8 مايو
  23 ينويو 2014 د.رزق الريس - ينتهى فى 8/9
 ceiling designs ينتهي فى 12 مارس
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: النظام السياسي في الإسلام

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    8
    Post Thanks / Like

    حصري النظام السياسي في الإسلام

    القسم الأول: النظام السياسي في الإسلام
    1- المدخل الأول: مقدمات اصطلاحية. معنى: -الفقه السياسي - النظام السياسي الإسلامي - مقاصد الشريعة في الحكم
    تتداخل في القانون العام الإسلامي ثلاثة مصطلحات من عدة وجوه، وتتميز من وجوه أخرى، وهي: النظام السياسي الإسلامي [أو النظرية السياسية في الإسلام]، والفقه السياسي [أو السياسة الشرعية] ، ومقاصد الإسلام في الحكم والمجتمع الإنساني.
    -النظام السياسي أو النظرية السياسية الإسلامية، هو مجموعة المبادئ والأسس الفلسفية والحقوقية التي ينبني عليها الفكر السياسي في الإسلام، والتي تشكل نظاما مستقلا، مثل طبيعة النظام السياسي الإسلامي وخصائصه وعناصره، ومثل مفهوم الإسلام لمجموعة من المبادئ السياسية والاجتماعية، كمفهومه للإنسان والمجتمع والشعب والجماعة والأمة والدولة والحقوق والحريات والمؤسسات والقانون والسلطات والتشريع والعقد الاجتماعي، وباختصار المبادئ الإسلامية للقانون الدستوري.
    وهذه المسائل هي التي تجعل منه نظاما متميزا عن النظام الاشتراكي والنظام الديمقراطي الليبرالي، وإن كانت له مع هذين النظامين عدة مشابهات وأوجه التلاقي. والنظام السياسي الإسلامي بهذا المعنى كلي في مفاهيمه المستقلة ومعانيه الخاصة، لا يقبل التبعيض ولا التجزيء، وإن كان يقبل التلاقح ويستوعب التطور والخبرة الإنسانية كما قلنا سابقا.
    -الفقه السياسي. هو مجموعة القواعد والأحكام الشرعية المتعلقة بالسلطة السياسية من نشوئها إلى عملها إلى انتهائها، مما عرف تاريخيا باسم "السياسية الشرعية".
    وهذه الأحكام والقواعد شرعية مصدر قوتها الشرع الإسلامي نفسه لا السلطة السياسية ولا العرف، فهي بهذا تختلف عن القوانين الدستورية الوضعية وعن أحكام الدساتير غير المدونة.
    والسبب في ذلك أن الفقه السياسي لا يتعلق بالدولة والقائمين عليها فقط، بل يتضمن أحكاما كثيرة من حقوق وواجبات لعامة الناس، فكل دولة قائمة سواء كانت دولة شورى وشرعية كاملة أوكانت دولة استبداد وشرعية ناقصة، توجد لها أحكام وقواعد فرضتها الشريعة على الناس للتعامل معها والتفاعل مع قوانينها وسلطاتها وأحوالها. وهذا ما يفسر لنا مدى الانسجام أو عدم الانسجام بين الشعوب الإسلامية وأنظمتها الحاكمة ومدى حماسها للعملية السياسية وتفاعلها مع برامج الدولة وأعمالها، مما ينبغي أن يبحث في إطار علم الاجتماع السياسي..
    ويتميز الفقه السياسي بأنه يعتمد على "أصول الفقه" و"القواعد الفقهية"، وبأنه يتضمن أحكاما أساسية وأصلية، إما منصوصة في الشريعة وإما مجمعا عليها من علماء الأمة، كما يتضمن مساحة واسعة من الاجتهادات المبنية على أصول الفقه، وخاصة على المصلحة المرسلة وقواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد، تبعا لحالة المسلمين والسلطة السياسية والمناخ الدولي.
    وهذه الاجتهادات تطورت على مدى 14 قرنا، ساير فيها هذا الفقه الحياة السياسية للمسلمين واستوعب كل التقلبات والتغيرات والانتصارات والهزائم وحالات العدل والجور والشورى والاستبداد، والقوة والضعف، والوحدة والتجزئة ، والشرعية الكاملة والشرعية الناقصة ..
    فهو فقه متطور ومرن، يتميز بخاصتين: أولاهما: الثبات على المبادئ الشرعية التي شكلها النص والإجماع، وثانيهما: التطور مع الأحداث والوقائع حسب الزمان والمكان، أو ما يسميه بعض الدارسين: "تاريخية الفقه السياسي" .
    لذلك ليس من الحكمة التقاط حكم من أحكام الفقه السياسي متعلق بواقعة في زمان ما ومكان ما، وجعله عنوانا للفقه السياسي، بل لا بد من النظر في كل الاجتهادات مع وصلها بشروطها التاريخية والظرفية والاستناد إلى القواعد التي أنتجت تلك الاجتهادات، ويكمن خطأ أغلب أحكام المدرسة العلمانية في نقدها للفقه السياسي، وطعن أصحابها في النظام السياسي الإسلامي في إغفال هذه النقطة، إذ يلتقطون موقفا أو رأيا أو حالة ، ثم يقومون بعمليتين خاطئتين: أولاهما عزل هذا الموقف عن أصله الفقهي وعن المواقف الفقهية المكملة والمقيدة، فيقولون: الفقه السياسي يبرر الاستبداد، ويعطيه الشرعية، دون بيان الأصل الفقهي لهذا الموقف، ودون ربطه مع أحكام السلطة الجائرة في الفقه السياسي، ودون بيان حدود الاستبداد الذي يصححه الفقهاء، والقيود التي يخضع لها خلال تصحيحه. وثانيهما: تعميم الأحوال التاريخية على الإسلام نفسه فيستنتجون من استبداد الحكام أن الإسلام دين الاستبداد، ومن وقوع الصراع على السلطة أن الإسلام هو المسئول عنه، وهكذا..
    -مقاصد الإسلام في الحكم. يرتبط هذا المفهوم بالمفهومين السابقين، فالنظرية السياسية في الإسلام تتغيى تحقيق مقاصده في الاجتماع والعمران والسياسة، كما أن السياسة الشرعية تتمركز على هذه المقاصد في جوهرها.
    ونعني بمقاصد الإسلام في الاجتماع الإنساني والحكم المدني قصد أحكام الشريعة إلى العدالة وإحقاق الحقوق وإنصاف المظلومين والتعاون على الصالح والتناهي عن الشرور وحماية الفئات الأضعف ونفي التمييز على أساس عرقي أو إثني أو غيره، وصيانة الدماء وتحقيق الأمن والسلم محليا ودوليا.
    وباختصار تعد مقاصد الإسلام هذه عناوين مشتركة بينه وبين سائر الديانات والنظم، ومفاهيم مغروسة في الفطرة الإنسانية يمكن بها تواصل أهل العلم السياسي المسلمين مع المنظومة الدولية للقيم ومع غير المسلمين في العالم.
    ولذلك فإن الدولة الإسلامية في تنظيمها الداخلي تحتاج أساسا إلى معرفة النظام السياسي أو النظرية الإسلامية الخاصة في الحكم، واعتماد الفقه السياسي أو السياسة الشرعية التي تستمد منها المشروعية لعمل السلطة في كل الدول الإسلامية.
    أما مقاصد الإسلام في الحكم فتشتد حاجة المسلمين إليها في مجالين عام وخاص، أما العام فهو حاجة الدولة الإسلامية [أو منظومة الدول الإسلامية] إليها في التعامل مع المعاهدات والمواثيق الدولية وفي دراسة القانون الدولي العام والإسهام في مناقشته وصياغته وإغنائه.
    وأما المجال الخاص، فهو حاجة المسلمين –أفرادا وهيئات- إليها في المجتمعات والدول غير الإسلامية –ممن يتمتعون بصفة المواطنة فيها- إذ لا تنطبق عليهم أحكام الفقه السياسي كما هي في البلاد الإسلامية، لاستحالتها في حقهم، لكونهم أقلية في مجتمع غير إسلامي. بل يتعين عليهم في مجال العبادات والأمور الشخصية وأمور الحلال والحرام تطبيق أحكام الشريعة في حدود ما تسمح به قوانين المجتمع وظروفه، وأما في المجال العام فينبغي عليهم اعتماد مقاصد الإسلام في المجتمع والحكم أساسا فقهيا في مشاركاتهم السياسية وتعاملهم مع الشأن السياسي عموما، وبذلك يستطيعون التمييز بين البرامج السياسية السائدة في بلدانهم والتعامل الإيجابي معها، والانسجام دون ذوبان في المجتمع غير الإسلامي.
    ومن الأدلة الشرعية على مقاصد الإسلام في الحكم والاجتماع الإنساني، قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، وقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وقوله ص (لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)، فهذه الأدلة تقرر جملة من المقاصد منها: العدل والتعاون الإنساني والمساواة والفضيلة ..
    كما أن الرسول ص الذي حضر حلف الفضول قبل نزول الوحي عليه، حيث تعاهد فيه جماعة من الرؤساء على نصرة المظلوم ورد الحقوق لأصحابها والتكافل، فلما جاء الإسلام قال الرسول ص (لقد حضرت في دار ابن جدعان حلفا لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت) ، وهذا الحديث من أسس العلاقات الدولية في الإسلام، ومغزاه مساندة كل الاتفاقيات الهادفة إلى تحقيق العدل ورد الحقوق والأمانات.
    وفي هذا السياق يندرج الموقف الشهير للرسول ص في "الحديبية"، حيث توجه المسلمون من المدينة إلى مكة من أجل العمرة، فرفضت قريش دخولهم إليها، وبالرغم من أن المسلمين كانوا أقوى عسكريا، فإن الرسول ص طلب من قريش الكف عن الحرب ودعاهم إلى عهد من أجل السلم وحقن الدماء، وقال: (والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها)، فلما وقع الصلح بينه وبين المشركين نزل قول الله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا)، فجعل الله تعالى حقن الدماء وصيانة البيت عن انتهاك حرمته وإنشاء وضع يأمن فيه الناس "فتحا مبينا" للمسلمين.
    ويوجد حديث آخر أشاد فيه الرسول ص بالنجاشي ملك الحبشة –وهو نصراني- بأنه "لا يظلم عنده أحد"، وأمر الصحابة المضطهدين آنذاك في مكة من طرف قريش بالهجرة إلى الحبشة، والنزول عند حكم هذا الملك، وقد استدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على أن المسلم في بلاد غير المسلمين يجوز له النزول عند قوانينهم إذا كان فيها عدل وأمن على دينه.
    وهذا الحديث حجة على أن مقاصد الإسلام في الحكم مرجع مهم لأحكام المسلمين الموجودين في بلد غير إسلامي، إذ لا يتوجب عليهم تطبيق أحكام الفقه السياسي -كما هي في بلد الإسلام- على مشاركاتهم السياسية في بلد غير إسلامي، بل المتعين عليهم هو مساندة المؤسسات والمنظمات الأكثر ميلا لمقاصد الإسلام في الحكم، ولا يجوز لهم مساندة أشكال وبرامج الحكم المنافية لهذه المقاصد، كالأحزاب اليمينية المتطرفة والنازية والفاشية والشمولية على سبيل المثال.

    2- المدخل الثاني هل للإسلام نظام اجتماعي؟ وما طبيعته؟

    يتعين في هذه النقطة الجواب على سؤالين: 1- هل للإسلام نظام اجتماعي وسياسي؟ 2-وما هي طبيعة هذا النظام؟
    1- هل للإسلام نظام اجتماعي وسياسي؟
    لم يسبق أن تساءل أي مفكر أو عالم أو فقيه أو رجل قانون مسلم خلال ثلاثة عشر قرنا عن وجود نظام اجتماعي سياسي إسلامي، ولا شكك أحد أو طعن فيه. والسبب أن هذا النظام جزء عضوي من الإسلام نفسه ومن رسالته ومن مقصود نزوله إلى البشرية، فلا معنى للإسلام ولا وجود له خارج الحياة، ولا تكليف له لإنسان دون مجتمع، بل تتعلق أحكامه بكل أفعال المكلفين في جميع المجالات.
    لكن مع سقوط الخلافة العثمانية في أوائل القرن العشرين، طرح عدد من أتباع المدرسة العلمانية في العالم الإسلامي شبهة عدم وجود نظرية إسلامية للحكم، وأن الإسلام علاقة فردية بين الإنسان وربه، كالمسيحية ولا فرق، وكان غرضهم من هذا الطعن في النظام الإسلامي اتباع النظريات الغربية وجعلها المصدر الوحيد للدستور والقانون والتنظيم الاجتماعي عموما.
    والحقيقة أن أخطر المشككين في النظام الإسلامي كان هو علي عبد الرازق، بكتابه "الإسلام وأصول الحكم" الذي ألفه في أبريل سنة 1925، ومصدر خطورته هو معرفة هذا الكاتب بالثقافة الإسلامية وكونه من أبناء الأزهر، وأول مسلم ينادي بمبدإ العلمانية ، مما جعله المرجع الأول لكل الطاعنين في نظام الحكم في الإسلام طيلة القرن العشرين.
    ومجمل نظرية علي عبد الرازق في هذا الكتاب أن الإسلام لا يحتوي على نظرية مستقلة في الحكم، ولا طلب إقامة حكومة، وقام –لدعم مقولته- بتأويل كل النصوص والأفعال الشرعية المتعلقة بأحكام النظام الإسلامي، بأنها خاصة بالرسول ص، أو بأنه لا تنص نصا صريحا على "الدولة" و"السلطة"، أو أن مضامينها مجرد أعراف غير ملزمة لسائر الناس.
    وقد رد عدد واسع من العلماء والمفكرين المعاصرين لعلي عبد الرازق على شبهته هذه التي تفرد بها، وفندوها بالحجج الدامغة والأدلة الوافية.
    لكن الوقائع والأحداث السياسية والعسكرية في العالم الإسلامي خلال القرن العشرين، وتواتر البحوث والدراسات القانونية والفقهية والفكرية في هذا المجال، كل ذلك تجاوز هذه الشبهة وجعل منها جزءا من تاريخ الأفكار المعاصرة، ولم يعد يستطيع ذو عقل سليم ومعرفة صحيحة القول إن النظام الإسلامي غير موجود من الأساس. وأصبح السؤال الرائج هو التوفيق بين مقتضيات هذا النظام وبين الأنظمة السائدة في العالم الإسلامي، أو ما هي الصيغ التطبيقية التي "يمكن" بها وضع النظام الإسلامي حيز التنفيذ رغم إكراهات المناخ الدولي الذي يتخوف منه بسبب ظروف تاريخية ونفسية وثقافية معروفة.
    لذلك لن نعرج على محتوى هذه الشبهة بالرد والمناقشة، إذ في ما سبق ويأتي من محتوى هذا المقرر الحجج الكافية مجملة ومفصلة على هذا النظام، وأكتفي أن أسرد جملة من نصوص بعض المستشرقين والدارسين الغربيين الذين اعترفوا للإسلام بالخاصية الاجتماعية والسياسية، وقيمة هذه النصوص أنها اعتراف من دارسين أجانب بأمور من الإسلام، ما كان ينبغي أن يكون فيها متشكك من أهل النخبة المثقفة في العالم الإسلامي..
    -يقول د فتزجرالد في كتابه القانون المحمدي ص:1"ليس الإسلام دينا فحسب(a religion) ولكنه نظام سياسي أيضا، وعلى الرغم من أنه ظهر في العهد الأخير بعض أفراد من المسلمين ممن يصفون أنفسهم بأنهم "عصريون" يحاولوا أن يفصلوا بين الناحيتين، فإن صرح التفكير الإسلامي كله قد بني على أساس أن الجانبين متلازمان، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر".
    -يقول ذ نلليو –حسبما نقل عنه أرلوند في كتابه "الخلافة" ص: 198-: "لقد أسس محمد في وقت واحد دينا ودولة، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته".
    -يقول د شاخت في موسوعية العلوم الاجتماعية 8/333: "على أن الإسلام يعني أكثر من دين إنه يمثل أيضا نظريات قانونية وسياسية، وجملة القول إنه نظام كامل من الثقافة يشمل الدين والدولة معا".
    -يقول ذ ستروثمان في دائرة المعارف الإسلامية 4/350: "الإسلام ظاهرة دينية سياسية، إذ إن مؤسسه كان نبيا وكان سياسيا حكيما أو رجل دولة".
    -يقول ماكدونالد في كتابه التطور التيولوجي والقانوني والدستوري في الإسلام ص: 67: "هنا [أي في المدينة] تكونت الدولة الإسلامية الأولى ووضعت المبادئ الأساسية للقانون الإسلامي".
    - يقول السير أرلوند في كتابه الخلافة ص: 30: "كان النبي في نفس الوقت رئيسا للدين ورئيسا للدولة".
    -يقول الأستاذ جب في كتابه المحمدية ص: 3: "عندئذ صار واضحا أن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية، وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل، له أسلوبه المعين في الحكم وله قوانينه وأنظمته الخاصة به" .
    2-ما طبيعة النظام السياسي الإسلامي؟
    هل توجد صفة من الصفات التي توصف بها الأنظمة السياسية يمكن أن ينعت بها النظام الإسلامي؟ فهل هو نظام "ديمقراطي" أو هو "تيوقراطي" أو "أوتوقراطي" أو مزيج منها أو هو شيء آخر مستقل عنها جميعا؟
    لقد اختلفت إجابة الدارسين المعاصرين عن هذا السؤال بحسب نظر كل منهم، فبالنسبة للعلماء والمفكرين والفلاسفة ورجال القانون والفقه الإسلاميين فالنظام الإسلامي يأخذ في بعض جوانبه بطرف من كل هذه النظم، ولكنه في جوهره مستقل بذاته، لا يطابق أيا منها، وأما بالنسبة للدارسين الأوربيين وأنصار المدرسة العلمانية فإنهم اختلفوا حسب ما رأوا أنه السمة البارزة في هذا النظام، وهذا عرض ملخص لبعض هذه الآراء:
    -قال ذ سنتيلانه "santillana" في كتابه the legacy of islam ص: 286: "الإسلام هو حكومة الله المباشرة، يحكمها الله الذي يرعى شعبه دائما، فالدولة في الإسلام يمثلها الله، حتى الموظفون العموميون هم موظفون عند الله". فالإسلام في نظره حكومة ثيوقراطية..
    - ويقول الأستاذ موير في كتابه الخلافة ص: 600: "المثال والنموذج للحكم الإسلامي هو الحاكم المستبد المطلق" أي أن الإسلام عنده ذو حكومة "أوتوقراطية" استبدادية..
    -وقريب منه قوله ماكدونالد في كتابه السابق الذكر ص: 58: "مع بعض القيود يلزم أن يحكم الإمام كحاكم مطلق".
    -زاد ذ مرجيليوث في كتابه "المحمدية" ص: 93: "إنه يمكن أن يقال إن مبدأ الحكومة "الأوتوقراطية" أي الاستبدادية قد ظل مسلما به، لا يجادل أحد فيه في الأقطار الإسلامية، حتى القرن التاسع عشر، وذلك حين وصلت الموجة التي صدرت عن الثورة الفرنسية عن طريق تركيا إلى المناطق الحارة" ثم يقول: إن ملاءمة "المنطقة الحارة للمبادئ الدستورية موضع شك"، واستدل على ذلك بأن كلمات "أكثرية – أغلبية – صوت – انتخاب.." لم تعترف في الشرق إلا حديثا .
    -يقول أرلوند في دائرة المعارف الإسلامية 2/884 عن الحكومة الإسلامية: "إنها أوتوقراطية أدعى لها، لأنها مبنية على الوحي الإلهي"، ثم قال: "وقد جعل واجبا دينيا مؤكدا على الفرد المسلم أن يطيع الحكومة الاستبدادية التي يقوم عليها الخليفة".
    فهؤلاء جميعا يرون الحكم الإسلامي جامعا بين كونه حكما دينيا "ثيوقراطيا" واستبداديا "أوتوقراطيا".. والذي دعاهم إلى هذا الرأي –بالإضافة إلى كونهم مستشرقين يجمعون بين التعصب وقلة الدراية- هو أنهم أصدروا أحكامهم هذه استنادا إلى الخلافة الواقعية التي سادت في التاريخ الإسلامي في كثير من فتراته، فهم لا يميزون بين المبادئ الإسلامية في الحكم كفكر وقانون ونظريات، وبين ما حدث في العالم الإسلامي من ممارسات الحكام التي اعتبرت بإجماع خارجة عن المبادئ الشرعية في الحكم..
    - وقال علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" ص: 35: "إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحا ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة في أي صورة كانت الحكومة ومن أي نوع: مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية .."، والعجب هنا كيف جعل الكاتب كل هذا الخليط من الأنظمة مع ما بينها من اختلاف وتناقض هو الممثل للنظام الإسلامي؟
    -ويقول ذ مجيد خدوري في كتابه الحرب والسلم في القانون الإسلامي ص: 7: "إن نظام الحكم في الإسلام –وإن كان أقرب شيء إليه التيوقراطية- أولى أن يسمى "النوموقراطية" وهذه تعني "حكومة القانون" أي التي يكون فيها القانون صاحب السيادة".
    -وقال طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى ص: 31: "لم يكن نظام الحكم الإسلامي في ذلك العهد إذن نظام حكم مطلق ولا نظاما ديمقراطيا على نحو ما عرف عند اليونان، ولا نظاما ملكيا أو جمهوريا أو قيصريا مقيدا على نحو ما عرف عند الرومان، وإنما كان عربيا خالصا.. فهو لم يكن ملكا، ولم يؤذ النبي وصاحبيه شيء كما كان يؤذيهم أن يظن بهم الملك، وهو لم يكن جمهوريا، فلم نعرف في نظم الجمهورية نظاما يتيح للرئيس المنتخب أن يرقى إلى الحكم فلا ينزله عنه إلا الموت، ولم يكن قيصريا بالمعنى الذي عرفه الرومان، فلم يكن الجيش هو الذي يختار الخليفة، فهو إذن نظام عربي إسلامي خالص لم يسبق العرب إليه ثم لم يقلدوا بعد ذلك فيه". وكلام طه حسين هنا يقرر جانبا من الحكم الصحيح على النظام الإسلامي، إلا في وصفه له بأنه عربي خالص خطأ من وجهين، أولهما: أن الدين الإسلامي دين إنساني وليس عربيا، وإلا فإنه وصفه بالعربي يستلزم نوعا من العنصرية يتنزه عنها النظام الإسلامي. والثاني: أن العرب لم تعرف في تاريخها الطويل سوى النظام الملكي أو القبلي أو الفوضوية، ولم تعرف نمط "الخلافة" الإسلامية، بل إنها إنما قاومت الإسلام وحاربت النبي ص دفاعا عن قيمها وأنظمتها القبلية التي لا تتفق مع الإسلام.
    والقول بأن الإسلام نظام ثيوقراطي خطأ، قال ضياء الدين الريس: "إن الثيوقراطية إنما يقصد بها حكومة الإله أو الآلهة، أو زعماء روحيين مقدسين، ومن أمثلتها حكومة البابوات في العصور الوسطى، فيكون لهؤلاء الرؤساء سلطات روحية، ولهم حق الغفران والحرمان، وتجب لهم الطاعة المطلقة، وأقوالهم قانون، لأنهم يدعون أنهم يمثلون الإرادة الإلهية، والإسلام ليس كذلك، فهو خال من الكهانة، وليس لهيئة خاصة حق احتكار الشريعة أو أنها تتمتع بخصائص روحية، وما الإمام أو رئيس الدولة في إلا منفذ للشريعة، خاضع لأحكامها، وهو معين من قبل الأمة التي تنتخبه ولها الحق أن تعزله، وحق الاجتهاد مقرر للفرد، كما أن إرادة الأمة التي تصدر في صورة إجماع معترف بها أنها جزء أساسي من الشريعة، فمن كل هذه الوجوه يخالف الإسلام إذن الثيوقراطية" .
    -وهناك آراء كثيرة تنص على أن للإسلام نظاما ديمقراطيا، نظرا لما تتمتع به الأمة من قيمة فيه, ولما يشتمل عليه الإسلام من مبادئ ديمقراطية، كالمساواة أمام القانون وحرية الرأي، وكفالة الحقوق، لكن بين الإسلام والديمقراطية فروق كثيرة أهمها:
    1- أن المراد بكلمة الأمة أو الشعب في الديمقراطية الغربية أنه مجموعة من الناس المحصورين في حدود جغرافية وتعيش في إقليم واحد، وتجمع بين أفراده روابط من الدم والجنس واللغة والعادات المشتركة، أي أن الديقراطية مقترنة بفكرة "القومية" ودولتها دولة قومية. أما الإسلام فمختلف، فليست الأمة عنده هي التي ترتبط برابطة المكان واللغة والجنس والدم، بل رابطة الأمة الأساسية هي رابطة وحدة العقيدة الإسلامية، فكل من اعتنق الإسلام فهو عضو في الأمة الإسلامية، فنظرة الإسلام إنسانية وأفقه عالمي، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) على أنه لا يطلب إلغاء راوبط الدم واللغة والعادات، بل يؤكدها، قال تعالى (ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم)، وقال: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ..
    2- أن أهداف الديمقراطية الغربية هي أغراض دنيوية مادية ترمي إلى تحقيق سعادة أمة أو شعب بعينه، من حيث تحقيق مطالبه في هذه الحياة الدنيا فقط، كإنماء الثروة أو الرفع من الأجور أو كسب حربي ما، لكن أغراض النظام الإسلامي تشمل الأهداف الدنيوية والأخروية معا، قال ابن خلدون في غرض الإمامة: إنها "لتحقيق مصالح الناس الأخروية والدنيوية".
    3- أن سلطة الأمة في الديمقراطية الغربية مطلقة، فالأمة حقا وعلى الإطلاق هي صاحبة السيادة، هي –أو المجلس الذي تنتخبه- التي تضع القانون أو تلغيه، والقرارات التي تصدر عن هذا المجلس تصبح قانونا واجبا النفاذ وتجب له الطاعة، حتى وإن جاءت مخالفة للقانون الأخلاقي أو متعارضة مع المصالح الإنسانية العامة، فالديمقراطية مثلا تعلن الحرب من أجل سيادة شعب على شعب، أو الاستيلاء على سوق أو احتلال مكان، أو احتكار منابع النفط.. لكن في الإسلام ليست سلطة الأمة مطلقة هكذا ، وإنما هي مقيدة بالشريعة نفسها، ولا تستطيع أن تتصرف إلا في حدود القانون الإسلامي.
    قال ذ الريس: "فما دمنا قد أثبتنا أن الإسلام لا يتطابق مع أي من النظم السابقة التي عددناها، فليس الحاكم إذن هو صاحب السيادة، لأن الإسلام ليس "أوتوقراطية"، ولا رجال الدين أو الآلهة لأنه ليس ثيوقراطية، ولا القانون وحده لأنه ليس نومقراطية، ولا الأمة وحدها لأنه ليس ديمقراطية بهذا المعنى الضيق، وإنما الجواب الصحيح أن السيادة فيه مزدوجة، فالسيد أمران مجتمعان، ينبغي أن يظلا متلازمين، ولا يتصور قيام الدولة وبقاؤها إلا بوجود هذا التلازم، هذان الأمران هما: 1 الأمة، 2-القانون أو شريعة الإسلام، فالأمة والشريعة معا هما صاحب السيادة في الدولة الإسلامية.
    فالدولة الإسلامية إذن على هذه الصورة نظام فريد خاص بالإسلام، لا يصح القول بأنه يتطابق مع أي من النظم المعروفة، ولذا فإنه ينبغي أن يوضع لها اصطلاح خاص، وتسمى باسم يمثل حقيقتها، وما دام هذا الاسم لم يوضع، ولم يهتد إليه بعد، فنكتفي بأن يشار إليها بصفة مجملة على أنه "النظام الإسلامي"، فإذا كان لا بد من استعمال لفظ ديمقراطية ، مع مراعاة الفروق الأساسية التي بيناها سابقا، فيمكن أن يوصف هذا النظام على وجه تقريبي بأنه ديمقراطية، إنسانية عالمية دينية أخلاقية روحية ومادية معا، أو يجوز –وهذه المعاني ماثلة في الذهن- أن تجمع كل هذه الصفات في تعبير موجز فيقال: إنها الديمقراطية الإسلامية" .

    الباب الأول: خصائص النظام الإسلامي
    أهمية التصنيف وبيان الخصائص هي التمكن من مقارنة النظام الإسلامي مع النظم الأوربية الحديثة من جهة، ومن جهة أخرى تخريج الخطوط العريضة الضرورية لإقامة النظام الإسلامي وامتداده في هذا العصر، والتصنيف هنا يعتمد عقيدة النظام وشعبيته لا على شكل الحكومة.
    يتميز النظام الإسلامي في الحكم بثلاث خصائص كبرى هي: أ- الحتمية ب- المذهبية ج- الحرية الشعبية.
    الفصل الأول: الحتمية
    تنقسم النظم عموما إلى قسمين كبيرين: نظم إرادية ونظم حتمية
    أ- النظم الإرادية
    النظم الإرادية: هي التي يسند أصحابها أساس النظم الإنسانية إلى "إرادة الإنسان"، فترى أن الإنسان هو صانع النظم، وصانع الدولة ، وصانع القوانين وسائر الأوضاع، وذلك باستقلال عن أية مرجعية دينية أو أخلاقية.
    وقد قويت الأفكار الإرادية ونادى بها أنصار "الحقوق الطبيعية" و"العقد الاجتماعي"، مثل روسو وهوبز ومنتسكيو.
    ملخص نظرية هؤلاء أن الإنسان في حالته الفطرية الطبيعية الأولى كان كامل الحرية مالكا لكل شيء، فلما احتاج إلى الاجتماع اتفق الأفراد على "عقد اجتماعي" أبرموه فيما بينهم، تنازلوا بمقتضاه عن بعض حرياتهم، على أن تبقى حقوقهم مطلقة في سائرها، فلا يجوز بعدها تقييد الحريات إلا بالإرادة العامة، ولما كان متعذرا جمع الناس جميعا لتعديل العقد الاجتماعي الأول عند الرغبة في إضافة قيود جديدة للحريات، فإنهم أناطوا الاختصاص بذلك لنواب يتنخبهم الشعب وتتشكل منهم سلطة تشريعية.
    وقد انتصرت تعاليم هذه المدرسة بنجاح الثورة الفرنسية، وهي مصدر الفكر الديمقراطي الليبرالي الحر، وتسمى هذه المدرسة بالمدرسة الفردية لأنها تعتبر الفرد أساس المجتمع.
    ففي هذه المدرسة وهذا النظام تكون "المصلحة الشخصية" هي الهدف، الذي يعمل له كل فرد ، وتكون حقوقه "مصلحة يحميها القانون"، ويكون كل فرد مطلق الحرية في أن يتصرف في نطاق حقوقه الخاصة ما دام لا يضر بالغير ولا يخالف القانون، ولذلك تسمى هذه المدرسة بـ"المدرسة الذاتية".
    ويقتصر دور الدولة في هذا النظام في الأصل على تأمين الحريات للأفراد والعمل على عدم تضاربها.
    -ما يترتب على النظم الإرادية
    تترتب على النظام الإرادي النتائج التالية:
    أولا: أن سلطة المشرع الوضعي في سن التشريعات تكون مطلقة، إذ إن له حقا ذاتيا في التشريع كيف يشاء، وكل الظروف العامة التي يتأثر بها المشرع هي مناسبة تقدر عند التشريع، ولكنها لا تجبره على أمر معين.
    ويرتبط بهذا الأساس القول بـ"التحديد الذاتي" للدولة، إذ تصير هي مرجعية ذاتها لا تعلوها أية مرجعية متجاوزة لها، مما يجعل للدولة سلطة مطلقة في تحديد النظام حسبما ترى، وإصدار القوانين كيف تشاء، إلا أنها متى أصدرت شيئا من ذلك التزمت به .
    غير أن من عيوب الحرية التي يتمتع بها المشرع الوضعي في هذا النظام أن القانون أصبح أداة طيعة في يد النظام الذي يسود الحكم ، وأصبح من السهل أن تستولي المصالح الوقتية على الأداة التشريعية وأن توجهها كيف تشاء.
    ثانيا: أن المشروعية في هذا النظام هي مشروعية شكلية تعتمد على جهة الإصدار أعلاها الدستور ثم القانون ثم القرارات والتصرفات الفردية.
    ثالثا: أن الحريات والحقوق تكون "مطلقة" لأصحابها، لا حدود لها ولا ضابط إلا 1- أن يقيدها القانون بنص صريح، 2- أو لاعتبارات النظام العام، 3- أو ما لم تضر بالغير.
    ب- النظم الحتمية.
    هي النظم التي تستند إلى قوة حتمية تعلو إرادة أفراد المجتمع ، ويجب على المشرع الوقتي أن يحاول اكتشافها وأن يتابعها فيما تقتضيه.
    هذا النوع ينطلق من "المبادئ والمثل" التي تهيمن على المجتمع لا من المجتمع نفسه، أي من الأرضية التي يتقاسمها الأفراد كحقوق ذاتية بهم.
    والنظريات الحتمية تسمى أيضا بنظريات المدرسة الموضوعية، وذلك بسبب أنها لا تنظر إلى الحقوق الخاصة أو الذاتية للأفراد كالنظرية الإرادية ، ولكنها تنظر إلى موضوع معين هو الهدف أو الغرض الاجتماعي الذي يسيطر على الجماعة.
    وأصل النظم الحتمية هو "حكم الكنيسة"، الذي ساد أوربا خلال القرون الوسطى، حيث كانت ترى أن القانون الإلهي هو الذي يحكم العالم، وأن على الإنسان أن يتبعه. لكن أوربا تمردت على هذا النظام بسبب استغلال الكنيسة وعسفها وظلمها وتحالفها مع الإقطاع.
    ثم ظهرت نظرية أخرى، ولكنها تسند السيادة إلى "القانون الطبيعي" ، وقد ازدهرت هذه النظرية في ق 16 على يد جروسيوس وأتباعه، ثم انتكصت لما قيل عنها إنها "خيالية" وأنه لا وجود للقانون الطبيعي المزعوم، وحلت محلها النظرية الإرادية الفردية في ق 18.
    وفي منتصف ق 19 عادت النظرية الحتمية إلى الازدهار بظهور نظرية ماركس وهي نظرية تحكمها جملة من الحتميات الاشتراكية.
    وقد قوبلت هذه النظرية في المعسكر اللبرالي بابتداع نظريات حتمية مقابلة، أهمها "النظرية النظامية" التي قال بها العميد هوريو وأتباعه، وكذا نظريات ماكس فيبر وغيره.
    مما ترتب عنه اصطباغ الفكر السياسي والقانون الاجتماعي عموما بهذه النظريات، وهي في أصلها نظريات دينية عمدت إلى إحياء فكرة القانون الطبيعي باعتباره مجموعة من المبادئ الرشيدة التي أودعها صانع الطبيعة في عقول البشر.
    ومما يوضح هذا الاتجاه الديني ما بينه رينار في كتابه "نظرية المنظمة" من أن جميع الأمور تسير على نظام دقيق، وأنه لم يشذ عن ذلك سوى الإنسان وأن هذا التنظيم الشامل يدل على وجود المنشئ المنظم، ولذلك فجميع النظم الإنسانية إنما تتقيد بأن تكون في إطار هذا التنظيم الإلهي الأعلى الذي يعتبر قانون الإنسانية.
    لقد اتخذ كثير من الفلاسفة وفقهاء القانون من فكرة "القانون الطبيعي" أساسا مثاليا دينيا للنظم الإنسانية، وذلك باستلهام النظام الطبيعي باعتباره دليل دقة التنظيم الإلهي، فينبغي اكتشافه وبناء النظام الاجتماعي على أساسه، لكنه تتوجه هنا ملاحظتان: الأولى: أن النظام الطبيعي لا يصلح دليلا على الإرادة الإلهية، لأن قوانين الطبيعية مستقلة عن الإنسان وعن القيم الدينية والأخلاقية، فلا يسوغ جعل النظام الطبيعي أساسا للظاهرة الإنسانية، والثانية: أن المسيحية لا تتضمن نظاما اجتماعيا، لذلك قام هؤلاء الفلاسفة بجعل الدين أساسا مثاليا للنظام، ثم النيابة عن الدين في تحديد عناصره ومقوماته وخصائصه، أي أنها في الحقيقة علمانية بشعار ديني..
    يقول أنصار هذه النظرية: إن المجتمع يسيطر عليه هدف اجتماعي أو غاية اجتماعية، وأنه بسبب وحدة الهدف يتضامن الناس في أعمالهم ويكونون قاعدة شعبية واحدة ويكون على المشرع الوقتي والسلطة والأفراد اتخاذ الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق الهدف الاجتماعي وإقامته.
    *ما يترتب عن النظام الحتمي

    تترتب على اعتماد هذا النظام الحتمي نتائج منها:
    أ‌- تكون سلطة المشرع الوقتي مقيدة بالهدف أو الغاية التي تهيمن على المجتمع بحيث يبطل أي وضع يعارض هذه الغاية.
    ب‌- تكون المشروعية في هذا النظام مشروعية موضوعية تعتمد على مدى الموافقة للغاية الاجتماعية بصرف النظر عن جهة الإصدار.
    ج- تكون الحقوق والحريات في هذه النظم موصوفة بالغاية الاجتماعية المهيمنة على النظام ولا تكون مطلقة كما في النظام الليبرالي.
    *هل الأنظمة الحتمية واحدة.
    1- تقوم الحتمية الاشتراكية على افتراض أن الإنسان مخلوق اقتصادي بطبيعته، وأنه كان في لحظة تاريخه الأول مالكا لكل شيء ملكية مشاعية، لكن ظهور الملكية والأسرة والدين أدى إلى نشوء الطبقات الاجتماعية.
    وقد ترتب على ذلك أنه –بالتحليل المادي للتاريخ- تبين أن هناك صراعا بين الطبقات، بسبب استغلال أصحاب رأس المال للكادحين، وأن هذا الصراع تجلى أولا بين السادة والعبيد، ثم بين الأمراء الإقطاعيين والفلاحين، ثم بين النبلاء والشعب، ثم بين الطبقة البرجوازية وطبقة العمال الكادحين.
    وتتطلب التناقضات الناشئة عن هذه الحالة هدم النظام القديم المنبني على الرأسمالية، وإقامة نظام جديد يعتمد على إلغاء الملكية الخاصة والأسرة والدين، وإقامة عدالة اجتماعية على أسس مادية.
    ويرى الماركسيون أن هذا النظام الجديد حتمي للقضاء على الاستغلال والصراع الطبقي.
    نقد النظرية الحتمية الماركسية
    تنتقض النظرية الماركسية بثلاث نواقض رئيسة: أولا: أن المرجع في تحديد دوافع السلوك هو لعلماء النفس، وهم لم يقولوا إن الاقتصاد هو الغريزة العليا لهذا السلوك، إذ إن الغرض الاقتصادي في حياة الناس هو "غرض وسيط"، وليس "غرضا غائيا نهائيا"، فالإنسان لا يقتصر على السعي وراء المنفعة الاقتصادية، بل يفعل ذلك ليبددها في مقاصده الحسية والمعنوية وأهوائه، وهي التي تشكل له حوافز السعي المادي.
    ثانيا: أن الترتيب الذي اختاره ماركس لإثبات التحليل المادي للتاريخ لم يطابق واقع التاريخ البشري، وربما حدثت بعض أطواره في بعض بلاد أوربا الغربية، ولكنه لم يحصل في بريطانيا والولايات المتحدة والعالم الإسلامي والصين والشرق الأقصى وأمريكا الجنوبية وإفريقيا، أي معظم العالم.
    ثالثا: أن التطبيق الفعلي للماركسية لم ينه التناقضات والاستغلال، بل استمرت التناقضات والصراعات في ظل الماركسية نفسها.
    ج- هل النظام الإسلامي حتمي أم إرادي؟
    من الناحية المبدئية لا يمكن تطبيق خصائص أي من النظامين على النظام الإسلامي كما قلنا، لما تقدم من أنه نظام مستقل بذاته ومتميز بخصائصه. نعم قد يشبه النظام الإسلامي النظام الإرادي الديمقراطي كما سبق، في قيمة الحرية والحق والمساواة وحرمة الشخصية الإنسانية في كليهما، حتى إن حماية حق الحياة والأمن الشخصي والاجتماعي للناس كان وراء تنازل الفقه الإسلامي واعترافه بالنظام القهري الاستبدادي في الماضي والحاضر.
    وفي المقابل نجد عدة عناصر حتمية في النظام الإسلامي، بحيث إن الإسلام موجود قبل النظام، ووظيفة هذا النظام هي تنفيذ مقتضياته وأحكامه، وليست الإرادة الشخصية الحرة هي التي تنشئه، كما أن الحقوق والحريات صادرة عن الشارع وهو الله تعالى، فالفرد لا يحدد مفهوم الحرية والحق ولا حق له في التشريع، بل كل ذلك مستقل عن الفرد والحكومات والأشخاص.
    لذلك كان النظام الإسلامي أقرب ما يكون إلى النظام الحتمي منه إلى النظام الإرادي، لكن لا تسمح الحتمية الإسلامية –إن صح هذا التعبير- بظهور الدولة الشمولية والتيوقراطية ونظام الحزب الواحد الذي يملك أفراده الحق في تفسير الحتمية للناس وفرضها عليهم، وذلك بسبب استقلال الوحي الإلهي عن الناس، وعدم وجود سلطة لأحد في أن ينوب عن الله أو يحدد عناصر الحتمية أو أ ن يحكم بالحديد والنار لأنه يمتلك سر الحتمية وسلطة تأويلها..
    الفصل الثاني: المذهبية
    *معنى المذهبية
    معنى المذهبية هي التعاليم والمبادئ والأفكار التي يقول بها منشئ النظام، والتي ينزلها أنصاره منزلة العقيدة العامة، والتي يصحبها تخطيط وبيان لكيفية التنفيذ.
    وتقوم كل مذهبية على حتمية معينة، فإذا وصل الاعتقاد بالحتمية إلى حد الإيمان والعقيدة العامة فإنها تتحول إلى مذهبية يجري التخطيط لتطبيقها وكيفية تنفيذها.
    *ميزات المذهبية
    تتميز المذهبية بما يلي:
    1- أنها عقيدة عامة وهدف اجتماعي: فالعقيدة والإيمان في علم النظم لا ينظر إليهما باعتبارهما أمرا بين الإنسان وربه أو بينه وبين نفسه، وإنما ينظر إليهما كغرض اجتماعي عام يسير النظام كله في هديه، أي كمذهبية يلزمها النظام أفراده. ولا تكون المذهبية شعارات ونداءات جوفاء، بل يجب أن تكون هدفا اجتماعيا وغاية مستمرة، يعمل المجتمع لبلوغها وتحقيقها، وتصير أهم ضرورات المجتمع، بحيث يضحي من أجلها بالنفس والمال.
    2- أن المذهبية تكون مدونة: فقد تكون المذهبية أحيانا وثائق مستقلة، كالكتب السماوية التي هي في الأصل عهد بين الإنسان والله، على أن يعمل الإنسان على تحقيقها، وأن يضحي في سبيل ذلك بكل غال ونفيس.
    وقد تكون في صورة إعلان أو ميثاق، أو في صورة مقدمة للدستور، ونحو ذلك من القواعد البرنامجية، ذات القدسية العالية، ولذلك فإن مقدمات الدساتير ليست قطعا إنشائية أدبية، ولكنها أعلى الأحكام الدستورية المقيدة للدستور نفسه.
    ويعتبر القرآن الكريم الوثيقة العليا للمذهبية الإسلامية، إذ هو مصدرها بما يتضمن من أحكام القانون البشري الأعلى الخالد ، فيجب العمل على استخلاصها، وبذلك يتحول القرآن إلى إمام ومرشد أعلى ومنهج للحياة، وكذلك الحديث الشريف، يجب اتخاذه معيارا للتصرف وأساسا له، ولا تصح مخالفته.
    3- أن المذهبية لا تكون غاية مؤقتة تنقضي باستنفاذها، كتحرير أرض الوطن، أو الانتصار في حرب، بل المذهبية لا تعتبر كذلك إلا إذا كانت مستمرة ودائمة.
    * الفرق بين المذهبية والنظام العام.
    قد يقع الخلط بين النظام العام والمذهبية، وإذا كان معنى المذهبية ما سبق فإن معنى النظام العام "تلخيص أو بلورة لثقافة جماعة معينة في وقت معين" وهذه الفكرة في الأصل تتعلق بالأمور التي لا تجوز مخالفتها عند الاتفاق، (كثير من الحريات والحقوق الأساسية والآداب من النظام العام لتعلقها بالمصالح العامة للمجتمع أو لعلوها عن نطاق المصالح الشخصية).
    وتختلف فكرة النظام العام عن فكرة المذهبية من وجوه:
    أ- فكرة النظام العام فكرة وقتية متغيرة، فما يعتبر من النظام العام قد لا يصير كذلك بعد وقت، وخاصة إذا صدر قانون يبيح ما كان محظورا.
    أما المذهبية فهي تستند إلى حتمية دائمة، ولذلك فهي لا تقبل التغيير.
    ب- فكرة النظام العام فكرة جزئية لا تشمل النظام كله، فالنظام العام في القانون المدني غيره في القانون التجاري، أو في المجال الجنائي والإداري، إذ لكل مجموعة من الأحكام غايتها الخاصة، لذلك تستقل عن بعضها البعض.
    فمثلا: غاية القانون الجنائي هي الردع والزجر وحفظ الأمن العام، بينما غاية القانون الإداري هي حسن سير المرافق العامة واطرادها.
    أما المذهبية فهي مظلة شاملة تغطي النظام كله بقيود واحدة، لذلك فلا نجد في النظم المذهبية فكرة ازدواج القوانين، كالمدني والإداري بل يخضع الجميع لمنهج واحد.
    ج- أن الدفع بمخالفة النظام العام هو دفع على مستوى الدفع بمخالفة القانون، فالنظام العام يقرره القانون غالبا، ويجوز للقانون أن يسمح أو يقيد ما يعتبر من النظام العام، ولا يجوز للنظام العام أن يتحدى الدستور أو يطاوله، أما المذهبية فهي دفع على مستوى الدستور، فما كان مخالفا للمذهبية يكون مخالفا للدستور، لأن الدستور إنما وضع تنفيذا للمذهبية وتحقيقا له، فلا يجوز له أن يخالفها، ومن هنا قيل: إن المذهبية تعلو على الدستور وتسبقه، فلا يجوز له أن يخالفها، فالمذهبية هي مصدر المشروعية العليا.
    الفصل الثالث: الحرية الشعبية
    الخاصية الثالثة للنظام الإسلامي أنه: نظام حر شعبي، والحرية هي قدرة الإنسان على أن يفعل ما يعتقد أنه الصواب، فهي تتطلب معايير موضوعية لتحديد الصواب والخطإ، وتكون في نفس الوقت مسئولية وتكليفا، فالحرية ترتبط بالتكليف، ولذلك فإن بحوث الحرية في النظم الليبرالية يقابلها بحث التكليف في النظام الإسلامي في أصول الفقه وغيره.
    وتدور فلسفة التكليف على أن كل مسلم مطلوب منه عدد من الواجبات الفردية [العينية] والجماعية [الكفائية]، تتحقق بأدائها عبوديته لله، كما تحقق معها حريته، إذ يلتزم بها بإرادته طوعا، ولا يسمح لأحد بإلغائها أو التصرف فيها، فالتكليف بهذا المفهوم جامع بين الحرية والواجب.
    فالحقوق السياسية في الشريعة مثلا، ليست امتيازات تتحقق معها ذات الفرد الاجتماعية وحسب، بل هي "تكاليف"، يثاب عليها أو يعاقب حسب التزامه بالنزاهة والعدل، فهي جامعة بين مبدأي الحرية والواجب، فتتحول الحريات والحقوق إلى وظائف اجتماعية، تستهدف إقامة النظام.
    ونظرا لهذا المنحى الوظيفي للحقوق والحريات فإن الحرية في النظام المذهبي تعتبر موصوفة بالمذهبية محدودة بإطارها، أما في النظام الليبرالي فالحرية مطلقة ما لم يقيدها القانون، وتكون ذاتية يفسرها الشخص برأيه، ويختلف مفهومها من شخص لأخر.
    فالمسلم ليس حرا في أن يعتقد ما يشاء، بل حريته موصوفة بما تنص عليه العقيدة الإسلامية ولا يسعه أن يرتد عنها، وكذلك لا يجوز في النظام الاشتراكي للإنسان أن يعتقد غير المذهبية الاشتراكية أو يرتد عنها. وهذا التشابه بين النظامين هو شكلي فقط، أما الأحكام الموضوعية فتختلف بينهما.
    فالحريات في النظام الإسلامي وسائر النظم المذهبية هي حريات موصوفة، أي مضافة إلى مذهبيتها، ومقيدة محجورة عن ما يضادها وعندما يراد بها هدم المذهبية أو معاداتها.
    والحرية خصيصة أصيلة في النظام الإسلامي لأسباب كثيرة، وذلك أن السلطة في الإسلام مقيدة بطبيعتها، لأنها وليدة النظام، فتظل خاضعة له محدودة بحدوده. بخلاف النظم الحديثة ، حيث تقوم الدولة أولا ، ثم تمارس حقها في التحديد الذاتي فتضع النظم والقوانين.
    ففي الإسلام نزلت الشريعة أولا، ثم بعد ذلك جاء الحكم والنظام السياسي، وطوال التاريخ ظلت الدولة مقيدة بهذه الأصول، لا يمكنها الانفكاك عنها.
    لنلاحظ نص بيعة العقبة، لما هاجر النبي ص من مكة إلى المدينة قال ص للأنصار (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف). الملاحظ هنا أن هذه البيعة نصت أول ما نصت عليه هو المذهبية الإسلامية العليا، وهي التوحيد، ثم نصت على العصمات الأساسية، وهي عصمة الدم والمال والعرض، ثم على الأمن الاجتماعي من الغش ونحوه، ثم العنصر النظامي وهو التزام الطاعة.
    كذاك تعد الأحكام الشرعية حقوقا وواجبات لكل من الحاكم والمحكوم على وجه التساوي، فالحاكم لا يوجب من عند نفسه، وإنما ينفذ الأحكام المقررة سلفا.
    فالسلطان والزوج والأب وسائر من له ولاية عامة أو خاصة لا يوجب شيئا من عنده، لأن الطاعة على الحقيقة لا تكون إلا لله.
    ولا توجد في الشريعة أعمال السيادة التي تعتبرها التشريعات الحديثة غير خاضعة للرقابة القضائية، وقد اشتهر أن بعض أهل البلاد التي فتحها المسلمون، كانوا يشتكون الجيوش الإسلامية لدى مخالفتها لشروط الصلح، فيحكم القاضي بتلك الشروط، بصرف النظر عن المصلحة الحربية التي تعتبر في النظم الحديثة من أعمال السيادة التي لا تخضع للرقابة القضائية.
    ومن مظاهر الحرية التي قررتها الشريعة حق إبداء النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن الفضيلة تؤدي إلى الحرية، لأن الواقع في الرذائل يمكن ابتزازه بها ويفقد حريته لهذا السبب.
    والحرية في النظام الإسلامي شعبية، لأنها قانون الشعب، ولأنها عمل جماعي، ولأنه لا يحق للسلطة منعها، بعكس الاستبداد فهو فردي لا شعبي.
    -الفرق بين الشعبية في النظام الإسلامي والنظام الديمقراطي.

    1- في النظام الليبرالي: الشعب هو مصدر السلطات الوحيد والأعلى أي "مرجعية ذاته"، وبذلك فإن كلمته هي العليا فيما يصدر في الدولة من القوانين، وهو الذي يحدد في الأصل شكل الدولة ونظامها ومذهبها، ثم يعهد بالسلطة التشريعية إلى مجلس منتخب ينوب عنه.
    أما في الإسلام، فإن مصدر السلطات والأحكام هو الله تعالى، وكلمته هي العليا في نظام الدولة، ولا يكون لغيره سلطة التشريع وإنما يقوم ولي الأمر في الوقت بإجراء الأعمال التنفيذية لتطبيق الأحكام الشرعية، ويقتصر حق التشريع للناس في الاجتهاد الفقهي أو الاجتهاد التطبيقي قصد التوفيق بين مصالح الأمة وحاجاتها وبين النصوص الشرعية الثابتة..
    2- في الديمقراطية الحديثة يعهد بالحكم إلى عامة الشعب، أما الإسلام فيعهد بها إلى أهل الخبرة والرأي والعلم [أهل الحل والعقد] ، ولكنه مع ذلك يخالف الطبقية والأرستقراطية، أولا: لأن باب التعليم وبلوغ مراتب العلماء وأهل الرأي والخبرة مفتوح لعامة الشعب، وثانيا: لأن عامة الشعب يشاركون في توجيه الحكم بناء على مبدإ النصيحة الذي جاء في الحديث الشريف: (الدين النصيحة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)
    تلخيص وتحصيل
    مما تقدم يتبين أن النظام الإسلامي هو نظام حتمي مذهبي وأنه يتميز بالحرية والشعبية، وكونه نظاما حتميا مذهبيا أورثه خصيصة نظامية واضحة، بسيادة وحدة الفكر والتضامن الشعبي فيه، وهذا مما يقربه شكلا من النظم الاشتراكية، مما لبَّس على كثيرين القول بأن الاشتراكية من الإسلام، وخاصة بالنظر إلى خاصية التضامن وتوجه الحقوق والحريات إلى الصالح العام باعتبارها وظيفة اجتماعية، تستهدف تحقيق المصالح المعتبر .
    ولكن يفترق النظامان باختلاف موضوع المذهبية في كل منهما، فالمذهبية الإسلامية تقوم على التوحيد أي تنفيذ ما أمر الله به، ومنع ما نهى الله عنه، وباعتمادها على الكيان الفردي بسبب به من الحرية.
    وكونه نظاما حرا شعبيا جعله يقترب من النظام الليبرالي لاعتماده على الكيان الفردي لا على أداة جماعية كالدولة والمؤسسات العامة ونحو ذلك.
    ولكن اختلف النظامان الإسلامي والليبرالي بسبب النظامية التي يتصف بها النظام الإسلامي نتيجة لصفته الحتمية المذهبية.
    فالنظام الليبرالي ليس حتميا ولا مذهبيا، ولا تتقيد فيه الحريات والحقوق بأن تكون وظائف عامة موصوفة بصفة نظام معين، بل هي مفتوحة خاضعة لتطورات الوقت ومتطلباته.
    ولذلك يصدق على النظام الإسلامي –فيما نرى- بأن يوصف بأنه حر بلا فردية، أي بلا أنانية النظام الليبرالي وإطلاقه، ونظامي بلا جماعية، لأنه لا يعتمد على الأدوات الجماعية كالدولة، بل يعتمد على الأفراد ويوليهم ولايات عامة، تشبه ما تتمتع به السلطة العامة، حتى يصح القول بأن السلطة القادرة بمالها واتباعها تشبه الفرد القوي إذا كان له مثل ذلك.
    الباب الثاني: عناصر النظام الإسلامي
    يتشكل النظام الإسلامي على شكل مثلث، يعلوه الإيمان وقاعدته الأمة سلطة وشعبا، ويربط بينهما القانون الإسلامي والأحكام الشرعية.
    وهذا الربط يمثل التوازن الدستوري الذي يربط بين عناصر النظام والذي يحصل من تمسك الأمة [سلطة وشعبا] بالإيمان، فإذ لم يحصل تمسك الأمة بالإيمان وتخلت عن الأحكام الشرعية اختلت الأوضاع واضطرب التضامن بين أفراد الأمة وحل الصراع والحزبية محل التضامن.
    الفصل الأول: العنصر الأول: الإيمان
    الإيمان هو مذهبية النظام الإسلامي، بحيث لا يتأتى هذا النظام إلا إذا ساد الإيمان في الشعب، ومن أهم مقتضياته اعتقاد أن النظام الإسلامي أفضل النظم وأولاها بالاتباع، لكون أسسه وأحكامه من الله تعالى، الذي جعله لمصالح العباد تنظيما لحياتهم على أسس صحيحة، وهذا يقتضي من الفقهاء تعاهد أحكام الشريعة وجعلها صالحة للفتوى والقضاء في كل زمان ومكان.
    و يختلف الإيمان في النظام الإسلامي عنه في النظم الأخرى، فالملكية الفردية في النظرية الليبرالية –مثلا- تعتبر حقا مطلقا لصاحبه، ولا يجوز تقييدها إلا بقانون، وفي النظرية الاشتراكية تعتبر الملكية الخاصة ممنوعة في الأصل، لأنه أداة الاستغلال والصراع الطبقي، أما في الإسلام فإن الملكية الخاصة مشروعة وهي أداة لتحقيق الصالح العام.
    وهذا الاختلاف في حكم الملكية الفردية بين هذه الأنظمة يؤدي إلى اختلاف في تفاصيل كثيرة بينها، كاعتماد التشكيل الاقتصادي على القطاع العام ودور القطاع الخاص ومدى مشروعية التأميم، وغير ذلك..
    ومن الأمثلة أيضا حرية الإنسان، ففي النظام الليبرالي تعتبر الحريات مطلقة ما لم يقيدها القانون، ومن ثم فلا حرج في الزنى –مثلا- ما دام ليس بإكراه أو في قاصر وما دام الزوج راضيا، أما في النظام الاشتراكي فإن المهم هو الإنجاب لصالح الدولة أيا كان مصدره، ويشترك النظامان في إلغاء الصبغة الأخلاقية الذاتية لهذه الجريمة، أما في الإسلام فالزنى ممنوع بذاته وبالطرق المؤدية إليه، ولا يدخل في مفهوم الحرية، وهذا الاختلاف بين الأنظمة الثلاثة يؤدي إلى اختلاف عظيم في مناهج الحياة الاجتماعية بينها، خاصة مسائل المرأة والأسرة والطفولة والشباب..
    -يقوم الإيمان في النظام الإسلامي على عقيدة التوحيد والتصديق بالنبي ص وبما جاء به من القرآن والسنة، والإيمان ليس نية في القلب فقط ولا نطقا باللسان، بل هو تصديق بالجَنان ونطق باللسان وعمل بالأركان، فيتحصل أن المذهبية الإسلامية هي تنفيذ ما أمر الله به ومنع ما نهى عنه.
    -المبحث الأول: وظائف الإيمان
    للإيمان في النظام الإسلامي أربع وظائف هي: 1- إنشاء المشروعية 2-إنشاء التضامن بين أفراد الأمة، 3-إنشاء الإيجابية، 4- إقامة منهج موحد للحياة.
    1- إنشاء المشروعية
    معنى المشروعية هي الأساس الذي يجعل أمرا من الأمور شرعيا ومشروعا، وتنقسم في علم النظم الحديثة إلى قسمين: المشروعية العادية والمشروعة العليا.
    أما النوع الأول فهو المعروف في النظم الليبرالية، ومؤداه سيادة قواعد القانون بمعناه الشكلي وبالنظر إلى جهة إصداره، فهو ينشئ سلما متدرجا من الخضوع للقانون، يبدأ من أعلى بنصوص الدستور ثم نصوص القانون وما يعدله من العرف والنظام العام، ثم اللوائح على تدرجها بحسب إصدارها ثم القرارات الإدارية والتصرفات المختلفة. وهذه المشروعية شكلية تنظر إلى جهة الإصدار لا لمحتوى القاعدة القانونية. وتعادل المبادئ العليا للقانون الدستور في قوتها، بحيث يجب اعتبارها ولم لم ينص عليها، كقواعد المساواة والحرية وحقوق الإنسان..
    أما النوع الثاني وهو المشروعية العليا، وهو المعروف في الأنظمة المذهبية حيث تسود عقيدة المذهب جميع الأحكام والأوضاع في الدولة بما فيها الدستور نفسه. والمشروعية العليا موضوعية لا ينظر فيها إلى جهة الإصدار، فلو وجد في المذهب الاشتراكي نص في الدستور يساعد على الاستغلال والطبقية فينبغي أن يكون باطلا بناء على المذهبية العليا.
    أما في النظام الإسلامي، فمصدر المشروعية العليا هو الشرع نفسه، قال ص (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وثبت أن عمر نهى عن المغالاة في المهور فنبته امرأة على قوله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطارا) ، فأبطل تصرفه وقال: أخطأ عمر وأصابت امرأة.
    فمعيار الصحة والفساد والعدل والحق هو الأوامر الإلهية، فما طابقها فهو صحيح وما خالفها فهو باطل، بغض النظر عن موافقتها للأهواء والمصالح الذاتية لبعض الأفراد..
    ويترتب على اختلاف هذين النوعين من المشروعية أن نشأ في المشروعية العادية ما يسمى بالسلطة التقديرية، بسبب أن إرادة المشرع غير مقيدة، فيعمد المشرع عادة إلى أن تكون القواعد العليا عامة ومجردة، كي تكون مرنة في نطاق تطبيقها، حتى تتمكن السلطة التشريعية من ممارسة سلطة التقديرية لمواجهة متطلبات التشريع التفصيلي، بما لها من حرية في التشريع، وكذلك الحال بالنسبة لواضعي اللوائح وبالنسبة لمصدري القرارات الإدارية.
    أما في النظام الإسلامي فإن المشرع الوقتي ليس له الحرية في إنشاء الأحكام، بل عليه أن يجتهد طبقا للأصول الشرعية، وقد قيل: (إن لله في كل نازلة حكم يتعين اكتشافه من قبل المجتهد بالاجتهاد)، وبذلك ليس للمشرع الوقتي سلطة تقديرية للتشريع كيف يشاء.
    ولما كانت المشروعية الإسلامية هي التي تظلل المجتمع كله، ويعمل الجميع لتحقيق المصالح المرتبطة بها، فإن ذلك اقتضى تحديد هذه المصالح تحديدا دقيقا منعا للتشريع من الارتباك والانحراف عند عدم وجود نصوص مباشرة فيما يحدث من وقائع.
    وقد تحدد المصالح الشرعية في ثلاث مستويات هي في العموم أهداف الإسلام من التنظيم الاجتماعي، وهي: 1- الضروريات 2- الحاجيات 3- التحسينيات. وتنقسم الضروريات إلى خمسة أقسام متدرجة: فأعلاها: حفظ الدين، ثم حفظ النفس، ثم حفظ العقل، ثم حفظ النسل، ثم حفظ المال.
    2-إنشاء التضامن بين أفراد الأمة
    من وظائف الإيمان إنشاء التضامن بين أفراد الأمة، فإن وحدة الإيمان والأفكار الأساسية بين أفراد القاعدة الشعبية تنعكس بالتضامن بينهم.
    وتعد أركان الإسلام -وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج- ذات وظائف تضامنية، فالصلوات الخمس بالمسجد تنشئ بين الناس علاقات تعارف وتراحم بينهم، ومنها تتفرع كل الوظائف الاجتماعية والثقافية العديدة التي يؤديها المسجد.. وكذلك صيام الناس في وقت واحد وإفطارهم في وقت واحد وصلاتهم ليلا في المساجد ثم صلاتهم العيد، كل هذا لا يخفى ما فيه من عوامل التضامن والتقارب بين أفراد المجتمع الإسلامي.. والزكاة تطهر العلاقات بين أفراد المجتمع ويرجع للفقراء حقهم في مال الأغنياء ويدفع الحقد بين فئات المجتمع.. وفي الحج يقع تضامن دولي بين المسلمين ويطلعون على أحوال الأمم الإسلامية المختلفة. فالعبادت ليس فقط واجبات دينية بل لها أيضا وظائف اجتماعية وتضامنية.
    ومن أهم وجوه التضامن الإسلامي القيام بفروض الكفايات، كإطعام الجائع وإنقاذ الغريق والقيام على المعاق، وإقامة موسم الحج والاجتهاد في أحكام الشريعة لجعلها دوما صالحة للإفتاء، والجهاد مع الإمام، وإقامة الحرف والصنائع المهمة، وأداء الشهادة وتجهيز الميت والحسبة، ودفع الأذى عن الطريق، كما قال النبي ص (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق). ولهذا قال العلماء إذا حدث في الطريق خلل أو حفرة قد يتأذى منها المارة وجب على مسلمي المنطقة التعاون في إصلاحها والإنفاق على ذلك، وإلا أثموا جميعا عندما يتضرر راجل أو مركبة بسبب ذلك. كما قرر العلماء أنه إذا تخلف أهل ناحية عن إقامة طبيب مثلا، فإنهم يأثمون بما يحدث بينهم من أمراض بسبب هذا التقصير، فكل الحرف والصنائع التي يترتب على تركها ضرر عام تكون واجبة على الكفاية ، وكل ما فيه مصلحة عامة فهو "مندوب على الكفاية".
    والتضامن في الإسلامي قسمان: أفقي ورأسي، أما التضامن الأفقي فهو التضامن بين المسلمين بعضهم من بعض وهو المسمى بالولاية، قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، ويسمى بالأخوة، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، وقد آخى النبي ص بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة..
    والقسم الثاني هو التضامن الرأسي، ويكون بين السلطة والشعب، إذ هما معا مسئولان عن إقامة المصالح، وهو المسمى بـ"النصرة" وهي واجبة للإمام الحاكم على الرعية، إذ كما يجب على الإمام أن يدافع عن كل من يتبع لسلطته، فإنه يجب على الشعب نصرته والوقوف معه في الملمات والجهاد معه في الحروب.
    والنوعان معا من التضامن ينقسمان إلى إيجابي وسلبي، أما التضامن الإيجابي فهو القيام بالأعمال النافعة، وأما السلبي فهو الكف عن الضرر وتفادي الإثم العام.
    3-إنشاء الإيجابية
    الإيجابية من وظائف الإيمان، فعلى قدر الإيمان المنتشر في المجتمع على قدر قيام أفراده بالمصالح العامة.
    وتتوقف الشخصية الإسلامية عامة على الإيجابية بشكل كبير، وهي تقوم على ثلاثة ركائز: قوة اليقين، وقوة الإرادة والعلم بوسائل التنفيذ، مما يعني أن تعاون السلطة والمجتمع شرط لتحقيق الإيجابية التي يؤسسها الإيمان.
    ومن الإيجابية نشأت الحقوق العامة والواجبات العامة والوسائل العامة.
    أما الحقوق العامة فهي التي لا تجب على مدين معين، بل يقتضيها صاحب الحق ممن تتصل به أسباب الوفاء، ومن ضمن الحقوق العامة حقوق المضطر أن يحصل على ما يسد به ضرورة رمقه ولو بالقوة، إذ حفظ النفس من الضرورات التي ترعاها المصالح الشرعية كما سبق.
    ومما يتنافى مع الإسلام أن يكون ثمة فقير بلا مورد أو مريض بلا علاج أو يتيم بلا كافل، فيجب على المجتمع التعاون في هذه الاحتياجات، لكونها من الحقوق العامة، التي لا تجب على مدين معين، بل كل قادر يكون مدينا بها. وقد قال الله تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)، فحمل بعض الفقهاء ذلك على أنه حق حقيقي يجب أن يكون لمستحق، وأن يكون مشمولا بوسائل التنفيذ، ولذلك قال بعض العلماء: لا يجوز إعطاء الصدقة لسائل الطريق الذي لا يعلم حاله، لأن وصف المستحق لا يكون إلا لمن يتحقق المعطي حاله وفقره.
    أما الواجبات العامة فهي الواجبات التي تقابل الحقوق العامة، ومن الواجبات العامة إنقاذ الغريق ونحوه مع القدرة، بحيث قال الفقهاء: إن من لم ينقذه التزم بديته [أي التعويض عن نفسه التي أزهقت بإهمال من لم ينقذه مع القدرة وانتفاء المانع]. ومن الواجبات العامة القيام بالمرافق العامة، كإماطة الأذى عن الطريق وإصلاح عطبه وإقامة الحرف الهامة، ولذ قال العلماء إن لولي الأمر الإجبار على القيام بهذه الفروض متى قعد عنها الناس.
    ولا يعرف القانون الحديث من الحقوق العامة والواجبات العامة إلا القليل، كالالتزام بدفع الضريبة وبالتجنيد، وفيما عدا ذلك لا يجبر الإنسان –خاصة في النظام الليبرالي- إلا بسبب مخالفته القانون أو إضرار الغير عمدا أو مخالفة الالتزام بالحيطة والحذر في تصرفاته.
    وقد أتاحت الشريعة الإسلامية وسائل إيجابية لتمكين هذه الحقوق العامة والواجبات العامة، منها إجبار الحاكم لمن يتخلف عن هذه الواجبات، ومنها الحسبة، وتأخذ بعض الدول الإسلامية إلى الآن بـ"دعوى الحسبة"، وهي دعوى تنتفي فيها المصلحة الشخصية، وتقرب منها في النظم الحديثة "الدعوى الشعبية"، وتقوم عدة هيئات وجمعيات بتنصيب نفسها كطرف مدني في قضايا جنائية، لا يكون أفرادها هم المتضررون مباشرة بها، بل تكون المصلحة فيها عامة..
    4-إقامة منهج موحد للحياة
    ومن وظائف الإيمان اكتساء الحياة الإسلامية بمنهج موحد متفق عليه، مما يكسب الحياة استقرارا ويمنع أسباب الخلاف. وقد قال تعالى: (وامر بالعرف)، ومن القواعد الشرعية أن "العادة مُحكَّمة".
    وتسود بين المسلمين –في إطار الإيمان- علاقات موحدة أو متقاربة، تجعل الحكم على التصرفات من حيث خطؤها وصوابها سهلا متفقا عليه،بخلاف المجتمعات التي لا تستقر على عادة، والتي يغير أفرادها قيمهم وعاداتهم "بعد إشعار قصير" فإن الخلاف يقع بينهم لاختلاف نظر كل واحد إلى معايير الخطإ والصواب.
    وتوجد في القرآن الكريم والسنة النبوية تشريعات كثيرة متعلقة بالآداب العامة والعلاقات الاجتماعية والأعراف الحسنة ومندوبات الأخلاق، ما يؤدي إلى استقرار العادات على نحو صحيح في كل المجتمعات الإسلامية.
    - المبحث الثالث: أثر الوظائف السابقة في مختلف النظم
    للوظائف المتفرعة عن الإيمان أثر كبير في النظم الإسلامية، وفي تفاصيل أحكام القانون الإسلامي العام لا يمكن تتبع تفاصيلها، ولكن يمكن ذكر بعض الأمثلة:
    فمن الأمثلة على وظيفة المشروعية أن النظام الدولي الإسلامي تسوده اعتبارات العدالة والإنصاف، بحيث يؤدي ذلك إلى أن تلتزم الدولة الإسلامية ذاتيا بقواعد العلاقات الدولية كجزء من قانونها الداخلي، فالشريعة هي التي تلزم الدولة الإسلامية –مثلا- بعدم قتل النساء والصبيان والرهبان المنقطعين عن الحرب، وهي التي تلزم المسلمين بالوفاء بالعهود والشروط والاتفاقات، وهي التزامات نابعة من الإيمان بالشريعة دون اعتبار للعرف الدولي أو الالتزام باتفاقية مؤيدة، ومن الممكن أن يحكم القاضي على المسلمين بمقتضى ذلك، وقد ثبت في التاريخ أن صالح أحد قادة الجيش الإسلامي مع أهل مدينة محاربة على أن يدخلها، ثم بدا له –بسبب بعض الضرورات الحربية- أن يحتلها، فترافع أهل تلك المدينة إلى القاضي شريح قاضي علي بن أبي طالب، فحكم القاضي على جيش المسلمين بالجلاء عن المدينة لقوله تعالى (أوفوا بالعقود)، وثبت أيضا في فترة قريبة من هذه الواقعة أن قتيبة بن مسلم كان قد تصالح مع مدينة على ألا يتمون منها، ثم اضطره الحال إلى أن يحصل منها على بعض ما يلزمه من طعام فترافعوا إلى قاضي المسلمين، فحكم بمقتضى شروط عقد الصلح. ولا يتسع القانون الحديث لمثل هذا، لأن التدابير الحربية تعتبر فيه من أعمال السيادة التي لا تخضع لرقابة القضاء، ولكن السيادة تحت مظلة "المشروعية الإسلامية" أعدمت مجال الاعتراف بأعمال السيادة كحيز من السلطة المطلقة، وجعلت جميع التصرفات العامة مقيدة بالمشروعية.
    ومن أمثلة سيادة هذه المشروعية أنها تعلو النظام الاقتصادي، وترتفع على اعتبارات المنفعة المادية البحتة، بحيث تحول الاقتصاد الإسلامي من النفعية الأنانية التي تسود النظم الحديثة إلى المصلحية التي ترعى الصالح العام، لذلك فإن الاقتصاد الإسلامي مقيد بأمرين: أحدهما إيجابي وهو إقامة المصالح من حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات، في أمور الدين والنفس والعقل والنسل والمال، والآخر سلبي وهو خلو هذا النظام من الموانع الشرعية كالغرر والغبن والربا، وبين هذين الحدين توجد مساحة فسيحة من الأحكام التي تنظم بالمصالح عبر التوفيق بين الأصول الشرعية وظروف الاقتصاد الحديث وعلاقاته ووسائله. ولا تمنع المشروعية الإسلامية من الاسترشاد بالاقتصاد الحديث وتطور التقنية الحاصل فيه.
    الفصل الثاني: العنصر الثاني: الأمة
    الأمة عنصر من عناصر النظام الإسلامي، وهي لا تتطلب أن تكون في هيئة شعب ذات حكومة، بل تنطبق بالمعنى الواسع على: 1- جميع شعوب الدول الإسلامية، 2- الأقليات الإسلامية في دول غير المسلمين، 3- الجماعات المنقطعة بعيدا عن المجموع الإسلامي. وأي جماعة منقطعة من المسلمين تعتبر كأمة في تكوينها وعلاقتها بالسلطة الإسلامية التابعة لها، وإن لم تكن لها سلطة دولة مركزية..
    -وتتكون الأمة في الإسلام من الشعب والسلطة معا، والدليل على ذلك أمران: أولهما: أن القرآن وصف المسؤولين من الرسل وأولي الأمر بأنهم "من الأمة"، فقال مثلا: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) وقال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وقد سبق أن واجبرات الدولة والأحكام التي تختص بها السلطة جاءت في القرآن الكريم والسنة موجهة إلى المجموع الإسلامي مما يتضمن تكامل الشعب والسلطة في النظام الإسلامي. والثاني: أن الشعب في الإسلام يتولى السلطة الفعلية بجانب السلطة الرسمية، في شكل يقرب إلى حد ما إلى ما يعرف الآن بـ"المجتمع المدني"، قال ابن تيمية: "إن أولي الأمر هم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدر، [السلطة] وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء .. وكل متبوع فإنه من أولي الأمر".
    وهذا الاندماج بين الشعب والسلطة يختلف عن الوضع في النظام الليبرالي، فإن الشعب في هذا النظام مستقل عن السلطة، ويقوم الشعب بالدفاع عن حريته في مواجهتها، كما تنزع السلطة إلى المحافظة على الأوضاع ومناهضة التغيير، كما يختلف عن النظم الاشتراكية، حيث يهيمن الحزب الواحد على السلطة، مما يضطر الشعب إلى مناهضة السلطة بطرق غير معترف بها، بخلاف النظام الإسلامي الذي يعطي للأفراد وسائل مشروعة إيجابية تمنع هذا التحكم.
    فلنتاول عنصري الأمة : الشعب والسلطة في نقطتين:
    المبحث الأول: الشعب
    ينقسم الشعب في النظام الإسلامي إلى قسمين متميزن لكل منهما وظائف ومهام: 1- القاعدة المجتمعية أو الشعبية، وتشمل أفراد المجتمع العاديين، 2- القوة الشعبية، وتشمل العلماء وأهل الرأي.
    - الفرع الأول: القاعدة المجتمعية أو الشعبية
    تنتظم القاعدة الشعبية في شكل منظم عبر خلايا تتمكن بها من أداء وظائفها، وهي المساجد، وتتوزع المساجد في كل البلاد الإسلامية، وتضم كل المسلمين، بحيث يكون كل مسلم منتميا إلى مسجد ما، وذلك لأن صلاة الجماعة في المساجد هي فرض عين عند بعض المذاهب أو فرض كفاية أو سنة مؤكدة في المذاهب الأخرى، وفي جميع الأحوال يتأكد حضور أفراد المجتمع إلى المساجد، والتقاؤهم ببعضهم البعض.
    وتعد المساجد أداة للتضامن الاجتماعي والتنظيم والتشاور، حيث يتعلم المصلون في المساجد والصلوات الانتظام ويتعلم الأئمة القيادة والتوجيه، كما يعمل المسجد على تنظيم أمور الناس وحل مشاكل الجماعات، خاصة في المسائل التي لا تتمكن السلطة من حلها، [يتجلى هذا في مساجد البوادي حيث يقوم الناس من خلال المسجد بتنظيم العمل الجماعي والتضامن والتراحم فيما بينهم – كما يتجلى هذا في حالات الكوارث والحروب، حيث تقوم المساجد بدور الإعلام والتنسيق عبر القيمين وأهل الرأي من الناس].
    والمساجد أنواع ثلاث: فهناك مساجد الصلوات الخمس، حيث يجتمع أهل المحلات الصغيرة في مجموعات متقاربة وقليلة العدد، وتجمع بينهم الروابط الدينية بالمسجد، ثم هناك مساجد الجمعات، حيث يجتمع عدد أكبر لصلوات الجمعة، حيث يتحدث الخطيب عن التربية والتوجيه وعن المشاكل العامة للناس، ثم هناك "المسجد الأعظم" بحيث يختص مثلا بصلاة الوالي [أو من يمثل الإمام] فيه، وباجتماع الناس فيه بشكل أكبر، ثم هناك المصلى، ويختص بصلاة العيد، حيث يكون مصلى واحد في كل مدينة يجتمع فيه كل السكان، يظهرون فيه شعائر الإسلام، ويتراحمون فيما بينهم.
    *قواعد القاعدة الشعبية
    تخضع القاعدة الشعبية إلى القواعد التالية:
    -أولا: التدرج الاجتماعي
    [وليس الطبقية]، ومؤداها أن الناس تتكافأ أمامهم الفرص فيتدرجون في المجتمع تبعا لكفاءاتهم، فيؤدي هذا إلى أن يلي الناس أفضلهم في كل مجال، فإذا الجماعة من الجماعات العسكرية تولى أدراهم بالقيادة والحرب، وإذا كان في المجال المدني تولى أقدرهم على توجيه الطاقات، وإذا كان في المجال العلمي تولى أعلمهم..
    وقد حدد القرآن معيار الأفضلية في آيتين: أولهما قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، والثانية قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).
    ومتى صلحت الرياسات والقيادات فإن ذلك يؤكد عمل القانون ويسهل مسالكه، ويساعد الإمام [أي رئيس السلطة] على اختيار الأفضل حسب الكفاءة وحسن الحال، فيشيع في المجتمع الإحساس بالعدل الذي هو أساس الملك.
    -ثانيا: التضامن الاجتماعي
    يحصل التضامن في الجماعة الإسلامية بسبب وحدة الإيمان والوظيفة الاجتماعية للعبادات، وفروض الكفايات التي ينوب بعض أفراد المجتمع على بعض في الاضطلاع بها.
    -ثالثا: سيادة الأمة
    وهي مستمدة في الإسلام من سيادة الله سبحانه وتعالى وحاكميته، فإن المسلمين يصيرون أمناء على الأحكام الشرعية وحماة لها ومدافعين عنهاّ، وذلك متى توفرت ضمانات حرية الرأي والأمن من الاضطهاد، وبذلك يصير مجموع الأمة خلفاء لله تعالى، كما جاء في القرآن: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) . ولذلك فإن الأمة لا تسقط ولايتها وهي تفوض للإمام [رئيس السلطة] بل تبقى للأفراد ولايتهم العامة في شئون المجتمع.
    يتمتع الشعب في مختلف النظم بطائفة من الحريات والحقوق العامة ، يتمكن بها من ممارسة وظائفه الاجتماعية، وتختلف طبيعة الحريات والحقوق العامة في الإسلام عن نظيرتها في النظم الحديثة، ففي النظم الحديثة تنحصر الحقوق العامة للأفراد في أن تكون مساهمة في تكوين الأغلبية، فلا تزيد هذه المساهمة على أن يكون الفرد صوتا من الأصوات في القرار الصادر بالأغلبية، وهذا مما يؤدي إلى تسلط ذوي النفوذ على بطانتهم وإقامة دكتاتورية استبدادية مستترة في القرارات الصادرة –صوريا- بالأغلبية.
    أما في النظام الإسلامي فيستقل الفرد العادي تمام بنفسه كيانه في ممارسته السياسية والاجتماعية، لأن كل فرد مخاطب خطابا مباشرة مستقلا من الشريعة بإقامة المصالح، ولذلك فلا يخضع للأغلبية فيما يراه مخالفا لهذا الخطاب الشرعي لكونه يتلقى التعليمات والتوجيهات من النظام نفسه وليس من المسيطرين عليه، وصوته في ذلك مساو لصوت أعلى درجات القيادة في المجتمع، وهذا سبب أصالة الحرية والمساواة في الإسلام، والتي لا يستقيم التطبيق الإسلامي إلا بتطبيقها بشكل كامل. فما هي أهم واجبات القاعدة الشعبية؟
    *واجبات القاعدة الشعبية
    تنحصر واجبات القاعدة الشعبية في ثلاث واجبات أساسية، هي: الحسبة وإقامة المرافق والنصح.
    -أولا: الحسبة
    والمقصود بها الأمر بمعروف ظهر تركه والنهي عن منكر ظهر فعله، وسميت حسبة، لأن القائم بها لا يطلب مصلحة شخصية ما، بل يحتسب أجره فيها عند الله تعالى، فهي جامعة بين إصلاح المجتمع وبين النية المجردة من المصلحة الشخصية.
    وقد أمر الله تعالى به فقال: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، وبين النبي ص درجاته فقال (من رآى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان)، ولا يكون استعمال اليد في ذلك إلا عند الصلاحية [أي الصفة المبيحة لاستخدام القوة] والقدرة وأمن الفتنة، وإلا فلا يجب، وأما الإنكار باللسان فيجب على العلماء بالتوعية والموعظة الحسنة، وأما الإنكار بالقلب فيكون بالتوعية وعدم المشاركة والامتناع عن التشجيع.
    -ثانيا: إقامة المرافق العامة
    فيقوم كل واحد بما يستطيعه ويتعلق به من المصالح العامة وفروض الكفاية للأمة، ولذلك قال العلماء: إن فرض الكفاية يصير فرض عين في حق من انتصب له، فالطبيب يتعين عليه إنقاذ المصاب، والجندي يتعين عليه الدفاع عن الوطن، والعالم يتعين عليه القيام بمقصود تخصصه، وهكذا..
    -ثالثا: النصح
    وهذا حق مكفول للكافة بقوله تعالى: (إذا نصحوا لله ورسوله)، وقوله ص: (الدين النصيحة، لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، ووسائل النصح للسلطات العامة تتنوع وسائله وطرقه، ولكن الحد الشرعي هو الحكمة، فلا يجوز مخاشنة أولي الأمر في هذا الواجب لما يجب لهم من الاحترام والهيبة..
    - الفرع الثاني: القوى الشعبية
    والمقصود بها العنصر القيادي المؤثر الفعال من الشعب، وبالرغم من أن المؤثرين والقادة في المجتمع كثيرون فإن أساسهم في النظام الإسلامي هم العلماء، لقوله ص: (العلماء ورثة الأنبياء)، وهم مختصون بذلك بعلمهم وعملهم لا بطبقيتهم، لأن باب التعليم مفتوح لكل الناس لا لفئة معينة.
    ويقوم العلماء بحفظ الشريعة وتعليمها والتوعية بها، وحتى السلطة السياسية يتعين في رئيسها أن يكون عالما، أو يستعين بالعلماء في المسائل الشرعية، كما هو مقرر في كتب الفقه والسياسة الشرعية.
    *واجبات القوة الشعبية
    يقوم العلماء بجانب ما سبق بواجبين عامين هما: البيعة والشورى.
    1- البيعة
    والبيعة في الإسلام هي المعاهدة، وهي ثلاثة أنواع: أولها: البيعة مع من يتولى شؤون المسلمين [الإمام الأعظم]، والثانية: البيعة على الإسلام، وهذه خاصة بمن يدخل جديدا للإسلام، والثالثة: تجديد معاهدة الإمام الأعظم عند المهمات العظمى كالحروب.
    ولا تكمل البيعة إلا بالعلماء، لمعرفتهم بالصفات الواجبة في بيعة المترشح للحكم، ولتمثيلهم الحقيقي للناس، إذ الأصل أن العلماء يمثلون كل الناس في كل المناطق، خاصة وأن النظام الإسلامي كما قلنا نظام مذهبي، فلا بد في سيره من الحماية المستمرة للمذهبية واحترامها، وهذا لا يكون إلا بالعلماء..
    2- الشورى
    وهي أساس من أهم أسس الحكم الإسلامي، قال تعالى: (وشاورهم في الأمر) ، وقال (وأمرهم شورى بينهم) .
    ولا تتعلق الشورى بالأمور الواجبة شرعا أو المحرمة شرعا، لأن الشورى اجتهاد والقاعدة الشرعية تقول (لا اجتهاد مع النص)، بل محل الشورى الأمور الجائزة شرعا، والأعمال التقديرية التي لا يحكمها نص، كالأعمال الحربية والفنية، وهي التي قال فيها النبي ص: (أنتم أعلم بشئون دنياكم).
    ويطرح السؤال هنا عن العلاقة بين الشورى وعمل البرلمان؟ والجواب أن البرلمان يقوم بالرقابة على الحكومة والأعمال التشريعية، وهما بعيدان عن عمل الشورى، لأن مبنى الشورى على الحوادث الفردية التي لا تخضع لنص، ومبنى التشريع على الأمور العامة، كما تختلف الشورى عن الرقابة، لأن الشورى مبنية على الود والتفاهم، أما الرقابة فمبنية على المحاسبة والمحاكمة.
    المبحث الثاني: السلطة
    تعتبر السلطة في النظام الإسلامي في الأصل جزءا من الأمة، يقوم بينها وبين الشعب تضامن في رعاية المصلحة العامة وتكامل بينهما، لكن بانقضاء عهد الشرعية الكاملة ودخول الأمة في الشرعية الناقصة بدءا من الأمويين والعباسيين فمن بعدهم تغيرت الأمور وتحولت السلطة إلى الاستبداد والتحكم والانفصال عن الشعب.
    وفي النظام الإسلامي لا تنحصر السلطة في السلطة الرسمية للحكومة، فعلى كل مستوى يكون ثمة سلطة، حيث يقول النبي ص: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، ألا كلكم راع وكلكم مسئول) ، وهذا المبدأ يسمح بملء الفراغ عند انقطاع الصلة بالسلطة الرسمية أو عدم قيام الدولة.
    والأصل في السلطة الإسلامية أنها تقوم بالمساهمة الشعبية بحيث إن عناصرها الأساسية، هي: الإمام ومن يعينه في أعمال التنفيذ، وأهل الشورى، لكن باتساع الدولة الإسلامية بعد الفتوح، اتخذ الخلفاء الراشدون الأجهزة الإدارية والدواوين اقتباسا من نظم البلاد المفتوحة، وتطورت أجهزة الإدارة عبر العصور وتعقدت بالتدريج، لكن هذه الأشكال المختلفة التي اتخذها التنظيم في تاريخ الإسلام ليست ملزمة شرعا، فليس واجبا على السلطة الآن –مثلا - أن تسمي وزراء التفويض أو وزراء التنفيذ على النسق الذي سبق في التاريخ، لأن المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية هو الكتاب والسنة وسائر ما يتخذ على وجه الاجتهاد يجوز تركه لاجتهاد آخر.
    ولكن هناك قواعد أصلية تلتزمها السلطة في جميع الأزمنة.
    قواعد السلطة
    أهم القواعد التي تلتزم بها السلطة في النظام الإسلامي ثلاثة:
    -أولا: تقييد السلطة في الإسلام
    وقد سبق هذا.
    -ثانيا: إبطال التصرفات القائمة على تجاوز السلطة أو التعسف
    يترتب على تقييد السلطة إبطال التصرفات القائمة على تجاوز السلطة أو التعسف، ففي تجاوز السلطة قال النبي ص (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وفي تعسف السلطة قال ص أيضا: (إنكم سترون من بعدي أثرة شديدة فاصبروا)، والأثرة هي الاستئثار بالمنافع، بأن يصدر صاحب السلطة قراره لمصلحة خاصة غير المصلحة العامة المقصودة.
    -ثالثا: شروط الوظائف العامة
    ويترتب على ما تقدم أن الإسلام حرص على التشديد في شروط الوظائف العامة، ومنع تقليد الولاية لمن يطلبها، [قال ص إنا لا نولي هذا الأمر لمن يطلبه)]،كما وجد نظام دقيق لمسئولية العاملين مع السلطة كان يطبقه ديوان المظالم الذي كان يرأسه الخليفة بنفسه في كثير من الأحيان، وكانت قراراته مصحوبة بالتنفيذ الفوري..

    الفصل الثالث: التوازن
    يختلف التوازن الدستوري في النظام الإسلامي عن النظم الغربية من حيث المبدإ، ففي النظام الليبرالي يكون التوازن الدستوري عبر نظام الأحزاب، لمنع تغول السلطة وتوسعها على حساب الشعب وكذا العكس، بحيث يطرح كل حزب برنامجه في الانتخابات، ثم تشكل الحكومة من الحزب الذي يعتبر معبرا عن إرادة الشعب، وفي البرلمان تقوم المعارضة بمراقبة الحكومة وتتبع أخطائها ومساءلتها حتى يأتي وقت تتغلب فيها على الحكومة فتسقط، فتعود الانتخابات مرة أخرى وتشكل الحكومة من جديد من وجهة النظر الفائزة في الانتخابات، وبذلك يظل التوازن قائما بين الحكم والشعب.
    وهذه الوسيلة التي تبدو عملية على الورق يعوق تنفيذها في الواقع أمور كثيرة، إذ تحرص الحكومات على أية حال وبأية وسيلة أو ينجح حزبها في الانتخابات وأن تتحكم في التحرك الشعبي، ولذلك فلا يعتقد الكثيرون أنها حقيقة تؤدي إلى التوازن الدستوري، ولكنها –على أية حال- تضع نظاما يسهل تطبيقه على ظاهره.
    أما في النظم المذهبية الوضعية فيكون التوازن بترقي أعضاء الحزب الواحد إلى قمة تسيير السلطة وألا يتسرب المعادي للمذهبية إليها، وتختار التشكيلات الشعبية للحزب أفرادها بالأكثر تشبعا بالمذهبية، لكن الحاصل واقعيا أن التشكيل الحزبي الرسمي [اللجنة المركزية للحزب الشيوعي مثلا] يسيطر على التشكيلات الحزبية الشعبية سيطرة تامة.
    بالنسبة للنظام الإسلامي قامت السلطة بالهيمنة على السلطة دون توازن مع الشعب، وظهرت طبقات الحكام المستبدين، وانفصل الشعب عن السلطة، حيث كان يلجأ إلى استعمال بالقوة والخروج عن السلطة القائمة، مما أعاق التقدم الإسلامي..
    ولكن مع ذلك توجد في النظام الإسلامي عدة وسائل للمحافظة على التوازن الدستوري، تتلخص في نوعين من الوسائل: الوسائل المذهبية والوسائل المادية.
    -وسائل الحفاظ على التوازن الدستوري
    1- الوسائل المذهبية
    وتتلخص في العمل على ترسيخ الروح الوطنية والإسلامية في الشعب، عبر وسائل الإعلام والتوعية والتعليم والإرشاد الديني، وبكل الوسائل التي تؤدي إلى تعزيز الإيمان في النفوس وتقوية الروح المعنوية والمعرفة الضرورية بالإسلام وعلومه..
    ولا يجوز الاقتصار على المبادئ الخلقية المجردة، أو العبادات بل يجب تدريس نظم المعاملات والأحكام في الإسلام وما يرتبط بها من وسائل الالتزام وطرق التطبيق العملي.
    2- سائل المادية.
    وذلك عن طريق إجبار السلطة على الالتزام بأحكام عامة معينة، فقد عرف في الإسلام أن الاستناد إلى المبادئ الدينية دون إجبار لا ينجح، قال عثمان: (يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).
    ومحتوى الوسائل المادية هو عمل السلطة على احترام رسوم الدين وشعائره وأحكامه الظاهرة وإكسابها الهيبة في النفوس، وذلك لا يتحقق إلا بالأوضاع التالية: 1- أن تتمتع الدولة الإسلامية بمكانة دولية لائقة، وإلا فقدت شرطا مهما من شروط تحقيق الوسائل المادية للنظام الإسلامي، 2- بناء النظام الاقتصادي على أسس وقواعد الشريعة الإسلامية، لأن النظام السياسي والنظام الاقتصادي متلازمان، لا يقوم نظام ما إلا بالجمع بينهما. 3- تحقيق التضامن الدولي الإسلامي، لضمان حد أدنى من الوحدة الإسلامية اللازمة كوسلية مادية للنظام الإسلامي، [عد مؤتمر الرباط سنة 1969 وعيا سياسيا جماعيا من القادة نحو التضامن الإسلامي..]. 4- العمل على تحقيق الانسجام بين القوانين والشريعة الإسلامية، ويمكن ذلك بجعل الدفع بمخالفة الشريعة دفعا بمخالفة الدستور نفسه، لأن المذهبية تعلو على الدستور كما سبق..
    على أن هذه الأفكار المتعلقة بالنظام الإسلامي وإن بدا بعضها غريبا عن مسار الحياة السياسية والحزبية والإعلامية والاقتصادية، فإنها مبادئ تتميز بأنها محررة نظريا وبأنها طبقت تاريخيا، وبالتالي فهي لا تدخل في اليوتوبيات ولا في الأفكار المستحيلة التنفيذ، بل يمكن العمل والاجتهاد لتحقيق ما أمكن منها، مضافا إلى ما هو موجود فعلا من أنظمة وأوضاع، أو موروث ومحافظ عليه في واقع العالم الإسلامي..
    إذ بالرغم من ضعف العالم الإسلامي وتبعيته لأنظمة الغرب في القانون والاقتصاد وغير ذلك، فإن الشريعة الإسلامية بسعتها ومرونتها تساعد على "تصحيح" هذه الأوضاع، وتمنح للمسلمين إطارات وأنظمة قانونية لتطويق أحوال الضعف والتدرج بها إلى حال أقوى وأحسن وأكثر استقرارا وانسجاما مع قواعد الشرع الكريم.



    المواضيع المتشابهه:

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    8
    Post Thanks / Like

    حصري القسم الثاني: الفقه السياسي

    القسم الثاني: الفقه السياسي
    الفصل التمهيدي: مقدمات الفقه السياسي
    - المبحث الأول: هل الفقه السياسي من مباحث النظريات أو العمليات؟
    لاحظ بعض الدارسين الأوربيين على الخلافة تناول العلماء لها في كتب العقيدة، وهو وضع شاذ، لأن الإمامة أحكام، ومحل الأحكام كتب كتب الفقه لا كتب العقيدة
    والجواب عن هذا أن محل الفقه السياسي هو كتب الفقه، قال الإيجي: "الإمامة عندنا من الفروع" ، ولكن العلماء اضطروا إلى الحديث في كتب العقيدة عن مسألتين من مسائل الإمامة، هما: وجوب إقامة الحكومة ونصب الإمام الجامع للصفات الشرعية، والثانية: التنصيص على أن الإمامة تثبت باختيار أهل الحل والعقد لا بالنص من الرسول ص على إمامة شخص بعينه، وذلك ردا على الشيعة الذين قالوا بالنص.
    ولا بد هنا من التنويه إلى أن الشيعة هم الذين أدرجوا مباحث الإمامة في مباحث أصول الدين، وذلك انطلاقا من قاعدة لديهم مفادها أن الإمامة من أركان الدين، لذلك رد عليهم المؤلفون من أهل السنة في كتب أصول الدين نفسها، بالرغم من أنهم لا يعتبرونها من مسائل العقيدة، وإنما يعتبرونها من مباحث الفقه والفروع.
    -المبحث الثاني: أصول الفقه السياسي
    يعتبر النظام الفقهي نظاما شموليا مهيمنا على سائر مناحي الحياة، لأن الفقه هو "العلم بالأحكام الشرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية"، وموضوعه هو "فعل المكلف"، أي جميع أفعال المكلفين.
    فلا يشكل الفقه السياسي أي استثناء أو شذوذ عن سائر أبواب الفقه الإسلامي ومجالاته، لذلك قال العلامة ابن خلدون: "اعلم أن الوظائف السلطانية في هذه الملة الإسلامية مندرجة تحت الخلافة لاشتمال منصب الخلافة على الدين والدنيا، فالأحكام الشرعية متعلقة بجميعها وموجودة لكل واحدة منها في سائر وجوهها لعموم تعلق الحكم الشرعي بجميع أفعال المكلفين".
    إن الآراء الفقهية المتعلقة بتنظيم الحياة الدستورية، وما يعترض نظام الحكم من مهام في الإدارة والقضاء والجباية والعلاقات الدولية لم تنبت من فراغ، ولم يكن مصدرها محض الرأي والبخت، بل كانت صادرة عن موقف فقهي استنباطي يعتمد مصادر الشريعة من كتاب وسنة وإجماع وقياس ومصالح مرسلة وقواعد شرعية.
    وبناء على منطق الشريعة المطرد والعام في التشريع، وهو قلة النواحي والتشريعات الشكلية والتوقيفات، فإنها لم تفرض على المسلمين تحديدات منصوصة وتوقيفية للأشكال الإجرائية والتنظيمية في مجال الحكم والقضاء والنظام الإداري والمالي والعلاقات الدولية، ولكنها قيدت هذه المجالات بنصوص حاسمة على مستوى التأصيل للمبادئ والأطر التشريعية والأحكام المقيدة للاجتهاد فيها.
    ففي القضاء –مثلا- تكثر في الفقه الإسلامي التشريعات المسطرية والإجراءات المتعلقة بالترافع والفصل بين الخصوم، وإصدار الأحكام والشورى والإشهاد والتوثيق، ولكن هذه الإجراءات في عمومها غير منصوصة ولا توقيفية بتحديد في الشريعة، ولكن النصوص الشرعية هي التي حددت القيم والقواعد والمبادئ والأحكام وقيدت اجتهاد الفقهاء والحكام في صياغة وتطوير الأشكال والطرائق، فنشأت الإجراءات والاجتهادات في المجال الشكلي والإجرائي حول النصوص تأويلا وتخريجا وتعليقا وتفسيرا وتطبيقا.
    يطرح السؤال هنا: ما هي الموارد الشرعية والأصول الفقهية المؤسسة للسياسة الشرعية وللفقه السياسي.
    لا تخرج السياسة الشرعية، والممارسة السياسية والدستورية في الإسلام بشكل عام عن خمسة أصول:
    -النصوص الشرعية
    تعد النصوص الأصل الأول للفقه السياسي، وبالرغم من أن نصوص الكتاب والسنة ليست كثيرة على الصعيد الإجرائي والشكلي لنظام الحكم، فإنها تشكل قواعده الأصلية وأحكامه الكلية التي اعتبرت سلطة مرجعية للاجتهاد السياسي.
    إن التصور الذي أسسه فقهاء الشريعة للممارسة السياسية النموذج/القدوة، إنما كان مشكلا مباشرة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، واستلهاما لتجربة النبوة التي جسدت واقعيا مجموع القيم التي بشرت بها في مجال الممارسة السياسية.
    لقد تأسست من النصوص الشرعية قواعد الفقه السياسي، فقاعدة العدل في الأحكام تأسست من مثل قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، وقاعدة المسؤولية مستمدة من قوله ص (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته)، وقاعدة المساواة قررها الحديث: (كلكم لآدم وآدم من تراب)، وقاعدة الشورى مقررة من قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، وقاعدة الطاعة من قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وقاعدة الوفاء بالعقود والعهود من قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا)، وقاعدة أداء الأمانات والحقوق لأصحابها من قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، وقاعدة وحدة الأمة الإسلامية من قوله تعالى: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة)، وقاعدة الوسطية والاعتدال من قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)، وقاعدة اليسر وسهولة الأحكام من قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقاعدة الرقابة على العمل الجماعي من قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، وقاعدة التماسك بين أفراد المجتمع من قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، وقاعدة تعاون الجماعة على النظام الخلقي العام من قوله تعالى: (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، وقاعدة حرمة الشخصية الإنسانية من قوله تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا) وقوله ص : (لزوال الدنيا أهون على الله من إراقة دم امرئ مسلم)، وقاعدة الرفق من قوله ص : (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، وقاعدة المال العام من قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا)، وقاعدة وحدة الإمامة من قوله ص : (إذا بويع لإمامين فاقتلوا الآخر منهما)، وقاعدة ولاية الجور من قوله ص : (اصبر عليه وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، ما لم تر كفرا بواحا)، وقاعدة فض النزاعات بين الدول الإسلامية من قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)..
    إن هذه النصوص وغيرها هي العدة التي سيتسلح بها الفقهاء طيلة 14 قرنا، لتحديد المعايير المميزة للسلطة العادلة عن السلطة الجائرة، والأوضاع الصحيحة شرعا عن الأوضاع الفاسدة شرعا، فمن مجموع النصوص التي أوجبت العدل في الأموال والدماء والتزام الشورى في تداول السلطة ورد الأمانات إلى أهلها ومستحقيها، والوفاء بحقوق الرعية ومسؤولية السلطة عما قامت لأجله، وأيضا النصوص المنذرة بمخاطر التداعيات والانقلابات والانزلاق في مستنقع الفتن السياسية، عمل الفقهاء على محاصرة الانحراف السياسي، وحماية وعي الجماعة من مخاطر توطين المفاهيم الفقهية الخاطئة الذي قد تسببه التراكمات التاريخية للاستبداد.
    كما أن هذه النصوص هي مصدر الأحكام الفقهية التي بلورها الفقهاء في مجال العلاقة بين السلطة والرعية، والالتزامات المتبادلة بينهما من الطاعة والولاء مقابل الوفاء بالحقوق والعدل، كل هذه الأحكام ظلت أسيرة النص الشرعي، حائمة حوله في تخريجاتها وتأويلاتها المختلفة.
    ومن النصوص الشرعية استنبط الفقهاء الشروط التي حددوا بها مواصفات التأهل للمناصب السياسية والإمامية والقضائية، والتي تضبط شرعية الولايات الشرعية، لقد كانت مأخوذة منها ودائرة في فلكها، مما يفسر اطراد الموقف الفقهي وانسجامه في أحكام الإمامة المبدئية والأساسية.
    كما أن المواقف الفقهية حول الوحدة السياسية للأمة، عندما واجه الفقهاء مخاطر الانقسام السياسي والتجزئة وتعدد الدول، كانت صادرة من النصوص الشرعية في استدلالاتها وتخريجاتها.
    وتعد النصوص الشرعية مستند العلماء عندما واجهوا حملة الاستعمار الغربي الحديث الذي اجتاح البلاد الإسلامية، فقد كانوا ينطلقوا من موقف موحد معارض للهيمنة الاستعمارية، والذي وحد مواقفهم في كل هذه البلاد المتباعدة هو صدورهم من النصوص والأحكام الشرعية، التي تمنع تسلط الأجنبي على المسلم، (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)، حيث نادوا بوجوب الاستقلال وخروج الاستعمار، بل حتى الفتون الداخلية التي حاول الاستعمار توطينها بين المسلمية واجهها العلماء بشعار وحدة الأمة المنصوص عليه في القرآن والحديث، [المظاهرات ضد الظهير البربري بالمغرب التي انطلقت من المساجد والأسواق في سلا وفاس كان شعارها: اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادر، اللهم لا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر].
    -الإجماع
    كان الإجماع المصدر القطعي الأساسي في مسائل الإمامة، حتى قال الإمام الجويني: "لم نجد للمسائل القطعية في الإمامة سوى الإجماع".
    كان الإجماع مستند الفقهاء في ما لم يكن فيه نص قاطع، مما أصلوه من أشكال الممارسة السياسي.
    وكانت تجربة الخلافة الراشدة [عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي] مرجعا في الإجماع بما أنجزته من رصيد في مجال تداول السلطة وحظي باتفاق الصحابة، وأصبح إجماعهم دليلا شرعيا للأحكام السياسية والاجتهاد فيها لاحقا.
    وبمرور التاريخ اتفق العلماء على أحكام أخرى وأجمعوا إجماعات كثيرة في مجال السياسة الشرعية، أصبحت قيدا للاجتهاد الفقهي اللاحق، وأساسا للحدود التي ينتهي إليه السلوك السياسي.
    فقد أجمعوا مثلا على أن عدالة الإمام واجبة، وأن ولاية الفاسق لا تنعقد ابتداء، وأن شرط الاجتهاد واجب في الإمام، وأن ولاية الصغير لا تجوز، وكذا العبد والمرأة والكافر، وأجمعوا على أن عهد الإمام العدل إلى من هو على صفة الأئمة طريق صحيح في حيازة السلطة، وكذلك مبدأ اختيار الإمام القائم على البيعة الحرة، وأن الإمام لا يكون إلا واحدا، وأن بيعة الثاني باطلة، وأن طاعة الإمام العدل ونصرته واجبة على الأمة، وأن الخارج عليه باغ يجب قتاله، وأن تغيير النظام السياسي بالقوة [الخروج بالسيف على الإمام] لا يجوز..
    وبالرغم من أن الفقه السياسي –كسائر أبواب الفقه- يزخر بمواطن الخلاف، لتأسسه على الاجتهاد، فإن الخلاف الفقهي هنا لا يخفي مواطن الإجماع والاتفاق، وإنما يتأسس عليها، علما أن الخلاف الفقهي يكثر في مجال التكييفات الفقهية، أي في الأحكام المتعلقة بالنوازل التاريخية الممتدة عبر الزمان والمكان، أما الأحكام الأساسية والقواعد المبدئية، فلا تشكل مجالا للخلاف على العموم.
    والإجماع الحاصل في المبادئ الفقهية وفي أسس الفقه السياسي يشكل نقطة قوة في التنظير الفقهي، لأنه يقدم دليلا على وجود مبادئ سياسية ثابتة في التصور الفقهي للمسألة السياسية، أما الاختلاف الفقهي في التكييفات الفقهية فهو مبرر ومعقول، لاختلاف الفقهاء في تقويم الوقائع السياسية التاريخية تبعا لتقديراتهم الظرفية والأحوال.
    وسنتحدث عن الإجماع ضمن مبادئ الفقه السياسي
    -القياس
    يشكل القياس الشرعي على النصوص الشرعية مساحة ثانوية في الفقه السياسي، لقلة النصوص المباشرة في إجراءات التنظيم السياسي وأشكاله.
    وتوجد في الفقه السياسي جملة من الأقيسة الشرعية والتي تقوم على إلحاق وقائع غير منصوصة بالأحكام المنصوصة نظرا لاتحادهما في العلة، وبعض هذه الأقيسة قوية وجلية، وبعضها يعتريه بعض الضعف لأسباب سنبينها.
    من أمثلة القياس في مسائل الفقه السياسي قياس الفقهاء للمال العام على مال اليتيم والإمام على الوصي، فقالوا: إن حكم تصرف الإمام في بيت مال المسلمين، مستمد من قياسه على ولي اليتيم.
    فالوصي المتصرف في مال اليتيم نصت الشريعة فيه على ثلاثة قواعد أساسية: أولها: وجوب النظر لليتيم بالمصلحة العائدة عليه في ماله ، وثانيها: حرمة تملكه وقصر التصرف الجائز فيه على ما فيه مصلحة اليتيم ، وثالثها: جواز أخذ الوصي لأجرة تدبيره لمال اليتيم إذا كان ذا حاجة ، وهذه كلها أحكام منصوصة، وقرروا بناء عليها قاعدة في تصرف الوصي، هي أن تصرف الوصي منوط بالمصلحة للمنظور له [أي اليتيم].
    فاعتبر الفقهاء أن مال الأمة بمثابة مال اليتيم، وأن الإمام الحاكم بمثابة الوصي المتصرف فيه، وقرروا قاعدة كبرى في تصرف الإمام هي (تصرف الإمام منوط بالمصلحة). وهذا قياس صحيح.
    أما نموذج القياس الضعيف، فذلك مثل قياسهم لسكوت المجتمع عن ولاية المستبد بالسلطة من غير وجه شرعي على سكوت البكر إذا طلب منها النكاح فصمتت، فإن سكوتها إذن بالنكاح، وهذا قياس ضعيف، ولكنهم أدركوا ضعفه، وإنما ارتكبوه رغم ضعفه، مراعاة لأصل شرعي مصلحي، وهو ترجيحهم مفسدة هذه الولاية على مفسدة إراقة الدماء والفوضى السياسية والاجتماعية الناجمة عن إبطالها جملة وتفصيلا.
    -المصلحة المرسلة
    وسنتاولها مستقلة في المبحث التالي
    -المبحث الثاني: مبحث خاص بالمصلحة المرسلة [مقاصد الفقه السياسي]
    المقاصد العامة للشريعة من الاجتماع البشري أن تحفظ على الناس مصالحهم وتدرأ عنهم المفاسد الواقعة أو المتوقعة، فما معنى المصلحة وما هي أهم قواعدها؟
    -المصلحة لغة وشرعا
    المصلحة لغة
    المصلحة لغة المنفعة واللذة، فكل ما فيه نفع هو مصلحة يراد تحصيلها، والمفسدة هي المضرة والألم، فكل ما تضمن ضررا فهو مفسدة يراد تلافيها.
    فكل إنسان يريد تحصيل منافعه ودفع المفاسد عنه، كما أن كل جماعة تفعل ذلك في التشريع والإدارة والحروب وسائر أوجه الحياة وأنشطتها.
    إلا أن المصلحة بمفهومها اللغوي أو العقلي، تتميز بثلاث نقائص:
    أ- أنها ذاتية، إذ الإنسان يقيس المصالح بحسب ذاته، وكذلك الجماعة والأمة والدولة.
    ب- أنها جزئية، بحيث يعتبر الإنسان المصلحة في مجال ما ومكان ما وزمان ما، ولا يستطيع أن يحيط بالمصلحة زمانا ومكانا وموضوعا.
    ج- أنها ظنية، ولذلك فإن الإنسان حين يتصور بأن المصلحة هي كذا، فإنه لا يقطع بذلك، بل كثيرا ما يتلبس به الوهم، فيظن المفسدة مصلحة والعكس، أو يعتقد المصلحة الغير الضرورية ضرورية، والغير مهمة مهمة.
    أضف إلى هذا أن المصلحة والمفسدة متلازمتان في الواقع، فكل مصلحة لا بد من اقتران مفسدة معها، كل مفسدة لا بد معها من مصلحة، لأن الله خلق الخلق والكون على أساس اختلاط المتقابلات واشتراك المتضادات.
    إن هذه الملاحظات هي في الحقيقة أهم ما يطعن في إحالة معنى المفسدة والمصلحة إلى تحديد البشر دون وضع ضوابط صارمة على مفهومها، بحيث يستند المشرع إلى قواعد تصون فتواه بالمصلحة من الزلل.
    -المصلحة شرعا
    ثبت بالأدلة القطعية المتظافرة أن الشرع يراعي مصالح الخلق ويقصدها في كل ما سن من أحكام، كما يقصد دفع الضرر والفساد عنهم سواء كان واقعا أو متوقعا، ماديا أو روحيا.
    ومما يوضح أن الشريعة إنما نزلت لمصلحة العباد ودفع الضرر والحرج عنهم وتيسير شئونهم وتجنيبهم الخبائث والشرور، قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، وقوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج) (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)، (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)..
    هذا من حيث الشريعة جملة، أما تفاصيل التشريعات الإسلامية فقد ارتبطت بمقاصد وعلل نص القرآن على كثير منها، فمثلا كان من حكم القصاص في الجنايات حماية الحياة، قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)، ومن حكمة الصلاة النهي عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر)، ومن حكمة الزكاة تطهير المجتمع، قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، ومن حكمة الحج ذكر الله وتبادل المنافع، قال تعالى: (ليشهدوا منافع لهم)، ومن حكمة تحريم الخمر نفي البغضاء عن المجتمع وصيانة العقل، قال تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) ومن حكمة تحريم إتيان الزوجة في الحيض تجنب الأذى، قال تعالى: (يسألونك عن المحيض قل هو أذى)، كما أن من حكمة الممنوعات الشرعية نفي الفواحش والظلم وتأله الإنسان على أخيه الإنسان، (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
    -مراتب المصلحة من حيث الاعتبار وعدمه.
    تنقسم المصلحة حسب اعتبار الشرع لها من عدمه إلى ثلاثة أقسام:
    أ- مصلحة شهد لها الشرع بالاعتبار
    أي جاء نص أو حصل إجماع على اعتبارها في الأحكام، كحفظ العقل في تحريم الخمر، فكل ما أذهب العقل وغيبه من شراب أو مأكول يحرم قياسا على الخمر، لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف. ومنه ترتيب الأملاك على العقود، فهذه مصلحة اعتبرها الشارع، ومنه ترتيب إباحة المتعة بالزواج، ومنه ترتيب تحريم الجمع بين الأختين في الزواج على علة الأخوة لأن الجمع بين الأختين مدعاة لنقيض مقتضى الأخوة وهو العداوة.
    ب- مصلحة ألغاها الشارع.
    توجد بعض الأمور التي يقطع فيها بوجود منافع ومصالح بجانب ما فيها من مفاسد ومضار، لكن جاءت الشريعة بتحريمها، وذلك لغلبة جانب المفاسد فيها على جانب المنافع، فحكمت بإلغاء جانب المصلحة مقابل ما يوازيها من مفاسد، ومن أمثلة ذلك تحريم الخمر والقمار، وإيجاب القتال، ففي المسكرات والقمار يقول تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما)، وفي القتال ألغى الشارع مصلحة حماية الشخصية مقابل مفسدة القعود عن القتال المفضي إلى انعدام الأمر وذهاب السيادة، يقول تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
    ومما يرد هذا المورد ما جاء في التاريخ أن أحد الملوك جامع جارية له في نهار رمضان فاستفتى شيخ فقهاء وقته، فأفتاه بأن كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، ولم يجز له غيرها من خصال الكفارة، وعلل هذا الفقيه ذلك بقوله: "لو فتحنا عليه هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة ولكني حملته على أصعب الأمور لئلا يعود"، ولكن هذا الفقيه هنا أخطا لتعلقه بمصلحة لاغية شرعا، وذلك لمخالفتها للنص الشرعي، لأن للعلماء في الكفارة مذهبين، إما التخيير بين عتق رقبة وبين صيام شهرين وبين إطعام ستين مسكينا، وإما الترتيب بينها، وذلك مقتضى النصوص الواردة في الموضوع، لكن فتوى هذا الفقيه خالفت هذا النص.
    ج- المصلحة المرسلة.
    وهي التي لم يرد نص شرعي مباشر باعتبارها أو إلغائها.
    -تعريف المصلحة المرسلة
    المصلحة –في المفهوم الشرعي- هي الحفاظ على مقصود الشرع، ومقصود الشرع في الخلق أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، زاد بعض العلماء: "وأمنهم وحقوقهم وحرياتهم وعرضهم وإقامة العدل والتكافل، وكل ما ييسر عليهم حياتهم ويرفع الحرج عنهم ويتمم لهم مكارم الأخلاق ويهديهم إلى التي هي أقوم في الآداب والأعراف والنظم والمعاملات"، وهذا بسط لتعريف المصلحة الذي قدمناه.
    -مراتب المصلحة.
    تنقسم المصلحة إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات.
    *أولا: رتبة الضروريات
    أما الضروريات، فهي ما لا تقوم الحياة إلا به وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وذلك الحفظ يكون من جانب الوجود [أي الإباحة والإيجاب] ومن جانب العدم [النهي والتحريم].
    حفظ الدين
    من جانب الوجود: وجوب الأركان الخمس من جانب العدم: تحريم الشرك وتجريم ترك أحد الأركان الخمس


    حفظ النفس
    من جانب الوجود: وجوب أكل الميتة للمضطر مشروعية التداوي من جانب العدم: مشروعية القصاص تحريم التخلي عن المشرف على الهلاك

    حفظ العقل
    من جانب الوجود: وجوب النظر والتفكر من جانب العدم: تحريم السحر والخمر

    حفظ العرض
    من جانب الوجود: مشروعية الزواج من جانب العدم: تحريم الزنى

    حفظ المال
    من جانب الوجود: مشروعية الكسب من جانب العدم: تحريم السرقة والغصب

    *ثانيا: رتبة الحاجيات
    وهي ما لا تستحيل الحياة بدونها، ولكن تتعذر وتصحب بالمشاق والعنت، لذلك كان من الحاجيات نقل الأملاك والمنافع بالعقود في البيع والإجارة وغيرهما، ومنها تحريم الربا، وتحريم اللواطة والسحاق وتحريم زواج الأقارب، وتأكيد الجماعة في الصلاة وإقامة الجمعة ..
    *ثالثا: رتبة التحسينيات
    وهي ما لا يرجع إلى الضروريات ولا الحاجيات، ولكن يعود إلى التزيينات وأحسن المناهج في العادات والأعراف ومكارم الأخلاق، كالوضوء لكل صلاة، ومشروعية التبرعات، ومنع الغيبة والنميمة..
    - عدم التلازم الشرطي بين المصلحة الشرعية والمصلحة الواقعية
    معنى المصلحة الشرعية تحصيل مقصود الشارع كما سبق، فلا يوجد تلازم بين معنى المصلحة في أهواء الناس وعرفهم وبين المصلحة الشرعية.
    ولذلك فإن وافقت المصالح العرفية الشرع فهي مصالح شرعية، وإن خالفتها فهي أهواء وشهوات ألبست ثوب العرف أو القانون.
    فقد كانت العرب في الجاهلية يرون المفسدة في ولادة البنات، وبالتالي كانوا يرون المصلحة في وأدهن، ولم يكونوا يرون في الخمر والقمار والزنى ونسبة الولد إلى غير أبيه مفسدة، وكانوا يعتبرون الأولاد مع الفقر مفسدة ويقتلونهم، فأبطل الإسلام كل ذلك.
    وكان القانون الروماني يرى في قتل المدين المعسر واقتسام جثته بين الغرماء مصلحة، حتى جاء الإسلام وقال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)، وكان القانون الأنجليزي يرى أن المصلحة في حرمان الإناث من الميراث واستقلال الابن الأكبر بالتركة ، وأن الأصول لا يرثون، لأن الميراث كالحجر إذا ألقي ينزل إلى أسفل ولا يصعد إلى أعلى، ثم تراجعوا وأخذوا بمبادئ من الشريعة الإسلامية، فأشركوا الإناث في الإرث، وورثوا الابن الأصغر وأصول الميت [سنة 1925]، وكذا الحال في الولايات المتحدة.
    ولا يزال القانون الأمريكي يرى المصلحة في إطلاق حرية الموصي، ولو أدى ذلك إلى أن يوصي بكل ثروته إلى أجنبي ويترك ورثته عالة يتكففون الناس.
    -أمثلة من مراعاة الصحابة للمصلحة المرسلة.
    من ذلك جمع أبي بكر الصديق للمصحف بعد وفاة الرسول ص ، ومنه وضع عمر للخراج والدواوين وتمصير الأمصار واتخاذ السجون والتعزير بعقوبات شتى، كإراقة اللبن المغشوش، ومشاطرة الولاة أموالهم إذا تاجروا أثناء ولايتهم، ومن قراراته المصلحية منع تغييب الرجل في الجيش عن أهله أكثر من أربعة أشهر، وفرض العطاء لكل مولود في الإسلام، وجعل الشورى في ستة من كبار الصحابة.
    ومن ذلك جمع عثمان لكافة المسلمين على المصحف الإمام، وتحريق المصاحف الشخصية للصحابة، وتوريثه للمطلقة أثناء المرض.
    ومنه أمر علي لسيبويه بوضع علم النحو، وتضمين الصناع ما يضيع بأيديهم من أموال إذا لم تكن معهم بينة على أن ما هلك كان بغير سبب منهم. ومنه أخذ معاذ في الزكاة الملابس بدل الحبوب لأنه أنفع للفقراء..
    -أمثلة على أحكام أخذ فيها الفقهاء بالمصلحة المرسلة.
    من ذلك أن أبا حنيفة يحجر على المفتي الماجن [الذي يفتي بالهوى] والطبيب الجاهل والمكاري [المقاول] المفلس، مع أنه لا يرى الحجر على العاقل البالغ احتراما لآدميته، ولكنه حجر على هؤلاء منعا لضررهم على الناس.
    ومنه تجويز المالكية للإمام أن يوجب الضرائب بحسب الحاجة، إذا قصر بيت المال عن الكفاية واضطرت الأحوال إلى ذلك.
    ومنه تجويز الجمهور قتل أسارى المسلمين إذا تترس بهم الكفار ولم يكن من قتالهم بد. ومنه إجازة الحنفية والشافعية وجماعة من المالكية شق بطن الأم بعد موتها لإخراج جنينها إذا غلب على الظن أنه يخرج حيا رغم حرمة الميت المقررة شرعا، لأن حق الحي مقدم على حق الميت.
    -شروط المصلحة المرسلة
    شرط العلامة الشاطبي في المصلحة المرسلة ثلاثة شروط: أولها: أن تكون معقولة في ذاتها، بحيث إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، ثانيا: أن تكون ملائمة لمقصود الشرع في الجملة، بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من أدلته القطعية، بل تكون متفقة مع المصالح التي قصد الشارع إلى تحصيلها، بأن تكون من جنسها أو قريبة منها ليست غريبة عنها وإن لم يشهد لها دليل خاص. ثالثا: أن تعود إلى حفظ أمر ضروري أو رفع حرج لازم في الدين.
    *ضرورة أن تكون المصلحة حقيقية.
    "والأمر المهم الذي ينبغي الالتفات إليه والاحتياط فيه، أن تكون المصلحة حقيقية لا وهمية، فقد يخيل الهوى والشهوة أو الوهم وسوء التصور أو الإلف والعادة لبعض الناس أن عملا ما مصلحة، وهو في حقيقته مفسدة، أو أن ضرره أكبر من نفعه، فكثيرا ما يغفل الناس المصلحة العامة لأجل المنفعة الخاصة، أو يغفلون عن الضرر الآجل من أجل النفع العاجل، أو يغفلون الخسارة المعنوية من أجل الكسب المادي، أو يتغاضون عن المفاسد الكبيرة من أجل مصلحة صغيرة، فالاعتبارات الشخصية والوقتية والمحلية والمادية لها ضغطها وتأثيرها على تفكير البشر، لهذا يجب الاحتياط والتحري عند النظر في المصالح وتقويمها تقويما سليما عادلا".
    هـ خامسا : القواعد الشرعية المتصلة بالمصالح والمفاسد [وهي تابعة للمصلحة المرسلة، لكنها أفردناها هنا تأكيدا لها نظرا لكثرة اعتماد الفقهاء عليها في مسائل الفقه السياسي]
    من ذلك قاعدة: الضرر يزال، - الضرار لا يزال بمثله، - يرتكب أخف الضررين، -يدفع الضرر الأعظم ويرتكب الضرر الأخف، -الضرورة تقدر بقدرها، -الضرر لا يتقادم، – يرتكب الضرر الخاص لدفع الضرر العام ..
    اعتمد الفقهاء على القواعد الفقهية المتعلقة بالضرورة، وذلك خلال معالجتهم للمشاكل السياسية المتلاحقة والتي أفرزت حالات ضرورة واستثناء، وهنا تبرز حيوية الفقه السياسي وتجدده واستمراره، فالنظر الفقهي لم يقتصر على المبادئ والأسس، وإنما باشر كل حالات الانحراف والاعوجاج السياسي الذي ساد تاريخ المسلمين السياسي، وطوقها بالتصحيح وإعمال حالات الضرورة والاستثناء.
    وتعد القواعد الفقهية الموازنة بين المصالح والمفاسد، وبين المفاسد والمفاسد الأشد أكثر مستندات النظر الفقهي في المباحث المتعلقة بولاية الجائر وفاقد الشروط وبيعة الإكراه وحالات التجزئة ونحوها، وهذا أكبر دليل على تجدده ومرونته واحتواءه للمستقبل وقضاياه، بحيث تكون الشريعة الإسلامية مستوعبة لكافة التحولات والتغيرات التي يشهدها الواقع السياسي ومستقبله.
    المبحث الثالث: الفرق بين نظام الحكم كامل الشرعية ونظام الحكم ناقص الشرعية في الفقه السياسي
    -ضرورة إقامة الحكومة على الأمة لمصلحتها
    إن أول ما ينبغي التقديم به في هذه النقطة هو أن جل واجبات الدولة ومسؤولياتها في مصادر القانون الإسلامي لم تأت موجهة إلى "الدولة" أو شخص "الحاكم" أو الهيئة الحاكمة، بل جاءت موجهة للأمة بصيغة الجمع،مثل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة)، (كتب عليكم القتال..)، (إن الله يأمركم) (كنتم خير أمة أخرجت للناس) (ولتكن منكم أمة)، (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا)،( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)،( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) وكذلك جاء في الحديث (المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)..
    فالخطاب للسلطة في أصله خطاب للأمة، وهي التي تتحمل الواجبات والمسؤوليات وتتمتع بالحقوق، ولهذا سميت الواجبات والتكاليف العامة، التي تسهر الدولة على كثير منها بـ"فروض الكفاية"، ويدخل في فروض الكفاية إقامة الحكومة والقضاء والإدارة والصنائع والنشاط الفلاحي والإنشاءات العامة وأشغال التنمية وإطعام الجائع ومداواة المريض وإنقاذ المشرف على الهلاك وبناء المساجد والمدارس..
    فهذه الواجبات وغيرها هي فروض كفاية، أي أنها واجبة على كل المسلمين بالتراتب ، وتنوب السلطة –عند وجودها- بالنيابة عن الأمة في تنظيمها، ويكون الكل الإسلامي مطيعا إن نفذوها بشكل تحصل معه الكفاية، ويكونون عصاة إذا فرطوا فيها، ونجم الخلل بتقصيرهم فيها.
    والعلة في ذلك أن حصول هذه الواجبات يعود بالنفع العام على الأمة والتفريط فيها يعود بالضرر العام عليها. فيجب على الأمة تنفيذ الواجبات الكفائية بتأهُّل مجموعة أو انتدابها للقيام بها. فإذا قام بها البعض وحصلت الكفاية سقط الواجب على الأمة، وإذا لم تحصل الكفاية أثمت الأمة وبقي الواجب الكفائي قائما..
    ونظرا لما في إقامة الحكومة من المصالح العامة ولما في "الفوضى" من ضرر عام وفساد شامل على الدين والدنيا، أجمع الفقهاء على أن إقامة سلطة ينتظم بها أمر الناس واجب على الأمة وجوب كفاية، وأنه لا يجوز أن يبقى أمرهم فوضى وأن يتخلوا عن نصب سلطان جامع لكلمة المسلمين قائم بأمرهم، وهذا معنى قول عمر: (إنه لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة).
    - أصل الحكومة الواجبة على المسلمين هي الكاملة
    ذهب العلماء إلى أن الحكومة المطلوب إقامتها هي حكومة العدل التي تحترم القانون الإسلامي وتتبع منهاج الحكم الراشد ..
    أما حكومة الجور والاستبداد التي يكون الخلل في نشوئها [دولة القهر والتغلب] أو في عملها [دولة الاستبداد والجور]، فهذا النوع فيه تفصيل نختصره في الآتي: فإذا أمكن إزاحة حكومة الاستبداد والجور من دون مفاسد أكبر كالفتن والحروب وافتقاد الأمن، فإنه يجب إزاحتها واختيار سلطة شرعية.
    وإذا تعذر أو استحال إزالة دولة الجور والاستبداد إلا بمفاسد أكبر،كالفتن والحروب الداخلية وافتقاد الأمن، [خاصة وأن الدولة الانقلابية والجائرة تكون مدعومة بقوت كبيرة]، فإنه لا ينبغي الخروج عليها في قول الجمهور من العلماء، وتكون هذه الدولة الجائرة "شرعية" بشرعية "ناقصة"، ولها أحكام كثيرة تفرقها عن دولة "الشرعية الكاملة"، وسنتعرض لأهم قواعدها لاحقا.
    -ثلاث قواعد لتصحيح الحكومة الناقصة الشرعية
    والعلة التي جعلت الفقهاء يسبلون صفة الشرعية على هذه الحكومة –وإن لم تكن في أصلها شرعية- ما يلي:
    -أولا: مراعاة مصلحة [الأمة/الجماعة]
    لأن إنشاء الحكومة فرضه الشارع على الأمة لمصلحتها وضرورة الحفاظ لأفرادها على دينهم ونفوسهم وأموالهم وأمنهم وسائر حقوقهم، فإذا كان إبطال "حكومة غير شرعية" وتغييرُها سيؤدي إلى إزهاق الأرواح وضياع الأموال وإهدار الحقوق وذهاب الأمن، أي إلى نقيض المقصود، فإن العلماء رجحوا أدنى المفسدتين، [وهي الإبقاء على سلطة ناقصة الشرعية تسهر على الشأن العام مع ما في ذلك من مخالفات] على أعظمهما [وهي مفسدة الفوضى والفتن الناجمة عن السعي لإزاحتها بالقوة]. فالنظر لمصلحة الأمة هو الذي اقتضى إعطاء صفة الشرعية الناقصة للحكومة المستبدة. وسنتعرض في "الفقه السياسي" لذكر الحد الأدنى لهذا النوع من الحكومات والقواعد الواجبة عليها وعلى المحكومين.
    -ثانيا: مبدأ تصحيح العقود الفاسدة في الشريعة
    إن العقود المشروعة في أصلها لا تبطل شرعا بإطلاق إذا اعتراها وعرض لها ما يفسدها عند جمهور الأصوليين، فإذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، فهذا طلاق وقع مصحوبا بأمر ممنوع شرعا، لكنه إذا وقع فإن نتائجه تكون صحيحة، وتترتب عليه آثاره، فيكون طلاقا نافذا، وتحرم به هذه المرأة على زوجها، ويجب عليها ابتداء العدة، وتبين بينونة كبرى إذا كانت الطلقة ثالثة..
    والبيع مع النجش [أي بالمزايدة على المشتري في ثمن السلعة من دون نية له في شرائها] أو الغبن حرام، لكنه إذا وقع صح البيع عند أكثر العلماء وترتب عليه الملك والتملك ، والقاعدة الحاكمة في هذا التصحيح أن: "المشروع بأصله لا يبطله فساد وصفه" .
    من هذا الباب صحح العلماء عقد الإمامة إذا حصل فيها ما نهى عنه الشرع، كحيازة السلطة بغير طريق صحيح شرعا، أو عروض الفسق والانحراف للإمام أثناء ولايته الحكم، وإنما صححه العلماء بناء على تصحيح العقود الفاسدة إذا وقعت ولم يمكن ردها بأن وقع فيها "فوت"، لأن الإمامة في أصلها نظام شرعي، فلا تبطل إذا اعتراها ما هو ممنوع..
    -ثالثا: مراعاة التجربة التاريخية للأمة مع الاستبداد
    فقد أثبت التاريخ أن إبطال ولاية المستبد والجائر والخروج المسلح عليه لا يأتي إلا بنقيض المقصود الشرعي، إذ الذي تكرر في التاريخ –عند الخروج المسلح عن السلطة المستبدة- هو أحد أمرين: إما إلى إراقة الدماء واهتزاز الأمن الاجتماعي مع بقاء السلطة المستبدة واستقوائها أكثر، والأمر الثاني: أن كثيرا من الثائرين نادوا بالمبادئ السامية عند معارضة السلطة القائمة، ثم ما لبثوا أن صاروا أكثر جورا واستبدادا عند إمساكهم بمقاليد السلطة، كما فعل العباسيون مع الأمويين، والعبيديون مع العباسيين، وكما فعل الموحدون مع المرابطين..
    نستنتج من هذا التحليل أن الحكومات الإسلامية نوعان: حكومة "كاملة الشرعية"، إذا كانت على طريق شرعي صحيح في نشوئها وعملها، وحكومة "ناقصة الشرعية" إذا اختلت في نشوئها أو في عملها أو فيهما معا. وبالرغم من اتفاق هذين النوعين في المشروعية الإجمالية فإن الحكومة الكاملة الشرعية لها حكم "الصحة"، فتسري عليها القواعد الأصلية، وأما الناقصة الشرعية فلها أحكام "الفساد" الذي يصححه الشرع مراعاة لأمر الجماعة ومصلحتها وحقنا لها عن الفتن، فتسري عليها القواعد الاستثنائية، ومن هنا تتفرع كل تفاصيلهما كما سنرى..
    -الفروق بين الشرعية الكاملة والشرعية الناقصة
    تنقسم الحكومات التي تعاقبت على الحكم في العالم الإسلامي منذ الرسول ص إلى يومنا هذا إلى نوعين أساسيين:
    1- حكومات الشرعية الكاملة، وقد عاشها المسلمون في عهود الخلافة الراشدة [خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي]، ويلحق بها عهد عمر بن عبد العزيز الأموي، وبعض الأوقات المتقطعة في تاريخ المسلمين سعى فيها بعض خلفاء وسلاطين الشرعية الناقصة إلى الانصياع لقواعد الشرعية الكاملة، كفترة يوسف بن تاشفين وصلاح الدين الأيوبي..
    2- حكومات الشرعية الناقصة، وهي التي تكون فيها الأمة في واقع اختلال أو نقصان جملة من القواعد والشروط الشرعية الكاملة، وذلك إما في شرعية الحكم وتداول السلطة [ولاية الجور والتغلب..]، وإما في مجال شروط التأهيل لمنصب الإمامة [ولاية الفاقد الشروط الشرعية كولاية الفاسق أو الضعيف أو الجاهل] وإما في مجال انخرام الوحدة السياسية للأمة [دول التجزئة..].
    وهناك حالة تابعة للشرعية الناقصة، وهي حالة ما بعد سقوط الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وقد حملت مستجدات لم يعرفها السابقون، كانعدام السيادة في جل الدول الإسلامية [الاستعمار الأوربي]، ونشوء حالة التبعية الشاملة للدول الغربية بعد الاستقلال السياسي، وهيمنة الدول الغربية على باقي دول العالم، واستحداث مؤسسات دولية لتنظيم الاستقرار العالمي حسب موازين القوى ومناطق النفوذ، وإقرار مواثيق دولية لتعميم النموذج الغربي في الحريات والحقوق وأسس التنظيم السياسي .. مما ترتب عنه ازدواجية المشروعية في الدساتير الإسلامية [المشروعية الدينية الأصلية والمشروعية الحداثية الغربية أو الدولية..].
    كل هذه المستجدات جعلت الفقه السياسي يجتهد لاستيعاب الحالة العامة التي حدثت للأمة الإسلامية، والبحث عن صيغ جديدة لاستمرار المشروعية للمؤسسات في العالم الإسلامي.
    -الشرعية الكاملة [الولاية الصحيحة] وللشرعية الناقصة [الولاية الاصطرارية]
    وتفترق حالة الشرعية الكاملة عن حالة الشرعية الناقصة من خمسة وجوه:
    1- أن النظام الحكومي في الإمامة الكاملة مبني على أساس تعاقدي، بالبيعة الحرة الناجمة عن الانتخاب أو الاستخلاف [ولاية العهد]، أما في الإمامة الناقصة فأساس الحكم هو القوة والقهر والغلبة أو ما يسميه ابن خلدون "العصبية".
    2- أن المتأهل للإمامة العظمى يجب أن تتوفر فيه الشروط الشرعية المعتبرة في التأهيل لها، أما في الشرعية الناقصة فلا تتوفر كاملة في العادة.
    3- أن عمل الحكومة في حالة الشرعية الكاملة يتسم بثلاث خصائص: أولاها: التزامها باختصاصات دينية وسياسية، أما في حالة الشرعية الناقصة فإن الحكومة لا تلتزم بهذه الاختصاصات ولا تتقيد بها كما هي محددة شرعا. وثانيتها: التزامها بالأحكام الشرعية في ممارسة اختصاصاتها، ولكن في الشرعية الناقصة يسعى الفقهاء إلى تحقيق أدنى الشروط والأحوال، وهو عدم مخالفة القواعد المطبقة في السلطات للشريعة الإسلامية بشكل صريح. وثالثتها: أن ولاية الإمام الأعظم في الشرعية الكاملة عامة على دار الإسلام، ولكن في الشرعية الناقصة تعم حالة التجزئة السياسية والدول القطرية في العالم الإسلامي.
    4- أن القاعدة الشعبية [عامة المسلمين] ممثلة في أهل الحل والعقد، تقوم بوظيفتين دستوريتين: أولاهما الشورى، وثانيتهما الرقابة. في حين لا يلتزم الإمام في الشرعية الناقصة بمشاورة أحد أو السماح لأحد أن يراقب أعمال سلطته المستبدة.
    5- أن مستند شرعية المؤسسات وأعمال الحكومة في الإمامة الكاملة هو النصوص الشرعية والإجماع والمصلحة المرسلة حسب قواعد الفقه السياسي، لكن في الشرعية الناقصة يعتمد العلماء في تصحيح الولاية العامة على مبدإ الضرورة والاضطرار، [الضرورات تبيح المحظورات] أي النظر إلى مصلحة الجماعة/الأمة، حيث قام جمهور العلماء –طوال مرحلة الشرعية الناقصة- بتصحيح ولاية الجور والولاية الناقصة عموما بمبدإ الضرورة، بتقديم مفسدة ولاية المستبد أو المتغلب أو الفاقد الشرعية، على حالة الفوضى وانتهاك الدماء والأعراض والأموال وعدم الاستقرار التي تصاحب إبطال شرعية تصرف السلطة في الولاية غير الكاملة الشرعية، وكما عبر عنها بعضهم قديما: (ولاية غشوم خير من فتنة تدوم).. لهذا السبب ضيق علماء الفقه السياسي من دائرة الإبطال في العقود وخاصة العقود العامة، لأن الشريعة متشوف إلى التصحيح، ولذلك فقد حصروا إبطال ولاية الإمام في أضيق الحدود [الكفر الصريح – العجز] [أما في حالة فسق الإمام أو جوره الكثير أو استبداده المفرط، فشرطوا في إبطال ولايته وجود آلية تضمن حالة السلم في عزله وتولية غيره من المؤهلين، لكن هذه الآلية لم توجد في التاريخ، فبقي هذا المبدأ بدون تطبيق..].


    الكتاب الأول: نظام الشرعية الكاملة
    سنتعرض في هذا القسم إلى الأحكام الفقهية الأساسية المتصلة بنظام الحكومة الإسلامية، وسنقسم هذه الأحكام إلى نوعين: أحكام إمامة الشرعية الكاملة، وفيها سنتعرض للقواعد الأصلية للحكومة بغض النظر عن مدى الالتزام بها في الواقع السياسي، والنوع الثاني: أحكام الإمامة الناقصة الشرعية، وفيها سنتعرض إلى القواعد الاستثنائية التي تلائم الأوضاع الفاسدة أو غير الكاملة، التي غطت أغلب أحوال الحكم في التاريخ الإسلامي إلى الآن، وهي نوعان: أحكام الإمامة الفاسدة بسبب مسؤولية الحكام، كالاستبداد والتغلب، وأحكام الإمامة الاضطرارية، وهي إمامة صحيحة في نفسها، لكنها ناقصة بسبب أوضاع ليست السلطة القائمة مسئولة عنها، كانتخاب إمام بطرق صحيحة في واقع سياسي لا تطبق فيه الأحكام الشرعية في الإدارة أو يفتقر إلى الوحدة السياسي بين المسلمين أو توجد فيه الدول الإسلامية ناقصة السيادة..
    وقد وضع الفقهاء الأحكام بدقة لكل نوع من هذه الأنواع، المهم أن كل منها ينبغي أن يوضع في إطاره، وإلا لم تفهم أحكام الفقه السياسي على الوجه الصحيح.
    وقد خصصنا الباب الأول لقواعد الشرعية، الكاملة والباب الثاني لقواعد الشرعية الناقصة، وقدمنا لهما بمبادئ عامة.
    مبادئ عامة
    1- معنى الإمامة
    عرف الماوردي الإمامة بقوله: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" ، يشتمل هذا التعريف على ثلاثة عناصر للإمامة وهي: "1أن الإمامة للخلافة عن النبوة، 2- أن موضوع هذه الخلافة حراسة الدين .. 3- ثم سياسة الدنيا" ، وعرفها التفتازاني بقوله: "رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي ص "، فنص على عمومها لمسائل الدين والدنيا.
    إلا أن التعريفين معا لم يشيرا إلى كيف تساس الدنيا، ربما لأن من البديهي أن الخليفة يحكم بالشريعة، ومهما يكن فإن هذا يشكل غموضا في التعريف، لأن مرجعية النظام أساسية في تعريفه، وهذا ما تنبه إليه ابن خلدون في تعريف الإمامة، إذ عرفها انطلاقا من المعنى الوظيفي للإمامة، مميزا لها عن أنواع الحكم الأخرى، فقسم أنواع الحكم انطلاقا من المرجعية القانونية لكل منها، "فنوع الحكم هو الذي يبين طبيعة نظام الحكم، القانون هو روح كل نظام اجتماعي وأساس وجوده".
    أنواع الحكم عند ابن خلدون ثلاثة: أولها الملك الطبيعي، وتعريفه "حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة"، أي أهواء الغريزة، كحب الذات والرغبة في الاستعلاء والسعي إلى تحقيق المطامع الفردية المبنية على الأثرة، وهذا النوع كله مذموم عند ابن خلدون، وهو يقرب من نمط الحكم الاستبدادي أو غير الدستوري [الأوتقراطي]. والثاني: الملك السياسي، ويعرفه ابن خلدون بأنه "حمل الناس على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار"، وهذا أقرب ما يكون إلى الحكم الدستوري الذي يضعه حكماء الأمة وعقلاؤها، وينتج عنه الأمن وانتظام الأمر، ولكن نظره قاصر على الحياة الدنيوية، ويغفل الحياة الروحية أو الناحية الدينية، ولا يحقق مصالح المحكومين به بالنسبة للآخرة، ولهذا كان مذموما عند ابن خلدون. وأما النوع الثالث فهو "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة" .
    2-وجوب الإمامة
    أجمع العلماء على –ما عدا النجدات من الخوارج والمعتزلة- على أن إقامة الإمامة واجب على الأمة، واستدل فقهاء أهل السنة على ذلك بثلاثة أدلة: أولها إجماع الصحابة على تنصيب الخليفة قبل دفن النبي عليه السلام، قال ابن خلدون: "إن نصب الإمام قد عرف وجوبه بإجماع الصحابة والتابعين، لأن أصحاب رسول الله ص عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر ض وتسليم النظر إليه في أمورهم وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم يترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام" . والدليل الثاني: دفع أضرار الفوضى، قال الماوردي: "ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين وهمجا مضاعين" . الدليل الثالث: توقف تنفيذ عدد من الواجبات الدينية على وجود سلطة حاكمة، قال الغزالي: "إن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع" .
    3-ما لا يدخل في اختصاص السلطة السياسية.
    لا يدخل في اختصاص الإمام والسلطة التنفيذية أمور أهمها اثنان:
    - القواعد المنظمة لحريات الأفراد وحقوقهم العامة لأن القواعد الأساسية للحريات والحقوق العامة ثابتة في أصل الشريعة، أما الإمام فصلاحياته تنفيذية وقضائية بالأساس.
    - القواعد المنظمة للسلطة التشريعية لأن الحكومة لا تملك أية سلطة تشريعية في الإسلام، ولذلك فإن أي تدخل من لدن الحكومة في التشريع يعد تجاوزا لصلاحياتها الشرعية، وهذا يحد من سلطة الحكومة، فلا يستطيع الحاكم أن يكون حاكما مطلقا، لأن سلطته مقصورة على المسائل التنفيذية والقضائية.
    4- فصل السلطات.
    الفصل بين السلطات الثلاث أساس النظم الدستورية الحديثة، ولئن كان الفقه الدستوري بالغ أولا في هذا المبدإ، بسبب الثورة على تركيز النبلاء والإقطاعيين والكنيسة السلطات جميعها في صعيد واحد، فإنه الآن أصبح يميل إلى الاعتدال في تطبيقه ويراعي ضرورة التعاون بينها.
    أما الفقه السياسي، فقد جمع بين التشدد والاعتدال، بحيث تشدد في فصل السلطة التشريعية عن الإمام وعن القضاء، وهذا قلص من دائرة طغيان المستبدين، قال توفيق الشاوي: "يلاحظ أن تاريخنا يؤكد أنه لم يجرؤ أحد من الخلفاء أو الحكام المستبدين على ممارسة سلطة التشريع، ولذلك لا يمكن وصف حكمهم بأنه كان شموليا، كما في الدكتاتوريات المعاصرة وغيرها من النظم المعاصرة" .
    لكن الفقه السياسي في المقابل تساهل في اجتماع السلطتين التنفيذية والقضائية، بحيث يعتبر الإمام رئيسا للجهاز التنفيذي والقاضي الأعلى معا، ويعد القضاة "نوابا" عنه في الحكم.
    لكن هذا لا يعني تبعية القضاة لإرادة الإمام في الأحكام بل إن كليهما ينفذ الأحكام، كما يقول ابن عاصم في تعريف القاضي:
    منفذ بالشرع للأحكام له نيابة عن الإمام
    والفرق بين رياسة الإمام للسلطة التنفيذية ورياسته للقضاء، أن أعضاء السلطة التنفيذية من وزراء وكتاب ومدراء يعدون نوابا عن الإمام أصالة، بحيث إنهم يعزلون عن إصدار القرارات إذا مات الإمام، كما أنه لا يمكن أن يعين وزير قبل وجود الإمام.
    أما القاضي فإن يتبع الإمام باعتباره واسطة بينه وبين الأمة، ولذلك فإن أحكام القضاة عند وفاة الإمام تكون نافذة ولا توقف، كما أنه -عند فرض خلو الوقت عن الإمام- يجوز لجماعة المسلمين ترشيح قضاة وتنفذ أحكامهم بهذه التولية.
    5- استقلال التشريع في النظام الإسلامي.
    من الناحية العملية تختص بالتشريع [الاجتهاد] هيئة مستقلة تمام عن الحكومة، ومن الناحية النظرية يختص الله تعالى بالتشريع، عن طريق الوحي المباشر [القرآن] أو غير المباشر [السنة]، وقد اكتملا معا بوفاته عليه السلام.
    وبقي بعد وفاة الرسول ص اجتهاد المستهدين في استنباط الأحكام من النصوص الظنية أو التي لم يرد فيها نص صريح، ومن اتفاق آراء المجتهدين ينشأ مصدر متجدد يسمى "الإجماع". "إن اعتبار إجماع الأمة مصدرا للتشريع الإسلامي هو نواة المبدإ الحديث الذي يجعل إرادة الأمة مصدر السلطات، والذي يعبر عنه بمبدإ سيادة الأمة في النظم العصرية" .
    إن الذين يقومون بالاجتهاد ويحصل الإجماع باتفاقهم هم علماء الأمة المجتهدون، وبذلك فهم يقومون بدور مزدوج، فإجماعهم تعبير عن الإرادة التشريعية الإلهية، لقوله ص (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، ومن جهة أخرى ينوبون عن الأمة ويمثلونها، لأن الناس اعترفوا لهم بالإمامة وانقادت لأقوالهم عن ثقة واقتناع واشتهار عام، لا عن طريق إجراء الانتخاب، ولا اشتراط شهادات علمية، كما لم يحصلوا على درجة الاجتهاد أو صفة الإمامة بقرار من الإمام أو الحكومة أو جهة رسمية، بل بعلمهم واجتهادهم واستقامتهم المشتهرة .
    ولا بد هنا من ملاحظة أن الإمام لا يعبر عن إرادة الله، أي لا يملك أي يصدر التشريع، لأن ذلك من اختصاص جماعة المسلمين، أي مجموع الأمة ممثلة في إجماع المجتهدين. فالأمة إذن تملك سلطة التشريع عن طريق الإجماع، وكان بذلك كما يقول المستشرق الألماني جولدزيهر: الإجماع مفتاح التطور التاريخي للإسلام من الناحية السياسية والعلمية والتشريعية".
    6- السيادة.
    يرى فقهاء القانون الدستوري أن السلطات في الدولة إنما أقيمت لمصلحة الأمة، فيجب أن تكون الأمة مصدر تلك السلطات والرقيبة على مباشرتها، وهذا ما يقصد بأن السيادة للأمة.
    في الشريعة الإسلامية السيادة بمعنى السلطة غير المحدودة لا يملكها أحد من الناس، فصاحب السلطة المطلقة هو الله تعالى (ألا له الخلق والأمر)، وذلك من خلال سيادة الأحكام الشرعية التي أنزل على النبي ص [القرآن والسنة]، ثم الإجماع.
    وقد جعل الإسلام إجماع الأمة حجة فقال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)، وقال الرسول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، ففوض الإسلام بهذه النصوص وغيرها للأمة سلطة التشريع [أي الاجتهاد]، والرقابة على السلطة السياسية، ومن ثم فإن السيادة مفوضة للأمة من الناحية العملية، ولا يمكن نزعها منها مهما كان شكل الحكومة الذي تختاره لتدبير شئونها.
    كما لا تعترف الشريعة بالسيادة لأية طائفة أو هيئة أو جماعة متميزة عن مجموع الأمة، يل يمكن القول إن السيادة الشعبية "حق إلهي" للأمة في الحدود المقررة، في حين لا يستمد الإمام سلطانه من الله وليس هو ممثلا للسلطة الإلهية، وإنما هو ممثل للأمة التي اختارته وتعاقدت معه ومنها يستمد سلطته.
    1- الإجماع
    الإجماع وسيادة الأمة
    ترتبط السيادة في الإسلام بالسلطة التشريعية، وفكرة السيادة أساسية في الفكر الدستوري، والمتفق عليه في العصر الحديث أن السيادة للأمة، من الناحية النظرية على الأقل.
    وقد بنى روسو فكرة سيادة الأمة على "العقد الاجتماعي"، ولكن علماء آخرين يرون أنه ما دامت السلطات إنما توجد لمصلحة الأمة، فيجب أن تكون الأمة هي مصدر السلطات والرقيبة على مباشرتها، أي أن السيادة للأمة.
    أما في القانون الإسلامي، فإن السيادة، بمعنى السلطة المطلقة غير المحدودة لا يملكها أحد من البشر، إنما هي لله تعالى، لأنه وحده المريد ومالك الملك، وبالتالي فهو صاحب السيادة، والمعبر عن السيادة الإلهية هو الشريعة، أي الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، لأن هذه الثلاثة هي مصدر العصمة.
    لقد جعل الله تعالى سيادته بعد توقف الوحي متمثلة في إرادة مجموع الأمة، ممثلة في مجتهديها، بحيث جعل ما يتفق عليه المجتهدون شريعة ملزمة وحجة واجبة الاتباع، "فكأن السيادة الإلهية في التشريع أصبحت بعد انقطاع الوحي وديعة في يد مجموع الأمة لا في يد الطغاة من الحكام أو الملوك، كما كان الشأن في الدول المسيحية التي ادعى ملوكها حقا إلهيا، بذلك يمكن القول بأن السيادة في الإسلام لا يملكها فرد مهما تكن مكانته.. أو هيئة من أي نوع، وإنما هي لله القدير الذي فوضها للأمة في مجموعها" .
    والإمام ليس ممثلا للسلطة الإلهية ، ولا يستمد سلطانه من السيادة الإلهية، وإنما يمثل الأمة التي اختارته، ويستمد منها سلطته المحدودة في المسائل التنفيذية أو القضائية دون التشريعية .
    إذن فالإجماع والشورى يعتبران أساس النظام النيابي في الإسلام، لذلك وصف جولزيهر الإجماع بأنه "مفتاح التطور التاريخي للإسلام من الناحية السياسية والعلمية والتشريعية" .
    - نطاق الإجماع
    من خلال تعريفات الإجماع يوجد مذهبان في تحديد نطاقه: أولهما: المذهب المضيق لنطاق الإجماع، حيث يعرفه بأنه "اتفاق مجتهدي الأمة في عصر معين على حكم شرعي"، فقصروه على المسائل الشرعية، أي الأحكام الدينية والاجتماعية، ولم يدخلوا فيه الأمور الطبيعية، لأنها تستمد من العقل والتجربة، والثاني: المذهب الموسع لنطاق الإجماع، حيث يدخلون فيه كل شؤون الأمة. وبالتالي فإن الإجماع شامل لكل الأحكام القانونية.
    ولا يشترط في المجتهدين شرط الزمان والمكان، بل في أي عصر انعقد يكون حجة.
    والاتفاق مراتب أعلاها الإجماع، ولكن قد يكون رأي الأغلبية حجة، لكنه دون قوة الإجماع، فتصريح البعض في الإجماع وسكوت الآخرين يكون إجماعا دون الإجماع، وهناك من يقول اتفاق الأغلبية حجة على ضعف الرأي الشاذ.
    -مدى حجية الإجماع
    يستند الإجماع في حجيته إلى قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)، وقوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وقوله ص: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) "وهذا أساس قول البعض بأن إجماع الأمة يكون تعبيرا عن الإرادة الإلهية"
    ويختلف الحكم المتقرر بالإجماع عن المتقرر بالكتاب والسنة، في أن الحكم الثابت بالكتاب والسنة لا يجوز تعديله أو إلغاؤه، أما الثابت بالإجماع فيمكن أن يعدل أو يلغى بإجماع آخر لاحق.
    ولا بد للإجماع من مستند من كتاب أو سنة، وهناك من يرى إمكان اكتفاء الإجماع بالاستناد إلى الاجتهاد، وعلى كل فالاجتهاد نفسه لا بد أن يستند إلى دليل شرعي، لذلك قال عدد من الأصوليين إن الإجماع مستند -ولا بد- إلى دليل شرعي وإن لم يصرح به.
    -أهمية الإجماع في تطور الاجتهاد وامتداده
    وللإجماع ضرورة قصوى، فالكتاب والسنة مصدران ثابتان، فلا بد من مصدر متجدد، لذلك كان الاجتهاد لاستيعاب كل جديد ومتابعة كل تطور، لكن الاجتهاد ليس ملزما، وليس له قوة القانون على الجماعة ما لم يتفق المجتهدون، فإذا اتفقوا صارا إجماعا ملزما، وحجة لها قوة الكتاب والسنة.
    "إن اهتمام الفقهاء بأن يكون للإجماع سند مستمد من مصادر الشريعة الأخرى، يمكن أن يفهم منه أن دور الإجماع هو أن يكون المصدر المباشر للتشريع (أو التقنين) أي أن مهمته الأولى هي التقنين أو صياغة الأحكام المستمدة من الكتاب والسنة أو من الاجتهاد، ووضعها في الصورة المناسبة للجيل الذي يعاصره" .
    وللإجماع ثلاثة فوائد في تجدد التشريع: أولها: جعل العرف مصدرا من مصادر التشريع، وهذا ما جعل الإمام مالك يعتد بإجماع أهل المدينة، محتجا بأن عرفهم مستمد من السنة النبوية، والثانية: جعل اجتهادات الصحابة ملزمة للأجيال بعدهم، لقرب عهدهم بالنبي ص ، والثالثة: إعطاء الأحكام الصادرة عن الاجتهاد صفة الإلزام، إذا اتفقوا على حكم في المسائل المستحدثة التي لم يرد في شأنها نص.
    قال السنهوري: "إن الإجماع كمصدر شرعي للإحكام يفيد التوافق الضمني أو اللاإرادي في صورة العرف، ويعبر كذلك عن الاتفاق الإرادي الصريح للمجتهدين، وكان من المتوقع أن يتطور بعد ذلك ليأخذ صورة الاتفاق "الشورى"، الذي يتم بعد المناقشة والمداولة، وفي مجامع أو ندوات أو مجالس تضم جميع مجتهدي العصر أو الجيل الذي صدر فيه".
    -تنظيم هيئة الإجماع
    ذهب عبد الرحيم الهندي إلى أنه بالرغم من القواعد الهامة التي قررها الأصوليون في الإجماع فإنه لم ينظم بفعل العوامل السياسية التاريخية، قال: "يوجد نقص كبير في القواعد الخاصة بهذا المصدر الشرعي الهام، ذلك هو عدم وجود جهاز محدد ومنظم تنظيما عمليا لاختيار الفقهاء الصالحين للمشاركة في الإجماع، ولضبط مداولاتهم وإثبات الأحكام الناتجة عنها في صورة رسمية موثوق بها، وقد يرجع هذا النقص إلى الظروف السياسية التي عاش فيها العالم الإسلامي بعد عهد الخلفاء الراشدي، ويظهر أن نظرية الإجماع كانت في مستوى فكري يرتفع بكثير عن الحالة .. التي كانت تسود العالم الإسلامي، مما أدى إلى عدم تنظيمة بصورة عملية دائمة في العصور التي ظهر فيها" .
    ويرى السنهوري أن الإجماع –بالإضافة إلى أهميته في تجدد التشريع الإسلامي- ينبغي أن يكون أساس النظام النيابي في الحكم الإسلامي، قال: "فالمعروف أن الإجماع يشمل جميع الأحكام التي يحتاجها المجتمع الإسلامي، ووضع هذه الأحكام يستلزم علما بمصادر الشريعة وأحكامها وعلما بأحوال الناس وحاجاتهم، وبذلك يمكن التفرقة بين نوعين من المجتهدين: أولهم رجال الفقه الذين يختصون بالمسائل الفقهية النظرية، وثانيهم الخبراء ورجال العمل من المختصين بمعرفة مختلف نواحي الحياة الاجتماعية المعقدة كرجال الزراعة أو الصناعة أو التجارة أو المال أو السياسة أو الحرب وأمثالهم، فهؤلاء يمكن اعتبارهم من (أهل الذكر) الذين أمر الله باستشارتهم في قوله: (واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فإذا وجدت مجالس شورية تضم رجالا من هذا النوع فإننا نُدخل في استنباط الأحكام الإسلامية -بجانب رجال الفقه النظريين- عنصرا ضروريا لكي تجيء الأحكام الشرعية ملائمة لحاجات الناس من النواحي الاقتصادية والاجتماعية التي تستلزم وضع هذه الأحكام" .
    وعلى كل حال يتعين التنبيه هنا أن كل اقتراح لتنظيم هيئة الإجماع سيكون اقتباسا من فكرة الإجماع الشرعي، وصورة مصغرة عنها، تضفي الشرعية على المؤسسات، ولكنها ليست هي الإجماع الشرعي، الذي يشترط فيه أن يكون عاما من طرف كل مجتهدي الأمة الإسلامية، كما أن قواعده وشروطه موضوعة باستقلال عن الحكومات والسلطات السياسية كما سبق.
    الباب الأول: اختيار الإمام
    توجد عدة صيغ لتأسيس الحكومة، بعضها صحيح شرعا، وبعضها فاسد شرعا، لكن الأسس الصحيحة في إنشاء الحكومة وتداول السلطة في الإسلام تنحصر في صيغتين: البيعة والاستخلاف.
    الفصل الأول: انتخاب الإمام بواسطة الأمة الإسلامية
    المبحث الأول: شروط الناخبين والإمام
    يكون اختيار الإمام بالبيعة العامة من أهل الحل والعقد من ممثلي الأمة، وهذه هي الصيغة القديمة المعروفة في الفقه السياسي، فلم يتحدث العلماء قديما عن الانتخاب العام، إلا أنه يمكن -إذا استندنا على مبدإ تنظيم أهل الإجماع كما سبق- اعتماد آلية تجمع بين الاقتراع العام [كما هو في النظام الديمقراطي] وبين نظام انتخاب أهل الحل والعقد للإمام [كما هو في الفقه السياسي القديم]، يقوم على الانتخاب بدرجتين، درجة أولى، يتم فيها انتخاب أهل الاختيار [أهل الحل والعقد]، وذلك بالانتخاب العام، وهنا يشترط في الناخبين فقط الإسلام والسن وعدم السوابق.
    -أولا: شروط أهل الاختيار
    أما أهل الحل والعقد [ناخبو الدرجة الثانية]، فهم الذين يختارون الإمام، ويشترط فيهم ثلاثة شروط، أولها العدالة الصغرى، [أي الاستقامة الخلقية، وهي المطلوبة في الشهادة في القضاء] والثاني: أساس من العلم بشروط الإمامة وأحكام الشريعة عموما، والثالث: الخبرة أو الحكمة.
    -ثانيا: شروط المترشح للإمامة

    أما المترشح للإمامة العظمى فيشترط فيه الإسلام والبلوغ وكمال العقل والحرية والذكورة والعدالة الكبرى [وهي العدالة الصغرى مع السلامة من الانحراف في العقيدة]، وهذه شروط متفق عليها، كما يشترط فيه:
    1- بلوغ درجة الاجتهاد [أو الاستعانة بالمجتهدين إن لم يكن من أهله].
    2- الحكمة ومعرفة التدبير، أي الكفاءة الدبلوماسية والسياسية، ومعرفة قواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية والنظم الأجنبية ليحسن تمثيله للدولة الإسلامي [أو مجموعة الدول الإسلامية].
    3-الكفاءة العسكرية، قال رشيد رضا: "يجب أن يكون الإمام ومستشاروه من أهل الحل والعقد -الذين هم أساس إمامته وأعمدة حكمه- على علم بالقوانين الدولية والمعاهدات الجماعية والثنائية والظروف السياسية والعسكرية للبلاد المجاورة للدولة الإسلامية والذين لهم علاقات سياسية أو تجارية معها، وأن يكونوا على علم بما يمكن أن يستفاد منهم أو يخشى من جانبهم".
    4-النسب القرشي، وهذا مختلف فيه.
    -المبحث الثاني: إجراء الانتخاب.
    -أولا: تحديد أهل الاختيار
    كان الصحابة في زمن الشرعية الكاملة هم أهل الاختيار، وكان تمثيلهم للأمة تمثيلا مسلما لهم من طرف عامة المسلمين، فهم أهل السابقة والمعرفة الدينية والسياسية، وكانوا يتسمون في عمومهم بالنزاهة والاستقامة.
    أما في العصر الحاضر، فالحاجة ملحة لتحديدهم واختيارهم بدقة، لثلاثة أغراض: انتخاب الإمام والشورى والرقابة، وذلك بنظام انتخابي مرن يعتمد هذه الأغراض والأسس لنجاحه.
    -ثانيا: مكان الانتخاب
    بالنسبة لحالة الشرعية الكاملة يكون مكان الانتخاب كل البلاد الإسلامية، وفي حالة ما إذا أريد تطوير منظمة المؤتمر الإسلامي لتمنح صلاحيات تحقق صيغة لوحدة الأمة الإسلامية [على صعيد العلاقات الخارجية والدفاع والعملة وما إلى ذلك]، فإنه يمكن الانطلاق من الأنظمة الموجودة في الدول الإسلامية شريطة أن تكون معبرة تعبيرا حقيقيا عن الإرادة العامة للشعوب.
    -ثالثا: الأغلبية اللازمة
    تنعقد إمامة الإمام الأعظم باختيار جمهور أهل الاختيار له من ممثلي الأقطار الإسلامية، وهو رأي أشار إليه الماوردي، فقال: "لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء به عاما والتسليم لإمامته إجماعا" .
    -رابعا: واجب الناخبين في اختيار الإمام
    ذهب العلماء قديما إلى أن اختيار الإمام من بين مجموعة من المترشحين يكون بحسب حالة الأمة، فإذا كانت حالة حرب وجهاد، فإن الاختيار يكون للأكثر كفاءة في المجال العسكري، وإذا كانت هناك حالة سلم دولي وتدافع سياسي كان الاختيار للأكثر كفاءة في المجال الدبلوماسي، وإذا كانت البلاد الإسلامية تعج بالتيارات والفلسفات مما يهدد الوحدة الدينية للأمة فإن الاختيار يكون للأكثر دراية بالعقائد الدينية والشريعة، وإذا كانت الأمة بحاجة ماسة إلى تطوير الاقتصاد وتحقيق الاكتفاء في الحاجيات الأساسية اختير الأكثر دراية وخبرة بهذا الجانب..
    -خامسا: ماهية الانتخاب.
    اختلف العلماء السابقون هل البيعة عقد "مكسب/منشئ" للولاية العامة أو هو "كاشف" لها؟ فعلى القول بأن البيعة عقد مكسب للإمامة ومنشئ لها، تكون البيعة هي سبب انعقاد الإمامة بعد بذل الناخبين جهدهم في انتقاء الأفضل، وأما القول بأنه كاشف لها فقط، فذلك مبني على افتراض أنه يوجد شخص واحد هو الأصلح للولاية وأن عمل الناخبين هو كشفه للعالم الإسلامي، فحسب هذه النظرية يتعين على الناخبين البحث عن الأكثر أهلية، فإن خالفوه وقع انتخابهم باطلا، وحسب نظري أن البيعة عقد مكسب يجتهد أهل الاختيار في ذلك ويقع اختيارهم صحيحا بمجرد البيعة، سواء صادف اختيارهم الأفضل أو لم يصادف.
    ويترتب على ذلك جواز اختيار المفضول مع وجود الفاضل لعذر، وانعقاد ولاية المفضول ولو بغير عذر، [لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار وليست معتبرة في شروط الاستحقاق]، في حين إنه لا يجوز ذلك ويعتبر لاغيا حسب نظرية "الكشف".
    كما أنه عند التساوي بين المترشحين في الأهلية والأفضلية فإنه -حسب نظرية الإكساب أو الإنشاء- يتخير أهل الاختيار، وحسب نظرية الكشف يقرع بينهما.
    وعند وجود متأهل واحد صالح للخلافة، فإنه حسب نظرية الإنشاء يجب التصويت عليه، لأن الخلافة عقد لا يتم إلا بعاقد، أما حسب نظرية الكشف تنعقد ولايته تلقائيا.
    والملاحظ أن نظرية الكشف هذه ضعيفة من الناحية الفقهية، لأنها تتوقف على نوع من الإلهام الذي قد لا يحصل للمجتهدين من أهل الحل والعقد، كما أنها تتضمن ميلا ونزوعا إلى إبطال الولايات، وذلك خلاف منهاج الفقه الإسلامي الذي ينزع إلى تصحيح العقود بما فيها عقد الولاية.
    الفصل الثاني: الاستخلاف/ ولاية العهد
    الاستخلاف من الوجوه المشروعة للترشيح للولاية، فقد ثبت استخلاف أبي بكر لعمر، وثبت استخلاف عمر لمجلس من ستة أعضاء ليختاروا الخليفة من بينهم، أما الرسول ص فلم يستخلف أحدا.
    وقد شرطوا في الاستخلاف أن يكون لمصلحة الأمة، وذهب بعض العلماء إلى أن الاستخلاف هو مجرد ترشيح لا يتم إلا بعد البيعة له من طرف ممثلي الأمة.
    الباب الثاني: سير الحكومة
    الفصل الأول: نطاق ولاية الحكومة من حيث الإقليم والأشخاص
    -أ نطاق الإمام من حيث الإقليم
    نطاق الإمامة العظمى من حيث الإقليم، هو كل بلاد المسلمين، ولا تدخل فيه البلاد غير الإسلامية، ونظرا لاتساع رقعة العالم الإسلامي، يمكن البحث في صيغ مرنة للتدرج في تحقيق وحدة الأمة السياسية، وتوجد في الواقع الدولي عدة صيغ يمكن الإفادة منها لهذا الغرض، قال الشاوي: "القواعد التي تنظم العلاقات بين الأقاليم المختلفة سواء كانت في صورة اندماجية أو اتحادية أو تعدد الدول في إطار منظمة دولية إسلامية".
    -ب نطاق ولاية الحكومة من حيث الأشخاص
    نطاقها من حيث الأشخاص. ينتظم تحت ولاية الإمام ثلاث طوائف من المواطنين أو المقيمين:
    - الطائفة الأولى: المسلمون في نطاق البلاد الإسلامية وعليهم واجب الطاعة والنصرة والنصيحة في الحدود الشرعية المقررة. وولاية الإمام على المسلمين ليست حقا شخصيا للإمام بل حق للأمة التي تعاقدت معه، لذلك كان كل مسلم حرا، ويترتب على ذلك الحرية الشخصية وحق الملكية، قال السنهوري: "إن احترام الحرية الشخصية وحق الملكية هما المبدآن الأساسيان للقانون العام الإسلامي".
    -الطائفة الثانية: الذميون وهم أتباع الديانات الأخرى غير الإسلام، وهم –بمقتضى عقد الذمة الذي يؤدون بموجبه الجزية مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية والقتال- يتمتعون بمركز قانوني يجعلهم في درجة المسلمين حقوقا وواجبات بناء على قاعدة: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، ويلزم الذميون باحترام أحكام النظام الإسلامي، وبعدم معاونة الأعداء ضد المسلمين.
    - الطائفة الثالثة: المستأمنون وهم أهل الدول غير الإسلامية الذين يقيمون في البلاد الإسلامية بصفة مؤقتة للتجارة أو السياحة [لمدة أربعة أشهر]، فيلزمون بضريبة مقابل السماح باتجارهم في البلاد الإسلامية، ولكنهم إذا أكملوا السنة ألزموا بدفع الجزية ..
    والملاحظ في هذه المكونات الثلاثة للمواطنين والمقيمين أن أساس علاقتهم بالإمام هو التعاقد، سواء في البيعة بالنسبة للمسلمين أو الجزية بالنسبة للمعاهدين أو عقد الاستئمان بالنسبة للمستأمنين.
    الفصل الثاني: ممارسة ولاية الحكومة والإمام
    المبحث الأول: صلاحيات الحكومة والإمام
    *الصلاحيات الدينية
    تشمل صلاحيات الإمام نطاقين، هما: الصلاحيات الدينية والصلاحيات السياسية.
    ومحتوى الفصل بين المجال الديني والمجال السياسي هو التمييز الإجرائي والتنظيمي، [وليس الفصل المعرفي والوجودي الذي هو معنى العلمانية الشاملة]، والمقصود بالصلاحيات الدينية أن السلطة السياسية مفوضة بحماية "حقوق الله" والسهر عليها، ولم يخول ذلك للأفراد من الناحية المبدئية. وأهم الصلاحيات الدينية للإمام: أولا: حماية العقيدة الإسلامية، وذلك بتوجيه العلماء إلى الدفاع عن الإسلام في وجه المشككين فيه والطاعنين عليه والمناوئين له، والسهر على عمل الدعوة الإسلامية والتعريف بالإسلام في الخارج، والوعظ والتوجيه الديني والإفتاء في الداخل.. ثانيا: الجهاد: وذلك بإعلان الحرب دفاعا عن الدين والبلاد.. ثالثا: الصلاة، وذلك بتعيين الأئمة والقيمين الدينيين والخطباء وتنظيم بناء المساجد وتوسيع دائرتها لتساير توسع العمران، والأمر بصلاة العيد والاستسقاء والكسوف.. رابعا: الصوم، وذلك بتعيين هيئة مراقبة الأهلة وحماية حرمة رمضان من انتهاكها [كتعزير المفطر عمدا].. خامسا: الزكاة، وذلك بتنظيم جبايتها وصرفها للمستحقين ..سادسا: الحج وذلك بتنظيم قوافل الحجاج والسهر على تأمين نجاح أداء الفريضة سنويا..
    وهذه الصلاحيات الدينية –كما هو ملاحظ- هي صلاحيات ذات صبغة تنظيمية صرفة وليست ذات صبغة روحية.
    *الصلاحيات السياسية
    وتنقسم إلى صلاحيات تنفيذية وصلاحيات قضائية.
    -الصلاحيات التنفيذية
    أما الصلاحيات التنفيذية فتتلخص في الآتي: 1- الأمن الداخلي 2- الأمن الخارجي [بمواجهة الأعداء ومكافحة البغاة وقطاع الطرق والمرتدين..] 3- تنظيم إدارة المرافق [عن طريق الأعوان والوزراء ..] [من أنواع الوزارات وزارة التفويض وهي قريبة من مفهوم رئاسة الوزراء التي تكون فيها صلاحياته عامة في أغلب الأمور، ثم وزارة التنفيذ وهي محدودة بتنفيذ بعض جوانب الحياة التنفيذية كالجانب المالي أو العدل أو الداخلية أو البريد ..]. 4- ولاية الأقاليم، والمقصود هنا ولاية الاستكفاء، أي تعيين الإمام لولاة أكفاء ينوبون عنه في تدبير الأقاليم.. 5-الإشراف على المالية والاقتصاد، وهو يعبر عنه قديما بالسهر على بيت المال..
    -الصلاحيات القضائية.
    يعتبر الإمام رئيس السلطة القضائية، وهو المسئول الأعلى عن القضاء والقضاة.
    وأما السلطة القضائية في الإسلام فإن القاضي تناط به اختصاصات قضائية [المسائل المدنية والجنائية]، وتنفيذ الأحكام القضائية، ويعين القضاة المفوضين لمساعدته، [قد يكون اختصاص القاضي محدودا بالزمان أو المكان أو الموضوع أو الأفراد]، [ويراعى في القاضي النزاهة وعدم التحيز ولا يقبل الهدايا من الخصوم..] وتناط به أيضا اختصاصات شبه قضائية، كالتحجير والتسفيه والأوقاف والوصايا وعقود الزواج والطلاق..
    وهناك قضاة يختصون بموضوعات خاصة، مثل قاضي المظالم، الذي يفصل بطريقة عاجلة وبدون إجراءات التقاضي في بعض المسائل الهامة، مثل إساءة استعمال السلطة .. وكقضاء الحسبة المختص في حماية المستهلك، فيراقب الأسعار والموازين وصلاحيات السلع ويزجر التجار عن الغش والغبن..
    المبحث الثاني: حدود ولاية الإمام
    تتقيد سلطة الإمام بمبدأين جوهريين، أولهما: ألا ينتهك القانون وإلا ارتكب "ظلما" [تجاوز السلطة]، والثاني: ممارسة السلطة في مصلحة الأمة، وإلا اعتبر ذلك "فسادا" [إساءة استعمال السلطة].
    ولضمان تحقيق هذين المبدأين وفرت الشريعة ضمانتين، أولاهما مبدأ الشورى، إذ تحتفظ الأمة بحقها في تقديم النصح للحكومة في كل المسائل الإدارية والتنفيذية. وثانيتهما مبدأ رقابة الأمة على العمل الجماعي، طبقا لقوله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
    ولا بد من التذكير هنا بأن هاتين الضمانتين اللذين يجسدان دور القاعدة الشعبية الممثلة في أهل الحل والعقد، قد تم تجميدهما في عهد الشرعية الناقصة بسبب الاستبداد السياسي.
    1-المبادئ التي تحد من سلطة الإمام والحكومة
    - مبدأ عدم[تجاوز السلطة]
    سبق أن ذكرنا أن اختصاص السلطة السياسية هو المجال التنفيذي والقضائي، وأن الإمام مسئول في تنفيذ أعماله، وأنه لا يشرع، وقد قررت الشريعة لأفراد الأمة حقوقا أساسية منها: المساواة أمام القانون [لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها]، والحرية الفردية [متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا]، وحرمة الشخص [كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه]، وحرمة المسكن [(ولا تجسسوا)، (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا تسلموا على أهلها)]، والملكية [(خلق لكم ما في الأرض جميعا) (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم)]. فمثل هذه الحقوق الأساسية لا يجوز المساس بها، وهذا ما التزم به الخلفاء في طور الشرعية الكاملة، بحيث يقول أبوبكر الصديق: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم)..
    -مبدأ عدم [إساءة استعمال السلطة]
    السلطة حق أقيم لمصلحة الأمة، وتنطبق على هذا الحق قاعدة شرعية تنص على أن "استعمال أي حق لا يجوز إلا في حدود الغرض الذي قرر لأجله"، ولهذا قال العلماء: إن تصرف الإمام منوط بالمصلحة، وقال ابن قيم الجوزية: "والشريعة عدل كلها وحكمة كلها ورحمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ومن الحكمة إلى العبث ومن الرحمة إلى ضدها فليست من الشريعة ولو أدخلت فيها بالتأويل"، أي أن مشروعية أعمال السلطة هي بمدى احترامها لأسس العدل والرحمة والحكمة، لا من ما تعلنه هي عن نفسها، ولهذا قسم العلماء تصرفاتها إلى قسمين انطلاقا من هذا، قال: "فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، علمها من علمها وجهلها من جهلها" . ومعنى هذا الكلام أن إساءة استخدام السلطة أو تجاوز حدودها الشرعية ليس مقبولا شرعا.
    ومن المثال على امتناع استعمال الإمام سلطته لغير الغرض الصحيح سلطته في تعيين القضاة وعزلهم، قال الماوردي: "لا يعين الإمام القاضي ولا يعزله إلا لسبب صحيح".
    2- الضمانات الشرعية لتحقيق مبدأي تقييد السلطة.
    أولا: الشورى
    أمر الله تعالى المسلمين بالشورى، ولم يستثن منها الرسول ص ، حيث أمره بها فقال: (وشاورهم في الأمر)، وهكذا استشار الرسول في كثير من الأحيان، واتبع أحيانا آراء كان يعارضها في نفسه، [كاتباعه رأي شباب الصحابة في الخروج إلى غزوة أحد رغم أنه كان يميل إلى عدم الخروج للحرب في هذه الغزوة..]، وقد استشار الخلفاء الراشدون، وكانت سنتهم أن يجمعوا أهل الرأي والمشورة للتشاور كلما يجد مستجد ليس له حكم منصوص في القرآن والسنة، وهكذا فعل عمر بن عبد العزيز، وكان صلاح الدين الأيوبي يستشير أثناء محارباته للفرنجة، كما أن يوسف بن تاشفين كان يستشير العلماء في المسائل السياسية والعسكرية كثيرا، [حتى إن بعض المستشرقين سموا دولته بدولة الفقهاء؟].
    وقد اختلف العلماء هل يجب على الإمام الالتزام بنتيجة الشورى أم يستحب له ذلك فقط، والذي يميل إليها الدارسون المعاصرون هو إجبارية الأخذ برأي الأغلبية المستشارة من طرف الإمام.
    -ثانيا: مبدأ الرقابة
    لقد نصت الشريعة على مبدإ رقابة الأمة، فقال تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، وقال ص: (كلكم راع وكلكم مسؤول). وقد التزم بمبدإ الرقابة خلفاء الشرعية الكاملة، فكان أبو بكر يقول: (إن أحسنت فأعينوني وإن أخطأت فقوموني)، وقال عمر (إذا رأيتم في اعوجاجا فقوموني)، وقال لامرأة نبهته على خطإ له (أصابت امرأة وأخطأ عمر)، وكان يقول: (لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها).
    ويرجع مبدأ الرقابة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن الاستبداد السياسي الطويل في تاريخ المسلمين السياسي حال دون تطوير أساليب الرقابة والشورى، فكان الإنكار على تجاوزات السلطة يتم من آحاد الناس والعلماء طوال التاريخ.

    الكتاب الثاني: نظام الإمامة الناقصة انتهاء الإمامة الكاملة.
    تنتهي ولاية الإمام الصحيحة بأحد سببين: الأول: من جهة شخص الإمام، وذلك إما بأن يعزل بسبب تغير حالته، وإما أن يستقيل من مهمة الإمامة، وإما أن يموت. وفي هذه الحالة يبقى النظام وإن تنحى شخص الإمام. والحالة الثانية: أن يتوقف النظام نفسه، بسبب قيام أحد نوعي الحكومة الناقصة: الفاسدة أو الاضطرارية، وتكون الخلافة الناقصة "مؤقتة، مهما طالت، ولمدة يبقى التزام الأمة الإسلامية بإعادة الخلافة الصحيحة ما بقي الإسلام، وما بقيت شريعته إلى يوم الدين" .
    الباب الأول: الأسباب المتعلقة بشخص الإمام.
    الفصل الأول: أسباب الانتهاء بغير سقوط الولاية

    1- الموت
    ينتهي عقد الإمامة بموت الإمام [رئيس السطلة]، لأن آثار العقد بالنسبة له شخصية محضة ولا تمتد إلى ورثته، وإذا كان قد استخلف بعده [ولاية العهد]، فهو استخلاف صحيح، ولكنه ليس وراثة.
    -أما مرض الإمام، فلا تنتهي به الولاية، ولو كان شديدا، لكنه إذا مرض لدرجة اليأس من ممارسة مهامه، فيمكن للأمة اختيار خلفه، ويتنزل المرض هنا منزلة الموت في عجز الأمة عن نيل مصلحتها في وجود الإمام.
    -بوفاة الإمام تصبح الخلافة شاغرة، ويتعين اتباع الإجراءات المقررة لتنصيب إمام جديد على الأمة، ويكتفى عند وجود من استخلفه الإمام في حياته به، ولكن ولي العهد لا يصير إماما حتى تتم له البيعة العامة، أو ما يجرى مجراها.
    -لا توجد فترة محددة شرعا لفترة تولية إمام جديد بعد وفاة سلفه، ولكن القاعدة الإسلامية الصحيحة هي تحتم المسارعة إلى تعيينه، لأن سوابق الشرعية الكاملة كانت بالمبادرة إلى ذلك، إذ فور وفاة النبي ص سارع الصحابة إلى اختيار أبي بكر قبل دفن الرسول ص، كما أن عمر تمت بيعته بمجرد موت أبي بكر، وهكذا، ولأن هذه حالة تمس المصالح الجوهرية للأمة، فيكون الأمر بها على الفور لا على التراخي.
    -يجري مبدأ وجوب اختيار إمام جديد فورا على حالة خلو منصب الإمام بأي سبب آخر: كالاستقالة والعزل.
    2- التنحي أو الاستقالة
    -كل ولاية هي وكالة، والوكالة عقد يجوز إنهاؤه من أحد الطرفين بإرادته، لكن ولاية سلطان المسلمين لا تسري عليها هذه القاعدة، لأنها ولاية أصلية وليست تابعة، لذلك يرى العلماء أنه لا يمكن للناخبين إنهاء ولاية الإمام بإرادتهم، لكنهم ذكروا أنه يجوز للخليفة التنحي عن منصبه، أي أن ينهي عقد الخلافة بإرادته منفردة، وتفسير هذا الموقف المخالفة للأصل "لأنه في صالح سير نظام الخلافة أن لا يفرض على الخليفة البقاء رغم إرادته، إذا أراد التنحي عن مهامه في الحكم" .
    -ويترتب عن تخلي الإمام عن السلطة أنه يتنزل منزلة موته، فيصبح منصب الإمامة العظمى شاغرا، ويفتح الباب أمام الناخبين لاختيار إمام جديد.
    الفصل الثاني: انتهاء الولاية بالسقوط: العزل.
    تسقط ولاية الإمام بتغير حاله وافتقاده أحد شروط الأهلية المطلوبة عند عقد الخلافة.
    وهناك من شروط الإمام ما لا يتصور فقده، كشرط الذكورة، وشرط النسب القرشي [عند من يشترط ذلك]، وشرط العلم والحكمة والشجاعة على الراجح، كما أن بعضها لا يتصور شرعا فقدانه، كشرط الحرية، لأن القاعدة الشرعية تقول: "لا يدخل حر تحت الرق".
    أما الشروط الأخرى التي قد تزول فهي قسمان: شروط جسمانية، وشروط معنوية.
    1- سقوط ولاية الإمام لأسباب معنوية.
    العيوب المعنوية التي تترتب عليها سقوط الولاية بحكم القانون الإسلامي هي: فقد شرط الإسلام بالردة، وفقد شرط العدالة بالفسق.
    -الردة
    لما كان الإسلام الشرط الأول والجوهري في من يتولى الخلافة عن المسلمين في تسيير الدولة الإسلامية، فإنه يترتب على ذلك أن الإمام إذا ارتد تسقط ولايته تلقائيا بحكم القانون.
    -الفسق
    وتسقط ولاية الإمام أيضا بالفسق، وهو نوعان: الفسق الظاهر المعروف، الناجم عن ارتكاب الكبائر واتباع الأهواء، والاستسلام للشهوات، سواء كان ذلك في حياته الخاصة أو في الحياة العامة. والنوع الثاني: تجاوزه للحدود الشرعية لسلطته، وإساءة استعمال السلطة، وهذا خاص بممارسة السلطة.
    -والمتفق عليه أن الفسق بنوعيه مسقط لأهلية الخليفة، ومانع أيضا من استمرارها إذا طرأ أثناءها.
    -لكن الإمام إذا استرد صفة "العدالة" هل يسترد ولايته أو لا بد من عقد جديد، هنا رأيان عند الفقهاء، ورجح بعض الفقهاء أنه يسترد صفة الإمامة بمجرد استرداده لصفة العدالة دون الحاجة لبيعة جديدة "وحجتهم في ذلك أن الخلافة لها طبيعة عامة وأنه يحسن تفادي إجراءات بيعة جديدة" .
    لكن صفة العدالة لا ترجع لمن فقدت فيه إلا بالتوقف عن الأخطاء الناقضة للعدالة، وإرجاع الحقوق لأصحابها، وذهب ابن حزم إلى أن الخليفة إذا رضي بالعقوبات الشرعية والحدود المقررة للجرائم التي وقع فيها فإنه يصير خليفة بحكم القانون.
    - وهنا أثار فقهاء السياسة الشرعية سؤالا: هل تسقط الخلافة عن الإمام بحكم القانون أو لا بد من قرار من جهة ما لذلك؟ يرى مذهب الشافعي أن الخليفة ينعزل تلقائيا بمجرد افتقاده لصفة العدالة، وأن قرارته بعدها تصبح باطلة، قال السنهوري: "ولكن هناك اعتبارات عملية تدعو للقول بأن السقوط يكون بقرار من الأمة أو من يمثلونها، لأن القول بالسقوط بحكم القانون في حالة الفسق معناه: أن ذلك قد يحدث بدون علم الأمة، وتكون أعماله التي قام بها بعد الفسق باطلة شرعا دون أن يعلم الناس بذلك، وهذا يخل بالأوضاع القانونية والسياسية وثباته" .
    "إن هذه النظرية بشأن سقوط صفة الولاية –سواء وقع ذلك بحكم القانون أو على إثر صدور قرار به- إنما هي تأكيد واضح للصفة التعاقدية للولاية، لأن أساسها عقد بين الأمة ورئيسها، فإذا لم يقم الخليفة بواجباته ينفسخ العقد أويفسخ، ويتحلل الطرف الآخر من التزاماته، وقد يبدو هذا أمرا طبيعيا في عصرنا، ولكن للفقه الإسلامي الفضل في أنه وضع المفهوم التعاقدي للسلطة قبل أن يظهر في الفكر الأوربي، وفي الوقت الذي كان فيه العالم الأوربي في ظلمات القرون الوسطى" .
    2- سقوط الولاية بسبب عجز بدني
    تسقط عن الحاكم صفة الولاية إذا أصيب بعيب بدني يفقده إحدى الحواس أو أعضاء الجسد أو الحرية [كالأسر، أو الاسترقاق من طرف الأعداء]، وضابط العيب البدي أن يمنع الإمام من قيامه بمهامه.
    -فقد إحدى الحواس
    والمقصود بالحواس السمع والبصر والعقل والأطراف، ويلحق بها فقد حرية التصرف.
    -أما العقل والبصر فإنهما يمنعان استمرار عقد الولاية، لأن الجنون يعجز الإمام عن مسؤولياته بشكل كلي، وأما الفقد البصر، فهو مانع من ولاية القضاء ومن شهادة الشاهد، فمن باب أولى أن يترتب عليها سقوط الولاية في الخلافة.
    -وأما فقد الأطراف، فهو مانع من استمرار الولاية إذا كان عائقا عن العمل أو الحركة، كفقد اليدين والقدمين، أما الفقد الجزئي الذي لا يمنع من العمل والحركة كالعرج فلا يكون مانعا.
    وهذه العيوب وإن كانت مانعة من استمرار سلطة الإمام، "لكننا نرى لأسباب عملية أنه من الأفضل أن يصدر قرار رسمي بذلك لما يترتب عليه من نتائج قانونية واجتماعية هامة" .
    - فقد حرية التصرف
    أما فقد حرية التصرف "يجب أن يتمتع الحاكم بحرية تامة في مباشرة ولايته"، ويرى السنهوري أنه "إذا أصبح خاضعا لإرادة أخرى غير إرادته، فإنه يكون فقد حرية التصرف وبذلك تسقط ولايته، وبناء على هذا المبدإ فإن الحاكم الذي يخضع لنفوذ أجنبي، كان نفوذا ظاهرا أو غير ظاهر تسقط عنه صفة الولاية" .
    -ويتعلق بفقد حرية التصرف نوعان آخران –من غير خضوعه لنفوذ أجنبي- وهما الحجر والإكراه.
    *الحجر
    -أما الحجر، كأن يستولي على أمر الخليفة وزيره الأول [وزير التفويض] أو غيره من أعوانه، من غير أن يظهر نية الانقلاب، قال الماوردي: "الحجر هو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقة، فلا يمنع ذلك من إمامته ولا يقدح في ولايته، ولكن ينظر في أفعال من استولى على أموره: فإن كانت جارية على أحكام الدين وَمُقْتَضَى الْعَدْلِ جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا تَنْفِيذًا لَهَا وَإِمْضَاءً لِأَحْكَامِهَا لِئَلَّا يَقِفَ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مَا يَعُودُ بِفَسَادٍ عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ خَارِجَةً عَنْ حُكْمِ الدِّينِ وَمُقْتَضَى الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا وَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنْصِرَ مَنْ يَقْبِضَ يَدَهُ وَيُزِيلَ تَغَلُّبَهُ".
    والملاحظ أن الحجر على الإمام –وإن لم يبطل ولاية الخليفة- فإنه يدخلها في قواعد الاضطرار والضرورة، كما سيأتي.
    * الإكراه
    وأما الإكراه، فيسمى عند الفقهاء بـ"القهر"، قال الماوردي: "وَأَمَّا الْقَهْرُ فَهُوَ أَنْ يَصِيرَ مَأْسُورًا فِي يَدِ عَدُوٍّ قَاهِرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ عَنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ لَهُ لِعَجْزِهِ عَنْ النَّظَرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَدُوُّ مُشْرِكًا أَوْ مُسْلِمًا بَاغِيًا ، وَلِلْأُمَّةِ اخْتِيَارُ مَنْ عَدَاهُ مِنْ ذَوِي الْقُدْرَةِ ، وَإِنْ أُسِرَ بَعْدَ أَنْ عُقِدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ فَعَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ اسْتِنْقَاذُهُ لِمَا أَوْجَبَتْهُ الْإِمَامَةُ مِنْ نُصْرَتِهِ، وَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ مَا كَانَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ مَأْمُولَ الْفِكَاكِ إمَّا بِقِتَالٍ أَوْ فِدَاءٍ ، فَإِنْ وَقَعَ الْإِيَاسُ مِنْهُ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنْ أَسَرَهُ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ أَوْ بُغَاةَ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنْ كَانَ فِي أَسْرِ الْمُشْرِكِينَ خَرَجَ مِنْ الْإِمَامَةِ لِلْيَأْسِ مِنْ خَلَاصِهِ وَاسْتَأْنَفَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ بَيْعَةَ غَيْرِهِ عَلَى الْإِمَامَةِ .
    فَإِنْ عَهِدَ بِالْإِمَامَةِ فِي حَالِ أَسْرِهِ نُظِرَ فِي عَهْدِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ كَانَ عَهْدُهُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ عَهِدَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ عَهْدٌ ، وَإِنْ عَهِدَ قَبْلَ الْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ في وَقْتَ هُوَ فِيهِ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ صَحَّ عَهْدُهُ لِبَقَاءِ إمَامَتِهِ وَاسْتَقَرَّتْ إمَامَةُ وَلِيِّ عَهْدِهِ بِالْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ لِزَوَالِ إمَامَتِهِ ، فَلَوْ خَلَصَ مِنْ أَسْرِهِ بَعْدَ عَهْدِهِ نُظِرَ فِي خَلَاصِهِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ لَمْ يَعُدْ إلَى إمَامَتِهِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا بِالْإِيَاسِ وَاسْتَقَرَّتْ فِي وَلِيِّ عَهْدِهِ ، وَإِنْ خَلَصَ قَبْلَ الْإِيَاسِ فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ وَيَكُونُ الْعَهْدُ فِي وَلِيِّ الْعَهْدِ ثَابِتًا وَإِنْ لَمْ يَصِرْ إمَامًا .
    وَإِنْ كَانَ مَأْسُورًا مَعَ بُغَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ خَلَاصُهُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْبُغَاةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونُوا نَصَّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ إمَامًا أَوْ لَمْ يُنَصِّبُوا ، فَإِنْ كَانُوا فَوْضَى لَا إمَامَ لَهُمْ فَالْإِمَامُ الْمَأْسُورُ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى إمَامَتِهِ لِأَنَّ بَيْعَتَهُ لَهُمْ لَازِمَةٌ وَطَاعَتَهُ عَلَيْهِمْ وَاجِبَةٌ فَصَارَ مَعَهُمْ كَمَصِيرِهِ مَعَ أَهْلِ الْعَدْلِ إذَا صَارَتْ تَحْتَ الْحَجْرِ ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَسْتَنِيبُوا عَنْهُ نَاظِرًا يَخْلُفُهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا كَانَ أَحَقَّ بِاخْتِيَارِ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ مِنْهُمْ ، فَإِنْ خَلَعَ الْمَأْسُورُ نَفْسَهُ أَوْ مَاتَ لَمْ يَصِرْ الْمُسْتَنَابُ إمَامًا لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ فَزَالَتْ بِفَقْدِهِ .
    وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ قَدْ نَصَّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ إمَامًا دَخَلُوا فِي بَيْعَتِهِ وَانْقَادُوا لِطَاعَتِهِ فَالْإِمَامُ الْمَأْسُورُ فِي أَيْدِيهِمْ خَارِجٌ مِنْ الْإِمَامَةِ بِالْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ ، لِأَنَّهُمْ قَدْ انْحَازُوا بِدَارٍ تَفَرَّدَ حُكْمُهَا عَنْ الْجَمَاعَةِ وَخَرَجُوا بِهَا عَنْ الطَّاعَةِ فَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ بِهِمْ نُصْرَةٌ وَلِلْمَأْسُورِ مَعَهُمْ قُدْرَةٌ ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ الْعَدْلِ أَنْ يَعْقِدُوا الْإِمَامَةَ لِمَنْ ارْتَضَوْا لَهَا ، فَإِنْ خَلَصَ الْمَأْسُورُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِمَامَةِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا. " .
    قال ذ الشاوي معلقا على هذه الأحكام: "لكننا نرى أن أهل الحل والعقد هم الذين لهم الحق في اتخاذ القرار بشأن إنهاء ولاية الخليفة في جميع الأحوال، حسبما يرونه أصلح للأمة دون تقيد برأي الماوردي" .
    الباب الثاني: أسباب انتهاء نظام الإمامة الكاملة.
    ما سلف من أسباب انتهاء الحكومة، كان متعلقا بالخليفة نفسه، وذلك لا ينهي النظام بأكمله، لكن قد ينتهي نظام الحكومة الكاملة الصحية أو الراشدة، أو يتوقف سيره وسريانه إذا حدث أمر يجعله مستحيلا أو متعذرا، فيحل محله نظام الحكومة الإسلامية الناقصة
    وقد يرجع هذا الأمر إلى مسؤولية مباشرة للسلطة القائمة، بأن تتغير صفات الإمام أو تتخلى عن الأحكام الشرعية أو تخل بالتزاماتها المفروضة في القانون الإسلامي.
    وقد يرجع إلى أسباب خارجية ودولية، كما حدث للخلافة العثمانية التي انهارت بعد الحرب العالمية الأولى، مما ترتب عنه إلغاء نظام الخلافة وتجزؤ دار الإسلام إلى دول عديدة، وإلى فقدان السيادة.
    المهم أن انتهاء الخلافة الكاملة إذا كان بسبب يعود إلى فعل مقصود من الإمام نفسه ومن سلطته السياسية يجعل النظام "فاسدا"، وإذا كان لظروف خارجة عن إرادته، كالأسباب الخارجية التي لا تعود إلى مسئوليته يجعل النظام "اضطراريا"، وكلاهما نظام "ناقص الشرعية".
    وسواء كان النظام "فاسدا" أو اضطراريا" فإنه يختلف عن الحكومة الكاملة في إحدى النقط التي سبق ذكرها، وهي:1- التعاقد أساس الحكم في الخلافة الكاملة، أما الناقصة فأساسها "التغلب" والعنف. 2- تشترط في الإمام شروط أهلية الإمامة في الحكومة الكاملة وتنخرم هذه الشروط في الخلافة الناقصة، 3- تلتزم الحكومة الكاملة في عملها باختصاصاتها الدينية والتنفيذية وبتطبيق الشريعة وبوحدة العالم الإسلامي، بخلاف الحكومة الناقصة.
    -إذا استحال قيام أو استمرار الحكومة الكاملة الشرعية، فإن المسلمين يكونون في مأزق فقهي، فهم مأمورون من جهة بإقامة إمامة شرعية، لأنها واجبة كما سبق، ومن جهة أخرى مستحيلة من الناحية الواقعية.
    للخروج من هذا المأزق الفقهي -الذي وقع منذ الحكم الأموي- اعتمد العلماء نظريتين لتصحيح السلطة الناقصة، فسواء كانت الإمامة "فاسدة"، [أي التي يكون المسئول عن فسادها الإمام نفسه، بانخرام شروطه أو تغير أحواله الشرعية أو تخليه عن اختصاصاته أو شروط عمل حكومته]، أو كانت "اضطرارية"، [وهي التي لا يكون المسؤول عن اختلالها الإمام نفسه، كوضعية التجزئة السياسية لدار الإسلام، أو افتقاد السيادة، أو وجود أوضاع موروثة تمنع تطبيق الأحكام الشرعية]، فقد صححهما الفقهاء بمبدأين: المبدأ الأول: تصحيح العقود التي يطرأ عليها وضع محرم شرعا، لأن العقود الصحيحة والشرعية لا يبطلها انخرام بعض أوصافها أو اقترانها بأوضاع فاسدة شرعا، المبدأ الثاني: نظرية الضرورة، كقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، و"الضرورة تقدر بقدرها"..
    قال السنهوري: "أساس الحكومة الإسلامية الناقصة هو فكرة الضرورة، ومن هذه الفكرة ينتج مبدآن أساسيان:
    أولا أن الضرورة تجعل المحظور جائزا، نتيجة لذلك فإن الحكومة التي لا تتوفر فيها جميع الخصائص المميزة للحكومة الراشدة تصبح رغم ذلك جائزة، أي شرعية، طالما أنها تمثل أخف الضررين، لأن احتمال قيام نظام مشوب بعيوب الحكومة الناقصة أقل ضررا أو خطورة من غياب كامل لأي نظام للحكومة الإسلامية، أي [إلغاء الخلافة]، لذلك يجب التمييز بين الشرعية والصحة، فالخلافة الشرعية يمكن أن تكون غير صحيحة ولكن الخلافة الصحيحة لا بد أن تكون دائما شرعية.
    ثانيا: أن الضرورة تقدر بقدرها، فلا يتعطل من الأحكام إلا ما تجعله الضرورة مستحيلا، ويترتب على ذلك مبدآن: أ- تلتزم الحكومة الناقصة بتطبيق كل ما تلتزم به الحكومة الصحيحة من أحكام الشريعة التي لم تعطلها الضرورة، ب- أن الحكومة الناقصة لا تستمر إلا طالما وجدت حالة الضرورة التي سببتها فقط، وبمجرد زوال حالة الضرورة يجب أن تزول، فهي إذن نظام مؤقت واستثنائي مهما طالت مدته." .
    سنتعرض لهذا النظام في فصلين: الأول: متى وكيف تفرض الظروف نظام الخلافة الناقصة، والثاني كيف يسير هذا النظام وكيف ينتهي ومتى يفقد شرعيته
    الفصل الأول: الضرورات التي تفرض الإمامة الناقصة وتنهي الإمامة الكاملة
    أساس أحكام الخلافة الناقصة حالة "الضرورة"، وتنتج الضرورة هنا إما بوجود قوة لا يمكن التغلب عليها، [كأن يفرض شخص أو جماعة سيطرتهم بالقوة والعنف] أو مانع آخر من غير القوة لا يمكن إزالته [كان يفتقد من تتوفر فيه الشروط].
    1- الحكومة المفروضة بالقوة والسيطرة
    - وهذه حال أغلب حكومات الشرعية الناقصة، فكيف تقوم؟ ومتى تكسب شرعيتها؟
    1- كيف تقوم حكومة السيطرة والقوة؟
    -إذا استولى على الإمامة شخص، وتبين أن إبعاده ستترتب عليها اضطرابا من المستحيل التغلب عليها، فإنه لا مفر من التسليم بإمامته، وهذا بناء على القاعدة الأصولية التي تقول: "إذا اجتمع ضرران وتوجب ارتكاب أحدهما فليرتكب أخفهما"، وهذا هو أساس الاعتراف بالشرعية الواقعية للأمويين والعباسيين في الماضي. فالقاعدة أن العالم الإسلامي لا يجوز أن يستسلم لحكم المتغلب بالقوة إلا إذا لم يستطع أن يفعل أي شيء آخر، لأنه في هذه الحالة تتوفر شروط حالة الضرورة، أما إذا كان هناك أمل في أن ينتصر الحق على القوة فيجب الانتصار لهذا الأمل، لأن الأصل هو الدفاع عن الخلافة الصحيحة، وهذا المبدأ هو الذي دفع بالحسين بن علي بن أبي طالب وبعبد الله بن الزبير إلى الثورة على الأمويين.
    قال السنهوري: "إن الثورة على الخلافة الفاسدة جائزة بل واجبة إذا توفر شرطان: أولهما أن يعتقد القائمون بها أن لديهم أسبابا جدية تمكنهم من النجاح، وثانيهما: أن يكون الغرض الحقيقي هو إقامة نظام الخلافة الصحيحة، أما إذا كان الهدف فرض حكم فاسد .. فإن الإسلام لا مصلحة له في أن يحل غاصب مستبد محل آخر مثله" ، "إن هذا المبدأ هو الذي يبرر تنازل الحسن بن علي الابن الأكبر لعلي بن أبي طالب لصالح معاوية، عندما أدرك أن معاوية يتمتع بقوة غاشمة لا يمكنه التغلب عليها".
    -إذا كانت السيطرة بالقوة هو أساس الإمامة الفاسدة، فإنه لا يشترط أن تستعمل السلطة القوة فعلا، بل يكفي أنها موجودة، وأنه يمكن استعمالها ضد المعارضين.
    -لكي تكتسب الحكومة الناقصة صفة شرعية واقعية، يشترط أن يستعمل الحاكم القوة لتثبيت النظام والأمن، وهي تفقد شرعيتها إذا لم يكن العالم الإسلامي أو الإقليم الذي يسيطر عليه حاكم متغلب قد حصل للأمة هذه المنفعة الواقعية التي على أساسها اكتسب صفة الشرعية، وإلا لما أمكن القول إن العالم الإسلامي يخضع لهذا النظام اختيارا لأخف الضررين. فالوقت التي تصير فيه "الإمامة الناقصة" شرعية بحكم الواقع هي اللحظة التي يتمتع فيها العالم الإسلامي بالأمن وثبات النظام والاستقرار.
    2- متى يعترف للإمامة الفاسدة بالشرعية؟
    -إن الإمامة المفروضة بالقوة –وإن كانت فاسدة ابتداء- فإنه يجوز للأفراد اعتبارها قانونية بحكم الواقع حين تجمع عنصرين، عنصرا واقعيا وعنصرا قانونيا:
    -العنصر الواقعي
    هو فرض السيطرة الفعلية على إقليم الدولة التي يعلن نفسه حاكما عليها، أما قبل هذه السيطرة الفعلية فلا يكتسب الحاكم المسيطر شرعيته الواقعية، لأن حالة الضرورة التي هي أساس هذا النظام لم تتوفر ولا تنتج آثارها.
    -قبل هذه السيطرة الفعلية يكون الحاكم المتغلب مجرد متمرد على الإمام الصحيح إذا وجد، وعلى الإمام الصحيح أن يحاربه لكي يخضعه لولايته وعلى المسلمين أن يعاونوا الإمام الصحيح في هذا الهدف، [بما في ذلك الذين انضموا إلى المتمرد]، وأكثر من ذلك، لا يفقد الإمام الصحيح صفته الشرعية لمجرد حدوث التمرد، طالما أنه لم ييأس من إخضاع المتمرد العاصي إلى طاعته. ولذلك فإن علي –وهو رابع الخلفاء الراشدين- لم يفقد صفته كخليفة للمسلمين جميعا حتى وفاته، لأنه لم يتخل عن حقه في إخضاع معاوية.
    -أما إذا توقف الإمام الصحيح عن مقاومة المتمرد أو إذا اعترف بسلطته على الإقليم الذي يسيطر عليه فإن هذا الأخير يصبح حاكما، وسلطته يجوز اعتبارها سلطة شرعية بحكم الواقع على هذا الإقليم فقط.
    -العنصر القانوني: البيعة
    وتكون البيعة هنا بيعة ولاء وإكراه لا بيعة اختيار، ولا يشترط فيها أغلبية الناخبين وسائر شروط البيعة الصحيحة. والغرض من هذه البيعة وإن كانت شكلية فقط هو التعهد من جانب الحكام المتغلب بالتزام الأحكام الشرعية واحترام رسوم الإسلام.
    -تبقى لحكومة السيطرة والقوة الفعلية شرعيتها الواقعية طالما دامت حالة الضرورة فقط، وعند انتهاء هذه الحالة يجب أن تنتهي الحكومة الناقصة لتقوم الحكومة الكاملة. ومن الناحية النظرية لا يوجد مانع من أن تتحول الحكومة الناقصة إلى إمامة كاملة الشرعية، إذا توفرت الشروط اللازمة للصحة، وإذا قبلتها الأمة بكل حريتها، ولهذا السبب فإن عمر بن عبد العزيز يعتبر في نظر كثير من الفقهاء قد تحول إلى خليفة صحيح، لأنه توفرت فيه فعلا كل شروط الأهلية المقرر للخلافة، ولم يخرج في حكمه عن أحكام الشريعة.
    2- الحكومة الاضطرارية
    قد تجتمع ظروف تفرض قيام حكومة اضطرارية، لا تعود إلى مسئولية السلطة السياسية، بل إما إلى افتقاد بعض شروط الولاية ابتداء أو استمرارا، وإما إلى افتقاد عناصر جوهرية في نظام الحكم، في ابتدائه أو استمراره، فهذه أربع حالات.
    *حالات قيام الحكومة الاضطرارية
    -الحالة الأولى: ولاية من لم تتوفر فيه جميع شروط الأهلية للولاية العامة
    قد تفقد بعض شروط الإمامة الصحيحة في جميع المترشحين للإمامة العظمى، لكن إذا لم يكن فيهم من هو مستكمل للشروط، كشرط العلم، فإن هذه حالة اضطرار إلى قبول الأمة باختيار من لم تتوفر فيه كل الشروط. وفي هذه الحالة تكون الإمامة ناقصة واضطرارية، ولكنها شرعية. لكن الإمام الذي يفتقد بعض هذه الشروط في هذه الحالة يستعين بالأشخاص الذين تتوفر لديهم الشروط التي تنقصه للقيام بالمهام التي تتطلب وجود هذه الشروط. قال السنهوري: "لقد كانت خلافة السلاطين العثمانيين خلافة ناقصة دون شك، حتى مع استبعاد فكرة القوة والسيطرة، ولكن المسلمين عامة قد اعترفوا بولايتهم طائعين في بعض الأحيان، لأنه لم يكن في الإمكان وجود آخرين تتوفر لديهم شروط أفضل منهم لتولي هذه المهمة الكبرى" .
    -الحالة الثانية: إبقاء ولاية الخليفة رغم فقد بعض شروط الأهلية اللازمة.
    "الأصل في هذه الحالة أن الحاكم عندما يفقد أحد شروط الأهلية أثناء ولايته يجب أن تسقط عنه الولاية، ولكن العالم الإسلامي قد يجد نفسه في حالة ضرورة للإبقاء عليه، لعدم توفر مرشح آخر توفرت له الشروط اللازمة للولاية، عند ذلك تبقى ولاية الحاكم الذي سقطت عنه صفة الولاية الصحيحة، ولكن ولايته تكون شرعية فقط باعتبارها ولاية ناقصة" .
    وهذه الحالة الثانية تفترض أن ولاية الإمام انعقدت بطريق صحيح، ثم طرأ عليها النقص بافتقاد بعض الشروط التي يتصور افتقادها، كشرط العدالة، ويشترط في هذه الحالة ألا يتعدى افتقاد شرط العدالة مثلا إلى الجور، وإلا سرت عليه أحكام الإمامة الفاسدة.
    -الحالة الثالثة: تنصيب إمام في حكومة لا تتوفر فيها العناصر الأساسية للخلافة.
    وهذه العناصر -كما سبق- هي وحدة العالم الإسلامي، وتطبيق الأحكام الشرعية، وممارسة الاختصاصات الدينية والسياسية. وقد قبل العالم الإسلامي ولمدة قرون طويلة وجود حكومات لم تتوفر فيها هذه الشروط كاملة، بل مرت فترات لم يتوفر فيها أي منها، [مثل الخلفاء العباسيين بمصر في عهد المماليك، بعد سقوط بغداد]، قال السنهوري: "إن المبرر الوحيد لقبول شرعية الخلافة في هذا الفرض هو وفاء الأمة بالالتزام بوجود نظام الخلافة حتى ولو كانت ناقصة، وذلك في انتظار توافر الظروف التي تمكنها من توفير هذه العناصر بصورة أحسن، بدلا من الإقدام على إلغاء نظام الخلافة أوقبول زواله" .
    -وحدة العالم الإسلامي، لا يصير أي نظام في العالم الإسلامي كاملا إلا بالسعي لتحقيق وحدة العالم الإسلامي في إطار سياسي موحد، وإذا كانت الخلافة في التاريخ الإسلامي اتخذت شكل نظام حكم مركزي، فإنه يمكن في العصر الحاضر الاستفادة من صيغ الاندماج والاتحاد الواقع في أكثر من نظام سياسي لتحقيق صيغة متطورة من الخلافة، بحيث لا تلغي خصوصيات الدول القطرية وتحقق الحدود الدنيا من وحدة المسلمين السياسية.
    -تطبيق الشريعة، قال السنهوري: "إن العنصر الأساسي الثاني لعمل الخلافة الصحيحة هو التطبيق الفعلي الكامل لمبادئ الفقه الإسلامي، وهذا العنصر قد يكون غير ممكن التحقيق قي عصرنا بسبب تعطيل الشريعة الذي أدى إلى ركود الفقه، الذي أصاب الفقه منذ فترة طويلة، فلا بد إذن من حركة علمية ونهضة فقهية ترد للتشريع الإسلامي مكانته بين النظم القانونية الحية الكبرى في عصرنا، وقد يجد الحاكم [الإمام] نفسه في حاجة إلى أن يلجأ إلى النظم السياسية وإلى تشريعات مقتبسة من القوانين الأجنبية، ولا يكون ذلك إلا بشرط ألا يكون فيها ما يخالف المبادئ الأساسية للفقه الإسلامي، إن هذا الاضطرار المؤقت الذي تفرضه ظروف العصر لا يجعل نظام الحكومة غير شرعي، ولكنه قطعا يجعلها تدخل ضمن نطاق نظام الخلافة غير الراشدة والحكومات الناقصة، وواجب المجتهدين والعلماء هو معاونة الحكومة لإزالة هذا النقص، لكي يصبح النظام صحيحا، وذبك بأن يقوموا ببذل الجهود العلمية اللازمة ليسترد الفقه الإسلامي حيويته وقابليته لسد حاجات المجتمع التي توفرت له من قبل في جميع العصور السابقة" .
    -الاختصاصات الدينية والسياسية. إن تخلي النظام عن اختصاصاته الدينية يدخله في إطار نظام الإمامة الناقصة، وقد حدث في التاريخ أن اقتصر "الخليفة" على الاختصاصات الدينية دون السياسية، كالخلفاء العباسيين في القاهرة [ق 10 هـ] والخليفة العثماني [السلطان عبد المجيد]، وقد يتخلى الحاكم عن الاختصاصات الدينية، كما في بعض الأنظمة التي تنص على العلمانية.. ويبقى أن الإمام يجب أن يضطلع بمهامه السياسية والدينية معا للأمة الإسلامية أو لمن يقع تحت دائرة نفوذه..
    -الحالة الرابعة: الإبقاء على إمام افتقدت في نظام حكمه بعض العناصر الأساسية
    قد تنعقد الإمامة مستوفية عناصرها وأركانها، ثم يحدث ما يجعلها ناقصة، بسبب انخرام عنصر أثناء ولاية الإمام، مثل انفصال إقليم وتمرده على الخلافة، بحيث يقيم كيانا سياسيا مستقلا، وفي هذه الحالة ينخرم عنصر "وحدة العالم الإسلامي"، ومن السوابق المصححة لهذه الحالة إعلان المتمرد ولاءه الشكلي للخليفة القائم، وهي ما كانت تسمى "إمارة الاستيلاء" التي تعترف بسيادة الخليفة الاسمية مع بقاء سيطرة المتمرد الفعلية.
    * وجوب الخلافة الاضطرارية
    سبق أن التزام المسلمين الشرعي هو إقامة نظام الخلافة الراشدة الكاملة، لكن إذا استحال ذلك، وكانت ظروف قاهرة تمنع منه، فإنه يجب إقامة الإمامة والحفاظ عليها ولو افتقدت بعض العناصر الأساسية، ولا يكون مبررا لإلغاء النظام نفسه، "إن استحالة توافر شروط صحتها إنما تبرر تعطيل الناحية التي تشملها هذه الاستحالة، ولكنها لا تبرر تعطيل غيرها من أحكام الخلافة" . والدليل على ذلك قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم)، والفقهاء نصوا هنا على مبدأين: مبدأ ارتكاب أخف الضررين، لأن ضرر قبول إمامة من افتقدت حكومته بعض العناصر الأساسية أخف من ضرر إلغاء نظام الإمامة الشرعية جملة، والمبدأ الثاني: أن الضرورة تقدر بقدرها، فلا يتعطل من أحكام الإمامة إلا ما استحال، أي "أنه لا يجوز أن يترتب عليها من الأثر أكثر مما تستوجبه" .
    -وأما عن جدوى البحث في الحكومة الاضطرارية، قال السنهوري: "لا شك أن هناك التزاما بوجود حكومة ما –أيا كان شكلها، فإذا كان لا بد من قيام حكومة، فمن الأولى أن تكون في صورة الخلافة الناقصة بدلا من إقامة نوع آخر من الحكم يكون أكثر منها تعارضا مع النظام الشرعي وأبعد منه" .
    -ويطرح السؤال هنا أيضا: ما فائدة الحديث عن الخلافة الناقصة إذا كانت مفتقدا لجل العناصر والشروط الشرعية؟ والجواب: قال السنهوري: "نحن نرى أنه من الأفضل أن تكون لها هذه الصفة من الوجهة النظرية، لأن إعطاءها هذه الصفة بجعل هدف الأمة ومثلها الأعلى دائما هو تصحيح هذا النظام ليصبح صحيحا كاملا، فكلما أصبح من الممكن لها أن تحقق أحد عناصر النظام الشرعي سارعت إلى تحقيقه، وبذلك يتأكد اعتبار النظام مؤقتا لأنه اضطراري" .
    الفصل الثاني: سير الخلافة الناقصة وانتهاؤها
    الأصل أن الإمامة الناقصة يجب أن تسير وفق جميع أحكام الإمامة الكاملة، وذلك في حدود الإمكان، وأنها يجب أن تنتهي بإقامة الخلافة الصحيحة.
    أولا: أحكام سير الإمامة الناقصة.
    المبدأ الأساسي أنه لا يتعطل من قواعد سير الإمامة الصحيحة سوى الأحكام التي يصبح تطبيقها مستحيلا، بسبب وجود مانع لا يمكن التغلب عليه، وذلك تطبيقا لقاعدتي الضرورة: الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يتعدى بالضرورة محل الضرورة، ولا يجوز بحكم الضرورة أحكام غير ضرورية.
    1- اختصاصات الإمام
    في الإمامة الصحيحة يعين الإمام الشرعي أعوانه ونوابه ويتولى الاختصاصات في الشئون الدينية والسياسية، وله أن يستخلف من يرشح بعده للولاية، ولا يجوز له أن يتجاوز سلطاته أو أن يتعسف في استعمالها:
    أ- تعيين مندوبين مفوضين
    يرى فقهاء السياسة الشرعية أن الضرورة التي فرضت ولاية رئيس السلطة غير الصحيحة تجيز له تعيين مندوبين أو معاونين له، وبناء على ذلك، يجوز له تعيين القضاة والوزراء وولاة الأقاليم وقادة الجيوش وعمال الخراج وأئمة الصلاة.
    ب- القيام بالاختصاصات الدينية والتنفيذية
    تجيز الضرورة للإمام الناقص الشرعية أن يباشر اختصاصات الإمام الكامل الشرعية، في المجال السياسي والديني، وبذلك تكون قراراته الإدارية الصادرة في عهده –في حدود المبادئ الشرعية- صحيحة. "فعلى هذا فإن له الحق في .. القيام بجميع الشئون الإدارية التي يمكنه القيام بها" .
    -وتأخذ الأحكام والقرارات الصادرة عن الإمامة الناقصة صفة الصحة بمقدار موافقتها للأحكام الشرعية، فلذلك تبطل إذا خالفتها "مثلها في ذلك مثل القرارات الصادرة ممن يتولى الخلافة الصحيحة" ، وقد قال الرسول ص لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وقال أبو بكر: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).
    ج- الاستخلاف
    لا يجوز لمن استولى على الحكم بالغصب أن يولي عهده أحدا، لأن الاستخلاف تنعقد به الإمامة لولي العهد إذا كان ولاية المستخلف صحيحة، "وينتج عن ذلك حكم هام، هو أنه إذا انتهى نظام الحكومة الناقصة قبل وفاة المستخلف وقام نظام خلافة صحيحة فإن عقد الاستخلاف الصادر منه يسقط ويزول أثره" .
    د- الالتزام بأحكام الشريعة في ممارسة الولاية.
    إن القيود التي فرضتها الشريعة على سلطة الخليفة في النظام الصحيح تكون ملزمة من باب أولى في الخلافة الناقصة.
    وهناك فرق في الإمامة الناقصة بين حكومة القوة والسيطرة والولاية الاضطرارية، ففي هذه الأخيرة لا يفرض الإمام سلطته بالقهر والقوة، فإمامته صحيحة أو أقرب إلى الصحيحة [لأنه ليس مسئولا عن نقصان الولاية] لذلك يكون من السهل التزامه بالعمل بأحكام الشريعة. أما الإمامة المفروضة بالقوة والقهر [الفاسدة] فالوضع يختلف، "لأن السلطان الذي فرض ولايته بالقوة يستعمل هذه القوة والسيطرة لفرض قراراته وتصرفاته التي قد تكون مخالفة لأحكام الشريعة ومتجاوزة للحدود والقيود المقررة في الخلافة الصحيحة، وبذلك يصبح التزامه بالشريعة مجرد مبدإ نظري غير نافذ فعلا في كثير من الأحوال، [لكنه التزام موجود على كل حال وهو مسئول عنه أمام الله]" .
    "ورغم ذلك فإنه لا بد من تأكيد هذا المبدإ النظري من وجهة النظر القانونية، وينتج عن ذلك أن القرارات المخالفة للشريعة التي يفرضها هذا الحاكم تعتبر باطلة في نظر الشريعة الإسلامي [رغم أننا قلنا إن حكومته تكون شرعية في الواقع بحكم الضرورة]، وهذا المبدأ مستفاد من عدة أحاديث نبوية" .
    لكن بما أن هذا السلطان يفرض قراراته الباطلة كما فرض ولايته أولا، فإن هذا يجعل المسلمين أمام حالة الضرورة التي تبيح لههم ارتكاب أخف الضررين، "فإن وجدوا ضرر المقاومة أكبر من الضرر الناتج عن تنفيذ القرار الباطل فإنه يجوز لهم تنفيذه" .
    لكن هناك تحفظان جوهريان: أولهما: أن تنفيذ القرار الباطل شرعا أو الخضوع له لا يجعله صحيحا، بل يبقى باطلا، ولا تأثير لطول الزمن في ذلك، لهذا وبمجرد زوال حالة الضرورة يجب إزالة أثر هذا القرار والعودة إلى الوضع الصحيح شرعا. "وقد فعل ذلك الخليفة عمر بن عبد العزيز حينما صحح الوضع بإزالة المظالم التي ارتكبها الأمويون" . ثانيهما: يلتزم المسلمون بالمبادئ التي قررها الرسول ص في الحديث: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
    ولهذه القاعدة نتائج هامة، فلا يجوز للمسلمين أفرادا وجماعات أن يساعدوا على تنفيذ القرارات الباطلة الصادرة من السلطان الجائر، طالما لم يكونوا مضطرين لذلك اضطرارا، "أما إذا وجد المسلمون أن عدم طاعة القرارات أو عدم تنفيذها لا يترتب عليه إضرار أكبر من الضرر الذي تسببه، فإن واجبهم الشرعي هو رفض تلك القرارات ومنع تنفيذها" .
    2- واجبات الأمة
    تلتزم الأمة في الإمامة الناقصة بطاعة الإمام كما في الإمامة الكاملة مع مراعاة التحفظات الآتية:
    أ- فيما يخص الالتزام بالطاعة
    تكون الطاعة واجبة وجوبا حتميا للإمام في الإمامة الاضطرارية، أما الإمامة الفاسدة فيراعى ما سبق من التحفظات في الفقرة السابقة.
    ب- الالتزام بالمساعدة والنصرة
    بالنسبة للإمامة الاضطرارية، يجب على الأمة الالتزام بمساعدة الإمام في قراراته، ويكون الخروج عليه تمردا غير شرعي، كما هو الحال في الخليفة في النظام الصحيح. أما في الحكومة الفاسدة المفروضة بالقوة، فلا يجب على المسلمين مساعدة الحاكم الذي فرض ولايته، وإذا قام عليه ثائر ما فلا تلتزم الأمة بنصرته عليه، قال الإمام مالك: (اتركهما ينتقم الله من ظالم بظالم).
    3- خصائص الخلافة
    إن أهم عنصر من عناصر الإمامة الإسلامية الصحيحة يواجه في هذا العصر صعوبات جمة هو "وحدة العالم الإسلامي".
    لقد وجدت في التاريخ الإسلامي عدة فترات تعددت فيها الدول، وقد حصل أحيانا تنازع الشرعية بينها،كما وقع في القرن الرابع حين تنازعت الخلافة ثلاث دول في وقت واحد: العباسيون في المشرق والفاطميون في مصر وتونس، والأمويون في الأندلس.
    * أهم القواعد اللازم مراعاتها في حالة تعدد الدول الإسلامية
    والملاحظ أن فقهاء السياسة الشرعية لم يضعوا قواعد للقانون الدولي ولا أحكاما فقهية لتنظيم العلاقة بين هذه الدول رغم وجودها، ولعل ذلك راجع إلى عدم اعترافهم بتعدد الخلفاء، وتمسكهم منذ القديم بوحدة العالم الإسلامي ووحدة الخلافة التي تحكمه.
    ومن أهم القواعد اللازم مراعاتها في حالة تعدد الدول الإسلامية، وتنازع المشروعية الدينية فيما بين بعضها ما يلي: أ- أن الأقاليم الخاضعة لهذه الدول كلها تعتبر جزءا من "دار الإسلام"،فينتج عن ذلك أن الحرب غير جائزة بين هذه الدول. قال السنهوري: "ويمكن القول بجوازها في حالة واحدة هي أن يكون الغرض منها توحيد العالم الإسلامي، ولكن يشترط في هذه الحالة: أولا أن يكون ذلك موافقا لرغبة سكان القطر الذي يحكمه من يدعو للوحدة ويقاتل لإتمامها، ثانيا: يشترط كذلك أن تكون هذه الوحدة وسيلة لإقامة خلافة صحيحة، هناك شرط ثالث: هو أن لا يلجأ للحرب إلا بعد استنفاذ الطرق السلمية، فإذا كان من الممكن إيجاد نوع من الاتحاد الاختياري بالطرق السلمية عن طريق تنمية العلاقات السلمية والتعاون والتضامن بين تلك الدول، وإن لم يؤد ذلك إلى إنشاء دولة موحدة، فإن هذا الطريق السلمي هو الذي يجب أن يتبع" .
    في غير هذه الحالة، وإذا كانت الوحدة الإسلامية بعيدة المنال تجب العلاقات الودية بين الدول الإسلامية، فإذا نشب الخلاف فإن التحكيم يكون واجبا، لقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا) ويستدل على هذا أيضا بأن سيدنا علي ض قبل التحكيم رغم أن خصمه معاوية كان ثائرا متمردا، ولم تكن له صفة شرعية، فما دام الإسلام يحرم القتال بين المسلمين فلا يبقى أمامهم طريق شرعي لحل الخلاف سوى التفاهم المباشر بين الطرفين المختلفين أو الوساطة بينهما وإلا كان التحكيم واجبا وحتميا.
    -إن التعاون والتضامن بين المسلمين مفروض بينهم بنص الحديث: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)، وذلك في حالة تعدد الدول يجب في حالتي الحرب والسلم.
    ففي حالة السلم يكون مجال التعاون هو النواحي الاقتصادية والثقافية ، أما في حالة الحرب فيجب تقديم المساعدة للدولة التي يقع عليها العدوان الأجنبي، ويمكن للدول الإسلامية "أن تعقد بينها معاهدات بشأن التعاون العسكري والتعاون السلمي لتحديد نطاقه ووسائله" ، ويمكن أن تصل هذه المعاهدات إلى إيجاد تعاون منظم يضع الأساس لاتحاد بين هذه الدول، ما قد يكون الخطوة لإقامة نظام خلافة صحيحة، وخاصة إذا كانت المعاهدات جماعية.
    وتوجب مبادئ الإسلام على المسلمين منع الدولة المسلمة بدء حرب هجومية غير مشروعة، فتكون المساعدة الواجبة هنا هي منع الاعتداء، لقوله ص: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: كيف ننصره ظالما يا رسول الله، قال تمنعه من الظلم)، ولذلك إذا هاجمت دولة إسلامية دولة أخرى بدون مبرر صحيح فإن واجب جميع الدول الإسلامية الأخرى إلزامها بوقف الحرب غير المشروعة. "وإذا كانت الدولة المعتدى عليها مسلمة فإنه يقع على عاتقهم واجب آخر هو المسارعة إلى مساعدة البلد المعتدى عليه ضد الدولة المعتدية، وإلزام الأخيرة بوقف العدوان" .
    ثانيا: انتهاء الإمامة الناقصة
    تنتهي الإمامة الناقصة بالتزام الأمة بتنفيذ أحكام الإمامة الكاملة، وتنتهي الإمامة الناقصة بسقوط أسبابها التي أوجدتها، وذلك يختلف بين حكومة القوة والسيطرة وبين الحكومة الاضطرارية
    1-حكومة السيطرة والقوة
    ينتهي هذا النظام بمجرد أن يفقد المسيطرون قوتهم التي اعتمدوا عليها في فرض سلطانهم، وعندما يفقد الإمام الجور القوة التي يعتمد عليها فإن ولايته تسقط شرعا، والأصل أن السقوط يقع بحكم القانون تلقائيا، ولكن من الناحية العملية لا بد من إعلان رسمي بذلك.
    ونتيجة لذلك فإن حكومة الإمام الصحيح –إن وجد- تعود للسلطة، ويمكن افتراض أن الحاكم المغتصب نفسه إذا كان مؤهلا للخلافة الصحيحة وبايعه الناس باختيارهم تصبح حكومته صحيحة، ويذكر مثال ذلك عمر بن عبد العزيز في نظر كثير من الفقهاء، "ولكننا إذا أخذنا بهذا الرأي فيجب أن يشترط لذلك حدوث بيعة جديدة حرة تزيل أثر الاستخلاف الباطل، وذلك بتطهير مركزه من العيب الذي شاب خلافته من قبل، فلا يقع التحول بحم القانون تلقائيا" .
    2-الحكومات الاضطرارية.
    يقوم هذا النظام في حالات الضرورة، فإذا زالت الضرورة التي استلزمته فإنه يجب زواله وإقامة نظام الخلافة الصحيحة، فإذا كان الحكام الذي انتهت ولايته هو الذي تولى الخلافة الصحيحة لأهليته وحصوله على البيعة الحرة، فإن التحول يمكن أن يتم تلقائيا بحكم القانون، وبذلك تصبح ولايته صحيحة بمجرد توفر شروط الأهلية لدية، وتحقق العناصر المميزة للخلافة الصحيحة في حكومته، أما إذا تمت البيعة لشخص آخر فإن حكومة الاضطرار يجب أن تنتهي بقرار رسمي بعزل من تولاه .


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    8
    Post Thanks / Like

    حصري القسم الثالث: الوقائع السياسية في التاريخ الإسلامي

    القسم الثالث: الوقائع السياسية في التاريخ الإسلامي
    الباب الأول: عهد الخلافة الراشدة
    *هل عين الرسول ص بعده خليفة أو طريقة توقيفية معينة لتداول السلطة؟
    بعد وفاة الرسول ص كانت جملة من أركان النظام السياسي الإسلامي قد توطدت، وبقيت فراغات تشريعية متعلقة بالأشكال وكيفية اختيار الإمام، فتركت للاجتهاد وكانت أهم نقطة أحدثت خلافا.
    حين اشتد بالنبي ص مرض الموت استخلف أبا بكر الصديق ليؤم بالناس ، وهذا ما اتخذه البعض أصلا في القياس، فقال: "رضيه النبي ص لديننا أفلا نرضاه لدنيانا". وهناك رواية أخرى تقول: إن الرسول ص هم أن يكتب كتابا يعين فيه ما يدرأ الخلاف بين المسلمين بعد وفاته، لكن الصحابة لاحظوا أن حالته الصحية لا تسمح. وهناك رواية أخرى أن العباس طلب من علي بن أبي طالب أن يذهب إلى الرسول ص في مرضه ليطلب منه ترشيحه للخلافة بعده، لكن عليا رفض. وهناك حديث آخر يقول: إن النبي ص في آخر حياته كان يوصي المهاجرين بالأنصار خيرا، مما جعل البعض يستنتج أن الخلافة ستكون في المهاجرين .
    وكل ما ورد في هذه قرائن وإشارات لا تتضمن نصا صريحا على تولية رجل معين بعد وفاة الرسول.
    لذلك يبطل قول الشيعة بأن النبي نص بالوصية بالخلافة لعلي ض كما يبطل قول بعض الظاهرية إنه نص صراحة بالخلافة لأبي بكر .
    ورأي الجمهور أن الرسول ص ترك الأمر شورى بين المسلمين، وإن قيدهم بوجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، ولم يعين الإمام الذي سيخلفه في السلطة.
    مشكلتان بعد وفاة الرسول: هل لا بد من إقامة الحكومة؟ ومن هو المرشح لها؟
    أما السؤال الأول فكان الجواب عليه بالإجماع، بحيث لم يجادل أحد من الصحابة في وجوب إقامة الحكومة، وهذا أقوى إجماع حصل في الفقه السياسي على الإطلاق.
    أما السؤال الثاني فقد أوضح أبو بكر أن الأمر يحتاج إلى شخص قادر على أن يحل محل النبي ص في رئاسة الدولة، وهو الخليفة، هذا الخليفة الذي أجمعوا على ضرورته، هو غير النبي وسلطته الروحية والدينية هي غير سلطة النبي ص، ولهذا فإن أبا بكر لما تولى الخلافة أخبر الناس أنه غير مؤيد بالوحي ، وأن نطاق سلطته هو ولاية أمر المسلمين.
    ومن العوامل المؤكدة لوجوب نصب إمام في ذلك الوقت وجود مشاكل تهدد وحدة الأمة ووجودها، وسبب ذلك أن عددا من القبائل العربية التي كانت منضوية تحت سلطة حكومة النبي ص دخلت الإسلام حديثا أوخوفا من قوة المسلمين، فوجدت في وفاته فرصة للارتداد عن الإسلام، كما رفضت قبائل أخرى إعطاء فريضة الزكاة، وظهر متنبئون .
    اختيار الخليفة
    عقد بعد وفاة الرسول ص اجتماع بين أهل الحل والعقد من الصحابة، سمي اجتماع السقيفة، في هذا الاجتماع ترشح بعض الصحابة للخلافة من موقع العصبية القبلية أو الأسرية، لكن الأمر حسم لما تقدم أبو عبيدة بن الجراح وعمر بترشيح أبي بكر وبيعته فانتهى الأمر ببيعة كل الصحابة لأبي بكر.
    واجه أبو بكر الصعوبات وأخمد الفتن وأعاد للأمة وحدتها وللدولة هيبتها.
    *سير الحكومة في عهد الخلفاء الراشدين
    قدم عهد الصحابة السوابق التاريخية لأشكال الحكم الإسلامي، ولفقه الخلافة الصحيحة، وأسس للشورى والاستشارة .
    -أشكال تداول السلطة في عهد الراشدين
    اتخذ اختيار الخليفة ثلاثة أشكال: أولها: الانتخاب المباشر، بالنسبة لأبي بكر وعلي، والثاني: الاستخلاف، أي ترشيح الخليفة لمن يقوم بالأمر بعده، على أساس أن يتم اختياره بالبيعة الجماعية من قبل أهل الحل والعقد، وبه حصلت ولاية عمر، حيث استخلفه أبو بكر قبل وفاته، وثالثها: عهد الخليفة لمجموعة من الأشخاص، يختارون من بينهم واحدا [عين عمر مجلسا من ستة أشخاص يختار أعضاؤه الإمام من بينهم، فكان المختار منهم هو عثمان].
    - الشورى
    أسس الراشدون قواعد الحكم على أساس الشورى، فكان لهم بطانة للتشاور العلني في مسائل الحكم، وقرروا مبدأ محاسبة الأمة للسلطة ، قال توفيق الشاوي: "لقد كانت أهم ظاهرة ميزت الشورى في عهد الراشدين هي تمتع الصحابة بقدر كبير من حرية المناقشة والحوار والمعارضة، بصورة لم تكن موجودة في عهد النبوة، لما كان يتمتع به الرسول ص من صفة دينية لم يتمتع بها الخلفاء الراشدون، مما جعل أصواب المعارضة عالية في عهد الخلفاء الراشدين، وكان الحوار بين الصحابة يجري بصورة علنية فيها أكبر قدر من الحرية والجرأة تزيد كثيرا عما كان في عهد الرسول ص " .
    -علاقة الخلفاء بالمال العام
    كانوا يعتبرون أنفسهم أمناء على المال العام، ومسئولين عن كل خطإ وانحراف عن العدل، [وخاصة في عهد أبي بكر وعمر]، وهذا ما يفسر مراقبتهم المستمرة للعمال ومسؤولي الأقاليم الإسلامية وتغييرهم إذا اقتضى الحال، وعدم تطويل مدد ولاياتهم. -وكانوا بلتزمون بالأحكام الشرعية والعدالة، وكانوا قضاة كما كانوا ساسة. -حافظوا على مبدإ الجمع بين الإمامة الدينية والرئاسة السياسية. -واجتهدوا في المستجدات التي حدثت في عهدهم، "وخاصة عمر، الذي استنبط الأحكام اللازمة لمواجهة نتائج الفتوحات، وخاصة في نطاق القانون العام المتعلق بالأراضي والمياه والخراج والإمامة والجهاد" .
    -الحفاظ على وحدة العالم الإسلامي .
    "كان أبو بكر من المدافعين عن وحدة الأمة الإسلامية ، بل ووحدة الدولة، وأقره المسلمون جميعا حينما دعاهم لمقاتلة المرتدين ومانعي الزكاة الذين كانوا يهددون هذه الوحدة.
    وكانت دولة الخلافة في عهدهم تخضع لحكومة مركزية موحدة، وكانت الأقطار التي فتحت في عهدهم تسمى الأمصار، أقاليم تابعة يعين الخليفة من يتولون أمورها، ومع هذه الوحدة السياسية كانت الدولة الإسلامية تضم أجناسا متعددة بل وأديانا مختلفة، وقد ساس الخلفاء الراشدون تلك الدولة بمنتهى العدل والمرونة، وكان غير المسلمين يتمتعون بأمن وعدل وحرية لم يكونوا يحظون بها من الحكومات السابقة على الإسلام ، حتى إن سكان تلك الأقاليم كانوا يرحبون بالفتح العربي والحكم الإسلامي الذي حررهم من الطغيان في ظل الإمبراطوريات الرومانية والفارسية" .
    وكان من نتائج هذه المرحلة شيوع العدل والنصيحة، والشفافية في التسيير، وعموم العدالة الاجتماعية وقوة الدولة وارتفاع هيبتها بين الأمم وكثرة الانتصارات الحربية.
    *التحول
    حدث تحول في تاريخ الإسلام السياسي، نجم عنه تحول الخلافة إلى طور الشرعية الناقصة، ويمكن تأريخ بداية التحول بمقتل عثمان على يد الخوارج، وبعده بمنازعة معاوية لعلي ومحاربته له طمعا في السلطة، تحت ذريعة الثأر لمقتل عثمان، ثم ما تلا ذلك من ثورات مسلحة أفضت بالتاريخ الإسلامي إلى مرحلة الشرعية الناقصة.
    ولتفسير ظاهرة الخروج المسلح من طرف الخوارج والأمويين، لا بد من الرجوع إلى عهد الرسول ص ، إذ ترك الرسول من كبار صحابته حوالي عشرة آلاف إنسان، ولكن القاعد العريضة من الناس كانت من عامة من أسلم في آخر الإسلام خوفا من صولة المسلمين وانسياقا مع انتصار الإسلام، بحيث كان ضمن من أسلم عدد واسع من ذوي الامتيازات والمناصب القبلية الذين حرمهم الدين الجديد من تلك الامتيازات، وكان منهم عرب ويهود ثم بعد ذلك مجوس.
    أما المجوس فهم الذين قتلوا عمر بن الخطاب [قتله أبو لؤلؤة المجوسي]، ولكن مقتله لم يؤثر في قوة الدولة، إذ سرعان ما اجتمع المسلمون واختاروا عثمان لخلافته، ولم تحدث فتنة.
    وأما العرب فقد سبق أنه بعد وفاة الرسول ص أعلنوا الخروج عن الدولة الإسلامية والارتداد عن الدين الإسلامي، وقد انقسموا على ثلاثة أقسام: فقسم من القبائل العربية ارتدوا إلى عبادة الأصنام، وقسم وافقوا على البقاء مسلمين لكن بشرط عدم دون أداء فريضة الزكاة، وقسم ظهر فيهم أنبياء جدد [متنبئون] منهم مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي.
    كانت حملة الارتداد الجماعي الذي وقع بعد وفاة الرسول تعبيرا عن حركة من السخط على ضياع امتيازات مادية ومعنوية وقبلية كثيرة لعدد من الزعماء العرب.
    ولا ننسى دور اليهود الذي كانوا سادة الاقتصاد العربي ومرجع العلم الديني قبل الإسلام، ودمر النبي كيانهم عقابا على حربهم الخطيرة له ومحاولات اغتياله وتأليب العرب ضده.
    وقد برز أول دور مكشوف لليهود في مقتل عثمان، إذ لما ولى عثمان بعض أهل بيته في بعض الأقاليم، وشكى الناس عسفهم وظلمهم، سرعان ما تحول الاحتجاج على هؤلاء الولاة إلى تكفير عثمان والقصد إلى قتله، من طرف عدد من القبائل العربية بتسيير من بعض زعماء اليهود منهم رئيس لهم يقال له عبد الله بن سبإ. حيث تم تسيير ثلاث مسيرات للهجوم على عثمان بالمدينة: واحدة من الحجاز والأخرى من مصر والثالثة من الشام، في وقت كانت المدينة خالية من الصحابة والجند الذين كانوا في حالة جهاد وفتوح خارج الجزيرة العربية.
    رفض عثمان توقيف الفتوح الإسلامية في بلاد السند وغيرها من أجل رد الهاجمين عليه في داره، بل رفض حماية من حضر الصحابة له وقتالهم للمهاجمين، وانتهى الأمر بمقتله بعد مجادلته إياهم.
    بمجرد مقتل عثمان، بايع المسلمون سيدنا عليا، وإذا بجماعة من عصبية عثمان [الأمويون] برئاسة معاوية بن أبي سفيان، يلحون على جعل الثأر من قتلة عثمان أول برنامج عمل للحكم الجديد.
    ولم يكن الأمر ممكنا من الناحية العملية، لأن الذين قتلوا عثمان ممثلون لقبائل بالغة القوة والعدد، فكان لزاما استقرار الأحوال وترتيب البيت الداخلي لبداية معاقبة الجناة.
    لكن إصرار معاوية ومعه العصبية الأموية على هذا أفضى إلى المواجهة العسكرية ضد الخلافة [علي]، ولكن بعد واقعة "صفين" وواقعة "الجمل" فضل علي توقيف العمل العسكري ضدهم -بالرغم من انتصاره عليهم- وفضل الصلح وحقن الدماء وترك أمرهم.
    إلا أن هذا الصلح قد أغضب جماعة كبيرة من المسلمين الجدد، ممن تغلب عليهم البداوة والعصبية مع بُعدهم من العلم والفقه، [الخوارج] فاعتبروا هذا الصلح كفرا من علي، لأنه صالح كفارا [معاوية]، ورتبوا على هذا التكفير محاولة قتلهم جميعا، وهكذا قتل الخوارج عليا سنة 40هـ.
    بوفاة علي بايع الناس ابنه الحسن، ولكن الحسن أحس بأن استمرار الانقسام والمواجهة الداخلية بين المسلمين سيفضي إلى تشتيت الجماعة، فقرر تسليم الحكم لمعاوية بالرغم من معرفته بعدم مشروعيته، فبايعه سنة 41هـ، وسمى الناس هذا العام ب"عام الجماعة".
    وتعتبر هذه البيعة أول سابقة فقهية أدخلت الفقه السياسي في مواجهة قضايا طور الشرعية الناقصة، إذ لأول مرة يستند الحكم إلى العصبية لا إلى القواعد الشرعية، كما تعد هذه أول بيعة غير شرعية [لأنها ولاية تغلب] تعطى لها صفة الولاية الشرعية.
    استقر الأمر لمعاوية، وأخذ يوطد الحكم لابنه يزيد، وللبيت الأموي، لكن الموقف الفقهي العام بقي رافضا لهذا التحول، فبقي عدد واسع من الفقهاء والصحابة متمسكين بعدم مشروعية هذا الحكم، مما أدى إلى عدة ثورات وخروجات، أهمها: ثورة أهل المدينة وثورة ابن الزبير بمكة، وثورة الحسين الذي قتل بكربلاء.
    إلا أن أهم واقعة أثرت على الاجتهاد الفقهي في هذا المجال، هي ثورة الفقهاء [ثورة ابن الأشعث]، (سنة 95هـ) والتي شارك فيها عدد واسع من الناس علاوة على خمسمائة فقيه، لكن الحجاج بن يوسف أخمد هذه الثورة وقتل من الفقهاء عددا ممن شارك فيها [لذلك سمي الحجاج بمبيد العلماء والفضلاء].
    إن فشل هذه الثورة يعد مفصليا في الموقف الفقهي من الخروج [أي الرفض المسلح للسلطة الجائرة]، إذ اكتشف الفقهاء أنهم يواجهون دولة ذات منطق جديد وقواعد في الحكم جديدة تختلف كلية عن العهد الراشدي، إنهم أمام دولة قوية لها قاعدة عريضة من العسكر والتنظيم الإداري والعصبية القبلية، مما يعني أن الخروج المسلح بطريقة شعبية أو عفوية لا مجال له.
    من هنا تغير شيئا فشيئا الموقف الفقهي المتعلق بالخروج المسلح، وأصبح عامة الفقهاء لا يرون الثورة المسلحة على الحكم القائم وإن ضعفت شرعيته [مثل الحكم الأموي].
    ومن هذا التاريخ وجد الفقه السياسي نفسه يتعامل مع مرحلة جديدة في التاريخ السياسي للمسلمين هو طور الشرعية الناقصة بكل ما حملته من تناقضات وتحديات فقهية تطلبت اجتهادات فقهية كبيرة.
    الباب الثاني: طور الشرعية الناقصة
    واكب الفقه السياسي مرحلة طويلة من التاريخ السياسي للمسلمين ساد فيها الاستبداد والخروج عن قواعد العدل والابتعاد عن أحكام الشريعة في ممارسة الحكم وتداول السلطة، فسميت بطور الشرعية الناقصة.
    وقد ساير الفقه السياسي هذه المرحلة بكل ما حملته من تحديات للمنطق الفقهي ومن خرق للقواعد الشرعية في مجال الحكم، ومن استبداد وجور وانقسامات سياسية.
    ويمكن تلخيص جوهر التحول الذي فرق طور الشرعية الكاملة عن طور الشرعية الناقصة في انتقال الحكم من الاعتماد على الأسس الشرعية إلى الاعتماد على "العصبية".
    فتارة كانت العصبية أسرية [مثل الأمويين – العباسيين – العثمانيين]، وتارة كانت العصبية عسكرية [الحجاب وقادة العسكر الذين سيطروا على الخلفاء العاسيين]، وتارة تكون عصبية الدولة، حيث تكون مصلحة "السلطة" أو "الدولة" وامتيازها هو الذي ينشئ العصبية التي تحافظ عليها [الدول المستقلة عن الخلافة كالبويهيين والسامانيين والأغالبة ..].
    فتحول الحكم من الاعتماد على البيعة والتعاقد إلى الاعتماد على القوة والإكراه، ومن اعتباره "أمانة" ومسؤولية إلى اعتباره "امتيازا" شخصيا، ومن الاعتماد على الشورى إلى الاعتماد على الاستبداد، ومن إقامة "العدل والحق" إلى تقاسم الانتفاع والمصالح الذاتية، وهذا ما نعنيه بالشرعية الناقصة، ومنه تفرعت سائر وجوهها ومظاهرها وصورها.
    ابتدأ طور الشرعية الناقصة منذ حوالي سنة 40هـ، أي منذ تحول الخلافة إلى ملك وراثي على يد معاوية، واستمر إلى سقوط الخلافة العثمانية على يد الأوربيين، ثم استمر في دول التجزئة التي أنشأتها الدول الاستعمارية على أنقاض الخلافة العثمانية
    *أهم محطات طور الشرعية الناقصة، وما وازاها من تحديات للفقه السياسي
    أهم محطات التاريخ السياسي الإسلامي القضايا الفقهية التي طرحت على الفقه السياسي بعدها
    تغلب الأمويين على السلطة بطريق غبر العصبية [منذ حوالي سنة 40هـ باستثناء عمر بن عبد العزيز] اختلاف الموقف الفقهي: عدم مشروعية المتغلب الذي جسدته: [ثورات: الحسين بن علي- عبدالله بن الزبير – أهل المدينة ..]/مقابل قول بالمشروعية [قاله بعض الصحابة والتابعين]
    القضاء على ثورة الفقهاء أو ثورة ابن الأشعث [95هـ] غلبة الرأي المانع من الثورة المسلحة على المستبدين
    تغلب العصبية التركية والفارسية على الخلفاء العباسيين، وضعفهم منذ مقتل المتوكل العباسي[247هـ] - إنشاء الخلفاء لمنصب وزارة التفويض ثم إمرة الأمراء كصيغة قانونية للاعتراف بسيطرة الموالي على سير الدولة من دونهم.
    ظهور سلاطين متغلبين على بعض البلدان [الأغالبة بتونس، الصفاريون والسامانيون بإيران، البويهيون بإيران والعراق، الحمدانيون بالشام، الغزنويون والسلاجقة بأفغانستان وما وراء العراق ..] – ظهور ولاية الاستيلاء
    ظهور "خلافة" الفاطميين بتونس ومصر منذ سنة 297. -إجماع كل العلماء على عدم مشروعيتها
    -تجويز: التحالف مع "المبتدع" ضد "الكافر" [وذلك في الثورة المسلحة للعلماء بتونس ضد هذه الخلافة التي اعتبروها خلافة "مجوس" وكفار سنة 333هـ]
    إعلان الأمويين "الخلافة" بالأندلس بعد ضعف الخلافة العباسية -اختلاف العلماء في مشروعية هذا الإعلان
    سقوط بغداد على يد المغول سنة 656هـ. وانتقال الخلافة إلى مصر سنة 659هـ تحقق خلو الزمان عن الإمام جامع لكلمة المسلمين – انعدام الصلاحيات التنفيذية للخليفة.
    قيام الخلافة العثمانية [926هـ] مشروعية الخلافة دون اشتراط شرط قرشية الإمام.

    -أهم وقائع الشرعية الناقصة
    دشن معاوية بن أبي سفيان عهد التحول من خلافة راشدة إلى حكم أموي وراثي ، مستند إلى العصبية الأموية، وقد استتب له الأمر بمقتل علي ض سنة 40هـ.
    ونظرا للفتن التي عرفت في هذه المرحلة، وحقنا للدماء التي أهدرت في الصراع على السلطة، فقد تنازل سيدنا الحسن بن علي لمعاوية عن الحكم سنة 41هـ، وسمي هذا العام "عام الجماعة"، للاستقرار الذي حصل بهذا التنازل، والتوقف المؤقت للصراع على "الأمر" [أي السلطة]، ولكن معاوية عين لخلافته ابنه يزيد الذي لم يكونوا يرونه أهلا للحكم،فكان ذلك سببا في أن عددا واسعا من التابعين والصحابة عارض بقوة هذا الانحراف عن خط الخلافة الراشدة.
    فثار أهل المدينة المنورة على يزيد بن معاوية، ووقعت معركة "الحرة" التي أخمدت فيها ثورتهم، ثم ثار الحسين بن علي الذي قتل في معركة كربلاء سنة 61هـ، وثار عبد الله بن الزبير بمكة وقتله الحجاج سنة 73 هـ.
    كانت هذه الثورات تعبيرا عن الموقف الفقهي الأول من ولاية من لم يستوف شروط الولاية.
    ثم كانت ثورة الفقهاء الكبرى المعروفة باسم ثورة ابن الأشعث، سنة 95هـ، وشارك فيها أزيد من 500 فقيه، وتم القضاء عليها من طرف الحجاج الذي اشتهر بلقب "قاتل العلماء".
    بعد هذه الثورات، وبخاصة ثورة الفقهاء بدأ الموقف الفقهي يتغير، حيال "السيف" [أي الخروج المسلح عن السلطة غير الشرعية]، فأصبح عامة الفقهاء يرون عدم الجدوى من هذا الخروج، ولهذا كانت هذه الثورة آخر ما شارك فيه الفقهاء من المعارضات المسلحة على السلطة الناقصة الشرعية.
    في أثناء الحكم الأموي كان للعلويين والعباسيين تنظيمات سرية للانقلاب على الحكم الأموي، وقد تم لهم ذلك في أعقاب الثورة العامة سنة 132، والتي ابتدأ فيها حكم العباسيين.
    امتد الحكم العباسي حتى جاءت الخلافة العثمانية، ومرت بمرحلتين: أولاهما مرحلة القوة، ابتدأت من عهد أبي العباس السفاح إلى مقتل المتوكل سنة 247، ومرحلة الضعف التي بدأت بولاية المستعين، وبلغت أوجها بسقوط بغداد بيد المغول سنة 656، حيث أصبحت الخلافة العباسية شيئا رمزيا بيد حكام مصر إلى أن سلم العباسيون الخلافة إلى العثمانيين سنة 926.
    تميز هذا العهد باعتماد منطق القوة والغلبة في تداول السلطة، وباحتكار السلطة بين العصبية الحاكمة، وبالصراع حولها، واحتكار المال.
    كما تميزت باعتماد العباسيين على عصبيات غير عربية [الفرس والترك]، وهي التي سيطرت بعد مدة على الحكم من وراء حجاب، وأصبح الخليفة بينهم ضعيفا، ولا يملك من أمر السلطة إلا الأشكال والمراسيم، وتوج ذلك بإعلان الراضي العباسي عن منصب إمرة الأمراء، وهو منصب أشبه ما يكون بمنصب رئيس الوزراء، بحيث أصبحت كل الصلاحيات محتكرة لصاحب هذا المنصب الجديد وأصبحت الخلافة صورية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
    -كما ظهرت عصبيات جديدة سعت للسيطرة على الملك في أطراف الخلافة، وإنشاء دول تجزئة فيها، فمن الإمارات التي ظهرت إمارات السامانيين والصفاريين والسلاجقة والغزنوين والحمدانيين بالمشرق ، وبالمغرب ظهر الأغالبة بتونس والأمويون بالأندلس.
    وكان جل هذه الإمارات مستقلا عن الخلافة الأم، وإن كانت تدين لها بالولاء الشكلي، كالعملة والدعاء للخليفة على المنابر، وصدور بعض المراسيم باسمه، إلا الأدارسة بالمغرب الأقصى فإنهم لم يتبعوا للخلافة العباسية، وإن لم يعلنوا خلافة مستقلة عنها.
    وقد ظهرت في هذه العهود قضايا فقهية ومصطلحات سياسية جديدة كولاية الاستيلاء ووزارة التفويض وإمرة الأمراء ومرتبة السلطنة.
    -وبعد دبيب الضعف في جسم الخلافة العباسية ظهرت للسطح مشكلة سياسية جديدة، وهي ظهور دول جديدة ادعت المشروعية وأعلنت نفسها "خلافة"، فتأسست "خلافة" العبيديين أو الفاطميين، وهم عصبية شيعية علوية عملت في السر ضد العباسيين منذ نشأة دولتهم [إذ اعتبروهم مغتصبين لحقهم في الخلافة] إلى أن أسسوا دولتهم سنة 297 بتونس، وامتدت من مصر إلى حدود المغرب الأقصى.
    كما ادعت الخلافة أيضا دولة الأمويين بالأندلس خلال القرن الرابع الهجري [على يد عبد الرحمن الناصر].
    وإذا كان العلماء قد اختلفوا في مشروعية ادعاء الأمويين للخلافة، [حيث ذهب الجمهور إلى عدم اعتبارها، وذهب جماعة من المالكية بالمغرب والأندلس إلى الاعتراف بها]، فإنهم أجمعوا على إبطال مشروعية الخلافة العبيدية إذ اعتبروها دولة مجوسية لا شرعية لها .
    -أما الحدث الأبرز في التاريخ بعد ذلك فهو سقوط بغداد سنة 656هـ ومقتل الخليفة آنذاك، حيث وقعت أول سابقة فقهية لطالما نظر لها الفقهاء، وهي انعدام السلطة الإسلامية، أو ما عبروا عنه بـ "خلو الزمان عن الإمام".
    وبالرغم من عودة تعيين خليفة عباسي في مصر بعد ذلك، إلا أن تعيينه كان شكليا وتزيينا، إذ بقي الحال على صورية الخلافة إلى أن سيطر العثمانيون الأتراك على جل العالم الإسلامي، وسلم لهم الخليفة العباسي مقاليد الخلافة رسميا سنة 926هـ، وبهذا انتهت الخلافة العباسية وبدأت الخلافة العثمانية.
    وقد طرح على البحث هنا مشكلة افتقاد شرط قرشية الإمام الذي كان متوفرا من قبل، وقبل الفقه السياسي على العموم بقيام خلافة مع افتقاده.
    وقد مرت الخلافة العثمانية بمراحل عمر الدول، وانتهى تاريخها بعد الحرب العالمية الثانية، وأسقطها الأوربيون بتنسيق مع بعض الإمارات العربية بالشام والحجاز آنذاك.
    وقد وازى هذا الحدث حملة استعمارية أوربية على العالم الإسلامي، وبهذا انتهى طور الشرعية الناقصة، ودخل التاريخ الإسلامي مرحلة جديدة.
    -ما تميز به عهد الشرعية الناقصة
    بالخلاصة تميز عهد الشرعية الناقصة بما يلي:
    1- ازدواجية المرجعية السياسية: المرجعية الدينية [شكليا] والمرجعية العصبية [حقيقة].
    2- افتراق السلطان عن القرآن، أي انفصال الحكم عن القيم الشرعية.
    3- انعدام الشورى والرقابة واستبعاد الهيئات الشعبية عن المشاركة في السلطة.
    4- انعدام الطرق السلمية لتداول السلطة.
    5- تغلب الحجاب والوزراء وقادة الجند على الحكم منذ الخليفة المتوكل العباسي.
    6- نشوء ظاهرة الخلافة الصورية وظهور دول التجزئة.
    7- ظهور وتكرس ولاية الجور والاستبداد.
    8- تنازع المشروعية السياسية، خاصة بين العبيديين بتونس [سنة297] والأمويين بالأندلس [سنة 316] والعباسيين بالمشرق، خلال القرن الرابع.
    -منطق الفقه السياسي خلال عهد الشرعية الناقصة
    أما الفقه السياسي الذي واكب هذا التاريخ الطويل من هذا النموذج في الحكم، فقد تحولت وجهته من الاهتمام بتطوير فقه الشورى والاستشارة وتداول السلطة وسير الحكم بطرق شرعية، إلى الاهتمام بتطويق الظواهر الاستبدادية التي أفرزها هذا العهد، ومواجهة آثارها واحتواء نتائجها.
    ويمكن تلخيص جوهر المنطق الداخلي للاجتهاد الفقهي خلال هذا الطور في "النظر إلى مصلحة: الجماعة / الأمة"، فكان هذا مدار الاشتغال الفقهي، والثابت الذي حكم كل حالات "التطويق" و"التكييف" الفقهي للظواهر الاستبدادية التي هيمنت على هذا التاريخ.
    -وكان للفقه السياسي منهج مزدوج في مواجهة طور الشرعية الناقصة: أولا: تقرير القواعد الشرعية الأصلية والقيم الإسلامية السامية في مجال الحكم، وثانيا: "تصحيح الظاهرة الاستبدادية" ومحاصرة السلوك السياسي المنحرف بأقصى ما يمكن من الاجتهاد الفقهي، لفائدة "الجماعة/الأمة"، مما يجعلنا نقول: إن تاريخ الفقه السياسي خلال هذه المرحلة كان تاريخ صراع واحتواء للاستبداد وما يتولد عنه.
    الفقه السياسي إذن اهتم في هذا العهد ب "الجماعة"، وكان المهم عند الفقهاء هو أن تستمر الجماعة في الوجود، وإن كانت الدولة جائرة، وكانوا يستدلون بقول النبي ص (الجهاد واجب مع كل أمير برا كان أو فاجرا) ، وقول عمر: (إنه لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بالطاعة)، لذلك عمل الفقهاء على تصحيح ولاية "الجائر"، حفاظا على الجماعة وصونا للدماء وحياطة لحدود الإسلام الأخرى.
    كما تعامل الفقه السياسي مع كل المستجدات، وكان الفقهاء بين "الصراع" وبين "الاحتواء" للظاهرة الاستبدادية، واستيعاب نتائجها المدمرة، مما أجل السقوط لأزيد من عشرة قرون، فما إن جاء العصر الحديث حتى انهارت الأنظمة الاستبدادية، ولم تعد كل الاجتهادات الفقهية تسمح باستمرارها [مسألة الرجل المريض]، مما عرض العالم الإسلامي إلى التقسيم السياسي من طرف الأوربيين كما هو معروف.
    -كسوب الفقه السياسي خلال طور الشرعية الناقصة
    لا بدمن التنويه بأن الفقه السياسي حقق عدة مكاسب واقعية لفائدة الجماعة/الأمة، خلال هذا المسار الطويل من الحكم المستبد الذي غلب على هذه المرحلة، أهمها:
    1- لم يستطع أي أحد من الحكام الحكم بنظرية "الحق الإلهي المطلق" أو "التفويض الإلهي"، وهي نظرية عالمية سادت في أوربا تحت ظل الحكم الكنسي، بحيث يكون الملك نائبا عن الله ويعتبر من يعارضه معارضا للإله، فيحكم عليه بالخروج عن الدين والقتل، كما كان سائدا في الشرق الأقصى أن الملك أو الإمبراطور معبود في الأرض لأنه نائب عن الآلهة .
    2- لم تقع في التاريخ الإسلامي الإبادات الجماعية، كما وقع في التاريخ الأوروبي.
    3- تم عزل الممارسة المستبدة والجائرة فقهيا، بحيث اعتبرت من قبيل الضرورات، ولم تدجن، بالرغم من طول هذه المرحلة، أي أنها لم تدخل في المفاهيم الأساسية للحكم في الإسلام، وعدها الفقهاء حالة طارئة واستثنائية، وبقي ما تأسس خلال طور الشرعية الكاملة من قيم ومفاهيم هو معيار التقويم والاجتهاد الفقهي طيلة التاريخ، فمثلا: بقي العدل الذي طبق في ذلك العهد هو المعيار الثابت للحكم، ولم يغير طول مدة الاستبداد [أزيد من 13 قرنا] هذا المفهوم، وقل مثل ذلك عن الشورى، وعن الطرق الشرعية لنقل السلطة، وعن الوحدة الإسلامية، وسائر المفاهيم الأخرى.
    4- استطاع الفقه السياسي تحجيم أضرار الاستبداد السياسي، بحيث ظل النشاط الاجتماعي والمؤسسات الاجتماعي محميا من الاستبداد رغم وجوده ورغم التعسف الذي كان يصيب عدة فئات، فمثلا ظل القضاء والأوقاف وبرامج التعليم والتربية محمية من الاستبداد السياسي، ولم تهيمن الدولة المستبدة على الحياة الاجتماعية والعلمية والقانونية.
    5- استطاع الفقه السياسي إلزام الحكام –وإن كانوا مستبدين- باحترام رسوم الشريعة والدفاع عن الوطن الإسلامي ضد الأجنبي واحترام أحكام القضاء، فبالرغم من محاولاتهم خرق هذه الأمور إلا أنهم اضطروا إلى الالتزام الشكلي بها على الأقل حفاظا على شرعية وجودهم، فمثلا كانت الدول على مر التاريخ تحاول الظهور بمظهر من يحترم أحكام القضاة ونصائح العلماء، ومن يحافظ على الصلوات وجباية الزكوات وسائر المظاهر الإسلامية والشعائر.
    -نقائص الفقه السياسي وخسائره خلال طور الشرعية الناقصة.
    لقد كان أهم خسارة وقعت للفقه السياسي هو توقفه عن تطوير سبل الشورى والاستشارة، وتنظيم الرقابة الشعبية على عمل الحكومة، وأشكال التداول السلمي للسلطة، وتمركزه على معالجة الظواهر الطارئة على الأصول الشرعية للحكم "أصبحت الممارسة السياسية تخضع للمتغيرات الظرفية وإملاءات الواقع وضغوطات التوترات السياسية، مع استبعاد كامل للاعتبارات النظرية والخيارات المبدئية التي كان الفقه يبشر بها في مجال الممارسة، والتي تم إقصاؤها في محك التجربة، هذا الوضع الاحتكاري للممارسة السياسية الذي حال دون مساهمة التنظير الفقهي في توجيه التدافعات السياسية "النظيفة"، سيدفع بهذا التنظير إلى مواقع هامشية ونظرية صرفة، مما حال دون تطوير مضامينه على الصعيد الإجرائي، وحال دون بلورة أشكال تنظيمية مؤسساتية على أرض الواقع" .
    الباب الثالث: مرحلة ما بعد الاستعمار
    بسقوط الخلافة العثمانية وهيمنة الاستعمار تفرعت عن الشرعية الناقصة مرحلة جديدة من تاريخ الإسلام السياسي، وهي مرحلة "ما بعد الاستعمار".
    ومنذ هذا الوقت وضعت أمام الفقه السياسي عدة مستجدات لا سابق لها، فكان المنطق الفقهي مرنا، استوعب أنظمة القانون العام المستوردة من أوربا، واجتهد في بيانها وفي حدود الاقتباس منها، كما تعامل مع ظاهرة الاستعمار ولم يكن الفقه مرنا في رفضه للوجود الأجنبي، وفي الدعوة إلى إنهائه مما شكل مشروعية صريحة أو ضمنية للمقاومات التي عرفتها كل الدول الإسلامية خلال القرنين 19 - 20، والتي انتهت بالجلاء العسكري الأوربي عنها.
    وبعد الاستقلال السياسي وضعت أمام الفقه السياسي مشاكل عديدة وقضايا متنوعة، تبعا للتحديات التي فرضت على حياة المسلمين، وللقضايا الجديدة التي جاءت بها أنظمة الحكم الغربية، وألفت عدد البحوث الفقهية والدراسات النظرية والبحوث المتصلة بالمسألة السياسية، وبالحقوق والحريات والمؤسسات، وبالموقف من أنظمة الحكم الجديدة وحدود تقاطع النظام الإسلامي معها، وحدود الاقتباس منها، وغيرها. والآراء في هذه القضايا منطلقة من منطلقات أصولية موحدة، وإن اختلفت التكييفات ووجهات النظر إلى المسائل المعروضة.
    *كسوب الفقه السياسي منذ المرحلة الاستعمارية
    يمكن تلخيص كسوب الفقه السياسي بعد الاستعمار وسقوط الخلافة العثمانية، في ستة منجزات كلية:
    1- وقف ضد الاستعمار في جميع البلدان الإسلامية، إذ الفقه السياسي فقه استقلال وقوة للأمة والدولة الإسلامية، ولا يقبل بالتبعية والمحكومية للأجانب.
    2- الإجماع على دعم محاولات الوحدة الإسلامية، [مثل دعم التكتلات الإسلامية، كالجامعة الإسلامية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ودعم الجامعة العربية ..].
    3- مساندة أشكال الحكم المفضية إلى العدل والقاطعة لدابر الاستبداد والتوزيع العادل للثروة والتداول السلمي للسلطة وإطلاق الحريات وصيانة الحقوق [بالرغم من المناقضات الفلسفية بين النظام اللبرالي الديمقراطي أو الاشتراكي وبين الإسلام، فقد تعامل الفقه بإيجابية مع النواحي الإيجابية لهذه الأنظمة، كما لوحظ قلة التحفظات الفقهية فيما يتعلق بالمبادئ الإنسانية المعلنة للحريات والمواثيق الدولية الحامية للحقوق]
    4- الإجماع والتركيز على وحدة الأمة وإن اختلفت الأنظمة السياسية، ونتيجة لذلك اهتم المسلمون بالأقليات الإسلامية في العالم، وتم التعاطف مع القضايا العادلة للشعوب الإسلامية.
    5- خدمة التساكن الاجتماعي والاستقرار السياسي ونبذ أسباب الفتنة وتفريق الكلمة.
    6- التنبيه المستمر على الأحكام الشرعية والنصيحة الموصولة لأولي الأمر، والتحذير المستمر من الأخطار الداخلية والخارجية، والحالَّة والمتوقعة.
    -مواقف الفقه السياسي من الأنظمة القانونية الغربية
    كان للفقه السياسي مواقف وأجوبة حيال ما عج به العصر الحديث من قضايا على المستوى الدستوري وفي العلاقات الدولية ومسائل الحكم والسياسة بشكل عام.
    وألفت آلاف الدراسات والبحوث والفتاوى والأجوبة والمؤلفات المتصلة بمسائل الحكم الحديثة الواردة والمعممة من طرف الأوربيين ، ويمكن تصنيف الموقف الفقهي حيال هذه المسائل إلى ثلاث مستويات:
    المستوى الأول: ما قبله الفقه السياسي ولم يبد عليه تحفظا فقهيا يذكر، وذلك مثل وجوب تصفية الاستعمار، ووجوب قيام نظم الحكم على أساس العدالة الاجتماعية والمساواة، ومبدإ المؤسسات بدل حكم الفرد المستبد، وقيام العلاقات الدولية على أساس السلم العادل، وهكذا.
    المستوى الثاني: في المقابل كان في مسائل الحكم المعاصرة ما رفضه الفقه السياسي جملة وتفصيلا، مثل قيام الأنظمة السياسية على أساس تفضيل عرق على عرق أو *** على جنس، [مثل النظام النازي أو الفاشي أو العنصري ..] أو إنشاء العلاقات الدولية على أساس المجالات الحيوية أو الانحياز أو التبعية لقوى معينة.
    المستوى الثالث: وهو ما قبله الفقه السياسي من وجه ورفضه من وجه آخر، أي اعتبر الشعار العام مقبولا من الناحية الإسلامية، ولكن تحفظ على الحمولات الفلسفية التي يستبطنها.
    ومن الأمثلة على ذلك، فإن الفقه السياسي قبل الحرية والحقوق، ولكن هناك بعض الحريات التي تتعارض مع الشريعة، فالإسلام لا يعد الإباحية حرية مثلا، وهناك بعض الحقوق التي تتعارض أيضا مع الشريعة، كحق المسلم في تغيير الديانة الإسلامية إلى دين آخر، وحق زواج المسلمة من غير المسلم وزواج المسلم بالمشركة، وهكذا.
    ومثاله أن الفقه السياسي يقبل المبدأ الذي يعرف الديمقراطية بأنها حكم الشعب نفسه بنفسه، أي أن تعبر المؤسسات السياسية على الإرادة الحقيقة للناس، وهذا ما حذا بعدد واسع من الآراء إلى الإشادة بها.
    ولكن هذه المقولة عند التدقيق فيها من الناحية الفلسفية تتضمن ما يتحفظ عليه الفقه السياسي، وذلك أن فكرة السيادة -التي هي جوهر النظام الديمقراطي- تتسم بثلاث خصائص: أولها السمو بحيث لا تعلوها إرادة أخرى، وثانيها: الأصالة ، بحيث لا تأخذ مشروعيتها من مرجعية أخرى، بل هي مصدر المرجعية والشرعية، وثالثها: التفرد بحيث لا تقبل سيادة أخرى .
    فإذا نظرنا إلى هذا العمق التحريري للإرادة الفردية من سلطة الدين والأخلاق، فلا يمكن أن يكون ذلك مقبولا من الناحية الفلسفية والفقهية الإسلامية.
    بقي التنبيه هنا إلى مسألة مهمة، وهي أن منطق الاجتهاد الفقهي لم يتغير، فقد بقيت "الجماعة/الأمة"، هي نقطة الارتكاز في الاجتهاد الفقهي، ومن هذا الثابت تنطلق كل التكييفات والتنظيرات الفقهية لمسائل الحكم المستجدة.
    كما ينبغي التنبيه إلى أن الحديث عن مسائل الحكم في الإسلام، لم يعد مقتصرا على الفقهاء، بل وجد عدد كبير من الدارسين ذوي المشارب الثقافية المختلفة ممن يؤسسون للنظريات الإسلامية في الحكم، من متخصصين في الاقتصاد السياسي وفي القانون وفي علم الاجتماع.
    كما تميز هذا العصر بظهور بعض الرؤى المنتمية أو المتأثر بالمدارس الغربية في التفكير، ترى أن التنظيرات الغربية في مجال الفكر السياسي هي الأفق الذي ينبغي على البشرية اتباعه وانتهاجه، وأن "الدين" لا يصلح مرجعا ولا إطارا للشأن العام، لأن "ما لقيصر لقيصر وما لله لله "، وهذا هو المعروف اليوم بتيار "العلمانية".
    وفي المقابل ظهر للوجود منذ إعلان سقوط الخلافة وقيام الحكم على أساس"العلمانية" في عشرينيات القرن الماضي ما غدا يعرف بالحركات الإسلامية، وهي تنظيمات وهيئات وأحزاب تشترك في الدعوة إلى قيام الدولة على الأسس الدينية.
    وقد اهتمت جل الدول الإسلامية بإعلان مرجعية الإسلام دينا رسميا لها في الدساتير، مما قوى الشرعية الإسلامية في المؤسسات، وأتاح للفقه السياسي مرجعية وأساسا للاجتهاد في المجال السياسي.




معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •