامية والأقل نمواً، التي تطلبها لتستعين بها على مصاعبها: الفنية والإدارية.


صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •