المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دول وممالك



IroN MaN
03-09-2008, 10:12 PM
علي بك الكبير.. ودولة لم تكتمل


صارت مصر ولاية عثمانية منذ أن نجح

السلطان سليم الاولفي القضاء على دولة المماليك ودخول القاهرة وعلى هامته أكاليل النصر في سنة (923هـ = 1492م)، وتعاقب على حكم مصر منذ ذلك الحين حتىمجئ الحملة الفرنسيةعدد من الولاة الذين ترسلهم الدولة العثمانية لإدارة شؤون البلاد في مصر، واستمد هؤلاء هيبتهم من هيبة الدولة وقوتها، وأمسكوا بزمام الأمور في قوة وحزم، وإن مارس بعضهم كثيرا من التجاوزات في إدارته للحكم.

ولم يؤد بسط الدولة العثمانية نفوذها على مصر إلى القضاء على نفوذ المماليك، على الرغم من


انقضاء دولتهم، بل على النقيض من ذلك فقد شاركوا الوالي العثماني في إدارة البلاد، لكن نفوذهم ظل شاحبا ما دامت الدولة قوية مرهوبة الجانب مسموعة الكلمة، حتى إذا ما بدأ الضعف يتسلل إليها وتنشغل بحروبها مع أعدائها بدأ نفوذ المماليك يتصاعد تدريجيا في مصر، وبدءوا يتلاعبون بالوالي العثماني كيفما شاءوا.

وقد ساعد هذا الضعف الذي ساد الدولة في القرن (الثاني عشر الهجري= الثامن عشر الميلادي)، على ظهور عدد من زعماء المماليك الذين كانوا يتولون منصب شيخ البلد (أي حاكم القاهرة) وكان هذا المنصب أعلى المناصب التي يتقلدها البكوات المماليك، وكان لا يعتليه إلا أكثرهم عصبية وأشدهم بأسا، وأوفرهم جندا، وكان أبرزهم في هذه الفترة علي بك الكبير.



من أصول مسيحية

لا تُُعرف أصول علي بك الكبير على وجه الدقة واليقين، فهو مثل غيره من آلاف المماليك الذي يُشترون صغارا ويُجلبون إلى مصر حيث يعتنقون الإسلام، ويخضعون لتربية عسكرية صارمة، ويبدءون رحلتهم في الصعود إلى النفوذ والسيطرة.



ويذكر المؤرخ الأوربي ستافرو لانسبان وكان معاصرا لعلي بك الكبير وملاصقا له، أنه ابن قسيس رومي أرثوذكسي من قرية أماسيا في الأناضول، وأنه ولد في سنة (1140هـ = 1728م) ثم خطف في الثالثة عشرة من عمره، وبيع في القاهرة للأمير إبراهيم كتخدا، وبدأت معه رحلة التعليم والتدريب التي يمر بها المماليك.



وفي تلك المرحلة ظهرت ملامح شخصيته وكفاءته العسكرية، فتفوق على أقرانه في ركوب الخيل، والضرب بالسيف والطعن بالرمح، واستخدام الأسلحة النارية، وهو ما جعل سيده يعتقه وهو لم يتجاوز العشرين، وولاه بعض المهام الإدارية، وأصبح كاشفا (أميرا) سنة (1163هـ = 1749م) وله من العمر اثنان وعشرون عاما، ولما توفي أستاذه إبراهيم كتخدا سنة (1167هـ = 1754م) خلفه في مناصبه.



شيخ البلد.. أمل وطموح

تطلع علي بك الكبير إلى منصب شيخ البلد، وكان شاغله هو صاحب الحول والقوة في مصر والحاكم الفعلي لها، ولم يكن الوصول إلى هذا المنصب سهلا ميسورا، بل كان دائما مفروشا بالصعاب والعقبات وممتلئا بالخصوم والمنافسين، فبدأ علي بك بشراء المماليك والإكثار منهم وتدريبهم على فنون الحرب والقتال، والاستعداد للساعة الحاسمة التي يفوز فيها بالمنصب الكبير، وجاءت هذه الساعة في سنة (1177هـ = 1763م)، حيث اعتلى كرسي مشيخة البلد بالقاهرة، لكنه لم ينجح في الاحتفاظ بمنصبه وأجبره خصومه على الفرار من القاهرة إلى الصعيد تارة وإلى الحجاز تارة وإلى الشام تارة أخرى.



ولم يثنه ذلك عن التطلع إلى منصب شيخ البلد مرة ثانية، فلم يقعد به اليأس عن العمل أو يشله عن التفكير، حتى استطاع العودة إلى منصبه الأثير سنة (1181هـ = 1767م) وهو أعظم قوة وأكثر عددا، ولما استتب له الأمر التفت إلى من بقي من خصومه فصادر أموالهم وقتل بعضهم أو نفاهم حتى خلا له الجو وبسط سيطرته على البلاد، ولم يسلم من هذه الإجراءات من قدموا له العون والمساعدة فبطش ببعضهم ونفاهم إلى خارج البلاد.



اتسمت إجراءات علي بك الكبير مع خصومه بالقسوة حتى وصفه الجبرتي بأنه هو الذي ابتدع المصادرات وسلب الأموال من مبدأ ظهوره، واقتدى به غيره، وكان أداته في هذا الشأن عدد من أتباعه أشهرهم محمد بك أبو الدهب وأحمد الجزار.



الانفراد بالحكم

استغل علي بك الكبير فرصة انشغال الدولة العثمانية في حربها مع روسيا، ولم تكن نتائجها في صالح العثمانيين الذين منوا بخسائر فادحة، فاستصدر أمرا من الديوان بعزل الوالي العثماني، وتولى هو منصب القائمقام بدلا من الوالي المخلوع، وذلك في (غرة شعبان 1182هـ = 11 من ديسمبر 1768م).



وأتبع ذلك بمنعه قدوم الولاة الأتراك إلى القاهرة، فلم ترسل الدولة أحدا منهم على مدى أربع سنوات، كما أوقف إرسال الأموال المقررة سنويا على مصر إلى الدولة العثمانية ابتداء من سنة (1182هـ = 1768م).



وفي أثناء ذلك نجح في أن يسيطر على أحوال مصر، في الوجهين البحري والقبلي، وأن يقضي على الفتن هناك ويضرب بيد من حديد على الخارجين عليه في الشرقية والقليوبية والبحيرة، ثم قضى على نفوذ شيخ العرب همام بن يوسف الهواري زعيم الصعيد، وكان يلجأ إليه كثير من منافسي علي بك الكبير طالبين حمايته وإمدادهم بالمال والسلاح، ولم يلبث أن توفي شيخ العرب همام وزالت دولته من بلاد الصعيد كأن لم تكن، وخلصت مصر بوجهيها البحري والقبلي لعلي بك وأتباعه.

IroN MaN
03-09-2008, 10:17 PM
ضم بلاد الحرمين والشام

لم يكتف علي بك الكبير بأن بسط نفوذه وسلطانه على مصر، فرنا ببصره إلى خارجها وتطلع إلى ضم الحجاز لتأمين الحج للمصريين والمغاربة والشوام، وإحياء تجارة مصر مع الهند بالاستيلاء على ميناء جدة التجاري ذي الشهرة الواسعة، وجعله مستودعا وسطا لتجارة الهند والشرق الأقصى، فيعيد بذلك الثروة والغنى التي فقدتها مصر من جراء تحول تجارة الشرق إلى طريق الرجاء الصالح.


وانتهز علي بك فرصة النزاع الذي دار بين اثنين من أشراف الحجاز حول الحكم، فتدخل لصالح أحدهما وأرسل حملة عسكرية يقودها محمد بك أبو الدهب في (صفر 1184هـ = يونيو 1770م) إلى هناك فنجحت في مهمتها، ونودي بعلي بك الكبير في الحرمين الشريفين سلطان مصر وخاقان البحرين، وذكر اسمه ولقبه على منابر المساجد في الحجاز كلها.



وقد شجع نجاح حملة الحجاز علي بك الكبير على أن يتطلع إلى إرسال حملة إلى بلاد الشام منتهزا سوء أحوالها وتعدد طوائفها، واستنجاد صديقه والي عكا ضاهر العمر به الذي نجح في أن يمد نفوذه في جنوب سوريا، وكان هو الآخر يسعى إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية.



وقبل أن يمضي علي بك في حملته على الشام اتصل بروسيا أعدى أعداء الدولة العثمانية، وعرض عليها أن يعقد معها معاهدة تحالف وصداقة، وأن تزوده بالأسلحة والعسكريين المدربين، وأن يكون الأسطول الروسي حاميا للشواطئ المصرية ضد أية محاولات هجومية من قبل الدولة العثمانية.



وتمت هذه الاتصالات مع قائد الأسطول الروسي الذي كان مرابطا في البحر المتوسط، وقد رد القائد الروسي على هذه الطلبات التي طرحها علي بك ردا جميلا، ووعده بأنه سوف يرجع إلى حكومته وإلى الإمبراطورة كاترين بشأنها.



الطريق إلى دمشق

ولم يكد محمد أبو الدهب يعود بحملته الظافرة من الحجاز حتى سيره علي بك، على رأس جيش كبير يتألف من أكثر من أربعين ألف جندي ليزحف على الشام، وكان السبب الذي أعلنه علي بك من وراء حملته على الشام هو إيواء عثمان العظم والي الشام (دمشق) لخصوم علي بك وأعدائه وإعدادهم للإغارة على مصر، وأن هذا الوالي يسيء الحكم في بلاد الشام مما جعل السوريين يتذمرون من حكمه.



وقد كلفت هذه الحملة الخزانة المصرية أعباء مالية ضخمة، تحمل تكاليفها الشعب المصري الذي فرضت عليه ضرائب باهظة أثقلت كاهله، وأطلقت صرخاته المكتومة وأناته الحبيسة لتحقيق رغبات جامحة لولاة طامحين في بناء مجد زائف.



وتمكن محمد أبو الدهب من تحقيق انتصارات هائلة، فاستولى على غزة والرملة، ولما اقتربت قواته من بيت المقدس خرج إليه حاكمها وقضاتها وأعيانها ورحبوا بقدوم الحملة المصرية فدخلتها دون قتال، واستسلمت يافا بعد حصار دام شهرين، ثم انضمت قوات الشيخ ضاهر إلى القوات المصرية ففتحوا صيدا، ولم يبق أمامهم سوى دمشق، والتقى الجيشان الحليفان بالجيش العثماني الذي لم يستطع المواجهة والصمود ولقي هزيمة كبيرة، ودخل محمد أبو الدهب دمشق في (22 من صفر 1185هـ = 6 من يونيو 1771م).



انهيار الحكم

وفي الوقت الذي كان فيه علي بك الكبير يحتفل بهذا النصر الكبير، وتزينت القاهرة لهذه المناسبة أحسن زينة، كان محمد أبو الدهب يتوقف عن الزحف ويستعد للرجوع إلى القاهرة، ولا يُعرف السبب المتيقن وراء هذا التحول المفاجئ، هل هو السأم من القتال أم الرغبة في السيطرة على ملك مصر باعتباره صاحب فضل في التمكين والسيطرة لعلي بك الكبير، أم هو نجاح الدولة العثمانية في استمالة أبي الدهب وإغرائه بحكم مصر إذا خرج على سيده؟.



لكن يجب أن ندرك أنه في هذه الأثناء استصدر السلطان العثماني فتوى من قاضي القضاة والمفتي الأعظم باعتبار علي بك ورجاله وحلفائه وأنصاره بغاة خارجين على الدولة يجب قتلهم أينما وجدوا، وزاد من تأثير هذه الفتوى اتصال علي بك الكبير بروسيا، وهي دولة مسيحية في حالة حرب مع دولة الخلافة العثمانية.



وعلى أية حال فقد عاد أبو الدهب سريعا إلى مصر، وسحب في طريق عودته جميع الحاميات التي كان قد أقامها في البلاد المفتوحة، وبدأ يحارب سيده، ولا يلتزم بقراراته، وتأكد علي بك من عدم ولاء أبي الدهب له بعد رفضه عدم العودة إلى فلسطين، وعجز عن اتخاذ قرار صارم ضد تابعه الذي خرج عليه، ولم يعد هناك مفر من الصدام بين الرجلين، وانتهت الغلبة فيه لأبي الدهب، واضطر علي بك الكبير إلى مغادرة القاهرة والالتجاء إلى صديقه ضاهر العمر ومعه ثروته الضخمة وسبعة آلاف من فرسانه ومشاته، وبدأ في تنظيم قواته والاتصال بقائد الأسطول الروسي الذي راح يمنيه بقرب وصول المساعدات، لكن هذه الوعود تمخضت عن ثلاثة مدافع وبضعة ضباط وعدد من البنادق.



تعجل علي بك العودة إلى مصر على غير رغبة ضاهر العمر، الذي نصحه بالتريث والتمهل، حتى إذا وصل إلى الصالحية بالشرقية، التقى بجيش أبي الدهب في (15 من صفر 1187هـ = 26 أبريل 1773م) في معركة كان النصر فيها حليف الأخير، وأصيب علي بك في هذه المعركة بجراح، ونقل إلى القاهرة، حيث قدم له مملوكه أبو الدهب الرعاية الطبية، لكن ذلك لم يغن عن الأمر شيئا فلقي ربه في (25 صفر 1187هـ = 8 من مايو 1773م).



علي بك في الميزان

وصف المؤرخون علي بك الكبير بأنه كان شديد المراس عظيم الهمة، قوي الشكيمة لا يميل إلى الهزل ولا إلى المزاح، معتدا بنفسه يطالع كتب التاريخ، وأنه سلك في بداية أمره مع خصومه سياسة عنيفة لا تعرف الرحمة والشفقة، لكنه بعد أن استتب له الأمر في البلاد جعل من مصر بلدا آمنا ينعم بالرخاء والسلام.



وقد أشاد الجبرتي بإصلاحات علي بك وإنشاءاته وعمائره، حيث أصلح قلاع الإسكندرية ودمياط وزاد في تحصينها، وجدد مسجد السيد البدوي، وأقام على ضريحه قبة عظيمة ومنارتين كبيرتين، وغير ذلك من شؤون العمارة التي لا تزال شاهدة على جهوده في هذا الميدان.



ويرى بعض المؤرخين أن علي بك الكبير لم يكن يسعى إلى فصل مصر عن الدولة العثمانية، وأنه كان حريصا على إظهار الطاعة للسلطان، وأن تكون تحركاته بفرمانات سلطانية، كما حرص على استمرار الخطبة للسلطان العثماني باعتباره سلطان بلاد المسلمين بما فيها مصر، ولعله كان يستهدف بحركته أن تكون له مقاليد الأمور في مصر تحت مظلة الدولة العثمانية.

IroN MaN
03-09-2008, 10:26 PM
"الجزيرة الخضراء".. في أحضان العثمانيين


أدرك المسلمون منذ الخلافة الراشدة الأهمية الإستراتيجية لجزيرة قبرص تلك الجزيرة التي تقع في أقصى شرق البحر المتوسط وتعد من كبرى جزره، ومن الجزر التي تشكل خطرا على الوجود الإسلامي في منطقة البحر المتوسط سواء في الشام مصر وبلاد المغرب أو الأناضول بعد ذلك، فقد كانت الجزيرة من الناحية الإستراتيجية عقبة في طريق التجارة الإسلامية في البحر المتوسط، وخطرا على الوجود الإسلامي في شواطئ المتوسط، وخطرا على قوافل الحجيج، وخطرا على الدولة الإسلامية عند قيام أي حلف صليبي لمحاربة المسلمين، فهي لا تبعد عن الشواطئ التركية إلا أميالا قليلة، ولا تبعد عن سواحل الإسكندرية إلا بأقل من أربعمائة كيلو متر، كما أنها قريبة من سواحل الشام بحوالي مائة كيلو متر.


ولذا كانت المحاولات الإسلامية متكررة لإخضاع قبرص، وكانت أول هذه المحاولات في عهد الخليفة الراشد "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، حيث استأذنه والي الشام آنذاك "معاوية بن أبي سفيان" رضي الله عنه في القيام بغزوة بحرية إلى قبرص، فوافق "عثمان" واشترط عليه ألا ينتخب للغزو في البحر أحدا من الناس وألا يجبر أحدا على الخروج، وأن من يخرج معه للغزو يكون برغبته الحرة، ولعل ذلك يرجع إلى قلق المسلمين من البحر والقتال فيه؛ لأنهم أهل بادية وصحراء ولم يكن لهم سابق خبرة بالبحر.





وفي عام (28هـ= 649م) -على اختلاف في الروايات التاريخية- تمكن الأسطول الإسلامي الذي انطلق من الشام بقيادة "عبد الله بن قيس"، والأسطول الذي انطلق من مصر بقيادة "عبد الله بن سعد" من فتح قبرص التي كانت تحت سيطرة البيزنطيين، وكان في هذه الغزوة عدد من كبار الصحابة منهم "عبادة بن الصامت" و "أم حرام بنت ملحان" رضي الله عنهما، وتوفيت أم حرام في تلك الجزيرة ودفنت بها، وعقد المسلمون مع أهل قبرص معاهدة كان من أهم بنودها: ألا يقوم أهل قبرص بغزو المسلمين، وأن يخبروا المسلمين إذا قام الروم بالسير لقتال أهل الإسلام، وأن يدفعوا جزية سنوية قدرها سبعة آلاف دينار.





وعندما وقعت الفتنة الكبرى بين المسلمين في عهد الإمام "على بن أبي طالب" رضي الله عنه، استغل القبارصة هذه الظروف السياسية التي تمر بها الدولة الإسلامية وامتنعوا عن دفع الجزية، فقام "معاوية" بغزوهم مرة أخرى واستولى على الجزيرة وأسكن فيها عدة آلاف من جند المسلمين، ونقل إليها عددا من سكان مدينة بعلبك، لكن الظروف السياسية التي عاصرت القتال بين



عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان شجعت البيزنطيين على السيطرة على الجزيرة.


وتكررت المحاولات الإسلامية لإعادة السيطرة على الجزيرة أعوام (130هـ= 748م) و(158هـ= 775م) و(184هـ= 800م) و(190هـ= 806م).





وقد لعبت قبرص دورا معاديا للمسلمين إبان الحروب الصليبية؛ فقد استولى عليها ملك بريطانيا



ريتشارد قلب الأسدسنة (587هـ= 1191م) وجعلها قاعدة حربية للإمداد والتموين، وبعد رحيل الصليبيين عند بلاد الشام كانت قبرص هي المكان التي تجمعت فيه تلك القوى والفلول الصليبية للإغارة على السفن والشواطئ الإسلامية، وكان من أشد تلك الغارات عملية القرصنة التي قاموا بها على مدينة الإسكندرية سنة (767هـ= 1366م) بقيادة بطرس الأكبر حيث احتلوا الإسكندرية 3 أيام وقتلوا الكثير من سكانها واغتصبوا الكثيرات، وحملوا معهم الكثير من الأسرى. وقد خلد المؤرخ السكندري النويري في كتابه"الإلمام" هذه الوقائع.


وأمام هذا القلق الإستراتيجي قامالسلطان المملوكي "الأشرف برسباري" بفتح قبرص وضمها إلى دولته سنة (829هـ=1426م)، لكن البنادقة قاموا بالسيطرة وإخضاعها لسيطرتهم في عام (895هـ= 1490م).

IroN MaN
03-09-2008, 10:31 PM
العثمانيون بعد القانوني

عندما توفيالسلطان العثماني "سليمان القانوني" في (13 من صفر 974 هـ= 7 من سبتمبر 1566م) أثناء حملته الهمايونية الثالثة عشرة عن عمر تجاوز الـ71 عاما بعد فترة من الحكم دامت أكثر من 46 عاما، خلفه في الحكم ابنه "سليم الثاني" وكان من أم روسية تسمى "روكسلان" ولم يكن ذلك الابن على مستوى أبيه من القوة والحزم والهيبة، ولم يكن مؤهلا لحفظ الفتوحات التي تركها والده.


وأغرى ضعف سليم الثاني الكثير من القوى العالمية للتحرش بالدولة العثمانية، لكن وجود بعض الرجال العظام في مراكز الدولة القيادية المختلفة مثل الصدر الأعظم صوقللو باشا منع الدولة من الضعف، كما أن روح الجهاد والقوة العسكرية كانت ما تزال كامنة في أوصال العثمانيين رغم غياب "سليمان القانوني".



واجه سليم الثاني تمردا في اليمن قام به الزيديون سنة (هـ= 1567م) أدى إلى انحصار العثمانيين في الشريط الساحلي، ولم يتمكن العثمانيون من استرداد سيادتهم على اليمن إلا بعد قرابة العامين.



ومن ناحية أخرى قام السلطان "سليم الثاني" بتجديد الهدنة مع شارل التاسع ملك فرنسا في عام (980هـ=1596م) وتم منح الفرنسيين عددا من الامتيازات التجارية في البحر المتوسط؛ بل إن فرنسا أرسلت بعض البعثات إلى المناطق التي يقطنها النصارى في بلاد الشام.



الفتح.. لعلاج الانكماش

وأمام حالة التراجع التي دخلت فيها الدولة العثمانية بعد رحيل القانوني فكر عدد من كبار رجال الدولة في التصدي لهذا التراجع ووقفه، ولذا ركزوا التفكير في قبرص باعتبارها العقبة الباقية في طريق التجارة البحرية المنتعشة بين مصر وإستانبول، حيث كانت تلك الجزيرة ذات الموقع الإستراتيجي المهم تخضع لسيطرة البنادقة في ذلك الوقت، وكان هؤلاء يعتدون على سفن الحج والتجارة في البحر المتوسط، كما أن العلاقات كانت قلقة بين العثمانيين والبنادقة في ذلك الوقت رغم وجود بعض الاتفاقيات، ويرجع ذلك إلى طبيعة التنافس التجاري بين الجانبين.



وكان البنادقة يسيطرون على قبرص رغم أن القبارصة ينتمون في غالبيتهم إلى الروم، ولذا تعرضوا لمعاملة قاسية من البنادقة.



وكانت خطورة قبرص الإستراتيجية على الدولة العثمانية إذا دخلت الدولة العثمانية في حرب ضد البندقية، فقرب قبرص من الأراضي والشواطئ العثمانية بدرجة كبيرة يجعلها رأس حربة ضد أماكن متعددة في الدولة العثمانية في الأناضول ومصر والشام وشمال إفريقيا، خاصة أن هناك تاريخا من العلاقات الدامية بين الدولة العثمانية والبندقية في البحر المتوسط.



وقد نشأت فكرة فتح قبرص عند السلطان سليم الثاني بمشورة عدد من كبار رجال الدولة، ورغم ذلك فإن بعض الشخصيات العثمانية الكبيرة كانت تخشى من فتح قبرص وترى أن الممالك النصرانية لن تمرر هذا الفتح بسهولة للدولة العثمانية، خاصة أن الدولة العثمانية كانت تعاني من حالة من التراجع بعد وفاة القانوني، وأن الحرب إذا قامت فلن تقتصر على الدولة العثمانية والبندقية فقط، بل لا بد أن تمتد لتصبح حربا بين أوربا والعثمانيين في وقت حرج بالنسبة للعثمانيين، وأن الحرب مع البندقية لا بد أن تقود إلى تكوين تحالف مسيحي ضخم ضد العثمانيين.



ولكن السلطان حزم الأمر في المسألة وتم استصدار فتوى شرعية تقول بأن قبرص كانت بلدا إسلاميا، وأن البنادقة استولوا عليها، وأن الواجب إخراجهم من تلك الأراضي التي كانت خاضعة في وقت سابق للمسلمين، وهو ما يعطي العثمانيين شرعية في الحرب.



الفتح.. وأحداثه

وقد رتب العثمانيون لعملية فتح قبرص استعدادات كبيرة خاصة في الجانب البحري نظرا لما يتمتع به البنادقة من شهرة في القتال البحري، وامتلاكهم لأسطول بحري قوي، والتوقعات العثمانية تؤكد أنهم لا بد أن يحصلوا على معونات وإمدادات من الممالك المسيحية، ولذا جمعت الدولة العثمانية أكبر عدد من السفن في تاريخها حتى ذلك الوقت، حيث خصصت حوالي 400 سفينة لهذه المهمة، وظهر أسطول الاستطلاع العثماني أمام سواحل قبرص في ( رمضان 977 هـ= مارس 1570م).



أما الأسطول السلطاني بقيادة "داماد بيالة باشا" فقد أقلع من إستانبول في (1 من ذي الحجة 977 هـ= 15 من مايو 1570)، وتولى قيادة الجيش البري الوزير "لالا مصطفى باشا"، وكان الجيش العثماني مكونا من 60 ألف مقاتل بري، والبقية من مقاتلي البحر العثمانيين، وشارك في هذا الفتح عدد من مشاهير القادة العثمانيين مثل


"خير الدين باربروسا باشا" و"عروج باشا" أكبر قادة البحر في ذلك الوقت.

وقد استطاع الأسطول العثماني أن يدخل ميناء "ليماسول" في (18 من المحرم 978 هـ=1 من يوليو 1570م) ولم تمض إلا أسابيع قليلة حتى بدأ العثمانيون في عملياتهم العسكرية والبحرية في قبرص التي استمرت ثلاثة عشر شهرا، وبدأ العثمانيون في محاصرة مدينة "لفكوشة" التي كان بداخلها عشرة آلاف جندي بندقي، وبها 15 مدفعا وتمكن العثمانيون من فتحها بعد حصار ومعارك استمرت 49 يوما في (29 من ربيع الأول 978 هـ= 9 من سبتمبر 1570م).
وبدأت المدن في قبرص تسقط تباعا، حيث انتقل العثمانيون إلى حصار مدينة "ماغوسا" الشديدة التحصين التي كان بها أكثر من 7 آلاف مقاتل و75 مدفعا و5 من كبار قادة البندقية الأكفاء، إضافة إلى أنها تسلمت كميات كبيرة من المؤن والذخائر، ودخلها 1600 جندي بندقي آخرون، وهو ما جعل عملية حصارها وقتال من فيها عملية مرهقة للغاية، خاصة أن العثمانيين علموا بالتحالف المسيحي الذي عقده بابا روما "بيوس الخامس" في (21 من ذي الحجة 978 هـ= 25 من مايو 1571م) وضم غالبية الممالك والكيانات المسيحية في أوربا.
وأمام هذا الموقف المتأزم من الناحية الإستراتيجية والعسكرية أرسلت إستانبول إلى المقاتلين العثمانيين في قبرص إمدادات أخرى، وأبحرت "عمارة" (مجموعة إمدادات بحرية) بحرية عثمانية كبيرة إلى إيطاليا بهدف الحيلولة دون تقديم أي مساعدات للبنادقة المُحاصرين في قبرص، ونجحت هذه العمارة التي كانت مكونة من 400 سفينة في القيام بمهمتها.
أما القائد العثماني "لالا مصطفى" فقد أبقى معه 40 سفينة فقط واستمر في حصار "ماغوسا" حتى سقطت في (10 من ربيع الأول 979هـ=1 من أغسطس 1571م) بعد 13 شهرا من القتال والحصار، وقام العثمانيون بإسكان عدد كبير من سكان الأناضول في قبرص، وهو ما أدى إلى زيادة سكان قبرص بنسبة كبيرة، فقد كان عدد سكانها عند الفتح العثماني حوالي 120 ألف نسمة فارتفع إلى حوالي 360 ألف نسمة، وكان العثمانيون يطلقون على قبرص "يشيل أدة" أي الجزيرة الخضراء.
واستمرت السيطرة العثمانية على قبرص حوالي 307 أعوام، حتى تنازلت عنها الدولة العثمانية لبريطانيا سنة (1296هـ=1878م) مقابل مبلغ مالي يُقدر بحوالي 92 ألف جنيه إسترليني.

IroN MaN
03-09-2008, 10:52 PM
سقوط بلنسية.. ردة الحاكم والأرض!


تعرضت الأندلس لمحن متوالية في القرن السادس الهجري= الثالث عشر الميلادي، ولم تجد من يمد لها يدا أو يصد عنها عدوانا، وزاد من ألم المحنة أن حكام الأندلس تخاذلوا عن القيام بواجبهم، وتخلوا عن مسئوليتهم التاريخية تجاه أعدائهم النصارى الذين تفتحت شهيتهم لالتهام قواعد الأندلس الكبرى واحدة بعد أخرى.


وبدلا من أن توحد المحنة صفوف حكام البلاد وتشحذ همتهم وهم يرون الخطر المحدق بهم من كل جانب فيهبوا للدفاع عن الأندلس وحمايتها من عدوان النصارى -راحوا يهرولون إلى أعدائهم، يمالئونهم ويصانعونهم على حساب الشرف والكرامة، بل على حساب وطنهم وأمتهم ودينهم.



ردة ملك.. خزي وعار

وكانت بلنسية -وهي من حواضر الأندلس العظيمة التي تقع على البحر المتوسط- قد تعرضت لفتنة هائجة وثورة جامحة في مطلع القرن السابع الهجري، ولم تهدأ إلا بتولي أبي جميل زيان بن مدافع مقاليد الحكم فيها، بعد أن انسحب واليها السابق أبو زيد بن أبي عبد الله محمد من المدينة، وبخروجه انتهى حكم دولة الموحدين في شرق الأندلس.



وبعد خروج أبي زيد من بلنسية سنة (626هـ= 1230م) فعل ما لم يكن يخطر على بال مسلم، وذهب إلى ملك أراجون خايمي الأول، وأعلن دخوله في طاعته، وعقد معه معاهدة دنيئة يتعهد فيها بأن يسلمه جزأ من البلاد والحصون التي يستردها بمعاونته.



ولم يتوقف هذا الحاكم الخائن عند هذا الحد من الخزي، بل ارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية، واندمج في القوم الذين لجأ إليهم، وأخذ يصحبهم ويعاونهم في حروبهم ضد المسلمين.



ملك أراجون يتطلع إلى بلنسية

وبعد أن أمسك أبو جميل زيان بزمام الأمور في بلنسية عمل على توطيد سلطانه وتثبيت حكمه وتوسيع أملاكه، والثأر من النصارى الذين خربوا بلاده في حملات متتابعة، وساعده على ذلك أن ملك أراجون كان مشغولا بغزوات أخرى، فانتهز أبو جميل هذه الفرصة وقام بعدة حملات موفقة على أراضي أراجون على شاطئ البحر حتى ثغر طرطوشة، وحقق أهدافه في كل حملة يقوم بها.



ولما انتهى ملك أراجون من حملاته وعاد إلى بلاده بدأ يفكر في الاستيلاء على بلنسية والقضاء على خطرها، وكان تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى استعداد عظيم وخطة محكمة، وكان يدرك أن بلنسية لن تقع في يديه إلا بعد أن يعزلها عن جيرانها، ويحرمها من كل وسائل الدعم والعون، حيث إن مواردها المحدودة لن تسمح لها بالاستمرار في المقاومة والدفاع، وكان هذا الملك يعلم أن زعماء المسلمين في شرق الأندلس على خلاف عظيم.



وفي اللحظة المناسبة أخذ ملك أراجون قراره بالغزو بعد أن استعد له، وطلب من البابا أن يبارك حملته، وأن يضفي عليها صفة الصليبية، فاستجاب لطلبه، وهرع إلى مساعدته كثير من الفرسان والسادة.



البداية من بريانة

وفي أواخر سنة (631هـ=1233م) بدأت قوات ملك أراجون وبصحبته والي بلنسية السابق الذي تنصر (أبو زيد) في الزحف إلى أراضي بلنسية الشمالية، وتمكنت من الاستيلاء على بعض المدن والقلاع المهمة في شمال بلنسية، وكانت أول قاعدة مهمة من إقليم بلنسية يقصدها الأراجونيون هي بلدة بريانة الواقعة على البحر المتوسط، وعلى مقربة من شمال بلنسية، وضربوا عليها حصارا شديدا بعد أن خربوا ضياعها وزروعها القريبة.



وعلى الرغم من حصانة بريانة وقوتها فإنها لم تستطع أن تدفع عن نفسها الحصار وتهزم العدو، فسقطت بعد شهرين من الحصار بعد أن نفدت المؤن والأقوات، وذلك في (رمضان 630هـ= يوليو 1233م).



وواصل ملك أراجون حملته ونجح في الاستيلاء على عدد كبير من القلاع المهمة القريبة من بلنسية، ثم عاد إلى بلاده سنة (633هـ=1235م) بعد عامين قضاهما في تنفيذ مخططه، ليتابع شئون دولته الداخلية، وأقام هناك عامين توقفت خلالهما عملياته العسكرية ضد بلنسية، منتظرا الفرصة المناسبة للانقضاض عليها.



وفي الطريق.. أنيشة

ولما عاود ملك أراجون غزواته للاستيلاء على بلنسية تطلع إلى أن يحتل حصن أنيشة المنيع الواقع على سبعة أميال من بلنسية، وكان هذا الحصن يقع على ربوة عالية، ويطل على مزارع بلنسية وحدائقها، ويعد من أهم حصونها الأمامية.



وفطن الأمير زيان إلى أن عدوه يسابق الزمن حتى يضع يده على هذا الحصن المنيع، فقام بهدم الحصن وتسويته بالأرض، غير أن هذا الإجراء لم يثن ملك أراجون عن احتلال الحصن، فاتجه إليه بحشود ضخمة وبصحبته الأمير المرتد، وهاجم أنيشة وهزم المسلمين الذين تصدوا لمقاومته، واحتل المكان وابتنى فوقه حصنا جديدا منيعا، ووضع به حامية قوية، واتخذ منها قاعدة للسلب والإغارة على مختلف نواحي بلنسية.



وشعر الأمير زيان بخطورة القلعة التي أصبحت تهدد سلامة بلاده، فعزم على استعادة هذا الحصن مهما كان الثمن، فجهز جيشا كبيرا تصفه بعض المصادر بأنه بلغ أكثر من 40 ألف مقاتل، وسار نحو تل أنيشة لاسترداده، وهناك نشبت معركة هائلة لم ينجح المسلمون خلالها في تحقيق النصر على الرغم من شجاعتهم وحسن بلائهم، ومنوا بخسارة فادحة، واستشهدت أعداد هائلة من المسلمين.



وكان في مقدمة من استشهدوا في هذه المعركة: أبو الربيع سلميان بن موسى الكلاعي كبير علماء الأندلس ومحدثها يومئذ، وكان إلى جانب علومه وأدبه، وافر الشجاعة كريم الخلق، يشهد المعارك ويتقدم الصفوف ويبث روح الشجاعة والإقدام في نفوس الجند، ويحثهم على الثبات، ويصيح فيهم قائلا: "أعن الجنة تفرون؟!".



لكن كل ذلك لم يكن حائلا دون وقوع الكارثة التي حلت فصولها في (25 من ذي الحجة 634هـ = 14 من أغسطس 1237م)، وكان سقوط هذا الحصن نذيرا بأن مصير بلنسية قد اقترب، وأن نهايتها صارت قاب قوسين أو أدنى لا محالة.



الفصل الأخير

كانت نهاية الفصل الأخير من مأساة بلنسية قد اقتربت، ولاح في الأفق الحزين غروب شمسها، وكان قد


سبقها إلي هذا المصيرمدينة قرطبة العظيمة التي سقطت في يد فرناندو الثالث ملك قشتالة، وخيم على الناس روح من اليأس والقنوط، وقلت ثقتهم بعد نكبة أنيشة، وتضاءلت مواردهم، وضعف أملهم في نصير يستنجدون به.

وكانت هذه الظروف الحرجة التي تحيط بأهالي بلنسية أسبابا مواتية لملك أراجون تحثه على الإسراع في الإجهاز على فريسته قبل أن تدب فيها روح قوية قد تمنعه من تحقيق حلمه؛ فخرج إلى الجنوب صوب بلنسية، وأثناء سيره كانت تتوالى عليه رسائل من معظم الحصون القريبة من بلنسية تعلن الدخول في طاعته.



وواصل الملك سيره، وكانت الإمدادات تنهال عليه بالرجال والمؤن حتى إذا اقترب من المدينة كان جيشه قد تضخم بما انضم إليه من حشود الحرس الوطني ببرشلونة، والمتطوعين الفرنسيين الذين جاءوا إليها بطريق البحر، وبلغ مجموع هذه الحشود أكثر من 60 ألف جندي، وبدأ الحصار في (5 من رمضان 635هـ = أبريل 1238م) حيث شدد النصارى حصارهم على بلنسية.



أدرك بخيلك خيل الله أندلسا

وأثارت قوات الأرجوانيين حماس أهالي المدينة على الرغم من قلة العدد وضآلة الموارد، فعزموا على الثبات والدفاع عن المدينة حتى آخر رمق. وكان الملك أبو جميل زيان أكثرهم عزما وإصرارا، وبذل محاولات حثيثة لطلب النجدة من البلاد الإسلامية القريبة، لكنها كانت عاجزة عن أداء واجبها؛ فامتد بصره إلى دولة إسلامية فتية تقع في شمال أفريقيا


هي دولة الحفصيين، وبعث إليها بسفارة على رأسها وزيره وكاتبه المؤرخ الكبير ابن الأبار القضاعي، يحمل إلى سلطانهاأبي زكريا الحفصي بيعته وبيعة أهل بلنسية، ويطلب منه سرعة النجدة والنصرة.

ولما وصل ابن الأبار إلى تونس، ومثل بين يدي سلطانها في حفل مشهود ألقى قصيدته السينية الرائعة التي يستصرخه فيها لنصرة الأندلس، ومطلعها:




أدرك بخيلك خـــيلِ الله أندلــسا ** إنّ السـبيلَ إلى مناجاتها درسـا
وهبْ لها من عزيز النصر ما التمست ** فلم يزل منك عز النصر ملتمسا
وفي بلنــسيةٍ منــها وقرطــبةٍ ** ما ينــسف النفسَ أو ينزف النفسا
مدائــنٌ حلّها الإشــراك مبتـسما ** جــذلانَ وارتحل الإيمانُ مبتئسا



وكان لهذه القصيدة المبكية أثرها في نفس السلطان الحفصي، فبادر إلى نجدة البلدة المحاصرة، وأسرع بتجهيز 12 سفينة حربية محملة بالمؤن والسلاح، وعهد بقيادة هذه النجدة إلى ابن عمه أبي زكريا يحيى بن أبي يحيى الشهيد، وأقلعت هذه السفن على جناح السرعة إلى المحاصرين لنجدتهم، لكنها لم تتمكن من إيصال هذه النجدة إلى أهلها، نظرا للحصار الشديد المفروض على بلنسية من جهة البحر، وانتهى الأمر بأن أفرغت السفن شحنتها في ثغر دانيه الذي يقع بعيدا عن بلنسية المحاصرة، وهكذا فشلت محاولة إنقاذ المدينة وإمدادها بما يقويها على الصمود.



تسليم المدينة.. صلحا

وفي الوقت الذي كان فيه أهالي بلنسية يعانون الضيق والحصار ولا يجدون من يمد لهم يد النجدة كانت تنهال عليهم الضربات من كل جانب، لكنهم كانوا عازمين على المقاومة والدفاع، فكانوا يخرجون لمقاتلة النصارى في شجاعة وبسالة، واستمر الحصار على هذا النحو زهاء 5 أشهر، والبلنسيون يضربون أروع الأمثلة في الثبات والمقاومة، لكن ذلك لم يكن ليستمر بدون إمداد وعون.



وشعر المسلمون في المدينة بحرج موقفهم بعد أن فنيت الأقوات وتأثرت أسوار المدينة وأبراجها، وأدرك الأمير زيان ومن معه من وجهاء المدينة أنه لا مفر من التسليم قبل أن ينجح الأعداء في اقتحام المدينة ويحدث ما لا يحمد عقباه؛ فبعث الأمير زيان ابن أخيه ليفاوض ملك أراجون في شروط التسليم، واتفق الفريقان على أن تسلم المدينة صلحا.



مشهد حزين.. ومتكرر!




وفي يوم الجمعة الموافق (27 من صفر سنة 636هـ= 9 من أكتوبر 1238م) دخل خايمي ملك أراجون بلنسية ومعه زوجه وأكابر الأحبار والأشراف والفرسان، ورفع علم أراجون على المدينة المنكوبة، وحولت المساجد إلى كنائس، وطمست قبور المسلمين، وقضى الملك عدة أيام يقسم دور المدينة وأموالها بين رجاله وقادته ورجال الكنيسة.. وهكذا سقطت بلنسية في أيدي النصارى بعد أن حكمها المسلمون أكثر من 5 قرون.

IroN MaN
04-09-2008, 06:43 AM
إسماعيل الصفوي ودولته.. في الميزان



يمثل تاريخ الدولة الصفوية في إيران منعطفا خطيرا في تاريخها، فبقيامها اتخذت إيران المذهب الشيعي الإثنا عشري مذهبا رسميا، وكان لهذا التحول آثاره البعيدة في تاريخ إيران خاصة وتاريخ العالم الإسلامي عامة.


وينتسب الصفويون إلى أحد شيوخ التصوف يسمى "صفي الدين الأردبيلي" عاش في الفترة من (650هـ= 1334م)، وكان رجلا نشيطا دائب الحركة والسعي؛ استطاع أن يجذب الأتباع حوله في فارس، وأن ينشر بينهم المذهب الشيعي.



نجح أبناء الأردبيلي وأحفاده في نشر المذهب، والتمكين له بين المحبين والمريدين، وصارت لهم قوة وقدرة على المشاركة في الأحداث السياسية في المناطق التي يقيمون بها، وتحولوا من أصحاب دعوة وشيوخ طريقة إلى مؤسسي دولة لها أهدافها السياسية والمذهبية.



وكانت الأجواء التي تعيشها إيران في أواخر القرن التاسع الهجري من التمزق السياسي وشيوع الفوضى أفضل مناخ استغله الصفويون لجذب المزيد من الأنصار، والتطلع إلى قيام دولة تدين بالمذهب الشيعي لأول مرة في تاريخ الإسلام.



المولد والنشأة

ولد إسماعيل الصفوي في (25 من رجب 892هـ=25 من يوليو 1487م)، وعاش بعد وفاة أبيه في كنف "كاركيا ميرزا" حاكم "لاهيجان" الذي كان محبا للصفويين. ظل إسماعيل الصفوي 5 سنوات تحت سمع هذا الحاكم وبصره، حتى شبّ قويا محبا للفروسية والقتال، قادرا على القيادة والإدارة.



وفي أثناء هذه الفترة كانت الدولة تعيش فترة صراعات بين أفراد أسرة آق قويونلو التي كانت تحكم فارس آنذاك، وهو ما استغله أنصار الصفويين، وأمّروا عليهم إسماعيل الصفوي، وكان صغيرا لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، لكنه كان مهيأ للقيادة والزعامة بفضل الرعاية التي أحاطه بها حاكم لاهيجان.



تمكن إسماعيل الصفوي وأنصاره من خوض عدة معارك ضد حكام بعض المناطق في إيران والتغلب عليهم، وتساقطت في يده كثير من المدن الإيرانية، وتوج جهوده بالاستيلاء على مدينة "تبريز" عاصمة آق قويونلو، ودخلها دخول الفاتحين، ثم أعلنها عاصمة لدولته.



وبدخول إسماعيل مدينة تبريز تم تتويجه ملكا على إيران، ولقبه أعوانه بأبي المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي، وذلك في سنة (907هـ = 1502م) وأصدروا العملة باسمه.



المذهب الشيعي.. المذهب الرسمي للدولة

كانت إيران سنية المذهب -وإن كانت العناصر الشيعية متمركزة في بعض المدن مثل: كاشان، وقم، والرَّي- وعقب تتويج إسماعيل الصفوي ملكا على إيران أعلن فرض المذهب الشيعي مذهبا رسميا للدولة دون مقدمات.



استقبل الناس هذا القرار بعدم رضا، حتى إن علماء الشيعة أنفسهم ذهبوا إلى الشاه إسماعيل وقالوا له: "إن ثلاثة أرباع سكان تبريز من السنة، ولا يدرون شيئا عن المذهب الشيعي، ونخشى أن يقولوا: لا نريد مُلك الشيعة"، لكن إسماعيل لم يهتم باعتراضهم، وأمر الخطباء والمؤذنين أن يتلوا تشهد الشيعة (أشهد أن عليا ولي الله، حي على خير العمل) في الأذان.



استسلم الناس لهذا الجبر في فرض مذهب الشيعة عليهم، ما عدا بعضهم الذين لقوا حتفهم على يد إسماعيل الذي تمكن من فرض المذهب الشيعي بحد السيف، بالإضافة إلى سعيه لإنشاء عدد من المدارس لتدريس المذهب ونشره بين الناس.



الصفوي في مواجهة الأوزبك

بعد أن فرغ إسماعيل الصفوي من القضاء على منافسيه المتفرقين في مختلف أنحاء إيران، بدأ يوجه همه إلى تدعيم الوحدة السياسية لدولته، ويعد العدة ليضع يده على كل بلاد فارس، وكان لا بد من الاصطدام بقبائل الأوزبك التي كانت تموج في المناطق الشمالية الشرقية من فارس.



كانت قبائل الأوزبك تعتنق المذهب السني، وتحت زعامة محمد شيباني الذي نجح في أن يقيم ملكا على حساب الدولة التيمورية، وأن يستولى على عاصمتها "سمرقند" وأن يمد سيطرته على "هراة" في مطلع سنة (913هـ = 1507م).



وهكذا أصبح الأوزبك وجها لوجه أمام إسماعيل الصفوي، وزاد من الصراع بينهما التراشق المذهبي بينهما، وبلغ من اعتداد محمد شيباني أن أرسل إلى إسماعيل الصفوي يدعوه إلى ترك المذهب الشيعي والعودة إلى مذهب السنة والجماعة، ويهدده بحرب ضروس في قلب إيران ذاتها، وبهذا أصبح لا مفر من الحرب بينهما.



كان شيباني يتصف بالجرأة والإقدام، لكنه لم يكن على مستوى عدوه إسماعيل الصفوي في المراوغة والخداع في الحروب، فاستغل إسماعيل ذلك، وجرَّ خصمه إلى معركة كان قد استعد لها تماما، وتمكن من إلحاق هزيمة مدوية به في "محمود آباد" -وهي قرية تبعد قليلا عن مرو- وذلك في سنة (916هـ= 1510م).



استشهد شيباني نفسه في المعركة، وبعد استشهاده أعمل إسماعيل الصفوي القتل في أهل مرو، وأمضى فصل الشتاء في هراة، وأعلن فيها المذهب الشيعي مذهبا رسميا، على الرغم من أن أهالي هذه المناطق كانت تدين بالمذهب السني.

IroN MaN
04-09-2008, 06:47 AM
السقوط في جالديران

اتسمت العلاقات بين الدولة الصفوية الناشئة والعثمانيين بالهدوء، وساعد على ذلك أن السلطان بايزيد الثاني الذي تولى بعد محمد الفاتح كان رجلا يحب السلام ويحب الأدب والفلسفة، ويميل إلى دعم العلاقات العثمانية الصفوية، لكنه حين علم أن إسماعيل الصفوي يتمادى في إلحاق الأذى بالسنة، مما جعلهم يهربون إلى الأراضي العثمانية كتب إليه أن يلتزم بالعقل والحكمة في معاملتهم.

ومع تولي السلطان سليم الأولمقاليد الحكم في العثمانية ازداد التوتر بين الدولتين، وكان سليم الأول ينظر بعين الارتياب إلى تحركات الصفويين، ويخشى من تنامي قوتهم وتهديدهم لدولته؛ فعزم على مهاجمة خصمه وتسديد ضربة قوية قبل أن يستعد للنزال.

جمع السلطان سليم الأول رجال الحرب والعلماء والوزراء في مدينة أدرنة في (19 من المحرم 920هـ= 16 من شهر مارس 1514م)، وذكر لهم خطورة إسماعيل الصفوي وحكومته الشيعية في إيران، وأنه اعتدى على حدود الدولة العثمانية، وأنه فصل بدولته الشيعية المسلمين السنيين في وسط آسيا والهند وأفغانستان عن إخوانهم في تركيا والعراق ومصر.

ولم يجد السلطان العثماني صعوبة في إقناع الحاضرين بضرورة محاربة الصفويين؛ لأنهم صاروا خطرا داهما يهدد وجود العثمانيين، وخرج بعد 3 أيام من هذا الاجتماع على رأس جيش كبير متجها إلى إيران، ولم ينس وهو في طريقه أن يكتب إلى "عبيد الله خان" قائد الأوزبك يذكره بقتل عمه شيباني، ويحثه على الانتقام من إسماعيل الصفوي، ومهاجمة خراسان بمجرد وصول الجيش العثماني إلى إيران، وكان هدف سليم من ذلك أن يجعل إيران بين شقي الرحى من الغرب بهجومه، ومن الشرق بهجوم عبيد الله خان على خراسان.

حين علم إسماعيل الصفوي بقدوم القوات العثمانية -وكان مشغولا بإخراج الأوزبك من خراسان- عمل على تعطيل وصولها، فأمر بتخريب الطرق والقرى الواقعة في طريق الجيش العثماني؛ الأمر الذي أخّر وصول العثمانيين وأنهك قواهم، لكن ذلك لم يمنعهم من مواصلة السير إلى إيران، والإقامة في "سيواس" انتظارا للمعركة الحاسمة.

لم يبد إسماعيل الصفوي حماسا للمعركة، وحاول أن يتجنب ملاقاة العثمانيين باستدراج الجيش العثماني إلى داخل إيران، ليقطع خطوط الإمدادات عليه، لكن سليم الأول كان منتبها لما يدور في ذهن خصمه، فعزم على الإسراع في لقاء الصفويين، وخاصة بعد أن بدأ التذمر يشق طريقه إلى جنود العثمانيين من طول الانتظار وكثرة الانتقال من مكان إلى آخر.

التقى الفريقان في صحراء جالديرانفي شرق الأناضول في (2 رجب سنة 920هـ = 24 من أغسطس 1514م) وانتهت المعركة بهزيمة إسماعيل الصفوي هزيمة نكراء، وفراره من أرض المعركة إلى أذربيجان، ووقوع كثير من قواده في الأسر.

وفي (14 من شهر رجب 920هـ= 5 من سبتمبر 1514هـ) دخل سليم الأول مدينة تبريز عاصمة الصفويين واستولى على أموال إسماعيل الصفوي وبعث بها إلى إستانبول، ثم قفل راجعا إلى بلاده، مكتفيا بهذا النصر الكبير، غير راغب في اقتفاء أثر إسماعيل الصفوي والتوغل في بلاده.

ما بعد السقوط

وعلى الرغم من الهزيمة المدوية التي لحقت بإسماعيل الصفوي، فإنها لم تحسم الصراع لصالح العثمانيين، وظل كل طرف يتربص بالآخر وينتهز الفرصة للانقضاض عليه، ونظرا لفداحة خسائر الصفويين؛ فقد حاول إسماعيل الصفوي أن يبرم صلحا مع السلطان سليم الأول، لكن محاولته لم تلق قبولا لدى السلطان العثماني، بل زج السفيرين اللذين أرسلهما إسماعيل في السجن؛ تعبيرا عن رفضه للصلح.

وترتب على انتصار سليم الأول أن نهض رؤساء كردستان -وكانوا من السنة- لمساندة العثمانيين، ولم يمض وقت طويل حتى انضمت 25 مدينة للحكم العثماني، على الرغم من الاستحكامات العسكرية التي أقامها الصفويون بها.

توسع العثمانيون فضموا إليهم ديار بكر وماردين وسائر مدن كردستان حتى أصبح الجزء الأكبر من أراضي الأكراد في يد العثمانيين، وأصبح الإيرانيون وجها لوجه أمام العثمانيين، وبات من الصعب على الصفويين التوسع على حساب العثمانيين.

آثار السقوط والهزيمة

تركت الهزيمة التي لقيها إسماعيل الصفوي آثارا قاسية في نفسه، ولم يكن قد لحقت به هزيمة قبل ذلك؛ فانصرف إلى العزلة، وغلب عليه اليأس، وارتدى لباسا أسود اللون، ووضع على رأسه عمامة، وكتب على أعلامه السوداء كلمة "القصاص"، وانصرف إلى معاقرة الخمر حتى أدمنها، وشغل نفسه بالتفكير في طريقة الانتقام من غريمه سليم الأول، إلا أن المنية عاجلت سليم الأول سنة (926هـ = 1520م) وهو في طريقه لغزو إيران مرة أخرى.

شجعت وفاة سليم الأول المفاجئة إسماعيل الصفوي على أن تستحكم منه الرغبة في الانتقام من العثمانيين من جديد، غير أن الموت اغتال أمنياته؛ فمات متأثرا بالسل وعمره سبعة وثلاثون عاما في (18 من رجب سنة 930هـ= 31 من مايو 1524م) على مقربة من أذربيجان، ودفن في أربيل إلى جوار أجداده، وخلفه في الحكم طهماسب الأول.

الصفوي.. في الميزان

ليس ثمة شك في أن إسماعيل الصفوي كان يتمتع بصفات مؤسس الدولة من الذكاء والصبر والقدرة على التحمل، والقيادة والشجاعة، والقدرة على حشد الأتباع والتأثير فيهم والسيطرة عليهم، ووضع نظم الإدارة، وكان حظه من ذلك موفورا؛ فقد تولى الحكم يافعا، لكن صغر سنه لم يحل بينه وبين تأسيس دولة وصلت حدودها إلى ما كانت عليه أيام الساسانيين؛ فشملت فارس والعراق وخوزستان وكرمان وخراسان.

ولكن يؤخذ عليه إدمانه الخمر، وغلبة طابع الفجور على كثير من فترات حياته، وقسوته البالغة مع أعدائه وخصومه، وميله إلى التشفي والانتقام منهم حتى بعد وفاتهم.

ونعجب أن هذه القسوة التي غلبت على إسماعيل الصفوي كانت تصدر من رجل كان يحب الشعر وينظمه بالعربية والتركية والفارسية، وله ديوان شعر بالتركية يضم أشعارا في مدح الرسول، وعلي بن أبي طالب والأئمة الاثني عشر.

ويجب التنويه إلى أن سياسة إسماعيل الصفوي فتحت بابا لظهور النفوذ الأجنبي، لا في إيران بل في منطقة الخليج العربي، وألحقت ضررا بالإسلام بعد تصعيد حدة الصراع بين العثمانيين والصفويين، وتحول الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة إلى صراع مسلح.

IroN MaN
04-09-2008, 12:08 PM
القبارصة ينهبون الإسكندرية


لم تنته الحروب الصليبية في المشرق الإسلامي باسترداد المسلمين لمدينة عكا في (17 من جمادى الأولى سنة 690هـ=18 من مايو 1291م)، والتي ترتب عليها تصفية الوجود الصليبي في الساحل الشامي بعد احتلال دام قرنين من الزمان، وكان للسلطان المملوكي الأشرف خليل قلاوون شرف وضع هذه النهاية المشرقة، ووضع اسمه في قائمة أبطال المسلمين الذين قادوا حركة الجهاد ضد الصليبيين التي تضم آق سنقر، وعماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي،و الظاهر بيبرس.
وظن الناس أن هذه النهاية التي وضعها الأشرف خليل طوت صفحة الحروب الصليبية، وأن عهدا من العلاقات السلمية سينشأ من جديد، لكن ذلك كان ضربا من ضروب الأحلام، فقد كانت فكرة معاودة الغزو لا تزال تشغل أذهان بعض ملوك أوربا، وكان الحقد الدفين ضد المسلمين لا يزال يأكل صدور باباوات الكنيسة، وكان العدو ينتظر اللحظة المناسبة للغزو والانقضاض.

قبرص تجدد الدعوة للصليبية
تولى بطرس الأول لوزينان عرش قبرص سنة (760هـ=1359م)، خلفا لأبيه هيو الرابع، وكانت نفسه تطمح إلى أن يكون البطل المدافع عن المسيحية، وأن يكرس حياته لخدمة الحروب الصليبية، واستهل حكمه بمهاجمة شواطئ آسيا الصغرى وانتزاع عدة قواعد مهمة من السلاجقة الأتراك، لكن ذلك لم يكن كافيا لإشباع نهمه ورغبته في أن يكون بطلا يلقى تأييدا من الكنيسة، وتحيطه العيون بنظرات الإعجاب والتقدير، ففكر في القيام بحملة صليبية كبرى هدفها احتلال بيت المقدس، وطاف بغربي أوربا ثلاث سنوات للدعاية لحملته والحصول على معونات دولها، لكنه لم يجد ما كان يأمله من عون ومساعدة، ولم يظفر إلا بانضمام عدد كبير من صغار الفرسان ومباركة البابا أوربان الخامس لحملته، واحتشد لديه في النهاية مائة وخمس وستون سفينة مشحونة بالرجال والمؤن والسلاح، وتجمعت في مياه جزيرة رودس تنتظر الإبحار إلى الهدف المنشود.

التوجه إلى الإسكندرية
لم يكن بطرس الأول قد حدد المكان الذي يتوجه إليه ليضرب المسلمين في مقتل، فاستشار خاصته، فنصحه أحدهم بالتوجه إلى الإسكندرية وأن يهاجمها في يوم الجمعة، والمسلمون في المساجد، فقبل الملك هذه الفكرة بعد تردد، إذ كان يخشى مهاجمة مدينة عظيمة مثل الإسكندرية، ولم تكن مهاجمة مصر بعيدة عن أذهان قادة الحروب الصليبية من قبل فقد تعرضت لحملتين سابقتين، وباءتا بالفشل، وكان احتلال مصر في أذهان هؤلاء الغزاة خطوة أولى لاستخلاص الأراضي المقدسة من المسلمين.
واتخذ بطرس الأول الاحتياطات اللازمة لسرية الحملة، ومنع تسرب أخبارها إلى مصر فيستعد أمراؤها لمواجهة الحملة، وكان الغزاة قد اختاروا وقتا مناسبا لحملتهم، فنائب الإسكندرية صلاح الدين خليل بن عوام متغيب عنها لذهابه إلى أداء فريضة الحج، وحل محله أمير يدعى "جنغرا" ضعيف الشخصية، غير متمرس بأمر الحرب، لا يصلح لمواجهة مثل هذه الظروف.
ولم تكن تحركات الغزو خافية عن القائمين على الأمر في مصر على الرغم من السرية البالغة التي أحاطت بتحركات الحملة، غير أنها لم تؤخذ لدى المصريين على محمل الجدية، وكانوا يعتقدون "أن القبرصي أقل وأذل من أن يأتي إلى الإسكندرية"، وكل ما قام به نائب السلطنة في المدينة أن قام بتعلية سور المدينة القصير في بعض الجهات التي تواجه الميناء.
وفي الوقت الذي لم تستعد فيه الإسكندرية لمواجهة الخطر الذي سيحدق بها كان الملك القبرصي على دراية تامة بدفاعات المدينة ومواطن الضعف فيها.
ويصف النويري الإسكندراني وهو المؤرخ الوحيد الذي عاصر الحملة وشاهد كوارثها تلك الدفاعات وصفا لاذعا، فيقول: "وكان الخبر يأتي إلى القبرصي أن الإسكندرية بها طوائف قاعات يبيتون بساحل ميناها، ولم يعرفوا الحرب ولا باشروه أبدا، بل يخرجون متزينين بالملبوس، قد تطيلسوا من فوق العمائم التي على الرؤوس، يتبخترون في مشيتهم، ويتطيبون بطيبهم، فتزغرد لهم النسوان، ويصير كل واحد بزينته فرحان، ومعهم الأسلحة الثقال، ولكن ليس تحتها لموقف الحرب رجال، مع كل واحد منهم سيف تقلده، مجوهر النصل جيده، مزخرف بالذهب كجمرة نار ملتهب، ومع ذلك حامله جبان، يفزع من نعيق الغربان".

IroN MaN
04-09-2008, 12:12 PM
الحملة على شواطئ المدينة
وفي (20 من المحرم سنة 767هـ=7 من أكتوبر 1365م) قدم الأسطول القبرصي مدينة الإسكندرية في وسط أجواء مهيئة لنجاح مهمته على النحو الذي أشرنا إليه، وحسب الناس أن الأسطول القادم أسطول من البندقية جاء ليشتري التوابل كالمعتاد، فأسرعوا لرؤيته، غير أنهم فوجئوا بعد أن رسا على الشاطئ أنه جاء للغزو والنهب، وأن الجنود القبارصة جاءوا بسيوفهم المسلولة لضرب أهالي المدينة العزل من السلاح، وأدرك الناس الحقيقة ولم يكونوا مستعدين لمواجهتها، فاستولى عليهم الرعب، وقضوا ليلتهم في خوف وفزع.
وفي صباح اليوم التالي أقبلت السفن وقد ملأت البحر لكثرتها ورست على الشاطئ، وأيقن المدافعون عن المدينة بحقيقة الموقف العصيب، فأغلقوا أبوابها، وامتلأت قلاع المدينة المواجهة للميناء بالرجال والرماة، وتدافع الفرسان إلى أسوار المدينة لدفع الخطر القادم، وبذل الناس محاولات مستميتة في الدفاع والاستبسال، لكنها لم تستطع الصمود أمام هجمات القبارصة الذين نزلوا بر الإسكندرية في نهار يوم الجمعة الموافق 22 من المحرم، وانتظروا استعدادا للخطة الحاسمة التي ينقضون فيها على المدينة التي لم يحسن أمراؤها مواجهة هذا الهجوم الزاحف.

سقوط الإسكندرية
ولم يستطع المهاجمون الاقتراب في بادئ الأمر من أسوار المدينة وأبراجها الحصينة، خوفا من سهام المدافعين التي كانت تحصد كل من يقترب من الأسوار، ثم اكتشف العدو أن جانبا من السور خال من المدافعين، فنصبوا عليه سلالمهم الخشبية، وصعدوا عليها إلى أعلى السور، واتجه بعضهم إلى باب السور الذي في هذه الجهة، ويعرف بباب الديوان فأحرقوه، وقد أذهلت هذه المفاجأة المدافعين عن المدينة، بعد أن تدفق القبارصة إلى داخل المدينة، فعجزوا عن رد هذا الهجوم، وأصاب الناس فزع شديد، فاتجهوا نحو بوابات المدينة طلبا للأمان والنجاة بحياتهم، فضاقت الأبواب على الفارين لكثرتهم، فهلك منهم المئات من شدة الزحام.
وفي أثناء ذلك نجح نائب المدينة "جنغرا" بجمع ما في بيت المال من ذهب وفضة، وقبض على تجار الفرنج وقناصلهم بالمدينة وكانوا نحو خمسين وقادهم إلى دمنهور وهم مقيدون بالسلاسل.
ولم تمض ساعات حتى سقطت الإسكندرية في يد بطرس الأول ملك قبرص فدخلها باطمئنان وحوله جنوده، يمني نفسه ببناء إمارة صليبية، ويعيد ما كان لسلفه من الصليبيين من إمارات في بلاد الشام.
ويتعجب النويري المؤرخ المعاصر لهذه الكارثة لسقوط المدينة بهذه السهولة المفرطة، فقد جرت العادة أن تقاوم المدن شهورا وسنوات، وينحى باللائمة على أهل الثغر، ويتهمهم بالتفريط وعدم الثبات في المقاومة، إذ لو بقي كل واحد منهم بداره ورمى الفرنج من أعلاه بالطوب والحجارة لسلم للمسلمين ما بالدور على الأقل.

وحشية الغازي
وما أن دخل بطرس الأول وجنوده المدينة حتى قاموا بنهب الحوانيت والفنادق وأحرقوا القصور والخانات، واعتدوا على النساء، وخربوا الجوامع والمساجد، وقتلوا كل من وجدوه في الشوارع والمنازل والجوامع والحوانيت والحمامات، وبلغ من وحشيتهم ورغبتهم في التشفي أنهم كانوا يقتلون المرأة ويذبحون ابنها على صدرها، ولم يفرقوا في النهب والتدمير بين المنشآت الخاصة بالتجار المسلمين أو التي تخص المسيحيين مثل فنادق أهل جنوة ومرسيليا، ولم يقتصروا على ذلك، بل أخذوا معهم أسرى من المسلمين وأهل الذمة، وبلغ عددهم كما يقول النويري مؤرخ هذه الكارثة: "نحو خمسة آلاف نفر ما بين مسلم ومسلمة ويهودي ذمي ويهودية، ونصراني ونصرانية وإماء وأطفال"، وقد حملت سبعين سفينة قبرصية أكثر من طاقتها من الغنائم، حتى إنها اضطرت إلى إلقاء أجزاء من حمولتها في البحر، منعا لتعرضها للغرق أو الإبحار البطيء، فيعرضها بالتالي للمعارضة من قبل البحرية المصرية.

IroN MaN
04-09-2008, 12:14 PM
دخلها لصا وخرج منها لصا
بعد أن سقطت الإسكندرية فكر بطرس الأول في الاحتفاظ بالمدينة حتى تأتي النجدة من أوربا، لكن هذا الرأي لقي معارضة شديدة من قبل كثير من الأمراء الذين أجمعوا على ضرورة العودة والاكتفاء بما حققوه من غنائم، وأصروا على رأيهم، فاضطر الملك للرضوخ لرأيهم، في الوقت الذي تحركت فيه القاهرة، وبعثت بطلائعها العسكرية، لاسترداد المدينة، وطرد الغازي المحتل، فوصلت والصليبيون في مرحلة الإقلاع بسفنهم ودارت مفاوضات بين السلطات المصرية وبطرس الأول الذي بدأ في الانسحاب إلى البحر على تبادل الأسرى المسلمين بجميع التجار المسيحيين من الإفرنج وكانوا نحو خمسين لكن المفاوضات تعثرت بعد أن قرر بطرس الأول الإبحار بسرعة مكتفيا بما حققه من سلب ونهب، واحتلال دام بضعة أيام، وخوفا من أن تطارده البحرية المصرية.

احتفالات بنصر مزيف
ولما عاد بطرس الأول لوزجنان إلى قبرص أقيمت له احتفالات عظيمة، وأخذ هو في كتابة الرسائل إلى البابا وملوك أوربا يخبرهم بما أحرزه من نصر وما حققه من نجاح ويبرر لهم عدم احتفاظه بالإسكندرية بقلة ما في يديه من سلاح، ويؤكد لهم على معاودة الكرة مرة أخرى.
وفد أحدث هذا الحدث فرحا شديدا في أوربا، وبعث البابا إلى بطرس الأول مهنئا، كما أرسل إلى ملوك أوربا وأمرائها يناشدهم في الإسراع بتقديم العون والمساعدة للملك المظفر!
ثم تدخلت بعد ذلك مساعي الصلح بين سلطان مصر وبطرس الأول، ودارت مفاوضات بينهما لتبادل الأسرى وهو الشرط الذي وضعه السلطان للصلح، فوافق الملك بطرس على ذلك، وعاد الأسرى المسلمون إلى الإسكندرية.

قبرص ولاية مصرية
ولم تجد محاولات الصلح بين دولة المماليك في مصر وجزيرة قبرص التي دأبت سفنها على مهاجمة السفن المحملة بالبضائع إلى مصر؛ الأمر الذي أفزع السلاطين المماليك وهدد تجارة مصر في البحر المتوسط.
وظل الأمر على هذا النحو من التوتر حتى هاجم القراصنة القبارصة سنة (827هـ = 1424م) سفينتين بالقرب من دمياط تحملان بضائع وساقوهما إلى قبرص، ثم استولى "جانوس" ملك قبرص على سفينة محملة بالهدايا كان قد بعثها السلطان برسباي إلى السلطان العثماني مراد الثاني، وعلى إثر ذلك قرر السلطان برسباي وضع حد لهذا التعدي السافر، والقضاء على خطر القبارصة، فقرر فتح الجزيرة وضربها بيد من حديد، واستعد لهذا الأمر فأشرف بنفسه على بناء سفن جديدة في دار الصناعة ببولاق "وأمر ببناء سفن أخرى في بيروت وطرابلس حتى نجح في تكوين أسطول قوي قادر على تحقيق النصر".
وأرسل السلطان ثلاث حملات عسكرية لفتح جزيرة قبرص في ثلاث سنوات متتالية، نجحت الثالثة في أن تفتح الجزيرة بعد قتال عنيف سنة (829هـ = 1426م) وتوغلت داخل الجزيرة واحتلت عاصمتها نيوقسيا، وأحرقت الأسطول القبرصي وبعد أن دخل قائد الحملة الأمير تغري بردي المحمودي قصر الملك أعلن أن الجزيرة أصبحت من جملة بلاد السلطان الأشرف برسباي.
وعادت الحملة بعد هذا النصر الكبير إلى مصر، ومعها آلاف الأسرى، وعلى رأسهم جانوس ملك قبرص، فخرجت القاهرة لاستقبالها باحتفال مهيب، وعندما دخل الملك القبرصي على السلطان قبل الأرض وأخذ يستعطف السلطان.
وبعد مباحثات جرت بين الملك القبرصي والسلطان المصري، وافق الأخير على إطلاق جانوس مقابل فدية قدرها مائتي ألف دينار، وأن يكون نائبا للسلطان في الجزيرة، وبذلك أصبحت قبرص ولاية مصرية.

البريتور
04-09-2008, 04:25 PM
موضوع متميز جدا ..،

IroN MaN
05-09-2008, 03:56 AM
"4 فبراير".. الانقلاب العسكري الأول في مصر

وصفت الحياة السياسية في مصر قبل حركة يوليو 1952 بأنها كرسي مكون من ثلاثة أرجل: الإنجليز والقصر والوفد؛ فإذا اختفى إحداها يصبح الكرسي غير مستقر، وغير متزن.
وفي هذا الإطار الثلاثي كانت تدور الحياة السياسية في مصر، صراعا، وتوافقا، رغم وجود عدد من السياسيين وأحزاب الأقلية التي حاولت النفاذ للحياة السياسية في ظل وجود الفجوات الكبيرة بين الثلاثة.
وتأتي حادثة (4 فبراير) التي وقعت في (18 من المحرم 1361هـ = 4 من فبراير 1942م) لتكشف الستار عن كثير من الممارسات السياسية في تلك الفترة، وإن كان من الضروري وضع هذه الحادثة في إطارها الدولي والداخلي حتى يمكن فهمها وتفسيرها، وعدم الاكتفاء باستعراض الأحداث فقط.
وملخص الحادثة أن قوات الاحتلال البريطانية قامت بمحاصرة الملك فاروق وأرغمه السفير البريطاني في القاهرة مايلز لامبسون على التوقيع على قرار باستدعاء مصطفى النحاس باشا، زعيم حزب الوفد لتشكيل الحكومة بمفرده، وقبل النحاس زعيم أكبر حزب شعبي في مصر أن يأتي إلى الحكم بهذا الأسلوب الذي وصفه البعض بأنه جاء إلى الوزارة على أسنة الحراب البريطانية، وهو ما طعن في شعبية الوفد بعد ذلك، وجعل الفروق بينه وبين خصومه من الأحزاب الأخرى تبدو لكثيرين فروقا في الدرجة، وليست فروقا في نوع الموقف السياسي، على حد تعبير المفكر طارق البشري.
ويؤكد الكاتب السياسي حسنين هيكل أن هذه الحادثة عبرت عن مآزق وطنية، ومآزق شرعية، ومآزق سلطة ترتبت عليها نتائج خطيرة فيما جرى بعدها؛ إذ إن الدبابات التي حاصرت قصر عابدين -مقر الملك فاروق- لم تترك لأحد فرصة للشك في أن الإنجليز هم المصدر الأعلى للقرار السياسي في مصر، وكان قبول الوفد بهذه الطريقة في الصعود للسلطة اعترافا بشرعية هذا المصدر الأعلى للقرار، ثم تأكد ذلك عندما قام قادة المظاهرات الوفدية التي حملت النحاس إلى مقر الوزارة بحمل مايلز لامبسون الرجل الضخم الجثة الذي كان فاروق يسميه جاموس باشا، فوق الأعناق، وهو ذاهب إلى مقر الوزارة لتهنئة النحاس بعودته للسلطة.

السياق الدولي لحادثة 4 فبراير
ارتبطت حادثة 4 فبراير بسياق دولي جعل الإنجليز يلجئون إلى التدخل بشكل سافر في السياسة المصرية، ويرغمون فاروق على إسناد الوزارة إلى حزب الوفد صاحب النفوذ الشعبي الكبير، وكان هذا السياق مرتبطا بظروف وتطورات الحرب العالمية الثانية إذ استطاعت ألمانيا أن تحقق عددا من الانتصارات في بداية الحرب، فاحتلت بولندا في 17 يوما فقط، ثم استطاعت الجيوش الألمانية في بدايات عام (1360هـ=1941م) السيطرة على عدد من بلدن شمال أوربا بسهولة كبيرة، مثل بلجيكا ولوكسمبورج، وهولندا، ثم تدفق الألمان إلى باريس وسيطروا على فرنسا، ولم يبق أمام هتلر من قوة تتحداه في أوربا سوى بريطانيا تلك الإمبراطورية المترامية الأطراف، ووجد هتلر أن غزو بريطانيا يكلفه أكثر مما يستحق؛ لذا اتفق مع حلفائه الإيطاليين في الحرب، على أن يهاجم الإمبراطورية البريطانية على ضفاف البحر المتوسط؛ وهو ما سيؤدي إلى أن يفك البريطانيون قبضتهم على هذه الشواطئ الهامة، ولذا اتجه جيش ألماني قوي بقيادة القائد الشهير أروين روميل، بهدف دخول مصر واجتيازها إلى قناة السويس، والتقدم من سيناء إلى سوريا نحو الشمال والشرق لتحقيق هدف آخر وهو تكوين كماشة على الاتحاد السوفيتي، تطبق عليه بالتزامن مع هجوم ألماني من أوربا ينطلق من بولندا.
وانطلق روميل بطائرته التي هبطت في طرابلس الليبية في (16 من المحرم 1360هـ =12 من فبراير 1941م) لتحقيق هذا الهدف الألماني الكبير.
كانت مصر محورا هاما في هذا الصراع الدولي، وقد ازدادت أهمية القاهرة والخوف منها، مع تأثر بعض النخبة السياسية في مصر بالانتصارات الألمانية، خاصة فاروق، بل إن البعض رأى في الألمان منقذا لمصر من الاحتلال البريطاني، عن طريق التنسيق مع الألمان ضد بريطانيا مقابل حصول مصر على استقلالها.
وأمام هذا التحدي الكبير، قسمت الإمبراطورية البريطانية قيادتها إلى 3 جبهات رئيسية، تبعا لضرورات الصراع، الأولى: قيادة عامة، ومقرها لندن يتولاها رئيس الوزراء، وهي مكلفة بوضع الإستراتيجيات العليا للحرب، وهي مسئولة عن المسرح الأوربي، والثانية: قيادة رئيسية في مصر ومقرها القاهرة، ويتولاها وزير مفوض ومعه السفير البريطاني في القاهرة والقائد العام لقوات الشرق الأوسط، ولها التصرف وفق ما تقتضيه الضرورة دون الرجوع إلى لندن، ولكن في إطار الإستراتيجية العليا، والثالثة: قيادة رئيسية في الهند، ومقرها دلهي.

IroN MaN
05-09-2008, 04:01 AM
السياق الداخلي لحادثة 4 فبراير
صعد فاروق إلى عرش مصر سنة (1355 هـ=1937م)، وكان ما يزال صغير السن، وسط دعاية مركزة تحاول تبييض صورة القصر في عيون الشعب المصري، حتى يتمكن الملك من الحصول على أكبر قدر من السلطات في مواجهة البرلمان، بحيث يملك ويحكم في ذات الوقت، وساعده على ذلك اهتزاز شعبية الوفد بعد توقيعه على معاهدة 1936م.
ورسمت سياسة القصر على أن يظهر فاروق بأنه قريب من العامل والفلاح ويساند القضايا الإسلامية، وبلغ الصراع السياسي بين الملك والوفد أقصاه، وانتهى بإقالة وزارة النحاس باشا في (27 من شوال 1356 هـ=30 من ديسمبر 1937م) نظرا لمطالبة حكومة النحاس أن يمتد نفوذ الوزارة إلى القصر بحيث يتم تعيين وزير للقصر يكون خاضعا للحكومة والبرلمان وليس للقصر، وكان النحاس في تلك الفترة حديث عهد بالزواج، حيث تزوج للمرة الأولى في حياته وعمره (56) عاما.
وقد أدار الملك معركته السياسية لتوسيع سلطاته على حساب البرلمان، على أساس أن تتولى الحكومة وزارة من أحزاب الأقلية، بحيث تخضع له، وتنفذ ما يريد، وتكون معبرة عن الطبقات التي تمثلها، على أن يحل البرلمان الوفدي، وتجرى انتخابات جديدة تصطنع نتيجتها بما يكفل تمثيل أحزاب الأقلية التي تشكل الوزارة في البرلمان، بحيث لا يكون لأي حزب أغلبية مطلقة، وكان القصد من ذلك الاستعداد لفترة ما بعد الحرب، والتصدي للحركة الشعبية المتوقعة، ومحاربة الوفد، وأن تكون السلطة الحقيقية بيد الملك، وبقدر ما يزداد عدد الأحزاب في الوزارة والبرلمان يصعب على أي حزب منها منافسة سلطة القصر.
وقد ألف الوزارة محمد محمود رئيس حزب الأحرار الدستوريين، وقد مثلت جميع الأحزاب ما عدا حزب الوفد، حتى يضمن قوة سياسية يستطيع من خلالها مواجهة نفوذ النحاس. وفي اليوم التالي لتشكيل الوزارة التقى محمد محمود مع السفير البريطاني لامبسون، وأوضح له أنه على استعداد لأن يوقف الملك عند حده إذا تبين أنه تجاوز سلطاته الدستورية، لكنه أكد للإنجليز أنه من السهل التعامل مع فاروق.
حاول الملك والوزارة الجديدة التقارب من بعضهما، لكن ذلك لم يمنع من حدوث بعض الأزمات، إلا أن لامبسون ألقى اللوم على رئيس الوزارة في أنه يعامل الملك على أنه شخص ناضج، والواجب أن يعامله على أنه طفل في دور التربية.
وأبدى فاروق استهانة كبيرة بالحكومة، فاستقالت الوزارة، وصدر الأمر الملكي في (3 من رجب 1358 هـ=18 من أغسطس 1939م) لـ علي ماهر بتأليف الوزارة، فشكلها من المستقلين وحزب السعديين، وبالتالي أصبح اعتماده على القصر.
كانت وزارة علي ماهر مترددة في الدخول إلى الحرب، وتتبنى سياسة تجنيب مصر ويلات الحرب، وساندها في ذلك شيخ الأزهر مصطفى المراغي الذي دعا دعوته المشهورة أن يجنب مصر الحرب التي لا ناقة لها فيها ولا جمل.
ومضى عام على نشوب الحرب العالمية الثانية، عاشت فيه مصر بعيدا عن ويلاتها حتى إن القائد العام للقوات البريطانية "أرشيبالد ويفل" كان يقضي كثيرا من وقته بين الحدائق بالملابس المدنية.
وعندما بدأت الحرب تقترب من مصر، تغيرت الأحوال، إذ أثر تطور الصراع الدولي بين الطرفين المتحاربين، وموقف بريطانيا العسكري من هذا التطور على الخطوات والإجراءات التي اتبعتها السياسة البريطانية لمواجهة آثار الانتصارات الألمانية والإيطالية، فحرصت بريطانيا على الحصول على أكبر تأييد لها من الحكومة المصرية، وضمان قيام هذه الحكومة بتقديم كافة التسهيلات للقوات البريطانية، كما أن السياسة البريطانية كانت تخشى من ظهور حركة وطنية على غرار حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق تتصل بالألمان وتضغط على بريطانيا في المكان والوقت غير المناسبين، وكانت السياسة البريطانية تضع في حسبانها ردود فعل القوى السياسية المختلفة المؤيدة للفلسطينيين في صراعهم ضد الصهيونية، ونشاط الجمعيات الدينية التي بدأت تظهر على الساحة السياسية المصرية مثل حركة الإخوان المسلمينالتي بدأت خوض السياسة قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بوقت قصير، كما تصاعدت شكوك الإنجليز ضد الملك، من وجود قنوات اتصال بينه وبين ألمانيا وحلفائها.
وتدخلت بريطانيا مباشرة لإقالة حكومة علي ماهر لعدم تعاونه في اعتقال الألمان في مصر، وعدم قيامه بمصادرة أموال الشركات الإيطالية في مصر، ووجهت أمرا إلى فاروق في (12 من جمادى الأولى 1359 هـ=17 من يونيو 1940م) بتغيير الحكومة القائمة، وحذرته من استمرار تلك الحكومة على عرشه، وطالبته بتعيين حكومة متعاونة مع بريطانيا تتوافر فيها الشروط التي تناسب المصالح البريطانية؛ وهي: أن تكون حكومة قوية، وممثلة للشعب، وتستطيع أن تنفذ بنود معاهدة 1936 نصا وروحا، وباختصار حكومة يوافق عليها النحاس، على حد تعبير القائد البريطاني ويفيل.
وقد رضخ الملك لمطالب الإنجليز، وشكلت حكومة برئاسة حسين صبري القريب من الإنجليز، ثم وزارة حسين سري، وكلها كانت وزارات أقلية، لم تطمئن إليها السياسة البريطانية، وعندما لمس لامبسون إعجابا من فاروق بألمانيا، قال له: "معنا ستعوم مصر أو تغرق، مصير مصر مرتبط ببريطانيا".

الوفد خارج السلطة
أحس الوفد وهو خارج السلطة بأن له القدرة على ممارسة السياسة، بدرجة لا تقل عن تشكيله للحكومة، فخاض لعبة السياسة مع الإنجليز والقصر ومنافسيه، فأرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية تضمنت عدة مطالب؛ منها: انسحاب القوات البريطانية بعد انتهاء الحرب، مع بقاء معاهدة 1936، أو المطالبة باشتراك مصر في التسوية النهائية للحرب، أو الدخول في مفاوضات مع بريطانيا بعد انتهاء الحرب للاعتراف بحقوق مصر في السودان.
وأيدت القوى السياسية المختلفة مطالب الوفد، وأثارت هذه المعارضة الوفدية السياسة البريطانية، لأسباب؛ منها أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها طرح انسحاب القوات البريطانية من مصر، وليس انسحابها إلى منطقة القناة، والوفد هو الذي فجر هذه المطالب، كما أن هذه المعارضة وتوقيتها في غير صالح بريطانيا، فموضوعها يجسد الأماني القومية، وتوقيتها حرج، نظرا للمصاعب الاقتصادية التي تجعل الشعب يحتشد خلفها.
وأقنعت خطوة الوفد وهو خارج السلطة البريطانيين بخطورة الاعتماد على أحزاب الأقلية في مصر، وبنت السياسة البريطانية تحركها على ضرورة أن يأتي الوفد إلى السلطة بعيدا عن طريق الانتخابات؛ لأن وصول الوفد إلى الحكومة استنادا إلى إرادة شعبية يقوي مركزه في مواجهة الإنجليز ويدفعه إلى تبني مواقف صلبة، قد تسبب متاعب كبيرة لبريطانيا.
وأدركت بريطانيا بخبرتها الاستعمارية الطويلة أن طريقة وصول الحكومة إلى السلطة، والأساس الذي تستند إليه في ممارسة هذه السلطة له أثر كبير في مدى تعاون تلك الحكومة مع المستعمر؛ لذا بدأت تخطط لحادثة 4 فبراير، لتجريد الملك من نفوذه بإرغامه على تعيين حكومة لا يريدها وبذلك يفقد السيطرة عليها، ويضعف في ذات الوقت الحكومة التي صعدت لكرسي الحكم على الدبابات البريطانية.

الطريق إلى 4 فبراير
قامت أزمة سياسية في مصر بسبب قطع العلاقات بين مصر وحكومة فيشي في فرنسا، وتقديم حكومة حسين سري استقالتها في (16 من المحرم 1361 هـ=2 من فبراير 1942م)، وشكل ذلك التوقيت عقبة للإنجليز بعد تراجع قوات الحلفاء أمام المحور في الصحراء الغربية، وخروج مظاهرات صاخبة في مصر تهتف: "يحيا روميل، يحيا الملك، يسقط الإنجليز"، وخرجت هذه المظاهرات من الأزهر وجامعة القاهرة، وتردد أن القصر كان وراء هذه المظاهرات التي استمرت يومين، فالتقى السفير البريطاني لامبسون بالملك، وطلب منه عدم تعيين حكومة تعادي الإنجليز، ثم طلب منه استدعاء النحاس لتكوين الوزارة، واعتبار الملك مسئولا مسئولية مباشرة عن أية اضطرابات تحدث في البلاد.
وقد أجرى الإنجليز اتصالات سرية مع النحاس حتى يتأكدوا من أنه سيقبل بالوزارة التي سيقدمها له الإنجليز عن طريق القوة بعيدا عن الطريق التقليدي وهو الانتخابات، وكان الوسيط الذي أجرى هذه الاتصالات أمين عثمان الذي قال لـلامبسون: "إن النحاس الذي عمل بولاء معنا في وقت السلم سيكون متعاونا معنا أكثر عشر مرات في وقت الحرب، ولكن لتحقيق ذلك يجب أن تكون له يد حرة، خاصة في مواجهة القصر".
وبعد هذا التأكد الإنجليزي من موافقة النحاس على قبول الوزارة أرسل لامبسون إلى فاروق برسالة قال فيها: "إذا لم أعلم قبل السادسة مساء أن النحاس قد دعي لتأليف الوزارة، فإن الملك فاروق يجب أن يتحمل تبعات ما يحدث".
ورفض فاروق هذا الإنذار؛ ولذا قرر لامبسون أن ينتزع موافقة الملك بالقوة، فأمر القوات البريطانية بمحاصرة قصر عابدين، ثم اقتحم على الملك قصره بمرافقة قائد القوات البريطانية، وخيره بين التوقيع على التنازل عن العرش واستدعاء النحاس لتشكيل الوزارة، فوافق الملك على العرض الثاني، واعتبر لامبسون ذلك استسلاما كاملا للإنجليز دون شروط، وكان يقول: "إن فاروق ولد جبان ويجب إخافته بين الحين والآخر".
رأى فاروق في وزارة 4 فبراير تحديا سافرا لسلطته، فقرر اللجوء للخط الإسلامي، فأطلق لحيته التي كانت تستفز لامبسون، وأخذ يصلي الجمعة وسط الجماهير، وزار المصانع، وكثف من اهتمامه بالقضايا الإسلامية، ولم يسترح حتى طرد هذه الحكومة في (21 من شوال 1363 هـ=8 من أكتوبر 1944م) ولم يعترض الإنجليز على طردها بهذه الصورة؛ لأن الغرض منها قد استنفد ولم يعد هناك حاجة لبقائها، وتعرض الوفد لصراعات عدة، كان أهمها خروج الزعيم القبطي الكبير مكرم عبيد من الوفد، وتأليفه "الكتاب الأسود" ضد حكومة النحاس، كذلك نمت حركة الإخوان المسلمين بدرجة كبيرة مقابل تراجع شرعية الوفد وشعبيته.

IroN MaN
06-09-2008, 03:41 AM
التنظيمات العثمانية.. إحياء الخلافة أم تغريبها؟!


ظلت الدولة العثمانية قرونا عديدة ملء السمع والبصر، تعيش على رقعة واسعة تمتد عبر قارات العالم القديم، ويحيا فيها أجناس مختلفة وشعوب متنوعة وأديان متعددة، وكانت القوة العظمى التي تؤثر في مجرى السياسة العالمية.. ثم أتى عليها حين من الدهر؛ دب الضعف في أوصالها، وبدت أمارات الشيخوخة تأخذ طريقها إلى جسد الدولة، وحاول بعض سلاطين الدولة أن يبعثوا الحياة الفتية في الجسد الوهن، ويمدوه بطاقة الشباب، لكن هذه المحاولات نجحت قليلا وأخفقت كثيرا.
واستلهمت الدعوات الإصلاحية المبكرة روح الإسلام ومبادئه في علاج الخلل، ونادى المصلحون بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف مؤسسات الدولة، حتى تنهض الدولة وتهب من كبوتها، وتعود إلى سالف عهدها قوة وازدهارا.
وفي أثناء هذه الفترة لم تتوسع الدولة العثمانية في الاقتباس من النمط الأوروبي الغربي؛ حيث لم يكن التفوق الأوروبي بالقدر الذي يثير إعجاب العثمانيين ويدفعهم إلى الاقتباس منه، وكانوا على الأقل يعتبرون أنفسهم دولة عظمى خلال الفترة من (1095-1184هـ = 1683-1770م).
وخلال هذه المرحلة حاول كثير من قادة حركة الإصلاح في الدولة العثمانية القيام بالإصلاحات المعتمدة على الذات لا على الاقتباس من الغرب، ومن هؤلاء شيخ الإسلام سعد الدين أفندي، وخواجة سلطاني عمر أفندي، والسلطان عثمان الثاني، ومراد الرابع، ومحمد باشا كوبريللي.

النموذج الغربي
ومع استمرار الدولة في الهبوط، وازدياد الضعف في أعضائها، ارتفعت بعض الأصوات بالدعوة إلى ضرورة الاستفادة من التقدم الأوروبي والأخذ بأسباب حضارتهم، لضمان المحافظة على وحدة الدولة وصون حياتها.
وأول حركة إصلاحية تبنت هذا المفهوم كانت في عهد السلطان أحمد الثالث؛ حيث بدأ نفوذ الثقافة والحضارة الغربيتين يتسلل إلى الدولة العثمانية، وتجمع حول السلطان والصدر الأعظم بطانة من المثقفين المؤمنين بهذه الوجهة، وشغف هذا العهد بتقليد الغرب ومحاكاة الحياة الأوروبية في تشييد القصور الفخمة والميل إلى الحياة المترفة، وأدت هذه السياسة إلى ظهور حالة من الاستياء وعدم الرضا تجاه السلطان وإدارته، وقد وصفت المصادر العثمانية عهد السلطان أحمد الثالث بعصر زهور شقائق النعمان؛ تعبيرا عن الأخذ بالمظهر دون الجوهر، وإشارة إلى العناية الفائقة بهذه الزهور في كل أنحاء العاصمة العثمانية.
ثم شهد عصر السلطان سليم الثالث بدايات الإصلاح الحربي، وتطوير التعليم العسكري على النمط الغربي، وما ارتبط به من اقتباس من المعرفة الأوروبية.

محمود الثاني وإصلاح الدولة
تولى السلطان محمود الثاني مقاليد الدولة العثمانية سنة (1199هـ = 1748م)، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، يمتلئ حماسة وحمية، ورغبة في الإصلاح والنهوض، ورأى أن نجاح الإصلاح في دولته يجب أن يكون شاملا لكل النظم العثمانية، ولا يقتصر على المجال العسكري، ولذا عزم على إزالة النظم القديمة حتى لا تعترض طريق الإصلاح.
وكان السلطان يرى أن ازدياد نفوذ فرقة الإنكشارية قد وقف في طريق كل محاولة للإصلاح يقوم بها السلاطين العثمانيون؛ فتخلص منهم في سنة (1240هـ = 1826م)، ووجه عنايته إلى بناء فرق عسكرية تأخذ بالنظم الحديثة، وأجرى إصلاحات واسعة في الدولة؛ شملت التعليم والصحة والعمران والزراعة.
وسعى محمود الثاني إلى تشكيل إدارة مركزية جديدة عبر نظارات (وزارات) وزعت عليها شئون الدولة بأسلوب حديث، وأصبح الصدر الأعظم يعرف باسم "باش وكيل"، ومنح صلاحيات واسعة في إطار الجهاز التنفيذي للدولة.
وحاول السلطان إصلاح أجهزة الدولة المركزية، وأجرى أول إحصاء للأراضي العثمانية في العصر الحديث، وأدخل تحسينات على شبكة المواصلات، وأدخل البرق وخطوط السكك الحديدية، واستحدث الرعاية الصحية لمواجهة الأمراض المعدية.
وفي مجال التعليم أسست "مدارس رشدية" لتخريج معلمي المدارس الابتدائية، وأنشئت مدارس تعد طلابها للالتحاق بمدارس البحرية والطب والزراعة والهندسة والمدفعية، وأكثر السلطان من إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا لأول مرة، وظهرت في عهده أول جريدة تركية في الدولة.
ولم تتوقف إجراءات محمود الثاني في الشئون الداخلية عند إحداث تغييرات في الشأن الداخلي، بل خطا خطوة استهدفت توجيه المجتمع نحو الغرب؛ حيث أجرى تغييرات في الزي الذي يرتديه موظفو الدولة، وأدخل في المجتمع المسلم العادات والتقاليد الأوروبية.
ومن أخطر الأمور التي اتخذها السلطان محمود كان تقليص صلاحيات علماء الدولة وفقهائها، فسحبت من أيديهم إدارة البلديات والأقضية والمدارس والمعارف، ولم يبق تحت إدارتهم سوى المدارس التي تدرس الدين ومحاكم الحقوق المدنية وأمور الدين.
وقبل وفاة السلطان محمود أعد ما يعرف في التاريخ العثماني بحركة التنظيمات، وهي حركة إصلاحية على النمط الأوروبي امتدادا لما قام به السلطان من إجراءات في الدولة، لكنه توفي قبل إعلانها في سنة (1255هـ = 1839م).

IroN MaN
06-09-2008, 03:44 AM
"التنظيمات العثمانية"
بعد وفاة السلطان محمود الثاني خلفه ابنه عبد المجيد وهو دون الثامنة عشرة من عمره، ويصفه المؤرخون بأنه أول من تعلم الفرنسية بطلاقة من بني عثمان، وتلقى منذ حداثته الثقافتين العربية والشرقية، ولم تكن له سطوة أبيه ولا دهاؤه الواسع، ورث عنه تركة ثقيلة ومشكلات معقدة، وكانت لديه رغبة كبيرة في استكمال ما بدأه أبوه من إصلاحات في الدولة على النهج الذي التزم به.
وعندما توفي السلطان محمود الثاني كان مصطفى رشيد باشا في لندن، وهو من رجال الإصلاح، ويعد تلميذا للسلطان في هذا الشأن، فلما بلغه خبر وفاة السلطان عاد على الفور، وأبلغ السلطان الجديد بطلبات أبيه التي كان قد أعدها لكنه لم يعلن عنها، فأعلن موافقته على إعلان هذه التنظيمات.
وفي (26 من شعبان 1255هـ = 3 من نوفمبر 1839م) تلا رشيد باشا أمام كبار رجال الدولة والشعراء والسفراء ما عرف بفرمان التنظيمات في ميدان كلخانة، وقد حرص البيان على إضفاء الصبغة الإسلامية فيما تناوله من إجراءات، حين أكد على أن عدم الانقياد إلى الشرع الشريف كان السبب فيما أصاب الدولة خلال السنوات المائة والخمسين السابقة له من تدهور وضعف، وأن المقصود من إصدار هذا الفرمان هو إحياء الدين والدولة معا.

أهم بنود التنظيمات

وقد تضمنت التنظيمات العثمانية المساواة التامة بين رعايا الدولة والمحافظة على حياتهم وأملاكهم ووجوب علانية المحاكمات ومطابقتها للوائح، وإلغاء مصادرة الأموال والأملاك ما لم تقر ذلك المحكمة، وضرورة إيجاد نظام ثابت للضرائب يحل محل نظام الالتزام الذي وصفه الفرمان بأنه من آلات الخراب، ولما كان الموظفون والضباط يحصلون قبل هذه التنظيمات على مرتباتهم من ريع الالتزامات، أصبح من الضروري تحديد مرتبات للولاة والموظفين، وكان المعروف أن الوالي يأخذ الولاية بأن يلتزم بدفع مبلغ معين سنويا يقوم بجمعه، ويستولي هو على ما كان زائدا عن المبلغ المحدد.
ونص فرمان التنظيمات على أنه لا يجوز لأي موظف أن يتعدى حدود صلاحياته الممنوحة له قانونا؛ فإن كان عسكريا يشتغل بالأمور العسكرية، وإن كان من العلماء يشتغل بالأمور الدينية والواجبات الأخرى المحددة.
وصدرت في أعقاب هذا الفرمان الذي عرف بـ"خط كلخانة" مجموعة من القوانين لتنفيذ توصيات هذا الفرمان، وأدى ذلك إلى حدوث تغييرات كثيرة شملت مجالات الحياة؛ فانشقت المحاكم المختلطة التي تقبل الشهادة من المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وتبُتُّ في القضايا التي يكون الأجانب أطرافا فيها، وكان يعمل بتلك المحاكم قضاة أتراك وأوربيون، كما صدر قانون تجاري على نمط القانون التجاري الفرنسي، وظلت القوانين الشرعية تطبق في المحاكم التقليدية، وكذلك في المحاكم الحديثة التي تطبق القوانين المأخوذة عن القوانين الفرنسية وغيرها، وذلك فيما يتصل بالأحوال الشخصية.
وظل المسلمون فقط يؤدون الخدمة العسكرية حتى صدر قانون سنة 1855م الذي وسع نطاق الخدمة العسكرية؛ لتشمل كل رعايا الدولة دون استثناء، وكان الغرض من صدور هذا القانون علمنة الدولة والمساواة بين أفرادها دون مراعاة لاختلاف الدين، ولكن المسيحيين اعترضوا على هذا القانون، وعلى أدائهم الخدمة العسكرية في الجيش العثماني، ووجدوا تأييدا من الدول الأوربية، واضطرت الدولة العثمانية أمام الضغوط الأوروبية أن تعفي المسيحيين من الخدمة العسكرية في مقابل ضريبة عرفت باسم "بدل عسكرية" يؤدونها بدلا من الخدمة العسكرية.
وعلى الرغم من أن التنظيمات العثمانية ساوت بين رعايا الدولة، اعتبرت المسيحيين مواطنين لهم مثل الحقوق التي يتمتع بها المسلمون؛ فإن هؤلاء الرعايا المسيحيين دأبوا على الشكوى، وفي الوقت نفسه كانت الدول الأوربية تحرضهم على الثورة والخروج على الدولة؛ ليكون ذلك مدعاة لتدخلهم في شئون الدولة العثمانية.
وشملت التنظيمات إصلاح التعليم في جميع مراحله، وجعل التعليم إجباريا في المدارس الأولية ومجانيا لمدة 4 سنوات ودون تفرقة بين الذكور والإناث أو تمييز بين المسلمين وغيرهم.
وقد انفصلت مدارس الحكومة رسميا عن إشراف العلماء، ووضعت تحت إشراف وزارة المعارف ذات الصبغة العلمانية، وفي الوقت نفسه لم تمتد يد الإصلاح إلى المؤسسات التعليمية التقليدية؛ الأمر الذي أدى إلى اتساع الهوة بين التعليم الديني والتعليم العلماني وتعميق الازدواج الثقافي.
بعد إصدار فرمان التنظيمات بستة عشر عاما أصدر السلطان عبد المجيد فرمانا جديدا على نفس أهمية الفرمان السابق، اشتهر باسم "إصلاحات خط همايوني"؛ وذلك بهدف كسب الرأي العام الأوروبي، وإكساب الدولة العثمانية طابع الدولة الأوروبية، ويبحث هذا الفرمان موضوع حقوق المساواة الخاصة بالرعايا غير المسلمين في الدولة العثمانية؛ حيث نادى بضرورة تولي غير المسلمين مناصب الدولة، وكفل لهم حرية العبادة وحرية إنشاء المدارس، على أن تتفق في المنهج مع مدارس الدولة، ومنح البطريق سلطات واسعة في الأحوال الشخصية لملته.
وقد قوى هذا الفرمان المشاعر القومية لدى رعايا الدولة غير المسلمين الذين يعيشون في حدودها؛ الأمر الذي أدى بعد ذلك إلى تمزيق الدولة، كما أنه وفر غطاء قانونيا لحركة التبشير والمبشرين المسيحيين الذين استقروا بأعداد كبيرة في مختلف ولايات الدولة.

نتائج حركة التنظيمات

ويجب الاعتراف بأن حركة التنظيمات لم تحقق جميع الأماني التي كان يعلقها عليها الإصلاحيون، ولم تجد فيها الجماهير التركية العثمانية المسلمة ما كانت تسمعه عن مزاياها، ولم تجلب الخير للدولة، بل كانت البوابة التي مارست عبرها الدول الأوروبية التدخل في شئون الدولة العثمانية، والضغط عليها، وتسلل الأجانب إليها؛ بحجة أنهم خبراء في مسائل الإصلاح والمسائل المالية والاقتصادية، وشجعوا الدولة -خدمة لمصالح دولهم- على سياسة عقد القروض الأجنبية بفوائد عالية، أوهنت الدولة بعد أن كانت تعتمد على سياسة الاكتفاء الذاتي.
ولم يفرق الإصلاحيون في محاولتهم إحياء الدولة بإصلاح الجيش وإدخال الحياة الدستورية وتطوير التعليم وتنظيم الاقتصاد.. بين ما يجب أن ينقل من أوروبا وما يجب الإبقاء عليه من التقاليد القومية؛ فكان مما أخذ عليهم تقليدهم للمظاهر الشكلية للحضارة الأوروبية دون أن يستوعبوا جوهرها. ولذلك أدخلوا في الميدان الاجتماعي إصلاحات من قبيل الترف الحضاري، مثل استخدام الملابس الأوروبية والأثاث الأوروبي ووسائل الأكل، وما إلى ذلك من مواد استهلاكية، ولم يتجهوا إلى إدخال الصناعات الثقيلة والمشروعات الإنتاجية التي تنهض بالدولة وتدفعها إلى الأمام.
وأخطر من ذلك كله أن المعارضين لهذه الحركة الإصلاحية وضعوا في طريقها العقبات؛ باعتبارها طلبات ورغبات جاء بها أجانب مسيحيون، وأن غرضهم الحقيقي هو مصالح دولهم، وكان هذا موضع ريبة الجماهير؛ لأنهم في نظرهم أعداء الدولة وأعداء الإسلام.
ومما يعجب له المرء أن سياسيا نمساويا شهيرا يدعى "إنجلها روت مترنخ" حذر العثمانيين من الحظر الكامن وراء استعارة أساليب الحضارة الأوروبية المتعارضة مع الحضارة الإسلامية العثمانية، ودعا العثمانيين إلى أن يظلوا متمسكين بطابعهم الإسلامي الشرقي، على أن يمنحوا أهل الذمة الحماية وحرية العبادة!!

IroN MaN
06-09-2008, 03:51 AM
تونس.. في قبضة الاحتلال الفرنسي

ظلت فرنسا سنوات طويلة ترنو ببصرها إلى احتلال تونس، وتمني نفسها باستغلال خيراتها، وكانت تونس بموقعها ومواردها الطبيعية والبشرية تمثل فريسة عظيمة تثير لعاب الدول الاستعمارية الكبرى كإنجلترا وفرنسا وإيطاليا، وكانت فرنسا أكثرهم لهفة على افتراس هذه الدولة الصغيرة وأشدهم رغبة في التهامها في أقرب فرصة، فلما وقعت الجزائر في قبضتها سنة (1245هـ=1830م) اشتعلت رغبتها في السيطرة على تونس، وتأمين حدود ممتلكاتها الاستعمارية في شمال إفريقيا ومنع الدول الأوروبية المنافسة من السيطرة عليها.

أحوال تونس في هذه الفترة
وكانت أطماع الدول الأوروبية في تونس تتزايد كلما ضعفت الولاية المسلمة وتقهقرت أحوالها الاقتصادية والإدارية، وكانت تونس في أثناء القرن الثامن عشر الميلادي تمتلك أسطولا قويا، وتتمتع بهيبة في البحر المتوسط، وفضلا عن ازدهار أحوالها الاقتصادية نتيجة لوصول قوافل التجارة إليها من قلب إفريقيا عبر الصحراء حاملة إليها المنتجات الاستوائية التي كانت ترسلها إلى أوروبا لكن هذا لم يدم طويلا، فتآمرت الدول الأوروبية على تونس وضغطت عليها بدعوى أن أسطولها الحربي يعمل في القرصنة حتى توقف على العمل، وأثر ذلك تأثيرا سيئا على التجارة، كما أن تونس فقدت أهميتها التجارية نتيجة وصول التجار الأوروبيين رأسا إلى مصادر المنتجات الإفريقية، وبعد أن أنشئت المراكز البحرية والتجارية الاستعمارية على طول سواحل إفريقيا الغربية، وجاء احتلال فرنسا للجزائر لكي يغلق معظم طرق القوافل التي كانت تصل إلى تونس من وسط إفريقيا. وقد تضافرت كل هذه الأسباب في إضعاف تونس وتدهور اقتصادها.
ولم يقف حكام تونس موقفا صلبا من الضغوط التي مارستها الدول الأوروبية على بلادهم وأظهروا تجاوبا واضحا مع سياستهم، بل إن بعضهم أبدى عدم ارتياحه وترحيبه بمندوبي الجزائر حين طلبوا منه مساعدتهم في سنة ( =1830م) في جهادهم ضد فرنسا التي احتلت بلادهم، وتجاوز ذلك إلى تهنئة الفرنسيين حين انتصروا على المجاهدين الجزائريين، ونسي أنه يحكم ولاية إسلامية، وأن الحملة الفرنسية هجمت على الجزائر باسم أوروبا المسيحية.
وفي الوقت نفسه أظهر حكام تونس وكان يطلق عليهم "البايات" ميلا إلى فرنسا، حتى يظهروا وكأنهم حكام مستقلون لا يتبعون الدولة العثمانية، وإن كان ذلك على حساب التضامن والترابط بين الأقاليم الإسلامية في شمال إفريقيا.
وقد استغلت فرنسا هذه النزعة لدى بايات تونس، حتى تفصل بينها وبين الدولة العثمانية من ناحية، وفي الوقت نفسه تزيد من نفوذها في هذه المنطقة من ناحية أخرى.
وقد اندفع حكام تونس نحو فرنسا، فاستعانوا بها في إنشاء إدارة حديثة في البلاد، وإقامة المدارس، وتنظيم الجيش، وكل هذا أدى ازدياد النفوذ الفرنسي في قطاعات كثيرة في الدولة.
وفشلت كل محاولات الإصلاح التي قام بها حكام تونس، لأنها لم تحاول أن تقلد النموذج الغربي بحذافيره، واهتمت بالمظاهر البراقة دون وضع أسس إصلاح تعتمد على ثوابت الأمة الدينية والثقافية، ولم تجن الدولة من وراء ذلك سوى الوقوع في براثن الديون وتدخل الدول الأوروبية في شئون تونس بحجة إصلاح ماليتها.

فرنسا تستعد لغزو تونس
وقد مهدت فرنسا لحملتها على تونس بإثارة مشكلة القبائل التي تسكن الحدود التونسية الجزائرية، وتضخيم آثارها، على نحو يظهر أن أمر هذه القبائل التونسية قد أفلت من قبضة "الباي"، وأن اعتداءاتها تكررت على القرى والمدن الجزائرية القريبة، ثم تعود إلى أوكارها في الجبال التونسية والأماكن الوعرة، وأن ذلك كله يزيد الأعباء على كاهل الحاكم العام الفرنسي في الجزائر حين يحاول تأديب هذه القبائل ويكلفه خسائر جسيمة.
وأخذت الحكومة الفرنسية تهيئ الرأي العام الفرنسي لاستقبال ما تنوي القيام به من أعمال ضد تونس حتى لا يكون الأمر مفاجأة لأحد، وأن هذا العمل العسكري إنما يستهدف الدفاع عن مصالح فرنسا في شمال إفريقيا.
وفي الوقت نفسه أصدرت الحكومة الفرنسية الأوامر إلى حاكم عام الجزائر للإسراع في إنهاء مد خط السكك الحديدية الذي يصل الجزائر بتونس، حتى يسهل نقل الجنود والمؤن.


فرنسا تطلب معاونة الباي لاحتلال بلاده!
وقبل أن تغزو فرنسا تونس عرضت سنة ( 1296هـ=1879م) على الباي محمد الصادق حاكم تونس عن طريق قنصلها هناك مسودة لمعاهدة الحماية التي تقترح أن يوقع عليها الباي بطريقة ودية، ولكن الباي رفض توقيعها؛ الأمر الذي دفع القنصل "روستان" إلى أن يطلب من حكومة بلاده إرسال بعض قطع أسطولها إلى المياه التونسية، واتباع أسلوب التهديد، لعل هذا يجبر الباي على قبول هذه الحماية والتوقيع على مسودتها.
وعرضت الحكومة الفرنسية الأمر على الجمعية الوطنية وعلى مجلس الشيوخ الفرنسي، ووزع على الأعضاء كتاب يتضمن مبررات العمل العسكري التي تنوي القيام به الحكومة الفرنسية، وقد وافق البرلمان الفرنسي على الاعتمادات اللازمة للقيام بالحملة، ورصد خمسة ملايين ونصف مليون فرنك فرنسي لتغطية نفقات الحملة.

لماذا كان الغزو الفرنسي؟

انتهزت الحكومة الفرنسية بعض الحوادث البسيطة على الحدود الجزائرية التونسية لتنفيذ مخططها لغزو تونس، وبخاصة بعد أن انتشرت دعوة حركة الجامعة الإسلامية التي تستهدف توحيد العالم الإسلامي وتخليصه من تسلط الدول الغربية، وكان وراء هذه الحملة التي لقيت استجابة كبيرة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني. وخشيت فرنسا من انتشار هذه الحركة في تونس، وما يترتب على ذلك من امتداد نفوذ السلطان العثماني إلى بلاد المغرب العربي، وازدياد الوعي لمقاومة التسلط الأوروبي، وكان هذا يخيف فرنسا والدول الأوروبية.
وقد حدث أن عبرت قبيلة "بنو خمير" التونسية الحدود الفاصلة بين تونس والجزائر واقترفت بعض أعمال السرقة والنهب المعتادة بين القبائل في تلك المنطقة، فقام القنصل الفرنسي في تونس بإبلاغ الباي محمد الصادق بأن الجنود الفرنسيين سيعبرون الحدود إلى بلاده لتأديب هذه القبائل، وطلب منه أن يعاون الحملة الفرنسية على أداء واجبها، وإقرار الأمن والسلام على الحدود، لكن الباي رفض هذا الطلب، وحاول من جانبه أن يتدخل لتأديب القبيلة المعتدية، لكن هذا لم يكن كافيا لمنع فرنسا من عملية الغزو التي استعدت لها.

الغزو الفرنسي وإعلان الحماية

كانت القوات الفرنسية على الحدود تنتظر الإشارة للعبور إلى تونس، فلما جاءتها الأوامر بالتحرك، اجتازت الحدود في (24 من جمادى الأولى 1298هـ=24 من إبريل 1881م) دون مقاومة تذكر، ولم يكن في حساب الباي أن يبدي مقاومة أمام جحافل الفرنسيين، فاحتلت القوات الفرنسية "الكاف" و"طبرقة"، وفي الوقت نفسه أنزلت فرنسا بعض قواتها التي أبحرت من ميناء طولون في بنزرت، وبعد احتلالها تقدمت القوات الفرنسية صوب العاصمة، وعسكرت على مقربة منها في (12 من جمادى الآخرة 1298هـ=12 من مايو 1881م).
وكان الباي في أثناء ذلك يرفض فكرة الحماية على بلاده، أملا في أن تتدخل الدول الأوروبية إلى جانبه، أو أن يرسل السلطان العثماني أسطوله إلى تونس، لكن ذلك لم يحدث.
وفي اليوم نفسه الذي عسكرت فيه القوات الفرنسية قدم القنصل العام الفرنسي إلى الباي نسخة من المعاهدة المطلوب التوقيع عليها، وأعطى الباي مهلة حتى الساعة التاسعة مساء لقبول هذه المعاهدة أو رفضها.
واجتمع الباي بكبار رجال دولته، وعرض عليهم الأمر، وكان الحاضرون يميلون إلى الرفض وإعلان المقاومة والجهاد وتعبئة الأمة لذلك، لكن ذلك لم يجد آذانا صاغية، أمام تهديد الفرنسيين بخلع الباي محمد الصادق عن العرش وتنصيب أخيه "الطيب باي" مكانه إذا رفض التوقيع على المعاهدة، وكان ممثلو الاحتلال الفرنسي ينتظرون في غرفة مجاورة للحجرة التي اجتمع فيها السلطان برجاله، وبعد ساعتين من الاجتماع خرج باي تونس حاملا نسختي المعاهدة وقد وقع عليهما، وبذلك انتهى الاستقلال الفعلي لتونس، بعد توقيع المعاهدة التي عرفت بمعاهدة "باردو" وتضمنت هذه المعاهدة تقييد سلطة الباي ووضعه تحت حماية فرنسا، وسلبت تونس كل مقومات الدولة المستقلة.

المقاومة ورفض الاحتلال

لم يرضخ الشعب التونسي لاحتلال فرنسا لبلاده تحت عنوان براق وهو إعلان الحماية، الذي استهدفت فرنسا من اختياره عدم إثارة الدول الأوروبية، والتمويه على أبناء تونس بأنها لم تحتل بلدهم وتنزلها منزلة المستعمرات وحتى تحمل الجانب الوطني نفقات الاحتلال.
واشتعلت الثورة في معظم أنحاء تونس وعجزت فرنسا عن وقف العمليات الحربية في تونس، واتضح أن القبائل التي تسكن شرقي تونس وجنوبها أظهرت رفضها وعداءها للطريقة التي خضع بها الباي لطلبات الفرنسيين، وعلت الأصوات داعية إلى الجهاد والبذل والعطاء، وفي الوقت نفسه اتصلت رسل السلطان العثماني بالمجاهدين تعلن رفض السلطان للمعاهدة ووقوفه إلى جانب الشعب، وتمكن الثوار من قطع المواصلات، وفرت معظم جنود الباي إلى الثائرين، وأعلن المسلمون الجهاد ضد الفرنسيين.
وبعد أن كانت فرنسا تفكر في أنه يكفي أن يقوم جيش صغير على استتباب الأمن في تونس وجدت أنها تعاني مشكلة كبيرة في السيطرة على البلاد، وتطلب ذلك تعاون الأسطول الفرنسي مع الجيش، وحشد قوات جديدة بلغت خمسا وأربعين ألف جندي.
وكان قد تزعم حركة المقاومة في قابس "علي بن خليفة"، إلى جانب كثيرين قادوا الثورة في صفاقس والقيروان، وكان الأولى أن تنتظم هذه الجهود تحت لواء واحد، وقد حاول علي بن خليفة أن يوحد القيادة في شخصه، واجتمع لهذا الغرض مع مجاهدي صفاقس والقيروان، لكن جهوده لم تكلل بالنجاح بعد أن أصر زعيم كل منطقة أن يتولى الأمر بنفسه، فاستطاعت فرنسا أن توقع بهم واحدا بعد الآخر.
وكان من جراء ذلك أن سقطت قابس في أيدي المحتلين الفرنسيين بعد مقاومة شديدة، لكن المجاهدين كان يعوزهم الأسلحة الحديثة، ولم تستطع أسلحتهم القديمة أن تحقق النصر أمام قوات مدربة تمتلك القوة والتخطيط الحديث، ونجح الفرنسيون في احتلال المدينة القديمة ذات التاريخ العتيق في 28 من شعبان 1298هـ.
وانسحب علي بن خليفة، وظل يقاوم قوات الاحتلال مدة تقرب من أربع سنوات، حتى أنهكت قواه، واضطر للجوء إلى طرابلس مع عدد كبير من أتباعه، في الوقت الذي قضت فيه القوات الفرنسية على المقاومة في صفاقس والقيروان.

الأمين العام
06-09-2008, 04:03 AM
مجهود واضح ومتميز يا سمارتن بارك الله فيك وفعلا معلومات قيمة

IroN MaN
06-09-2008, 02:18 PM
الاستقلال الليبي.. رابطة إسلامية وجهود شعبية

قصة الجهاد الليبي ضد الاستعمار الإيطالي قصة مشرقة زاهية.. بما فيها من تضحيات وأشلاء ودماء الأبرياء التي زادت على النصف مليون شهيد، أدرك فيها مُواطن الصحراء أن له قضية عادلة تستوجب الجهاد، وأن عشق الحرية والكرامة أقرب إلى نفسه من حب الحياة؛ ومن ثم خرج بما يملك من سلاح بسيط، وتدريب متواضع لمواجهة إيطاليا القوة الغاشمة والآلة العسكرية الجبارة لفترة زادت على الثلاثين عامًا..


رداء الدين وسلام المقابر

حاول الاستعمار الإيطالي خلال فترة زادت على الثلاثين عامًا أن يصبغ نفسه صبغة دينية.. فقد بارك قساوستهم أساطيل الحملة المتوجهة لاحتلال ليبيا عند خروجها، ودقت النواقيس وأقيمت الصلوات، ووزع رجال الكنيسة الصلبان على جميع جنود الحملة. وأفرط الطليان عند كل مناسبة في الاحتفال بكل نصر في كنائسهم، ثم لم يقنع الإيطاليون بالاحتفال بالنصر في بلادهم؛ بل أقاموا هذه الاحتفالات الدينية في طرابلس ذاتها، يقدمون الشكر للرب الذي مكنهم من انتزاع (الهلال) وإعلاء (الصليب) مكانه؛ فأثار كل ذلك المجاهدين.



وحاول الاستعمار الإيطالي أيضا أن يقنع جنوده بأنهم أصحاب رسالة سامية، وجاءوا لتخليص وتحرير الشعوب.. يقول الجنرال الإيطالي وسفاح ليبيا "رودلفو جراتزياني" في كتابه "نحو فزان": "إن الجنود الإيطاليين كانوا مقتنعين بأنهم هم الأمة المسيطرة التي تقوم بتأدية رسالة سامية من رسالات الحضارة.. وأنهم لم يأتوا للاستغلال، ولكن لتحسين حالة البلاد، وأن الإيطاليين لا بد أن يقوموا بهذا الواجب الإنساني بأي ثمن... فيجب إخضاع الشعب الليبي طواعية للاستعمار الإيطالي ولعادات وقوانين إيطاليا، وإذا لم يقتنع الليبيون بذلك فإن الإيطاليين سيخوضون صراعًا مستمرًا معهم، ويستطيعون تدمير الشعب الليبي كله للوصول إلى السلام.. ولكنه سلام المقابر!!".



أطماع إيطالية.. ومراوغة أوروبية

لم تكن أطماع إيطاليا الاستعمارية في احتلال ليبيا خافية؛ بل إنها أخذت تمهد للاستيلاء عليها من خلال تصفية المشكلات العالقة بينها وبين الدول الاستعمارية؛ ففي (رمضان 1319هـ = ديسمبر 1901م) عينت إيطاليا وفرنسا مناطق نفوذهما في شمال إفريقيا، واحتفظت إيطاليا لنفسها بمقتضى هذا الاتفاق بمنطقة برقة وطرابلس، وفي (شوال 1327هـ = أكتوبر 1909م) تم الاتفاق بين روسيا وإيطاليا في معاهدة "راكونيجي


Racconigi" على مساندة روسيا للادعاءات الإيطالية في شمال إفريقيا مقابل مساندة إيطاليا للادعاءات الروسية في منطقة المضايق التركية، وبعد هذا التمهيد الدبلوماسي قررت الحكومة الإيطالية احتلال طرابلس الغربية وبرقة عسكريًّا.

وإمعانًا في السخرية الإيطالية من تركيا طلبت روما من تركيا أن تأمر موظفيها بعدم مقاومة الاحتلال الإيطالي، وأمهلتها (24) ساعة لإجابة الطلب وإلا ستكون الحرب، كان هذا الإنذار في (4 شوال 1329هـ - 27 ديسمبر 1911م)، وحاولت تركيا إدخال وساطة الدول الأوروبية في القضية إلا أن هذه الدول أعلنت أنها على الحياد!!



كان أهل طرابلس يدركون الأطماع الإيطالية في برقة وطرابلس؛ لذلك سعوا إلى تنظيم صفوفهم وتشكيل نواة للمقاومة قبل أن يدهمهم الاحتلال الإيطالي، وطالبت بعض الزعامات الطرابلسية الدولة العثمانية بضرورة تجنيد الطرابلسيين، واستبقاء السلاح بأيديهم حتى يكون لدى البلاد قوة تستطيع بها الدفاع عن نفسها.



وعندما رأت إيطاليا أن المقاومة أدركت مبكرا نواياها الحقيقة بادرت بقصف ميناء طرابلس في (شوال 1329هـ = أكتوبر 1911م) دون سابق إنذار للأهالي، فكان من أثر هذا الاعتداء الصارخ أن زادت حدة المقاومة وتصميمها على الدفاع والجهاد؛ فانتشرت الاستعدادات في كل مكان، وأرسلت الدعوات إلى القبائل لحثها على الجهاد، فاحتشدت أعداد غفيرة من المجاهدين عند الساحل للجهاد، وحاول الإيطاليون النزول إلى الميناء؛ غير أن صلابة المقاومة حالت دون ذلك، وظل الإيطاليون يقاتلون أربعة أيام متواصلة حتى استطاعوا أن يضعوا أقدامهم على ساحل طرابلس.



كانت الحملة الإيطالية تتألف من (340) ألف مقاتل، و(6300) حصان، و(48) مدفع ميدان، وكان طريق البحر مفتوحًا بين إيطاليا وقواتها للمؤن والذخائر وتعويض الخسائر، أما الحامية العثمانية في طرابلس فكانت تقدر بخمسة آلاف جندي وألفين في برقة يعانون نقص السلاح والعتاد، وكان عدد سكان ليبيا يقدر في تلك الفترة بحوالي مليون ونصف مليون شخص.



مقاومة شعبية لا جيوش نظامية

كانت الدولة العثمانية تدرك أنها عاجزة عسكريًّا عن محاربة إيطاليا، كما كانت القوات العثمانية في طرابلس وبرقة في حالة تردد شديد من إمكانية الدفاع عن البلاد، وكانت الحكومة قد استدعت حاكم طرابلس قبيل الاعتداء الإيطالي على ليبيا، وأصدرت الوزارة العثمانية أوامرها إلى نشأت بك -نائب والي طرابلس- بإخلاء طرابلس، والمقاومة من الخارج ثم الانسحاب إلى سهول غريان في الجنوب، فخرج نشأت بك والحكومة الطرابلسية قاصدين سهول غريان، وكانوا ينتظرون الأوامر من الباب العالي بالتسليم للإيطاليين، ولم يغير هذا التردد إلا موقف الزعماء الطرابلسيين وتهديدهم للجنود العثمانيين المنسحبين بأنهم سيقاتلونهم إذا انسحبوا، واستقرت هذه الزعامات على الجهاد، وتقاطَرَ المجاهدون من أقصى الجنوب إلى طرابلس، كما تدفق المجاهدون إلى برقة، وكان هؤلاء سببًا هامًّا في صمود العثمانيين بعدما انسحبوا تاركين خلفهم المدافع الثقيلة غنيمة سهلة للإيطاليين.



بدأت روح جديدة تسري في الأراضي الليبية وهي روح الجهاد ومقاومة الغزاة، وتوافد المجاهدون على الحاميات العثمانية الأمامية، وكان أهمها حامية "عين زارة" التي حاول الإيطاليون انتزاعها من المجاهدين، ووجهوا لها أكثر من خمسة وعشرين ألف جندي للزحف عليها لمقاتلة (700) جندي تركي نظامي و(1500) من المجاهدين، ولم يدخلها الإيطاليون إلا بعد انسحاب المجاهدين منها، وأبقى الإيطاليون فيها حامية قدرت بـ (12) ألف جندي، ورغم هذا الجند الكثيف، فقد كان الرعب مستوليًا على قلوب الإيطاليين، حتى إنهم صنعوا دمى خشبية وسلحوها بالبنادق ووضعوها في خنادقهم.



يقول "جراتزياني": "وفي أول يناير 1916 كان احتلالنا لطرابلس الغرب مقصورًا على قاعدتي طرابلس الغرب والحمس، وفي هذه الأماكن تكدست قواتنا في حلقة الأسلاك الشائكة الضيقة".



الجيوش النظامية تنسحب من الميدان!!




وقع على السنوسيين عبء الدفاع عن الأراضي الليبية منذ مجيء الإيطاليين في قصة مجيدة من الجهاد كتبت أغلب فصولها بدماء السنوسيين الذين احتشدوا في كل ميدان خاصة في برقة، فبعد أن احتل الإيطاليون بعض المناطق الساحلية فضلوا الاحتماء بالخنادق وخلف السواتر خوفًا من هجمات المجاهدين الذين كانوا يحصلون من الإيطاليين أنفسهم على المؤن والذخائر بعد الغارات عليهم، لذلك كان مدار السياسة الإيطالية في ليبيا هو القضاء على السنوسية؛ لأنهم أدركوا تعذر استقرارهم في تلك البلاد ما دامت السنوسية تجاهد من منطلق إسلامي.




وقد قام زعيم السنوسيين في الكفرة السيد الشريف "أحمد السنوسي" بتناسي خلافاته مع الدول العثمانية، وأعلن الجهاد على الإيطاليين، وأرسل نداء إلى القبائل ومشايخ الزوايا السنوسية يحضهم على الجهاد، وطلب منهم خروج كل عربي مسلم ما بين الرابعة عشرة والخامسة والستين للجهاد إعلاء لكلمة الله، وأعلن السنوسي أنه سيخرج قبلهم لقتال الإيطاليين هو وكبار رجال السنوسية.



ووجد نداء "السنوسي" آذانًا وقلوبًا صاغية فتوافد المجاهدون حتى وصل عددهم في (المحرم 1331هـ = ديسمبر 1912م) إلى حوالي تسعة عشر ألف مقاتل في معسكر درنة، كما حث السنوسي أبطال السنوسية المتمرسين على القتال لنجدة العثمانيين، وكان مجيء المجاهدين السنوسيين مطمئنًا لأهل طرابلس، وانحازت السنوسية بكامل قوتها وقواتها إلى جانب طرابلس وبرقة.



وعندما وجدت إيطاليا أنها تحارب نوعية مختلفة من المقاتلين تحب الموت كما يحب جنودها الحياة، طالبت الدول الأوروبية بأن تضغط على الدولة العثمانية لوقف القتال وإلا ضربت سواحل الدولة العثمانية، فتدخلت فرنسا وروسيا وألمانيا والنمسا لعقد صلح بين الطرفين، فعقد معاهدة "أوشي" قرب لوزان بسويسرا في (22 شوال 1330هـ = 3 أكتوبر 1912م) وكان الثمن المدفوع لإيطاليا هو اعتراف تركيا الرسمي لها بضم طرابلس الغرب إليها.



وعندما علم المجاهدون السنوسيون بهذا الصلح من القيادات التي أدمنت التنازل مع أقل ضغوط، أرسل الشريف "السنوسي" إلى القائد التركي "أنور بك" خطابًا يقول له: "نحن والصلح على طرفي نقيض، ولا نقبل صلحًا بوجه من الوجوه إذا كان الثمن هو تسليم البلاد للعدو".



وقرر السنوسيون مواصلة الجهاد، ورفضوا الصلح إلا على أساس واحد وهو جلاء الإيطاليين، ولم تؤثر رغبة المجاهدين على الدولة العثمانية التي انسحبت من الميدان تاركة ليبيا فريسة لإيطاليا، ولم يكتف العثمانيون بذلك بل طالبوا المجاهدين بوضع السلاح والتسليم والكف عن المقاومة، ثم اكتملت المؤامرة بعد ذلك بتوسيط خديو مصر عباس حلمي الثاني بضرورة إقناع السنوسيين بضرورة الإخلاد إلى السكينة والدعة، وأرسل الخديوي سفارة إلى السنوسيين بذلك، لكن الشريف السنوسي أصر على الجهاد حتى جلاء الإيطاليين، وأحاطت الصعوبات بالمجاهدين من كل ناحية بعد قطع المعونات عنهم من مصر وتونس، إلا ما تمكن المخلصون من تهريبه إلى السنوسيين.



الرابطة الإسلامية.. وقود الشعوب العربية

أحدث الاعتداء الإيطالي على ليبيا دويًّا عظيمًا تردد صداه في أنحاء الإمبراطورية العثمانية والعالم الإسلامي، وكان للرأي العام الإسلامي ثورة عارمة، وجهد بارز في دعم الجهاد ضد إيطاليا، وأبرق إمام اليمن "يحيى حميد الدين" إلى الدولة العثمانية عن استعداده للقيام بمائة ألف جندي تحت قيادته بين محارب ومتطوع للدفاع عن الدولة العثمانية، وأبرق أمير مقاطعة نجد الأمير "عبد العزيز بن سعود" إلى العثمانيين أن جميع القبائل التي تحت إمرته مستعدة للزحف في ظلال الأعلام العثمانية.



وتوافد المتطوعون من الأقطار الإسلامية للجهاد حتى بلغوا بعد عام من الاحتلال الإيطالي لليبيا نحو (12) ألف مقاتل متطوع، وتألفت لجان الإغاثة لمساعدة المنكوبين، وأرسلت البعثات الطبية إلى ميادين القتال في طرابلس وبرقة، وكان المصريون أسبق الشعوب التي بذلت المعونة للمجاهدين في ليبيا فتشكلت اللجان لجمع التبرعات، وكان من أهمها اللجنة العليا التي تأسست بعد وقوع العدوان الإيطالي بأيام قلائل برئاسة الأمير عمر طوسون، كما تألفت جمعية الهلال الأحمر برئاسة الشيخ علي يوسف، وقررت إنشاء عدة مستشفيات ميدانية، وسافرت أولى بعثاتها إلى ليبيا في (15 من ذي القعدة 1329هـ = 7 نوفمبر 1911م).



وكان أهم الأسباب التي دعت آلاف المتطوعين للجهاد في ليبيا هو قوة الرابطة الإسلامية التي دفعت الشعوب الإسلامية إلى التكاتف والتساند في وجه العدو المستعمر، كما كان المسلمون في تلك الفترة متحفزين لنصرة دولة الخلافة؛ لذلك أقبلوا على الجهاد من أجل المحافظة على كيانها لأنهم شعروا أن سقوطها يعني ضياع الكلمة وضعف القوة، إضافة إلى أن شبح الاستعمار كان يزعج المسلمين ويشفقون من وقوع أي قطر إسلامي تحت أنيابه المتعطشة للدماء واستنزاف الثروات، كما أن الإيطاليين ارتكبوا فظائع ضد الليبيين لإرغامهم على ترك المقاومة، كان سببًا هامًّا في إصرار الليبيين على الجهاد حتى النهاية.



وقد تطوع عدد من الضباط العثمانيين للقتال في صفوف المجاهدين في ليبيا على رأسهم عزيز المصري الذي سافر متنكرًا إلى طرابلس الغرب، وعين قائدًا لمنطقة بني غازي وحذا حذوه كثير من الضباط الطرابلسيين والسوريين والعراقيين.



واستمرت حركة الجهاد الليبي بقوة رغم ضعف الإمكانات وتضاؤل المساعدات، وكان لبعض الزعامات المصرية مثل الدكتور "عبد الرحمن عزام" في تقوية أزر المجاهدين حتى انتهت الحرب العالمية الثانية، وسيطر الحلفاء على ليبيا بعد هزيمة إيطاليا في هذه الحرب، وسيطر الإنجليز على برقة وطرابلس، وسيطرت فرنسا على منطقة "فزان"، وأقامت الولايات المتحدة بعض القواعد العسكرية.. وبعد جهاد سياسي طويل، وصراعات بين الدول الكبرى أعلنت الأمم المتحدة استقلال ليبيا في (10 من ربيع الآخر 1367هـ= 21 من فبراير 1948م).



وتؤكد التجربة الليبية أن إرادة الشعوب أقوى من قهر القوة وبطش الدولة، إذا توافر لهذه الإرادة الوعي الكامل والتضحية الباسلة، فدفاع هذه الشعوب عن نفسها وأرضها وعرضها يصبح القضية العادلة التي يهون في سبيلها كل شيء.

IroN MaN
07-09-2008, 12:10 PM
الهجرة.. حدث غيّر مجرى التاريخ



مكث النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى الإسلام، ويبصرهم بشرائعه، ويرشدهم إلى أحكامه، دون أن يتطرق إليه ملل، أو يصيبه كلل أو ضجر، لا تصرفه عن دعوته الشواغل، ولا يثنيه عن التبليغ وعد أو وعيد، وإنما هو ماض في طريقه، تحوطه عناية الله وتكلؤه رحمته، لا يجد وسيلة تمكّنه من تبليغ دعوته إلا اتبعها، ولا طريقة تهيئ له النجاح إلا أخذ بأسبابها، طرق كل باب، ووقف عند كل جمع، وعرض دعوته على القبائل؛ لعل أحدًا يؤمن بها ويؤازرها.


وآمن بالدعوة الجديدة بعض أهل مكة، ممن سمت نفوسهم، وصفت أفئدتهم، ونضجت عاطفتهم الدينية، فالتفوا حول نبيهم محمد (صلى الله عليه وسلم)، كما آمن عدد من الرقيق والموالي والمستضعفين في مكة، ولم تلق مكة بالاً لهذا الدين الجديد في بادئ الأمر، وعدّت محمدًا (صلى الله عليه وسلم) وصحبه مجموعة من الحنفاء الذين يظهرون ثم يختفون دون أن يلتفت إليهم أحد.



لكنها استشعرت الخطر، حين رأت نفسها أمام رجل آخر، ودعوة مختلفة، وجماعة تتكون، وكتابًا يُتلى، وأن الرسالة تجد أنصارًا وإن كانت تشق طريقها ببطء، ثم هالها الأمر حين بدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) يهاجم الوثنية ويعيب الأصنام، ويسفّه عبادتها، ورأت أن مكانتها الدينية وزعامتها الروحية في خطر، فلجأت إلى مواجهة الدين الوليد، ومحاصرته بكافة الوسائل التي تضمن إجهاضه والقضاء عليه، ولم تتحرج في استخدام التعذيب والقتل والسجن مع المؤمنين بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ودعوته، ولم يسلم النبي (صلى الله عليه وسلم) نفسه من الأذى، وتعرضت حياته للخطر.



الهجرة إلى الحبشة.. محاولة للخروج من الأزمة

حين اشتد العذاب بأصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) وضاقت بهم السبل، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة "فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه"، فخرج فريق من المسلمين إلى أرض الحبشة؛ مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.



وتفكير النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحبشة ينطوي على معرفة واسعة للنبي الكريم بأحوال شبه الجزيرة العربية، واتجاهاتها السياسية، فلم يكن هناك مكان أصلح للحماية والإيواء من الحبشة، فالقبائل العربية تربطها بقريش علاقات وثيقة، وروابط متينة تمنعها من استقبال هؤلاء المسلمين إذا ما فكروا في الهجرة إليها، وبلاد اليمن غير مستقرة يتنازعها التنافس بين الفرس والروم، والصراع بين اليهودية والنصرانية، ولم تكن أي مدينة من مدن الجزيرة العربية تصلح أن تكون مكانًا مناسبًا لإيوائهم، حتى يثرب نفسها التي استقبلت النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك، وأقام بها دولته –لم تكن تصلح هي الأخرى في هذا الوقت لاستقبال المهاجرين، حيث كانت تمزقها الخلافات الداخلية، والصراعات بين قبائلها. وكان جملة من هاجر إلى الحبشة ثلاثة وثمانين رجلاً.



مقدمات الهجرة الكبرى

وإذا كانت الحبشة التي يحكمها ملك عادل تصلح أن تكون مأوى صالحًا ومكانًا للحماية، فإنها لم تكن تصلح أن تكون مركزًا للدعوة، ومعقلاً للدين، ولهذا لم يفكر النبي (صلى الله عليه وسلم) في الهجرة إليها، واستمر في عرض دعوته على القبائل العربية التي كانت تفد إلى مكة، أو بالذهاب إلى بعضها كما فعل مع قبيلة ثقيف في الطائف، ولم تكن قريش تتركه يدعو في هدوء، وإنما تتبّعت خطوه، تحذر القبائل من دعوته وتنفّرها منه.



غير أن سعي النبي الدءوب، وحرصه على تبليغ دعوته كان لا بد أن يؤتي ثماره، فتفتّحت لدعوته قلوب ستة رجال من الخزرج، فأسلموا، ووعدوه بالدعوة للإسلام في يثرب، وبشروه بالفوز لو قُدّر له أن تجتمع عليه قبائل يثرب.



ولم يكد ينصرم عام حتى وافى النبي (صلى الله عليه وسلم) في موسم الحج اثنا عشر رجلاً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وعقد معهم بيعة عرفت ببيعة العقبة الأولى، على "ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم...".



وأرسل معهم حين عادوا إلى بلادهم مصعب بن عمير، وكان داعية عظيمًا، فقيهًا في الدين، لبقًا فطنًا، حليمًا رفيقًا، ذا صبر وأناة، فنجح في مهمته أيما نجاح، وانتشر الإسلام في كل بيت هناك، وهيأ السبيل لتكون يثرب هي دار الهجرة، التي ينطلق إليها المسلمون، ومعقل الدين ومركز الدولة.



وبعد عام عاد مصعب في موسم الحج، ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الليالي سرًا وبايعوه بيعة العقبة الثانية، التي تضمنت التزامهم بحماية النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما يهاجر إليهم والدفاع عنه، والمحافظة على حياته.



ومن ثم حددت هذه البيعة الوضع القانوني للنبي (صلى الله عليه وسلم) بين أهل يثرب، فاعتبرته واحدًا منهم، دمه كدمهم، وحكمه كحكمهم، وقضت بخروجه ضمنًا من عداد أهل مكة، وانتقال تبعيته إلى أهل يثرب، ولهذا أخفى المتبايعون أمر هذه البيعة عن قريش؛ لأن الفترة بين إتمام هذه البيعة، ووصوله (صلى الله عليه وسلم) لا يلتزم أهل يثرب خلالها بحماية النبي الكريم إذا وقع له مكروه أو أذى من قريش.



التجهيز للهجرة

وبعد أن تمّت البيعة المباركة أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا أفرادًا وجماعات، يتخفّى بها من يخشى على نفسه، ويعلنها من يجد في نفسه القدرة على التحدي.



ولم تقف قريش إزاء هذه الهجرة مكتوفة اليدين، فحاولت أن ترد من استطاعت رده، لتفتنه في دينه أو تعذبه أو تنكل به، ولكن دون جدوى، فقد هاجر معظم المسلمين، وبقى النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة، ووقعت قريش في حيرة: هل يظل في مكة كما فعل في الهجرة إلى الحبشة، أم يهاجر في هذه المرة مع أصحابه؟ وفي هذا خطر شديد عليهم؛ لأنه يستطيع في يثرب أن ينظم جماعته، ويقيم دولته، فتتهدد مكانة قريش بين القبائل، وتضيع زعامتها، وتتأثر تجارتها.



حزمت قريش أمرها، واتخذت قرارها بقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل أن تفلت الفرصة من بين أيديها، ويتحقق ما تخشاه، فأعدوا مؤامرتهم لهذا الغرض الدنيء، وأشركوا جميع القبائل في قتله، باختيار شاب قوي من بين أبنائها، حتى يتفرق دمه في القبائل، ولا يقوى بنو هاشم على محاربة أهل مكة، وقد سجل القرآن الكريم نبأ هذه المؤامرة الخسيسة في قوله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" [الأنفال: الآية 30].



حادث الهجرة.. وأسباب النجاح

اتخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) كل الأسباب التي تضمن نجاح هجرته إلى المدينة التي ترتب عليها قيام دولة الإسلام، واتساع رقعتها، وسطوع حضارتها، ولعل أهم الأسباب هو نجاحه الباهر في إعداد المكان الذي سينزل به هو وأصحابه، مستخدمًا كل الوسائل الممكنة من توثيق عرى العلاقات مع أهل يثرب بعقد معاهدتين عظيمتين، وإرسال داعية عظيم الكفاءة، قوي الإيمان، شديد الإخلاص؛ لنشر الدين، وجذب الأتباع هناك.



والسبب الثاني من أسباب النجاح هو اختيار الوقت المناسب للهجرة، فلم يعزم النبي (صلى الله عليه وسلم) على الهجرة إلا بعد أن استوثق من رسوخ إيمان أهل يثرب، وتعهدهم بحمايته والدفاع عنه، وذلك في بيعة العقبة الثانية، ومن ثم لم تعد هناك حاجة لبقائه في مكة بعد أن وجد النصرة والمنعة عند أهل يثرب.



والسبب الثالث هو آليات الهجرة التي اتبعها النبي في خروجه من مكة إلى المدينة، في واحدة من أجلّ ما عرف تاريخ المغامرة في سبيل الحق والعقيدة والإيمان قوة وروعة، وتفاصيل هذه الهجرة مذكورة في كتب السيرة، ولسنا في حاجة إلى سردها الآن، ولكن يمكن القول بأنها كانت سرية إلى أقصى حد، ودقيقة إلى أبعد مدى، وضع لها النبي (صلى الله عليه وسلم) كل ما في وسع البشر وطاقتهم من وسائل تضمن لها النجاح، وخطط تحقق لها التوفيق، فإذا لم يفلح ذلك كله، فستأتي عناية الله في اللحظة المناسبة.



الرسول في المدينة

وما إن وصل النبي المدينة في ضحى يوم الإثنين، الموافق (12 من ربيع الأول للسنة الأولى من الهجرة = 24 سبتمبر 622م) حتى بدأ العمل الجاد، والسعي الدءوب، حتى أكمل رسالته على نحو لا مثيل له في تاريخ الإنسانية.



ولم تكن يثرب عندما نزلها النبي (صلى الله عليه وسلم) مدينة بالمعنى المعروف، وإنما كانت واحات متفرقة في سهل فسيح يسكنها قبائل الأوس والخزرج والجماعات اليهودية، فنظّم العمران بالمدينة، وشق بها طرقا معبّدة، وكان المسجد هو الأساس في هذا التنظيم، انتظم حوله عمران المدينة الجديدة، واتسقت شوارعها.



وكان هذا المسجد هو مقر الرئاسة الذي تقام فيه الصلاة، وتُبرم فيه كل الأمور، وتُعقد به مجالس التشاور للحرب والسلم واستقبال الوفود، وبجوار المسجد اتخذ النبي مساكنه، وكانت متصلة بالمسجد، بحيث يخرج منها إلى صلاته مباشرة، وأصبح من السُنّة أن تُبْنى المساجد وبجوارها بيوت الولاة ودواوين الحكم.



ثم أصلح النبي ما بين الأوس والخزرج وأزال ما بينهما من عداوة، وجمعهما في اسم واحد هو الأنصار، ثم آخى بينهم وبين المهاجرين على أساس أن المؤمنين إخوة، وكانت المرة الأولى التي يعرف فيها العرب شيئا يسمى الأخوة، دون قرابة أو صلة رحم، حيث جعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجلا من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين، بينهما من الروابط ما بين الأخوين من قرابة الدم.



وبعد المؤاخاة كانت الصحيفة، وهي الدستور الذي وضعه النبي (صلى الله عليه وسلم) لتنظيم الحياة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، هذه الوثيقة لم يُمْلِها النبي (صلى الله عليه وسلم) إملاء، وإنما كانت ثمرة مناقشات ومشاورات بينه وبين أصحابه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وكلما استقروا على مبدأ قام الرسول بإملاء نصه على علي بن أبي طالب، وشيئا فشيئا اكتملت الوثيقة، وأصبحت دستورا للجماعة الجديدة، ولا يكاد يُعرف من قبل دولة قامت منذ إنشائها على أساس دستور مكتوب غير هذه الدولة الإسلامية الجديدة، فإنما تقام الدول أولا، ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور.



وأدت هذه السياسة الحكيمة إلى قيام جماعة متآلفة متحابة، وإلى ازدياد عدد سكان المدينة حتى زاد عدد سكانها عما كانوا عليه أكثر من خمس مرات، بعد أن أقبل الناس على سكناها؛ طلبا للأمن والعدل في ظل الإسلام، والتماسًا لبركة مجاورة النبي (صلى الله عليه وسلم)، واستجابة لما دعا إليه القرآن من الهجرة إلى الله وإلى رسوله.



بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة

كانت الهجرة إلى المدينة ضرورة ملحة فرضتها الأحداث التي أحاطت بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة، وألزمته السعي إلى مكان آخر تُمارس فيها شعائر الإسلام، وتُطبّق أحكامه، وتنطلق دعوته إلى كل مكان، دون مزاحمة أو تضييق، ومكة حينذاك لم تعد صالحة لهذه الفترة من عمر الرسالة، لأن العداء قد بلغ بها كل مدى ضد الدين الجديد، وأصبحت هناك صعوبة بالغة في استكمال الدعوة التي تحتاج إلى دولة حتى تنجح راسلتها.



ولم تكن الحبشة التي تنعم بالعدل والأمان تصلح لهذه الفترة؛ نظرا لاختلاف البيئة اللغوية والدينية هناك؛ الأمر الذي جعل حركة الإسلام هناك بطيئة، وبلا فاعلية، ولا تسمح هذه البيئة بالتطبيق؛ ومن ثم لم تكن هناك مدينة في شبه الجزيرة العربية تصلح لاستقبال الدين في الفترة الثانية إلا يثرب التي أُطلق عليها مدينة الرسول.

IroN MaN
07-09-2008, 12:15 PM
إعلان الدستور في الدولة العثمانية



شهدت الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر الميلادي مشروعات إصلاحية متعددة عرفت باسم التنظيمات الخيرية، نتيجة جهود بعض رجال الدولة المصلحين من أمثال مصطفى رشيد باشا، ومحمد فؤاد باشا كشيسي زاده، ومحمد أمين عالي باشا، ومدحت باشا، وكلهم شغلوا منصب الصدر الأعظم. وقبل أن يصدر الدستور العثماني كانت تصدر مراسيم سلطانية تتناول إصلاح بعض الأمور في الدولة، وتشتمل على مبادئ عامة في الحكم والإدارة.


وسبق ميلاد الدستور العثماني تولي السلطانعبد الحميد الثاني حكم الدولة العثمانية، خلفًا لأخيه السلطان مراد الخامس الذي كان يعاني مرضًا شديدًا، بعد أن أصدر مجلس الوزراء بقيادة الصدر الأعظم قرارًا بعزله بناءً على فتوى شرعية، وذلك في (10 من شعبان 1293هـ= 31 من أغسطس 1876م).



لجنة وضع الدستور

وبعد تولي السلطان عبد الحميد الحكم أمر بتشكيل لجنة لوضع مشروع الدستور تحت رئاسة مدحت باشا بصفته رئيسًا لمجلس الدولة، وكان أعضاء اللجنة يتألفون من 28 عضوًا من كبار موظفي الدولة وعلماء الدين والعسكريين وبعض الشخصيات العامة.



وبعد جلسات عديدة ومطولة ومناقشات حامية، انتهت اللجنة إلى وضع هيكل للنظام البرلماني يقوم على مجلسين، هما: مجلس للشيوخ يطلق عليه "مجلس الأعيان"، ومجلس للنواب يطلق عليه "مجلس المبعوثان". وبانتهاء اللجنة من مهمتها عين رئيسها مدحت باشا صدرًا أعظم للمرة الثانية في (3 من ذي الحجة 1293 هـ= 19 من ديسمبر 1876م)، وبعد أربعة أيام من توليه المنصب الكبير أعلن الدستور وسط قصف المدافع في اليوم الأول لافتتاح مؤتمر إستانبول الدولي.



وكان هذا المؤتمر قد قررت عقده الدول الأوروبية الكبرى؛ للنظر في وضع شروط الصلح بين الدولة العثمانية والصرب، وفي أوضاع سكان الولايات المسيحية الخاضعة للدولة العثمانية في أوروبا، بحيث يكون إدخال الإصلاحات المنشودة تحت إشراف الدول الأوروبية الكبرى، وكان انعقاد مثل هذا المؤتمر سببًا في التعجيل بإصدار الدستور؛ وهو ما استغله مدحت باشا للضغط على السلطان العثماني لتبرير سرعة إصدار الدستور، استنادًا إلى أن صدوره سيجعل الدول الأوروبية الكبرى تكف عن تدخلها في الشئون الداخلية للدولة، تحت ستار المطالبة بإدخال الإصلاحات في ولاياتها المسيحية في أوروبا.



أقسام الدستور ومواده

ويطلق على هذا الدستور اسم المشروطية الأولى، وهو المصطلح التاريخي كما يطلق عليه القانون الأساسي، وهو مقسم إلى 12 قسمًا ويضم 119 مادة، وقد تأثر واضعوه بالدستور البلجيكي والروسي.



وحدد القسم الأول من الدستور الدولة العثمانية، وعاصمتها وقرر أن دينها الرسمي هو الإسلام، وتناول وضع السلطان وامتيازاته وطرق توارث الحكم، وحدد الدستور حقوق السلطان وواجباته بمراقبة تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، وسك العملة باسمه، والدعاء له في الخطب، وتعيين الوزراء وعزلهم، وإعلان الحرب وعقد الصلح وإبرام المعاهدات، والقيادة العليا للقوات المسلحة. ونصَّ الدستور على ضرورة تصديق السلطان على الأحكام القضائية الصادرة بالإعدام، وخوّله أن يسن قانونًا أو يصدر مرسومًا دون موافقة البرلمان.



ونصَّ القسم الثاني من الدستور على الحقوق العامة لرعايا الدولة؛ فهو يؤكد على مساواتهم أمام القانون دون نظر إلى ديانتهم، ولهم كل الحقوق وعليهم جميع الواجبات، وقرر أن الحرية الشخصية مصونة ولا تُنتهك، وكفل حرية العبادة لغير المسلمين شريطة ألا يرتكب أحد في إقامة شعائره الدينية ما يخل بالنظام العام أو يتعارض مع الأخلاق الطيبة. ونص على أن التعيين في المناصب الحكومية ميسور للجميع بشرط توفر الكفاءة والمقدرة وإجادة اللغة التركية، وشدد على تجريم انتهاك حرمة المساكن، فلا يُسمح لرجال الحكومة باقتحامها إلا في الأحوال التي يحددها القانون، وقرر عدم السماح بجمع أموال في صورة ضرائب أو تحت أي تسمية إلا طبقًا للقانون.



الفصل بين السلطات

وتناول الدستور السلطات الثلاثة؛ فالصدر الأعظم يتولى السلطة التنفيذية، وهو رئيس مجلس الوزراء ويرأس اجتماعاته، وتقرر أن يكون شيخ الإسلام عضوًا في المجلس. أما السلطة التشريعية فينهض بها البرلمان الذي يتكون من مجلسين، أحدهما مجلس الأعيان أو مجلس الشيوخ، ويعينهم السلطان، ويكون تعيينهم مدى الحياة، ويجب ألا تقل سن العضو عن 40 عامًا، ويكون قد أدى من قبلُ خدمات جليلة للدولة، وألا يتجاوز عدد أعضائه ثُلث عدد أعضاء مجلس المبعوثان.



أما مجلس المبعوثان فيتم اختيار أعضائه عن طريق إجراء انتخابات عامة في أنحاء الدولة، يمثل كل نائب 50 ألف فرد من رعايا الدولة الذكور، ومدة العضوية 4 سنوات. وكفل الدستور الحصانة البرلمانية لأعضاء مجلس المبعوثان، فلا يجوز القبض عليهم أو محاكمتهم، إلا إذا قرر المجلس بأغلبية الأصوات رفع الحصانة عن العضو.



وأما السلطة القضائية فتمارس من خلال المحاكم الشرعية المختصة نظر قضايا الأحوال الشخصية بالنسبة لرعايا الدولة المسلمين، أما غير المسلمين فتنظر قضاياهم محاكم ملِّية خاصة بالمتنازعين.



وإلى جانب المحاكم الشرعية توجد المحاكم المدنية التي تختص بالقوانين الوضعية، وكفل الدستور صيانة القضاء من أي نوع من أنواع التدخل في شئونه، واحتفظ الدستور باختصاصات مجلس الدولة التي كان يمارسها قبل باعتباره محكمة استئناف عليها تنظر في الطعون المقدمة ضد القرارات الإدارية.



إيقاف الحياة النيابية

وقد أمر السلطان عبد الحميد بوضع الدستور موضع التنفيذ، فأجريت انتخابات عامة لأول مرة في التاريخ العثماني، وأسفرت عن تمثيل المسلمين في مجلس المبعوثان بـ71 مقعدًا، والمسيحيين بـ44 مقعدًا، و4 مقاعد لليهود. وتألف مجلس الأعيان والشيوخ من 26 عضوًا، واجتمع البرلمان رسميًا في (4 من ربيع الأول 1294هـ= 19 من مارس 1877م) في حفل كبير أقيم في قاعة الاحتفالات في قصر ضولمة باشي.



وبدأ المجلسان عملهما في جد ونشاط، وناقش مجلس المبعوثان بعض المشروعات، مثل: قانون الصحافة، وقانون الانتخابات، وقانون عدم مركزية الحكم، وإقرار الموازنة العامة للحكومة.



ولم تطل الحياة النيابية كثيرًا، حيث لم تزد عن 11 شهرًا من تاريخ انعقاده، أصدر بعدها السلطان عبد الحميد قرارا بتعطيل مجلس الأعيان والمبعوثان في (13 من صفر 1295هـ= 14 من فبراير 1878م)، واستمر هذا التعطيل زهاء 30 عامًا لم تُفتح خلالها قاعة البرلمان مرة واحدة.



وظل العمل بالدستور معطلا حتى أصدر السلطان عبد الحميد الثاني في (23 من جمادى الآخر 1326هـ= 23 من يوليو 1908م) قرارًا بإعادة العمل بالدستور.



وقد تعددت اجتهادات المؤرخين في الأسباب التي جعلت السلطان يتخذ هذا الإجراء المتشدد بشأن الحياة النيابية الوليدة، فبعض المؤرخين اتهم السلطان بالاستبداد والنزوع إلى الحكم الفردي المطلق، وذلك ضمن الحملة الظالمة والضارية التي تعرض لها هذا السلطان المنكوب.



في حين أيد فريق من المؤرخين ما اتخذه السلطان بشأن حل البرلمان وإيقاف الحياة النيابية؛ فالدولة كانت تتعرض لأطماع الدول الأجنبية، وروسيا تتطلع إلى احتلال إستانبول وتتحرق شوقًا لإعادة الصليب على مسجد محمد الفاتح بعد أن أصبح جيشها على مشارف العاصمة التليدة، والبرلمان يتأخر كثيرًا في إعداد المشروعات، ولم يكن أعضاء البرلمان على قلب رجل واحد.. كل ذلك أقنع السلطان عبد الحميد بأن الدولة العثمانية في الظروف التي تمر بها ليست في حاجة إلى النظام النيابي.

الكوماندة
07-09-2008, 06:29 PM
موضوع متميز بارك الله فيك

القائد مسلم
08-09-2008, 02:38 AM
موضوع جميل يا احمد وانا بستاذنك اضيفه للموسوعة .

IroN MaN
08-09-2008, 02:48 PM
موضوع جميل يا احمد وانا بستاذنك اضيفه للموسوعة .


اتفضل يا باشا
احنا تحت امرك
موفق بإذن الله

IroN MaN
08-09-2008, 02:55 PM
أحمد حسن البكر.. من التدريس للرئاسة


يبدأ تاريخ العراق المعاصر منذ سنة (1333هـ = 1914م) حين استولت قوة بريطانية على البصرة في (5 من المحرم 1333هـ = 23 من نوفمبر 1914م)، غير أن هذا الزحف البريطاني مني بخسارة فادحة سنة (1335هـ = 1916م)، لكن ذلك لم يمنع البريطانيين من مواصلة الزحف واحتلال بغداد في (17 من جمادى الأولى 1335 هـ= 11 من مارس 1917م)، واستكمل البريطانيون احتلالهم للعراق سنة (1338هـ = 1919م)، ثم قرر المجلس الأعلى للحلفاء في (6 من شعبان 1338هـ = 25 من إبريل 1920م) وضع العراق تحت الانتداب البريطاني، ولم يكد يمر على هذا القرار الجائر شهور قليلة حتى شبت ثورة وطنية عارمة للتخلص من الاحتلال البريطاني، ولكنها أخمدت ولم تنجح، وفي (رمضان 1339هـ = يونيو 1921م) وصل الأمير فيصل ملك سوريا السابق إلى البصرة، فنودي به ملكًا على العراق في (18 من ذي الحجة 1339هـ = 23 من أغسطس 1921م)، وبعد وفاته سنة (1352هـ = 1933م) خلفه ابنه "غازي" على العرش، ودام حكمه 6 سنوات، إذ توفي في حادث سيارة سنة (1358هـ = 1939م) وخلفه ابنه الصغير "فيصل الثاني"، وبه انتهى الحكم الملكي في العراق في (26 من ذي الحجة 1377هـ = 14 من يوليو 1958م) وقام نظام الحكم الجمهوري، الذي توالى على رياسته: عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف، وعبد الرحمن عارف، وأحمد حسن البكر، موضع ترجمة اليوم.


مولده ونشأته

في مدينة تكريت العراقية ولد أحمد حسن البكر سنة (1333هـ = 1914م)، والتحق بمدرسة دار المعلمين الابتدائية، وتخرج فيها سنة (1351هـ = 1932م)، وبعد تخرجه مارس العمل في مهنة التدريس، ثم لم يلبث أن تركها بعد 6 سنوات، والتحق بالكلية العسكرية سنة (1357هـ = 1938م) في بغداد، وبعد أن أنهى دراسته بها تقلب في العديد من المناصب العسكرية.



عبد الكريم قاسم والإطاحة بالنظام الملكي

كان عبد الكريم قاسم من كبار القادة في الجيش العراقي، تمكن بمعاونة زملائه من القيام بانقلاب عسكري سنة (1377هـ = 1958م) أطاح بالنظام الملكي، وقُتل في هذه العملية ملك العراق، و"نوري السعيد" رئيس وزرائه، ثم أعلنت الجمهورية، وكان أحمد حسن البكر ممن شاركوا في هذا الانقلاب، وعين بعد نجاحه عضوًا في المجلس العرفي العسكري.



ولما كان عبد الكريم قاسم يميل إلى الحكم المطلق والانفراد بالسلطة؛ سعى إلى التخلص من شركائه في الثورة وبخاصة عبد السلام عارف، وفي هذه الأجواء المضطربة قامت حركة فاشلة للإطاحة بعبد الكريم قاسم قادها عبد الوهاب الشواف في (26 من شعبان 1378هـ = 8 من مارس 1959م) ووجّه الاتهام لأحمد حسن البكر بمشاركته في هذه الحركة الانقلابية، فأحيل إلى التقاعد برتبة مقدم، وصودرت جميع أمواله.



وأدت سياسة عبد الكريم قاسم إلى زيادة السخط عليه بعد أن انفرد بالحكم، وأقام محكمة قدم إليها المعارضين لسياسته، كما أثار الفرقة في الصف العربي بادعائه حقوقا إقليمية للعراق في الكويت، وتحول هذا السخط إلى حركة ثورية أطاحت بعبد الكريم قاسم في (14 من رمضان 1382هـ = 8 من فبراير 1963م) وتولى زمام الأمور عبد السلام عارف.



البكر رئيسًا للوزارة

كان البكر من الذين أسهموا في إسقاط نظام عبد الكريم قاسم الذي حُكم عليه بالإعدام، فكوفئ بعد نجاح الحركة بترقيته إلى رتبة لواء، وتوليه رئاسة الوزراء، لكنه لم يستمر في منصبه طويلاً، فقد أبعده عنه عبد السلام عارف رئيس الجمهورية، وكان يميل إلى إبعاد عناصر حزب البعث العراقي عن تقلد مناصب الحكم، وعُيّن نائبًا لرئيس الجمهورية، ثم لم يلبث أن أبعد عن النيابة إلى العمل كسفير في وزارة الخارجية في سنة (1384هـ = 1964م).



ثم تعرض للاعتقال والإقامة الجبرية في منزله، ثم أطلق سراحه بعد ذلك، وبدأ في العودة إلى نشاطه السياسي. وساعده على ذلك وفاة عبد السلام عارف في حادث طائرة سنة (1395هـ = 1966م) وتولي أخيه عبد الرحمن عارف الحكم في العراق.



واستطاع البكر بمعاونة حزب البعث العراقي وبعض ضباط الجيش أن يقوم بانقلاب ضد عبد الرحمن عارف، ويرغمه على التسليم في (20 من ربيع الآخر 1388هـ = 17 من يوليو 1968م)، ومغادرة البلاد. وفي مساء ذلك اليوم انتخب أحمد حسن البكر رئيسًا للجمهورية.



في رئاسة الجمهورية

وكعادة من سبق البكر في التخلص من الشركاء في النصر قام هو بإقصاء عبد الرازق النايف الذي كان يتولى منصب رئيس الوزراء، وتعاون معه في عملية إسقاط حكم عبد الرحمن عارف، وأعلن بعد أيام قليلة من جلوسه على حكم العراق إقصاء نفي النايف إلى خارج العراق بحجة تصحيح أوضاع الثورة ومسيرتها، وقام في الوقت نفسه بتولي القيادة العامة للقوات المسلحة ومهمة تشكيل الوزارة.



ولم يسلم حكم البكر من قيام عدد من المحاولات الفاشلة للانقضاض عليه وإقصائه عن الحكم، فتمكن من إحباط محاولة انقلاب ضده بزعامة العميد عبد الغني الراوي وعدد من الضباط في (ذي القعدة 1389هـ = يناير 1970م)، ونجح في القضاء على انقلاب اللواء ناظم كزار مدير الأمن العام سنة (1393هـ = 1973م)، وعلى إثر فشل هذا الانقلاب تعززت مركزية السلطة.



وقد واجه العراق في عهد الرئيس البكر عددًا من المشكلات الخارجية والداخلية، وكان من أهمها مشكلة الأكراد في شمال العراق، فصدر في (3 من المحرم 1390هـ = 11 من مارس 1970م) بيان أزار لحل القضية الكردية حلاً سلميًا، وتوسيع مساهمة الأكراد في تولي مناصب الدولة العراقية، ونص على تكوين جمعية محلية للأكراد، لها حق إصدار قوانين ذات طابع محلي، واختيار الموظفين في المنطقة الكردية من بين أبنائها. وتضمن الدستور العراقي الحقوق القومية للأكراد، ومن بينها الاعتراف باللغة الكردية لغة رسمية في العراق، وتعيين أحد الأكراد نائبًا لرئيس الجمهورية، وتخصيص ميزانية أكبر لتعمير الشمال العراقي.



وقد شرعت الحكومة العراقية في تنفيذ الاتفاق الذي تضمنه بيان أزار، وصدر الدستور المؤقت سنة (1391هـ = 1971م) وهو ينص على كفالة الحقوق الكردية، وعُيّن "كرري" نائبًا لرئيس الجمهورية، بيد أنه لما طُلب من الأكراد تسليم أسلحتهم أخذوا في المماطلة، ودخلت أطراف أخرى لا تريد الإصلاح فتجددت الاضطرابات بعد سنتين من الهدوء النسبي.



وفي عهده تم التوقيع في بغداد على معاهدة صداقة بين العراق والاتحاد السوفيتي في (21 من صفر 1392هـ = 6 من إبريل 1972م)، ثم قام الرئيس البكر بخطوة واسعة في سبيل الاحتفاظ بثروة النفط العراقية المتنامية، فأمّم في (17 من ربيع الآخر 1392هـ = 1 من يونيو 1972م) شركة نفط العراق المحدودة، وقد أدت واردات النفط إلى ارتفاع في مستوى الدخل القومي السنوي، أسهم فيه إلى حد كبير ارتفاع أسعار النفط بعد حرب العاشر من رمضان المجيدة.. وبمناسبة هذه الحرب فقد شارك العراق بجزء من قواته في هذه الحرب على الجبهتين السورية والمصرية.



ونجح البكر في توقيع اتفاقية مع إيران بعد خلافات طويلة سنة (1395هـ = 1975م) حيث وفّق الرئيس الجزائري هواري بومدين في التقريب بين البلدين، وإعادة ترسيم الحدود بين البلدين في مياه شط العرب. وفي هذا الاتفاق تعهدت إيران بعدم تقديم يد العون والمساعدة للأكراد، وهو ما أدى إلى إضعاف جبهتهم.



نهاية أحمد حسن البكر

وفي (رمضان 1399هـ = يوليو 1979م) تمكن صدام حسين الذي كان يتولى زعامة حزب البعث العراقي من التخلص من أحمد حسن البكر، وإقصائه من جميع مناصب الدولة والحزب، ووضعه في منزله تحت الإقامة الجبرية حتى لقي الله في (15 من ذي الحجة 1402هـ = 4 من أكتوبر 1982م).

IroN MaN
08-09-2008, 03:04 PM
استقلال إريتريا.. أعوام مديدة من التضحيات


استطاعت إريتريا أن تنفصل عن إثيوبيا وتستقل سياسيًا بعد ثلاثين عاما من الكفاح السياسي والعسكري، حظيت خلاله بدعم عربي وإسلامي كبير، على أمل أن يصبح ذلك البلد -الذي تمتد سواحله على البحر الأحمر حوالي ألف كيلومتر– جزءًا من الأمة العربية وعضوا بجامعتها العربية، اتساقا مع مقتضيات الأمن القومي العربي الهادفة إلى المحافظة على هذا البحر كبحيرة عربية إسلامية.


إلا أن هذا الأمل لم يتحقق رغم أن نسبة المسلمين في إريتريا تقارب 78%؛ فقد أخذ الرئيس "أسياس أفورقي" بلاده بتوجهات بعيدة عن العروبة والإسلام لاعتبارات تتعلق بتوجهاته الماركسية التي تعززت بفرضه اللغة التيجرينية لغة رسمية للبلاد بدلا من اللغة العربية، وتجاهله لقوانين الأحوال الشخصية للمسلمين، وعلاقاته الوثيقة مع إسرائيل.



إريتريا.. المعنى والتاريخ

تقع إريتريا عل الشاطئ الغربي للبحر الأحمر في نقطة حاكمة عند مدخله الجنوبي وعلى مقربة من مضيق باب المندب ذي الأهمية الإستراتيجية البالغة؛ فهي تشبه مثلثا محصورا بين إثيوبيا والسودان وجيبوتي، وتبلغ مساحتها حوالي (120) كم2 تتنوع فيها التضاريس والمناخ، وتمتلك شاطئًا يمتد ألف كيلومتر على البحر الأحمر، يمتد من "رأس قصار" على الحدود السودانية شمالا إلى باب المندب في "رأس أرجيتا" في جيبوتي جنوبًا، ويقع في هذا الساحل أهم موانئ البحر الأحمر وهما: "عصب" و"مصوع".



وتتبع إريتريا (126) جزيرة، أهمها أرخبيل (مجموعة جزر) دُهلك وبه نحو (25) جزيرة، أهمها من الناحية الإستراتيجية جزيرتا "فاطمة" و"حالب". ويزيد عدد السكان عن أربعة ملايين نسمة. 78% منهم مسلمون، والباقي ينتمون إلى تسع مجموعات دينية وعرقية ولغوية أخرى.



وترجع تسمية إريتريا إلى الرومان الذين أطلقوا تسمية "سينوس أريتريوم" على البحر الأحمر وشواطئه التي سيطروا عليها عندما خضعت "عدوليس" على الشاطئ الإريتري لسلطانهم، وعندما احتل الإيطاليون هذه الشواطئ في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي أطلقوا اسم "إريتريا" عليها إحياء للتسمية الرومانية، وذلك بمرسوم أصدره الملك الإيطالي "همبرت الأول" في (جمادي الأولى 1307هـ= يناير 1890م).



إريتريا.. والإسلام

ترجع معرفة منطقة إريتريا بالإسلام إلى البدايات الأولى لظهور الإسلام؛ حيث كانت هذه المنطقة تتبع في تلك الفترة النجاشي ملك الحبشة. فعندما اشتد إيذاء الكفار للمسلمين في مكة أمرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال لهم: "فإن لها ملكًا لا يُظلَمُ عنده أحد، وهي أرض صدق"؛ فهاجر المسلمون إلى الحبشة وهبطت سفنهم على ساحل مصوع، وتحديدًا في المكان الذي يطلق عليه "رأس مدر"، وبنوا فيه مسجدًا – ما تزال بقاياه موجودة إلى الآن– ومنذ ذلك التاريخ انتشرت الدعوة الإسلامية في إريتريا والحبشة، حيث مكث الصحابة المهاجرون بها ستة عشر عامًا متتابعة يقيمون فيها شعائر الإسلام.



وفي عهد الدولة الأموية والعباسية هاجرت بعض القبائل العربية إلى إريتريا، وأقامت بها مراكز للدعوة والتجارة فتحولت غالبية القبائل الوثنية إلى الإسلام، ونشأت بعض الممالك العربية والإسلامية في جزر دهلك، بالإضافة إلى نشأة سبع ممالك داخلية عرفت باسم "بلاد الطراز الإسلامي".



وعندما سيطر البرتغاليون على بعض سواحل البحر الأحمر ومن بينها شواطئ إريتريا في بداية القرن السادس عشر الميلادي، تدخل العثمانيون لمواجهة الخطر البرتغالي وحماية الأماكن المقدسة في مكة والمدينة من مهاجمة السفن الصليبية، وتمكنوا من الاستيلاء على "سواكن" و"مصوع" وجعلوا البحر الأحمر بحيرة عثمانية مغلقة. وخضعت سواحل إريتريا للحكم المصري بناء على فرمان أصدره السلطان العثماني سنة (1281هـ = 1865م)؛ فتحسنت أحوالها بعدما أصبح الساحل الإفريقي للبحر الأحمر في حوزة مصر.



الاستعمار الإيطالي

بدأت الأطماع الإيطالية في إريتريا مع ضعف الحكم المصري في عهد إسماعيل نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ودخل الإيطاليون إلى تلك المنطقة عبر بوابة الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي يتحكم فيها المنصّرون ورجالات الكنائس؛ فاستطاع المنصر "سابيتو" أن يشتري قطعة أرض في ميناء عصب سنة (1286هـ= 1869م)، ثم أصدر مجلس النواب الإيطالي في (1299هـ= 1882م) قانونا بتحويل عصب إلى مستعمرة إيطالية، وكانت سياسته فيها تقوم على العنصرية، ومحاربة اللغة العربية. واعترف الإمبراطور الحبشي "منليك الثاني" بحق إيطاليا في إريتريا حتى يستطيع مقاومة النفوذ الفرنسي والبريطاني.



واستمر الاحتلال الإيطالي (60) عاما حتى تمكنت بريطانيا وحلفاؤها من هزيمة إيطاليا ودول المحور في الحرب العالمية الثانية، وأقامت بريطانيا بها إدارة عسكرية.



هيلاسلاسي.. أطماع وأحقاد

عاد الإمبراطور الحبشي هيلاسلاسي إلى الحكم في بلاده بمساعدة الإنجليز بعدما طرده الإيطاليون، ورأى أن يستغل الظروف الدولية لجمع أسلاب إيطاليا في إفريقيا؛ فيضم الصومال وإريتريا إلى مملكته التوسعية. وساعدته على ذلك بريطانيا والولايات المتحدة، حيث اتصل ببعض رجال الكنيسة لاستمالتهم إليه، وقامت المخابرات البريطانية بإثارة العدوان والنعرات الدينية والقبلية.



ونجحت إثيوبيا في خلق حزب موال لها في إريتريا سنة (1366هـ= 1946م) عُرف باسم حزب الاتحاد مع إثيوبيا كانت قاعدته من المسيحيين. ناهض المسلمون هذا الحزب وأسسوا حزب الرابطة الإسلامية الإريترية وحددوا أهدافه بالاستقلال التام. وشهدت تلك الفترة صراعات سياسية حادة، نشأت خلالها عدة أحزاب لها ارتباطات خارجية، تبنى بعضها سياسة الاغتيالات مثل حزب الاتحاد مع إثيوبيا الذي أنشأ ميليشيا إرهابية عرفت باسم "الشفتا" اغتالت عددا من القيادات الوطنية. كما عمل هيلاسلاسي على إثارة الخلافات بين الأحزاب الإريترية فكثرت الانشقاقات بها.



الأمم المتحدة صراعات الأروقة والمصالح

عُرضت القضية الإريترية على الأمم المتحدة التي أرسلت لجنة لاستطلاع آراء الأهالي حول تقرير المصير فخرجت اللجنة بآراء مختلفة، منها ضم إريتريا إلى إثيوبيا، وهو اتجاه دعمته الولايات المتحدة، وأمام هذا الضغط الأمريكي وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في (صفر 1370هـ= ديسمبر 1950م) على أن تكون إريتريا تحت سيادة التاج الإثيوبي في اتحاد فيدرالي مع تمتعها بالحكم الذاتي، وقررت الأمم المتحدة تعيين مندوب لها يكفل تنفيذ قرارها لأول مرة في تاريخ المنظمة الدولية، وبذلك حصلت إثيوبيا على منفذ لها على البحر الأحمر.



الاستعمار الإثيوبي

وتم تشكيل جمعية تشريعية منتخبة في إريتريا أقرت الدستور الجديد للبلاد، وعلما خاصا بها، وسلطات قضائية وتشريعية خاصة بها، واعتمدت اللغتين العربية والتجيرينية لغتين رسميتين لإريتريا، وفي (ذي القعدة 1371 هـ= أغسطس 1952م) صادق الإمبراطور هيلاسلاسي على الدستور الإريتري الجديد، ثم صادق على القانون الفيدرالي، وكانت تلك الخطوة الأولى في طريق الاستعمار الإثيوبي لإريتريا، شاركت في تعبيده القوى الاستعمارية الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا التي انسحبت من إريتريا في (25 من ذي الحجة 1371هـ= 15 من سبتمبر 1952) بعدما سلمت كل الممتلكات الإريترية من موانئ ومطارات ووسائل مواصلات إلى الجيش الإثيوبي، ولم تترك للحكومة الإريترية ما يمكن أن تؤسس عليه دولتها الوليدة.



وتشكلت أول حكومة إريترية برئاسة "تدلا بايرو" السكرتير العام لحزب الاتحاد مع إثيوبيا، ولم يستطع هيلاسلاسي أن ينتظر طويلا ليرى تصرف الإريتريين في إطار الفيدرالية، فتعجل في تطبيق مخططه الاستعماري، وأصدر في نفس العام قرارًا يقضي بتطبيق القوانين والنظم الإثيوبية على إريتريا، كما نفذ خطة أخرى لتغيير التركيبة السكانية في إريتريا؛ فسلم الأراضي الخصبة في منطقة "وادي زولا" الإسلامية إلى نصارى الحبشة، وبنى لهم كنيسة وتكرر ذلك في المناطق الأخرى، ثم وقّع معاهدة مع الولايات المتحدة في (شعبان 1372هـ= مايو 1953م) مُنحت بموجبها واشنطن الحق في إقامة قواعد ومنشآت عسكرية على أراضي إريتريا.



واتخذت إثيوبيا مجموعة من الإجراءات التعسفية ضد المسلمين الإريتريين، ولجأت إلى سلاح الدين لخلق الفرقة في إريتريا، فألفت حزبًا سياسيًا من رجال الدين المسيحي تحت رئاسة القس ديمطروس الذي فرضته نائبا لرئيس البرلمان؛ فأثار ذلك غضب البرلمان الإريتري، ووجه إنذارا لإثيوبيا بوجوب إعطاء الضمانات لسيادة الدستور الإريتري، وإلا طالب البرلمان بتدخل الأمم المتحدة.



استبد الغضب بهيلاسلاسي فعزل حكومة تدلا بايرو، وعين مكانه إسفهاولد ميكائيل الذي استخدم أساليب إرهابية ضد الوطنيين، ومنع جميع الأحزاب من العمل، وصاغ نظاما اقتصاديا قائمًا على الإقطاع. وفي عام (1375هـ= 1956م) تم تعديل الدستور بناء على اقتراح حكومي، وألغيت اللغتان الرسميتان العربية والتجيرينية، وحلت مكانهما اللغة الأمهرية، وألغي العلم الإريتري، ونص التعديل الجديد أن يعين رئيس الوزراء الإريتري من قِبل الإمبراطور مباشرة، فقوبلت هذه الإجراءات بغضب شديد، وتبين للإريتريين أن الأمم المتحدة لا تريد أن تتدخل في حل المشكلة الإريترية الذي كان قرار الفيدرالية السبب المباشر في قيامها.



حركة التحرير الإريترية

لم يستسلم الإريتريون لحركة القمع الإثيوبية، وتمكن العمال المهاجرون (1378هـ=1958م) من تأسيس حركة تحرير إريتريا، التي كانت تنظيما سريا يتكون من خلايا تتكون من سبعة أفراد، وكان أبرز قادتها محمد سعيد نادو، وكان شعارها العنف الثوري هو الطريق الوحيد للاستقلال. وبدأت الحركة بتنظيم الخارج من المهاجرين ثم انتقلت إلى الداخل. ونشأت – أيضا – جبهة التحرير الإريترية، وحدث صراع وتنافس قوي بين التنظيمين.



ونشأت جبهة التحرير في عام (1380هـ = 1960م)، وقادها الشهيد حامد إدريس عواتي الذي أعلن الثورة المسلحة للحصول على الاستقلال التام في (ربيع أول 1382هـ= سبتمبر 1961م)، واتسع نطاق الثورة وغطت معظم مساحات إريتريا، وأصبحت حربا قومية في كافة الأقاليم؛ فأصدر الإمبراطور هيلاسلاسي قرارًا في (15 من جمادي الأولى 1382 هـ= 14 من نوفمبر 1962م) ألغى بموجبه الاتحاد الفيدرالي، وأعلن ضم إريتريا إلى إثيوبيا نهائيا، وجعلها الولاية الرابعة عشرة لإثيوبيا.



فشلت إثيوبيا في القضاء على الثورة الإريترية المسلحة، فاتجهت إلى الشعب ومارست معه العنف حتى يبتعد عن مساندة الثوار، فازداد الشعب التصاقا بالثورة التي أصبحت تتمتع بالتأييد الشعبي المطلق، وساعدها على الاستمرار ضعف الوجود العسكري الإثيوبي في إريتريا، وطبيعة التضاريس التي تساعد على حرب العصابات وتعوق تقدم الجيوش النظامية، وانضم إلى الثورة كثير من رجال الجيش والشرطة من الإريتريين.



انشقاقات وانشقاقات

كانت المشكلة التي تواجه الثورة الإريترية تكمن في تناحر قياداتها، والتوجهات اليسارية التي تسللت إلى الثورة بعد سنوات قليلة من تأسيس جبهة التحرير، فكان اليساريون والماركسيون وراء كل انشقاق وكل شرخ يحدث في صف الوطنيين؛ فالجبهة الشعبية لتحرير إريتريا تشكلت عام (1389هـ= 1969م) بعد انشقاقها على الجبهة الأم، وكان من زعمائها أسياس أفورقي وكانت توجهاته ماركسية.



وتوسعت هذه الجبهة الشعبية لتصبح أهم منظمة تحريرية في البلاد، ثم انشق أفورقي عن القيادة العامة، وشارك في تأسيس "قوات التحرير الشعبية"، وحدثت حرب أهلية بين هؤلاء الثوار انتهت عام (1394هـ= 1974م) وبعد عام عقد مؤتمر الخرطوم بين هذه الفصائل المتناحرة، لكن هذه الاتفاقية لم تصمد طويلا، بل كانت سببا في انشقاقات أخرى، وأعلن أفورقي وأنصاره من المقاتلين رفضه للوحدة الفوقية التي تمت في اتفاق الخرطوم.



وفي (صفر 1397هـ= يناير 1977م) انشق أفورقي عن قوات التحرير الشعبية، وأعلن تشكيل "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا"، وعكس هذا الانشقاق الجديد انقساما ثقافيا؛ فأفورقي ذو توجهات يسارية مع كونه من أبناء الطائفة النصرانية، واستطاعت هذه الجبهة تصفية الانشقاقات الأخرى، وانفردت بالساحة في إريتريا.



انقلاب إثيوبيا.. مراهنات خاسرة

وفي عام (1394 هـ= 1974م) تغير نظام الحكم في إثيوبيا بعد المجاعة، وتولى عسكريون ماركسيون بزعامة "مانجستو هيلاماريام" مقاليد السلطة، وراهنت الجبهة الشعبية على تحقيق تفاهم ما مع النظام الجديد نظرا للتقارب الفكري بينهما، وتمت لقاءات بين الجانبين تحت رعاية الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية، لكنها لم تتوصل إلى شيء واستمرت مقاومة الاستعمار الإثيوبي.



وسجلت تقارير حقوق الإنسان في تلك الفترة من نظام مانجستو أنه يمارس حرب إبادة ضد مسلمي إريتريا، ويعمل على تغيير هويتهم نحو الشيوعية باتباعه سياسة الأرض المحروقة وتسميم الآبار ومصادرة المواشي والقضاء على أية إمكانات للبقاء على الأرض؛ فقام الإريتريون بتوحيد جهودهم وصفوفهم عام (1399هـ= 1979م)، وخاضوا حرب تحرير مريرة لتحقيق الاستقلال حققت خلالها انتصارات كبيرة وأرهقت نُظُم مانجستو.



التحرير بعد 30 عامًا

وتحالفت الجبهة الشعبية بزعامة أفروقي مع المعارضين الإثيوبيين بزعامة ميلس زيناوي تحت رعاية الإدارة الأمريكية في مؤتمر عقد بلندن نسق له وليام كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية، وذلك لإسقاط نظام مانجستو، وانتهى المؤتمر باتفاق رعته واشنطن يقضي باعتراف إثيوبيا بحق تقرير المصير للشعب الإريتري على أن يختار بين الوحدة والانفصال، مقابل أن يلتزم أفورقي بدعم زيناوي في سعيه للتغلب على مناوئيه السياسيين وتولي السلطة، وأن تسمح إريتريا عندئذ باستخدام إثيوبيا ميناء عصب وكذا مصوع للأغراض التجارية.



ونجح الطرفان في إسقاط مانجستو، وتولى زيناوي حكم إثيوبيا، وأعلن استقلال إريتريا في (1 من ذي القعدة 1411هـ= 25 من مايو 1991م)، وتشكلت حكومة مؤقتة أجرت استفتاء عاما على الاستقلال تحت إشراف الجامعة العربية والأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية، وجاءت نتيجته 99% للاستقلال؛ فأصبحت إريتريا دولة مستقلة ذات سيادة في (1 من ذي الحجة 1413هـ= 23 من مايو 1993م)، ثم انتخب أسياس أفورقي رئيسا للبلاد.

IroN MaN
08-09-2008, 03:12 PM
كشمير.. مأساة تغذيها الأطماع


تظل قضية كشمير العقبة الكئود في العلاقات الباكستانية ـ الهندية، والعامل الرئيسي في تفجير الصراع بين الدولتين الجارتين النوويتين، فهي قضية معقدة خلَّفها الاستعمار، وغذتها الأطماع الإقليمية، وكلما ازداد مرور الزمن عليها ازدادت تعقيدًا حتى ليخيل للدارس للعلاقات والتفاعلات السياسية في منطقة شبه القارة الهندية أن قضية كشمير تشبه إلى حد كبير مأساة فلسطين.


ولقضية كشمير على الساحة السياسية العالمية أهمية خاصة، حيث كانت سببا رئيسيا في توتر العلاقات بين الهند وباكستان، ووقعت بينهما اشتباكات حدودية، وما زالت الأزمة مشتعلة، والمخاوف والهواجس من حدوث مواجهة نووية ما زالت موجودة، أما حل القضية الكشميرية، وإنهاء تلك المأساة فما زال غائبًا، وهذا يدعونا إلى التعرف على جذور المشكلة.



جامو وكشمير

تتميز جامو وكشميربجمال الطبيعيةو سحرها، فهي مناطق جبلية غزيرة الأمطار تبلغ مساحتها حوالي (84471) ميلا مربعًا وتحدها الصين من الشرق والشمال الشرقي ، وباكستان من الغرب والجنوب الغربي، والهند من الجنوب، بالإضافة إلى اشتراكها في بعض الحدود مع روسيا في أفغانستان، وتوجد بها جبال قرقوم التي ترتفع أكثر من ثمانية آلاف متر، وجبال هيمالايا التي ترتفع أكثر من خمسة آلاف متر، وتمتد في الشمال الغربي منها جبال هندكوش، ونظرًا لجمال الطبيعة بها أُطلق عليها جنة الأرض، بل إن الإمبراطور المغولي "أكبر" قال عنها: "إنها جنة الأحلام.. ستكون حديقتي الخاصة"؛ لذلك بقيت كشمير هدفًا للغزاة من التتار والمقدونيين والمغول والهنود.



الإسلام

عرفت كشمير الإسلام في وقت متأخر عن غيرها من المناطق في شبة القارة الهندية، فبدأ دخول الإسلام إليها في القرن الخامس الهجري، عن طريق العلماء والدعاة من البلدان المجاورة، حيث حالت وعورة الطريق دون فتح السلطان محمود الغزنوي لها رغم أنه تغلب على كثير من أراضي الهند خلال فتوحاته.



وكانت البداية الحقيقية للوجود الإسلامي في كشمير في القرن الرابع عشر الميلادي عن طريق الداعية الشيخ "عبد الرحمن شرف الدين المعروف" بـ "بلبل شاه" الذي أمكنه إقناع إمبراطور كشمير "جياليورين تشان" البوذي من اعتناق الإسلام، فكان أول حاكم لكشمير ينضم إلى الإسلام مع جميع أسرته وأقربائه، وترتب على ذلك أن دخل في الإسلام أعداد كبيرة من الشعب، وتسمّى هذا الإمبراطور بصدر الدين، وصار المسلمون أغلبية في تلك المناطق، وأصبحت كشمير جزءًا من الإمبراطورية الإسلامية في الهند على مدى قرنين من الزمان، ثم حكمها الولاة الذين كانوا يعينون من قبل حكومة أفغانستان.



بريطانيا وأمريتسار

استمر حكم المسلمين لكشمير حتى عام (1255 هـ= 1839م) عندما استطاعت شركة الهند الشرقية الاستعمارية البريطانية من الدخول إلى تلك المنطقة والاستيلاء عليها، وعقدت صفقة غريبة في التاريخ مع أسرة "الدواغرا" الهندوسية عرفت باسم اتفاقية "أمريتسار"، باعت فيها بريطانيا تلك الولاية إلى تلك الأسرة لمدة مائة عامة مقابل (7.5) ملايين روبية، أي ما يعادل مليون ونصف المليون دولار، وكان مدة هذه الاتفاقية تنتهي عام (1366هـ= 1946م)؛ لذلك كان المفكر الكبير العلامة "أبو الأعلى المودودي" يقول: "إن رجال السياسة البريطانيين هم الذين أوجدوا قضية كشمير".



وتولى حكم الولاية المهراجا الهندوكي "غولاب سينغ"، وكانت تلك المرة الأولى التي تدخل فيها أغلبية مسلمة تحت حكم أقلية غير مسلمة منذ دخول الإسلام إلى الهند، وظل المسلمون طوال قرن من الزمان يتعرضون لصنوف شتى من الاضطهاد والظلم، فلم يسمح لهم بتولي الوظائف المدنية أو العسكرية، وفُرضت عليهم الضرائب الباهظة وفرضت عليهم قيود شديدة في أداء العبادات.



ويذكر التاريخ أن ذبح الأبقار كانت عقوبته الإعدام، واستمر هذا القانون مفروضًا حتى خفف سنة (1353هـ= 1934م) إلى السجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة وحرم على المسلمين حمل السلاح، كما أن الهندوكي إذا أسلم صودرت أملاكه على عكس المسلم إذا ارتد فإنه يجد فرصة ذهبية لحياة رغدة، ويذكر التاريخ أنه خلال القرن الذي حكمت فيه أسرة الدواغرا كشمير تولت الحكم فيها (28) حكومة لم يكن فيها مسلم واحد.



عودة الوعي

وهكذا عاش 80% من الشعب المسلم مضطهدًا من قلة حاكمة لا تزيد على 20%، وكان لهذا الأمر أثر بالغ في إحساس المسلمين بالمرارة والظلم؛ فأدى ذلك إلى ظهور انتفاضات للمسلمين في تلك المناطق، والمعروف أن المسلمين والهندوس في القارة الهندية تحالفوا معًا في معركة الاستقلال عن بريطانيا رغم التنافر والتناقض الديني، وبرزت الدعوات بتشكيل دولة للمسلمين في المناطق ذات الأغلبية المسلمة، وتأسست عام (1324هـ= 1906م) الجامعة الإسلامية التي أخذت تطالب باستقلال الهند بالتعاون مع حزب المؤتمر الهندي الذي كان يتزعمه غاندي، ومع التعصب الهندوسي بدأ حزب الجامعة الإسلامية يتبنى فكرة قيام دولة مستقلة منفصلة للمسلمين.



وفي كشمير اشتد اضطهاد الهنادكة للمسلمين، الذين اجتمعوا وأسسوا حزبًا عُرف باسم "المؤتمر الوطني الإسلامي" تحت زعامة محمد عبد الله، وضم الحزب بين صفوفه بعض الهندوس، وحضر جلسته الأولى سنة (1351هـ= 1932م) أربعون ألف شخص، غير أن هذا الحزب اعتبر فرعًا لحزب المؤتمر الهندي، وتم تشكيل حزب آخر عُرف باسم حزب "المؤتمر الإسلامي الكشميري" بزعامة "شودري غلام عباس"، الذي دعا من أول يوم عقد فيه اجتماع للحزب إلى إنقاذ كشمير من براثن المهراجا الهندوسي "هري سنغ"، وانضمامها إلى دولة باكستان (الأرض الطاهرة) عندما تنشأ.



ولما رأى الهندوس النجاح الذي حققه حزب المؤتمر الإسلامي والتجاوب الواسع له بين سكان الولاية، عملوا على تأسيس فروع لحزب المؤتمر الهندي في كشمير، وذلك بالتفاهم مع المهراجا "هري سينغ"، وذلك عام (1358هـ= 1939م)، وكان هدف هذا الحزب ضم الولاية إلى الهند.



كما عمل الهندوس على الوقيعة بين الحزبين الرئيسين للمسلمين، وهما: حزب المؤتمر الإسلامي، وحزب المؤتمر الوطني، وهو ما دفع الزعيم الكبير لمسلمي الهند ومؤسس دولة باكستان "محمد علي جناح" أن يقوم بزيارة لكشمير سنة (1363هـ= 1943م) لرأب الصدع بين هذين الحزبين والعمل على ضمهما معًا في حزب واحد كبير يشمل مسلمي كشمير، إلا أنه لم يتمكن من ذلك لرفض محمد عبد الله هذا الأمر، وكانت الحكومة الكشميرية تضطهد رجال حزب المؤتمر الإسلامي؛ فاعتقلت كثيرًا منهم، ورفضت نتائج الانتخابات التي أجريت عام (1347هـ= 1928م) في الولاية التي حصل فيها الحزب على أغلبية المقاعد، بل رفضت أوراق ترشيح أعضاء ذلك الحزب.



وفي عام (1365هـ= 1944م) قام المسلمون بثورة، وقاطع الحزبان الكبيران في الولاية المهراجا، فقبض على محمد عبد الله، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، فأرسل له الزعيم الهندي نهرو محاميًا ليدافع عنه.



التقسيم والمذابح

وبعد مرور قرن على اتفاقية "أمريتسار" التي باعت فيها بريطانيا ولاية كشمير، أصدر البرلمان البريطاني قانون استقلال الهند، والمعروف أن الهند كانت تتقسم إبان الاحتلال البريطاني لها إلى قسمين أساسيين هما الإمارات والأقاليم، وكانت الأقاليم تخضع للحكم المباشر من البريطانيين، وعندما صدر إعلان تقسيم الهند إلى دولتين إحداهما مسلمة والأخرى غير مسلمة في (27 من رمضان 1366هـ=14 من أغسطس 1947م) أصبح محمد علي جناح أول رئيس للدولة الإسلامية الجديدة التي حملت اسم باكستان.



وأعطى قرار التقسيم الإمارات الحرية في أن تظل مستقلة أو تختار الانضمام إلى الهند أو باكستان، مع مراعاة الوضع الجغرافي والعوامل الاقتصادية والإستراتيجية، ثم رغبات الشعب، غير أن تطبيق هذا الأمر في الواقع كانت له بعض الاستثناءات الخطيرة، فمثلا ولايتا حيدر آباد وجوناكاد الواقعتان بالقرب من باكستان، كانتا ذات أغلبية هندوسية وإن كان حاكماهما من المسلمين، إلا أن أخطر هذه الاستثناءات كان إقليم كشمير الذي كان يسكنه في ذلك الوقت أربعة ملايين نسمة غالبيتهم من المسلمين وحاكمهم هندوسي.



واتفق البريطانيون مع حزب المؤتمر الهندي على أن تضم كشمير للهند، وكان الهدف من وراء ذلك أن تصبح كشمير بؤرة الصراع المزمن بين الهند وباكستان، وبالتالي لن تصبح هناك دولة قوية كبرى في شبه القارة الهندية تشكل تحديًا للمصالح التجارية والإستراتيجية للإنجليز في المنطقة.



وشهدت كشمير قبل صدور قرار التقسيم حركة مقاومة عنيفة نظمها المسلمون ضد الممارسات الطائفية للحاكم الهندوسي، وقرر المؤتمر الإسلامي قبل صدور قرار التقسيم بأقل من شهر ضرورة الانضمام لباكستان، وقرر الشبان المسلمون أن يقوموا بحركة جهاد لتحرير الولاية وضمها إلى باكستان.



وأمام هذا الوضع وقع المهراجا اتفاقًا مع باكستان بأن يبقى الوضع على ما هو عليه مع التعاون بين الولاية وباكستان؛ وذلك لأن كشمير كانت تتبع قبل التقسيم السلطات المحلية الموجودة في مدينة لاهور التي انضمت إلى باكستان، وبذلك أصبحت باكستان مسؤولة عن الدفاع عن كشمير وعن شؤونها الخارجية باعتبارها جزءًا منها، وفي نفس الوقت ألَّف المهراجا عصابات وسمح لعصابات إرهابية هندوكية تسمى "آر. سي. سي" و"الجان سينغ" و"الهندو مهاسابها" بممارسة عمليات إرهابية بشعة ضد المسلمين قتل خلالها عشرات الآلاف من المسلمين.



فقامت مظاهرات عنيفة من جانب المسلمين بقيادة "جودري حميد الله خان" في (19 شوال 1366هـ= 5 سبتمبر 1947م) ردًا على هذه الاعتداءات؛ فتصدت لها الشرطة بالرصاص؛ فسقط كثير من القتلى، وهم يطالبون بالانضمام إلى باكستان.



مؤتمر الفلاحين

وفي (1 من ذي القعدة 1366هـ= 16 من سبتمبر 1947م) عُقد مؤتمر الفلاحين الكشميريين، وطالب بانضمام الولاية إلى باكستان، لكن المهراجا رفض هذا الطلب، وقام بتوزيع الأسلحة على الهنادكة؛ فسارع رجال القبائل من باكستان لنجدة إخوانهم الكشميريين، ولما رأى محمد عبد الله الذي أفرج عنه المهراجا تأزم الأوضاع خشي من انفلات الأمور فأعلن وقوفه بجانب المهراجا، وتسلم رئاسة الحكومة وقتل يومها من المسلمين حوالي (62) ألفًا، وفي هذه الأثناء فر المهراجا سنغ إلى الهند، واستقر في دلهي العاصمة تاركًا كشمير تغرق في بحار الدماء.



واستطاع المسلمون الكشميريون تحرير جزء من الولاية، وقام المجاهد محمد إبراهيم (19 من ذي القعدة 1366هـ= 4 أكتوبر 1947م) بتشكيل حكومة كشمير الحرة "آزاد كشمير"، وتأليف الجيش الكشميري الذي استطاع أن يسيطر على كثير من المناطق ويقيم حكومة، وعندما وجد المهراجا أن الأمور خرجت عن سيطرته وقدرته أراد أن يضرب ضربته الأخيرة ضد المسلمين الكشميريين، فعقد مع الهند أثناء وجوده في دلهي اتفاقية في (12 من ذي الحجة= 27 من أكتوبر] تتضمن انضمام الولاية إلى الهند ورغم أن هذه الاتفاقية المجحفة لا يوافق عليها أغلبية الشعب، وتتناقض مع اتفاقيته السابقة مع باكستان، بالإضافة إلى عدم تمتعه بالشرعية لانتهاء المائة عام من الحماية التي نصت عليها اتفاقية أمريتسار لأسرته، فإنه أعلن انضمامه للهند لتبدأ فصول مأساة جديدة.



مأساة جديدة

وعندما حققت قوات الثوار المسلمين انتصارات في كشمير، واقتربت من مدينة سرينجار عاصمة الإقليم، أرسلت الهند قواتها المحملة جوًا لوقف تقدم الكشميريين، وكان برفقة هذه القوات المهراجا، ووقعت اشتباكات بين الجانبين، وأكد الزعيم الهندي نهرو في برقية بعث بها إلى حكومة باكستان أن الهند تتعهد بسحب قواتها العسكرية من كشمير بعد عودة السلام إليها، وتعهد أن يترك لمواطنيها الحرية في حق تقرير المصير.



وأعنت الحكومة المؤيدة للمهراجا في كشمير أن من يرغب في الهجرة إلى باكستان فسوف تسهل له الحكومة الهجرة وتقدم له المساعدة، وأن على راغبي الهجرة أن يجتمعوا في مكان واحد، فظن الكشميريون أن الحكومة جادة في إعلانها، فاحتشد المسلمون فأُطلقت عليهم النيران بكثافة وسقط آلاف القتلى، وهتكت أعراض آلاف الشابات الكشميريات، ومن ضمنهن ابنة شودري غلام عباس مؤسس حركة تحرير كشمير، وصدرت الأوامر إلى الجيش الباكستاني للمشاركة في المعارك ضد الجيش الهندي.



وعندما تطور الأمر إلى احتمال حدوث صراع مسلح بين الدولتين رفعت الهند القضية إلى الأمم المتحدة التي تدخلت واتخذت قرارًا بوقف إطلاق النار في (1369 هـ = 1949م]، وأن يتم إجراء استفتاء حر في الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة، وانتشرت قوات حفظ السلام على جانبي خط وقف إطلاق النار، ولم تنفذ بقية البنود، واستمرت هذه القوات حتى عام (1392هـ = 1972م) عندما طالبت الهند بانسحابها فانسحبت من الجانب الهندي.



وأصبح الجزء الشمالي من كشمير يخضع لسيطرة باكستان، ويعرف باسم "آزاد كشمير"، أما باقي كشمير فتحت السيطرة الهندية، ويشمل ثلثي الإقليم، وأكثر من 60% من السكان غالبيتهم من المسلمين، ومنذ ذلك الوقت لم تهدأ حركات المقاومة والجهاد الكشميري ضد الاحتلال الهندي، وأصبحت تلك القضية موضوعًا لقرارات عديدة من الأمم المتحدة، جرى تجاهلها جميعًا، خاصة قرار سنة (1369هـ 1949م) الذي تتمسك به باكستان، وينص على إجراء استفتاء حر في الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة.



أما الهند فقد رفضت كافة المقترحات التي تقدم بها وسطاء الأمم المتحدة، وتبنت موقفًا مؤداه أن كشمير انضمت إلى الهند برغبتها، وأن الحل الوحيد المقبول لحل القضية هو انسحاب القوات الباكستانية منها، وعندما رفع الأمر إلى مجلس الأمن عام (1377هـ=1957م) وجدت الهند نفسها في عزلة دولية حتى من حلفائها؛ فأصرت على رفض أي دور للأمم المتحدة في تسوية المشكلة؛ لأنها تمثل مشكلة داخلية ليس للمنظمة الدولية اختصاص بها، ثم أعلنت في عام (1383هـ = 1963م) أن جامو وكشمير ولاية هندية مع وضعية تتساوى فيها مع غيرها من الولايات الهندية، وأن هذا الضم نهائي.



وبدأت الهند في مخطط مدروس لتغيير الطبيعة السكانية في الإقليم، فدفعت بموجات كبيرة من الهندوس خاصة ممن خدموا في الجيش الهندي إلى الاستقرار في الإقليم ومنحتهم الوظائف المختلفة، وأغلقت مئات المدارس الإسلامية، وصادرت كثيرًا من الممتلكات، وأغلقت (200) معهد إسلامي، وغيّرت المناهج نحو التعليم الهندوسي، وبدأت في عمليات قمع رهيبة ضد المسلمين، وكان نتيجة هذه الإجراءات الهندية العنيفة نشوب صدامات مسلحة بين باكستان والهند بسبب القضية الكشميرية، أبرزها الحرب الثانية بين البلدين عام (1385هـ=1965م)، وقامت حركات الجهاد الكشميرية التي تدعمها باكستان.



وما زالت القضية الكشميرية تتمتع بتأثير كبير في السياسة الداخلية في الهند وباكستان، وتشكل قيدًا قويًّا على صانع القرار في الدولتين، وما زالت عاملاً مفجرًا للصراع بين الدولتين.

نهى
09-09-2008, 02:17 PM
موضوع مميز ومجهود اكثر من رائع
مؤفق باذن الله

IroN MaN
09-09-2008, 07:19 PM
فتح مصر.. أرض الكنانة


لم يمنع تأخر إسلام عمرو بن العاص من
أن يتبوأ مكانة رفيعة بين أبطال الإسلام، تقدمه مواهبه، وتزكيه أعماله، ولم يكن النبي (صلى الله عليه وسلم) ليغفل عن ذلك؛ فلم يجعل تأخر سابقته في الإسلام تحول دون النفع منه، وكان شأن عمرو بن العاص في ذلك شأن خالد بن الوليدارتفعت بهما أقدارهما إلى ما يستحقان من تقدير وإعجاب.

وقدر النبي (صلى الله عليه وسلم) في عمرو كفايته وحزمة، فجعله قائدًا لبعض سراياه، مثل سرية ذات السلاسل لإخضاع قبيلة قضاعة، فتم له النصر، ورأى فيه عقلاً ومهارة، وسياسة وحكمة، فاختاره صلى الله عليه وسلم سفيرًا يحمل كتابه إلى ملكي عمان، يدعوهما إلى الإسلام، فنجح في مهمته، وأسلم الملكان وتبعهما خلق كثير، ثم ولاه النبي صلى الله عليه وسلم صدقة عمان، وظل في منصبه ما يقرب من سنتين حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فعاد إلى المدينة.


لقاء الجابية

لما تم للمسلمين فتح بلاد الشام وفلسطين اتجهت أنظارهم إلى مصر، وقد لمعت هذه الفكرة في ذهن عمرو بن العاص أحد قادة فتوح الشام، فعرضها على الخليفة عمر بن الخطاب حين قدم "الجابية" من أعمال دمشق سنة (18هـ = 639م) وكان الخليفة العادل قد غادر المدينة إلى بلاد الشام ليتسلم مدينة القدس صلحًا، بعد أن أصر بطريرك المدينة المقدسة على حضور الخليفة ليتسلمها بنفسه.



وكان فتح مصر ودخولها تحت سلطان المسلمين ضرورة ملحة، تفرضها دواعي الاستقرار واستتباب الأمن والسلام في الشام، بعد أن رأى عمرو أن سواحل سورية وفلسطين لن تكون في مأمن أبدًا ما دام أسطول الروم يعتمد في قواعده على مصر.



تردد الخليفة في قبول هذه الفكرة في بادئ الأمر، وكان عمر يكره أن يبتعد عنه جيشه أو يفصل بينه وبينهم بحار ومفاوز، فيصعب عليه أن يتابعهم، ويتتبع أخبارهم، كما أنه كان ضنينًا بجنوده حريصًا على حياتهم لا يوردهم مورد الهلاك، ولا يدفع بهم إلا حيثما تتحقق الثمرة وترجى الفائدة، غير أن عمرو لم يزل به يقنعه ويضمن له أسباب النجاح والظفر، والبعد عن مكامن الخطر، حتى رضي الخليفة العادل وأذن له بالفتح.



مقدمات الفتح

خرج عمرو بن العاص من "قيسارية" بالشام على رأس قوة صغيرة تبلغ نحو أربعة آلاف جندي في أواخر سنة (18هـ = 639م)، مخترقًا رمال سيناء حتى وصل العريش في (ذي الحجة 18هـ = ديسمبر 639م)، وقضى بها عيد الأضحى، بعد أن فتحها من غير مقاومة، فلم تكن بها حامية للدفاع عنها، ثم غادرها غربًا سالكًا طريقًا بعيدًا عن البحر، وهو طريق كان يسلكه الفاتحون والمهاجرون والسائحون منذ أقدم العصور، حتى وصل إلى مدينة "الفرما" وهي مدينة قديمة، ذات حصون قوية شرقي مدينة بورسعيد الحالية، وكان لها ميناء يطل على البحر، ويصل إليها جدول ماء من النيل. وقد اضطر المسلمون إلى حصارها شهرًا أو أقل من ذلك، أبلوا خلالها بلاءً حسنًا، حتى فتحت المدينة في (أول المحرم 19هـ = 2 من يناير 640م) وأجمع المؤرخون أن للقبط يدًا في هذا النصر، إذ كانوا أعوانًا للفاتح الشجاع.



الطريق إلى بابليون

تقدم عمرو حتى وصل إلى "بُلْبَيْس" في (15 من المحرم سنة 19هـ=16 من يناير 640م) فحاصرها شهرًا حتى تمكن من فتحها بعد قتال شديد مع الروم، واستشهد من المسلمين عدد غير قليل في حين خسر الروم ألف قتيل، ووقع في الأسر نحو ثلاثة آلاف، وأصبح الطريق ممهدًا لعمرو لكي يصل إلى رأس الدلتا وحصن بابليون.



وواصل عمرو سيره حتى بلغ قرية "أم دنين"، وهي قرية كانت تقع على النيل شمال حصن بابليون، وموقعها الحالي في قلب القاهرة عند الحديقة التي تشغلها حديقة الأزبكية وما حولها، وكان النيل يومئذ يمر بهذا المكان.



عمرو يطلب المدد

تنبه الروم على خطورة موقفهم، بعد أن أصبح المسلمون في وسط البلاد، فانحدر الروم إلى حصن بابليون لتنظيم الدفاع، ونشب قتال بين الفريقين، لكنه لم يكن حاسمًا، وكان الروم يستغلون اتصال حصن بابليون بحامية "أم دنين" عن طريق النيل فيشنون غارات سريعة على المسلمين، ولم تكن قواتهم من الضخامة بحيث تتحمل خسائر متلاحقة تصيبهم من الروم، فاضطر عمرو إلى طلب النجدة، حتى يكمل مسيرته، ويعوض ما فقده خلال غزوته، فبعث إليه عمر بن الخطاب بأربعة آلاف مقاتل، وبكتاب يقول فيه: "قد أمددتك بأربعة آلاف، فيهم أربعة رجال، الواحد منهم بألف رجل"، وكان هؤلاء الأربعة هم: الزبير بن العوام، وعباد بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، والمقداد بن الأسود، وكلهم من شجعان الرجال وأبطال الحرب.



معركة هليوبوليس

ولما وصل المدد إلى عمرو بن العاص في (جمادى الآخرة سنة 19هـ=يونيو سنة 640م) سار بجيشه إلى مدينة عين شمس (هليوبوليس)، وقامت خطته على أن يجتذب إليه جند الروم لينازلهم خارج الحصن، ولم تكن للعرب وقتئذ خبرة تامة باقتحام الحصون والاستيلاء عليها.



وخرجت جيوش الروم لملاقاة المسلمين في السهل الواقع بين الحصن ومدينة عين شمس وكانت عيون عمرو قد نقلت إليه أخبار هذا التحرك، فأعد خطة ماهرة، واستعد بقلب جيشه عند عين شمس، وأرسل في جنح الليل كمينًا من جيشه استقر غربًا في قرية أم دنين، وآخر اختبأ عند جبل المقطم.



ولما بدأت المعركة وكانت في (رجب سنة 19هـ = يوليو 640م)، واشتد القتال، انقضت الكتيبة المختبئة عند الجبل بقيادة خارجة بن خدافة على مؤخرة الروم، وأعملت فيهم السيف، فأخذتهم المفاجأة، وتملكهم الفزع والرعب، فولوا هاربين نحو قرية "أم دنين" وكان في انتظارهم الكتيبة الأخرى، فأحاطت بهم وأمعنت فيهم قتلاً وضربًا، وفر الباقون إلى حصن بابليون.



حصار حصن بابليون

مكن هذا النصر معسكرات المسلمين من أن تشرف على حصن بابليون مباشرة من جهته الشمالية والشرقية، ولا تزال بقايا هذا الحصن موجودة في حي مصر القديمة، وكانت أسوار هذا الحصن تضم مساحة تزيد عن الستين فدانًا.



ضرب المسلمون حصارًا قويًا على الحصن المنيع، غير عابئين بمجانيق الروم، تدفعهم حماستهم وحب الجهد ونيل الشهادة في مهاجمة الحصن، والقيام بسلسلة من المناوشات التي كانت نتائجها تضعف معنويات المحاصرين، ولم يكد يمضي على الحصار شهر حتى دب اليأس في نفس "المقوقس" حاكم مصر، فأرسل في طلب المفاوضة والصلح، فبعث عمرو بن العاص وفدًا من المفاوضين على رأسه عبادة بن الصامت الذي كلف بألا يتجاوز في مفاوضته أمورًا ثلاثة يختار الروم واحدة منها، وهي: الدخول في الإسلام، أو قبول دفع الجزية للمسلمين، أو الاحتكام إلى القتال، فلم يقبل الروم العرضين الأولين، وأصروا على مواصلة القتال.



وحاول المقوقس أن يعقد صلحًا مع عمرو بعد أن تيقن أنه لا قبل له بمواجهة المسلمين، وآثر الصلح وحقن الدماء، واختار أن يدفع الجزية للمسلمين، وكتب شروط الصلح، وأرسلها إلى هرقل إمبراطور الروم للموافقة عليها، وأسرع إلى الإسكندرية مغادرًا الحصن، وأردف شروط الصلح برسالة إلى هرقل يعتذر فيها لسيده عما أقدم عليه من الصلح مع السلمين، فما كان من هرقل إلا أن أرسل إليه وإلى قادة الروم يعنفهم على تخاذلهم وتهاونهم إزاء المسلمين، ولم يكن لهذا معنى سوى رفض شروط الصلح.



استأنف المسلمون القتال وشددوا الحصار بعد فشل الصلح، وفي أثناء ذلك جاءت الأنباء بوفاة هرقل ففتّ ذلك في عضد الجنود داخل الحصن، وزادهم يأسًا على يأس، في الوقت الذي صحت فيه عزائم المسلمين، وقويت معنوياتهم، وقدموا أروع أمثلة الشجاعة والفداء، وفي غمرة الحصار تطوَّع الزبير بن العوام بتسلق سور الحصن في ظلام الليل، وتمكن بواسطة سلم وضع له أن يصعد إلى أعلى السور، ولم يشعر الروم إلا بتكبيرة الزبير، تهزُّ سكون الليل، ولم يلبث أن تبعه المسلمون يتسابقون على الصعود، تسبقهم تكبيراتهم المدوية فتنخلع لها أفئدة الروم التي ملأها اليأس، فكانت تلك التكبيرات أمضى من كل سلاح قابلهم، ولم تكد تشرق شمس يوم (18 من ربيع الآخر سنة 20 هـ=16 من إبريل 641م) حتى كان قائد الحصن يعرض الصلاح على عمرو ومغادرة الحصن، فكان ذلك إيذانًا بعهد جديد تسلكه مصر، ولا تزال تحمل رايته حتى يومنا هذا.

IroN MaN
09-09-2008, 07:24 PM
الكامل.. والتفريط في بيت المقدس


يذكر التاريخ الإسلامي بكل تقدير وإعجاب نجاح صلاح الدين الأيوبي في استرداد بيت المقدس في يوم مبارك وافق ذكرى الإسراء والمعراج، في (27 من رجب 583هـ = 2 من أكتوبر 1187م)، وزاد من جلال الفتح العظيم روح السماحة الكريمة، والنبل الرفيع، والأخلاق العالية التي أضفاها الفاتح النبيل على انتصاره الخالد؛ فلم تغلب عليه شهوة الثأر والانتقام من الصليبيين الذين مارسوا أحط الأخلاق وحشية وأخسها فعلاً، حين استولوا على القدس في (22 من شعبان 492هـ = 15 من يوليو 1099م)، حيث أقيمت المذابح للمسلمين العزل، وأبيحت المدينة المقدسة للسلب والنهب والقتل عدة أيام، حتى امتلأت الشوارع بجثث المسلمين وقتلاهم.


الكامل وبيت المقدس

ولم يكد يمضي على عودة مدينة القدس إلى أحضان المسلمين خمسة وثلاثون عامًا حتى كانت عرضة للمساومة والتفريط من قبل السلطان الكامل بن العادل الأيوبي سلطان مصر، في واحدة من أعجب التنازلات التي يقدم عليها حاكم مسلم حين تشتد به الأزمة، وتحيط به الملمات من كل جانب، فيقدم على عمل طائش، بعيد عن الحكمة والسداد، ويفرط في المقدسات التي لا يملك التصرف في أمرها شيئًا.



هذا ما أقدم عليه السلطان الأيوبي قبل أن تسقط دمياط في يد الصليبيين في (27 من شعبان 616هـ = 5 نوفمبر 1219م) في


حملتهم الصليبية الخامسة على مصر، فعرض عليهم -بعد أن يئس من قدرة دمياط على الصمود – استعداده لإعادة بيت المقدس إليهم مقابل الجلاء عن مصر.

لكن هذا العرض السخي المفرط في التنازل لم يلق إجماعًا في قبوله من قبل الصليبيين فرفضوه؛ إذ كانوا يمنون أنفسهم بالاستيلاء على مصر، وظلوا في دمياط ثمانية عشر شهرًا كاملة دون تحرك جادٍ منهم، حتى تمكن المصريون من الانتصار عليهم وطردهم من دمياط، وفشلت الصفقة، ونجا بيت المقدس من المقايضة والوقوع في يد الصليبيين.



انقسام البيت الأيوبي

كان لتضامن أبناء السلطان العادل الثلاثة: الكامل محمد، والمعظم عيسى، والأشرف موسى أثره الواضح في تحقيق النصر في دمياط، وإفشال الحملة الصليبية الخامسة بقيادة "حنادي برين"، وكان المأمول أن يظل هذا التحالف قويًا، لكن ذلك لم يحدث، فانفرط العقد، وانكفأ كل واحد منهم حول ذاته، يعظّم من شأن مصالحه ومكاسبه، دون نظر إلى مصلحة أمته؛ فشب صراع بين الكامل وأخيه السلطان المعظم عيسى صاحب دمشق.



واستعان كل منهما بقوى خارجية لمؤازرته في مواجهة الآخر، فاستنجد الملك المعظم بالسلطان


جلال الدين خوارزم شاه سلطان الدولة الخوارزمية، في حين استعان السلطان الكامل بالإمبراطور فريدريك الثاني صاحب صقلية وإمبراطور الدولة الرومانية في غرب أوروبا.

وكان الثمن الذي أعلنه السلطان الكامل للإمبراطور فريدريك هو تسليمه بيت المقدس وجميع فتوح صلاح الدين بالساحل الشامي، وذلك مقابل مساعدته في حربه ضد أخيه المعظم، ويا له من ثمن غالٍ في مقابل هدف غير نبيل.



وإذا كان السلطان الكامل قد عرض تسليم القدس للصليبيين مقابل الجلاء عن دمياط، فإنه قد يلتمس له البعض الغدر فيما أقدم عليه؛ فإن هول المصيبة قد أطاش بلبّه، وأعجزه عن التفكير السليم، ولكن ليس له عذر في عرضه الثاني، فضلاً عن كونه لا يملك الحق في هذا التنازل أصلا، وهذا من أعجب ما يقابله الإنسان في تصفحه للتاريخ الإسلامي: تفريط دون حاجة، وتنازل مقابل أهداف غير نبيلة.



فرصة فريدريك الثاني

أرسل السلطان الكامل مبعوثه الأمير "فخر الدين يوسف" بهذا العرض إلى الإمبراطور فريدريك الثاني، فأحسن فريدريك استقباله في صقلية، ورد على السلطان بسفارة مماثلة، وقد دعم هذا العرض السخي ما كان يعتمل في نفس الإمبراطور من القيام بحملة صليبية إلى الشام، وقطعَ تردده في النهوض بهذه المهمة التي كان يستحثه البابا جريجوري التاسع في النهوض بها؛ فغادر صقلية في (رجب 625هـ = يونيو 1228م) قاصدًا بلاد الشام، ممنيًا نفسه ببيت المقدس، وبمجدٍ يحققه، يظل التاريخ الأوروبي يلهج بذكره.



وكانت تلك الحملة التي عُرفت في تاريخ الحروب الصليبية بالحملة الصليبية السادسة من أعجب الحملات؛ فلم يتجاوز أفرادها ستمائة فارس فقط، وأسطول هزيل، وكأن الإمبراطور فريدريك جاء إلى الشام ليفاوض لا ليحارب، أو أتى إلى الشرق في نزهة جميلة.



وعندما وصل إلى "عكا" وجد الأمور على غير ما يتمنى، فالسبب الذي من أجله استدعاه السلطان الكامل قد زال وانتهى، فالملك المعظم عيسى الذي كان يعمل على التوسع على حساب إخوته وأهل بيته قد توفي، فلم تعد هناك حاجة تدعو السلطان الكامل إلى الوفاء بوعده للإمبراطور فريدريك، بعد أن اقتسم الأخوان الكامل محمد والأشرف موسى ممتلكات أخيهما المعظم عيسى مثير القلاقل، وعادت الأمور في البيت الأيوبي إلى الهدوء والاستقرار.



سلاح المفاوضة والاستعطاف

ساء موقف الإمبراطور فريدريك الثاني من تغير الأوضاع، ولم يبق له سوى سلاح المفاوضة والاستعطاف، لتحقيق الهدف الغالي والأمل المنشود؛ فأرسل سفارة إلى السلطان الكامل تحمل له هدايا نفيسة، وتطلب منه الوفاء بما تعهّد به للإمبراطور، وتسليم بيت المقدس له، وكان طبيعيًا أن يرفض السلطان الكامل هذا الطلب بعدما تبدلت الأحوال التي ألجأته إلى القيام بهذا العرض، غير أن رفض السلطان زاد من إصرار الإمبراطور على تكرار الطلب، والمبالغة في استمالة السلطان واستعطافه إلى حد التذلل والبكاء، وبلغ به الأمر إلى أنه كتب للسلطان الكامل في أثناء المفاوضات: "أنا مملوكك وعتيقك وليس لي عما تأمره خروج، وأنت تعلم أني أكبر ملوك البحر، وقد علم البابا والملوك باهتمامي وطلوعي، فإن رجعت خائبًا انكسرت حرمتي بينهم!… فإن رأى السلطان أن ينعم عليّ بقبضة البلد والزيارة، فيكون صدقة منه، ويرتفع رأسي بين ملوك البحر".



تسليم بيت المقدس

أفلحت هذه السياسة وأثمرت استعطافات فريدريك في استمالة قلب السلطان الكامل، وكان رجلاً متسامحًا، ففرّط فيما لا يملكه، وتسامح فيما لا يجوز التسامح فيه، ووافق على تسليم بيت المقدس دون أن يبذل الإمبراطور في الاستيلاء عليه قطرة دم، أو ضربة سيف، أو طعنة رمح، وإنما فاز ببيت المقدس بدمعة عين، وخداع نفس، وحقق ما عجز عن تحقيقه ريتشارد قلب الأسد بجيوشه الضخمة وإمكانياته الكبيرة.



واتفق الفريقان على عقد اتفاقية يافا في (22 من ربيع الأول 626هـ = 18 من فبراير 1229م) بمقتضاها تقرر الصلح بين الطرفين لمدة عشر سنوات، على أن يأخذ الصليبيون بيت المقدس وبيت لحم والناصرة وصيدا.



ونصت المعاهدة على أن تبقى مدينة القدس على ما هي عليه، فلا يُجدّد سورها، وأن يظل الحرم بما يضمه من المسجد الأقصى وقبة الصخرة بأيدي المسلمين، وتُقام فيه الشعائر، ولا يدخله الفرنج إلا للزيارة فقط.



وبعد عقد الصلح اتجه فريدريك إلى بيت المقدس، فدخل المدينة المقدسة في (19 من ربيع الآخر 626هـ = 17 من مارس 1229م)، وفي اليوم التالي دخل كنيسة القيامة، ليُتوّج ملكًا على بيت المقدس.



الحزن عادة!!




استقبل المسلمون نبأ تسليم المدينة المقدسة بالأسى والحزن، وعم السخط أرجاء العالم الإسلامي، وأقيمت المآتم في المدن الكبرى.




ويصور المقريزي ما حل بالمسلمين من ألم بقوله: "فاشتد البكاء وعظم الصراخ والعويل، وحضر الأئمة والمؤذنون من القدس إلى مخيم الكامل، وأذّنوا على بابه في غير وقت الأذان.. واشتد الإنكار على الملك الكامل، وكثرت الشفاعات عليه في سائر الأقطار".



ولما أحس السلطان الكامل أنه تورط مع ملك الفرنج أخذ يهوّن من أمر تسليم بيت المقدس، ويعلن أنه لم يعط الفرنج إلا الكنائس والبيوت الخربة، على حين بقي المسجد الأقصى على حاله.. غير أن هذه المبررات لم تنطلِ على أحد من الناس.



وظل بيت المقدس أسيرًا في أيدي الصليبيين نحو خمسة عشر عامًا يشكو إلى الله ظلم الحكام وسوء تصرفهم، حتى نجح الخوارزميون في تحريره في (3 من صفر 642هـ = 11 من يوليو 1244م).. ولهذا الفتح حديث آخر.

IroN MaN
14-09-2008, 02:14 PM
سيف الدولة.. لمحات تاريخية وثقافية


ترجع الجذور الأولى للحمدانيين إلى تغلب بن وائل بن قاسط رأس قبيلة تَغْلِب الشهيرة، والذي ينتهي نسبه إلى ربيعة بن نزار.


وكانت تغلب من أعظم قبائل ربيعة شأنا في بلاد العرب قبل الإسلام لعهدها القديم، فلما أشرق نور الإسلام على الجزيرة العربية، وسارعت قبائل العرب إلى الدخول في الإسلام، كانت قبيلة تغلب من القبائل التي ناصبت الإسلام والمسلمين العداء، بل إنها ناصرت سجاح حينما ادعت النبوة، وساندتها وأتباعها في حربهم المسلمين، وحتى عندما انتهى أمرها وتبددت دعوتها بعدما تصدى أبو بكر الصديق للمرتدين، وقضى على أدعياء النبوة، فإن تغلب لم تستطع أن تُخفي عداءها للمسلمين، فوقفت في صف الروم في حربها ضد المسلمين سنة 12هـ = 637م.


بنو تغلب عبر التاريخ



ومع اتساع الدولة الإسلامية وانتشار الإسلام في الجزيرة العربية وما حولها، لم يتغير موقف بني تغلب كثيرا؛ فلم يدخل منها في الإسلام إلا قليل، وبقي معظمهم على نصرانيتهم، ومع ذلك فإن الخليفة الثاني الفاروق "عمر بن الخطاب" لم يفرض عليهم الجزية التي كانت تؤخذ من أهل الكتاب، وإنما اكتفى بأن أخذ منهم الصدقة التي كانت تؤخذ من المسلمين، ولكنه ضاعفها عليهم.

وفي عصر الدولة الأموية حظي أبناء تغلب من الشعراء بمكانة عظيمة، فظهر الأخطل والقطافي -وهما شاعران نصرانيان-، وكان لهما حظ وفير من المجد والشهرة في بلاد الأمويين.

فلما جاءت الدولة العباسية، كان لبني تغلب مكانة مرموقة في كنف الأسرة العباسية، وتمكنوا من إنشاء دولتهم المستقلة التي كان لها دورها الكبير في حركة التاريخ، وساهمت بشكل فعال في إرساء نهضة حضارية وفكرية عظيمة.


ظهور وتغلغل



ولكن البداية الحقيقية لظهور الحمدانيين على مسرح الأحداث ترجع إلى مؤسس هذه الأسرة "حمدان بن حمدون التغلبي" صاحب قلعة "ماردين" القريبة من "الموصل"، وذلك عندما خاض حمدون على رأس جنوده عدة معارك قوية ضد الروم، إلا أن بداية علاقتهم الفعلية بالعباسيين لم تتحدد إلا بعد عام (272هـ=885م)، عندما تحالف مع "هارون الشاري" الخارجي، واستطاعا غزو الموصل والاستيلاء عليها، وقد أدى ذلك إلى ثورة الخليفة العباسي المعتضد وغضبه عليه، فقبض عليه وحبسه.

ومع استفحال أمر "الشاري" ظلّ الخليفة يفكر في وسيلة للقضاء عليه، ووجدها "الحسين بن حمدان" فرصة لإظهار قدراته واكتساب ثقة الخليفة وإطلاق سراح أبيه من الحبس، واستطاع الحسين هزيمة الشاري بعد معركة قوية، وأسره وقدّمه إلى الخليفة يرسف في أغلاله؛ فسر الخليفة بذلك، وأطلق سراح أبيه، وبدأ مرحلة جديدة من التعاون مع بني حمدان؛ فاستعان بهم في محاربة القرامطة والتصدي لخطرهم، كما وجههم إلى العديد من الفتوحات في فارس ومصر والمغرب.

وهكذا استطاع الحمدانيون الوصول إلى أخطر المراكز، وتقلدوا أعلى المناصب، وشاركوا مشاركة فعلية في الحياة السياسية في بغداد لفترة غير قصيرة، واستطاعت الأسرة الحمدانية أن توثق صلاتها بالعباسيين، وأخذ نفوذهم يزداد، وتوغلوا في جميع مرافق الدولة، بالرغم من الدسائس والمؤامرات المستمرة التي ظلت تحاك ضدهم من بعض العناصر غير العربية في بلاط العباسيين، وبرز عدد كبير من أبناء هذه الأسرة كان في مقدمتهم الأمير "سيف الدولة الحمداني".


سيف الدولة.. الأمير الفارس



وُلد الأمير "سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدون التغلبي" في (303هـ = 915م) في مدينة "ميافارقين" -أشهر مدن ديار بكر- على إثر تولي أبيه إمارة الموصل.

وقد عُني أبوه بتعليمه وتنشئته على الفروسية منذ نعومة أظفاره، وأظهر سيف الدولة استعدادا كبيرا ومهارة فائقة في القنص والرمي وركوب الخيل منذ صغره.

ولم يكد يبلغ العشرين من عمره حتى صار فارسا لا يُشَقّ له غبار، وخاض العديد من المعارك الطاحنة ضد أعداء الدولة والمتمردين عليها؛ سواء في الداخل أو في الخارج.

واستطاع الأمير الشاب أن يحقق انتصارا عظيما على البريدين الذين اقتحموا بغداد عام (330هـ = 942م) ودفعوا الخليفة العباسي "المتقي لله" إلى الخروج منها، واللجوء إلى الموصل للاستنجاد بالحمدانيين، فلما حقّق الأمير الشاب "علي بن أبي الهيجاء" النصر على البريدين بعد أن تعقبهم إلى المدائن، أنعم عليه الخليفة بلقب "سيف الدولة"، وأمر أن تُضرب باسمه الدنانير والدراهم.

IroN MaN
14-09-2008, 02:23 PM
الانتصار على البيزنطيين

وبدأ نجم سيف الدولة يعلو ويسطع منذ ذلك الحين؛ فحقق المزيد من الانتصارات على الروم والبيزنطيين، واستطاع أن يصدّ هجماتهم، كما تمكن من المحافظة على حدود الدولة الإسلامية ضد غاراتهم، واستطاع أن يتوغل داخل حدود الدولة البيزنطية.


وقد عُني سيف الدولة بتسليح جيشه في مواجهة استعدادات الجيش البيزنطي العسكرية القوية وتنظيمه الجيد، وتنوع تسليحه، فاتجه إلى توفير المال اللازم لتجهيز الجيش وتسليح الجنود، واهتم بتدريب رجاله وتربية جنوده تربية عسكرية صارمة.



واتخذ سيف الدولة مدينة "حلب" مركزا ليبدأ منها مرحلة جديدة من حياته؛ حيث أعلن إمارته على مناطق حلب والجزيرة الفراتية وإقليم الثغور والعواصم، وبدأ يدخل في مرحلة جديدة من الصراع مع الروم البيزنطيين والحروب الطاحنة معهم، واستطاع خلالها أن يحقق عدة انتصارات عليهم، ووجه إليهم العديد من الضربات المتلاحقة الموجعة، وألحق بهم سلسلة من الهزائم المتتالية.



الصراع مع الإخشيديين

وقد أثارت انتصارات سيف الدولة على الروم البيزنطيين حفيظةوالإخشيديين الذين وجدوا عليه تلك البطولات والأمجاد، وخشوا من تعاظم نفوذه وقوة شوكته؛ فتحركوا لقتاله، ولكنهم ما لبثوا أن آثروا الصلح معه بعد أن لمسوا قوته وبأسه.
وبدأ الروم البيزنطيون يعيدون ترتيب صفوفهم وتنظيم قوتهم، وراحوا يهاجمون الثغور العربية في سنة (336هـ = 947م)، ولكن الأمير سيف الدولة الحمداني تصدّى لهم وتعقبهم، وجدد البيزنطيون هجماتهم مرة أخرى بعد عام، فتعقبهم سيف الدولة، وقتل منهم عددا كبيرا.



ولكن هجمات الروم البيزنطيين لم تتوقف؛ مما دفع سيف الدولة إلى تجهيز حملة كبيرة قوامها ثلاثون ألف فارس، وانضم إليهم جيش طرطوس في أربعة آلاف مقاتل، واستطاع اقتحام حدود الدولة البيزنطية، والتوغل داخل أراضيها، وفتح عددا من حصونها، وألحق بالبيزنطيين هزيمة منكرة، وأسر عددا من قادتهم؛ مما دفع البيزنطيين إلى طلب الهدنة منه، بعد أن ضاقوا ذرعا بالحروب الطاحنة التي كبدتهم العديد من الخسائر وأصابتهم بالوهن.



نهضة شاملة

وبالرغم من الطابع العسكري والحربي لدولة الحمدانيين بصفة عامة، وإمارة سيف الدولة على نحو خاص، فإن ذلك لم يصرف الأمير "سيف الدولة" عن الاهتمام بالجوانب الحضارية والعمرانية.



فقد شيّد سيف الدولة قصره الشهير بـ"قصر الحلبة" على سفح جبل الجوشن، وتميز بروعة بنائه وفخامته وجمال نقوشه وزخارفه، وكان آية من آيات الفن المعماري البديع، كما شيّد العديد من المساجد، واهتم ببناء الحصون المنيعة والقلاع القوية.



وشهدت الحياة الاقتصادية ازدهارا ملحوظا في العديد من المجالات؛ فمن ناحية الزراعة كثرت المزروعات، وتنوعت المحاصيل من الحبوب والفاكهة والثمار والأزهار، فظهر البُرّ والشعير والذرة والأرز والبسلة وغيرها. كما ظهرت أنواع عديدة من الفاكهة كالتين والعنب والرمان والبرقوق والمشمش والخوخ والتوت والتفاح والجوز والبندق والحمضيات. ومن الرياحين والأزهار والورد والآس والنرجس والبنفسج والياسمين. كما جادت زراعة الأقطان والزيتون والنخيل. وظهرت صناعات عديدة على تلك المزروعات، مثل: الزيتون، والزبيب، كما ظهرت صناعات أخرى كالحديد والرخام والصابون والكبريت والزجاج والسيوف والميناء.



ونشطت التجارة، وظهر العديد من المراكز التجارية المهمة في حلب والموصل والرقة وحران وغيرها.



وشهدت الحياة الفكرية والثقافية نهضة كبيرة ونشاطا ملحوظا في ظل الحمدانيين؛ فظهر الكثير من العلماء والأطباء والفقهاء والفلاسفة والأدباء والشعراء.



وكان سيف الدولة يهتم كثيرا بالجوانب العلمية والحضارية في دولته، وظهر في عصره عدد من الأطباء المشهورين، مثل "عيسى الرَّقي" المعروف بالتفليسي، و"أبو الحسين بن كشكرايا"، كما ظهر"أبو بكر محمد بن زكريا الرازي" الذي كان أعظم أطباء الإسلام وأكثرهم شهرة وإنتاجا.



ومن أبرز الفلكيين والرياضيين الذين ظهروا في عصر الحمدانيين في بلاد الشام "أبو القاسم الرَّقي"، و"المجتبى الإنطاكي" و"ديونيسيوس" و"قيس الماروني"، كما عُني الحمدانيون بالعلوم العقلية كالفلسفة والمنطق، فلَمع نجمع عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين في بلاط الحمدانيين، مثل: "الفارابي"، و"ابن سينا".



أما في مجال العلوم العربية؛ فقد ظهر عدد من علماء اللغة المعروفين، مثل "ابن خالويه"، و"أبو الفتح بن جني"، و"أبو على الحسين بن أحمد الفارسي"، و"عبد الواحد بن علي الحلبي" المعروف بأبي الطيب اللغوي.



كما لمع عدد من الشعراء المعروفين، مثل "المتنبي"، و"أبو فراس الحمداني"، و"الخالديان: أبو بكر، وأبو عثمان"، و"السرى الرفاء" و"الصنوبري"، و"الوأواء الدمشقي"، و"السلامي" و"النامي".



وظهر كذلك عدد كبير من الأدباء المشهورين، وفي طليعتهم


"أبو الفرج الأصفهاني" صاحب كتاب "الأغاني" الذي أهداه إلى سيف الدولة؛ فكافأه بألف دينار، و"ابن نباتة"، وظهر أيضا بعض الجغرافيين، مثل: "ابن حوقل الموصلي" صاحب كتاب "المسالك والممالك"…

ولم يلبث سيف الدولة أن عاجله المرض، ثم تُوفي في (25 من صفر 356هـ = 10 من فبراير 966م)، وقيل في رمضان، وهو في الثالثة والخمسين من عمره.



وقد ظلت آثار تلك النهضة الثقافية والحضارية ذات أثر كبير في الفكر العربي والثقافة الإسلامية على مدى قرون عديدة وأجيال متعاقبة.

IroN MaN
21-09-2008, 01:08 AM
فتح المدائن.. سقوط إمبراطورية الفرس

بعد أن فتح المسلمون دمشق، وقضت الجيوش الإسلامية على جحافل الروم في الشام، اتجه أبو عبيدة بن الجراح على رأس جيشه الذي يضم خيرة أبطال المسلمين وفيهم سيف الله خالد بن الوليدإلى حمص لفتحها؛ إحكامًا لسيطرة قبضة المسلمين على الشام.
وأراد الخليفة عمر بن الخطاب أن يوجه جيشًا آخر إلى العراق ليقضي على نفوذ الفرس بها، بعد أن بدأت بوادر الضعف والانهيار تدب في إمبراطوريتهم العتيقة، وكان عمر بن الخطاب يريد أن يخرج على رأس هذا الجيش، ولكنه بعد أن استشار أصحابه، أشاروا عليه أن يبقى في المدينة، ويؤمّر على الجيش رجلا غيره، فنزل على رأي الجماعة، وبدأ عمر يبحث عن الرجل المناسب للقيام بهذه المهمة الخطيرة فأشار عليه أصحابه بأن يؤمّر "سعد بن أبي وقاص".
وخرج سعد من المدينة إلى العراق في أربعة آلاف فارس، واستطاع سعد وجنوده أن يحققوا أعظم الأمجاد، وسطّروا أروع البطولات، وتوالت انتصارات المسلمين على الفرس في القادسية ثم بُهْرَسِير التي كانت ضاحية للمدائن على الضفة الغربية لدجلة، لا يفصلها عن المدائن سوى النهر، ولا تبعد عن بغداد بأكثر من عشرين ميلا إلى الجنوب.

القرار الصعب
بعد فتح بهرسير أراد سعد أن يعبر بجنوده إلى المدائن، ولكنه وجد أن الفرس قد أخذوا السفن كلها حتى يمنعوهم من العبور إليهم.
جمع سعد جنوده وأخبرهم بعزمه على عبور دجلة إلى المدائن، فوجد منهم حماسًا شديدًا ورغبة أكيدة في السير إلى الفرس وفتح عاصمتهم المدائن، وقسم سعد جيشه إلى عدة كتائب، وجعل على رأس كل منها قائدًا من أمهر رجاله، وأكثرهم حنكة وكفاءة، فجعل على الكتيبة الأولى "كتيبة الأهوال" عاصم بن عمرو الملقب بذي البأس، وجعل على الكتيبة الثانية "الكتيبة الخرساء" القعقاع بن عمرو، ثم سار هو على بقية الجيش.

كتيبة الأهوال
وتقدمت الكتيبتان في إيمان وشجاعة؛ فلا البحر يخيفهم ولا الفرسان المتربصون بهم على الشاطئ الآخر يرهبونهم.. وأسرع المسلمون يعبرون النهر بخيولهم حتى امتلأت صفحة النهر بالخيل والفرسان والدواب، فلا يرى أحد الماء من الشاطئ لكثرة الخيل والفرسان؛ فلما رأى الفرس المسلمين وقد خاضوا النهر إليهم راحوا يجمعون فرسانهم للتصدي لهم، ومنعهم من الخروج من الماء، واجتمع عدد كبير من فرسانهم حول الشاطئ مدججين بالسلاح يترقبون وصول المسلمين ليرشقوهم بالسهام والرماح، ويقضوا عليهم قبل أن يصلوا إلى الشاطئ.
ولكن قائد الأهوال عمرو بن عاصم يدرك بسرعة ما ينتظرهم، فيأمر رجاله أن يشرعوا رماحهم، ويصوبوها إلى عيون خيل الفرس، وتنطلق الرماح وكأنها البرق الخاطف إلى عيون الخيول، فتعم الفوضى بين صفوف الفرس، وتضطرب صفوفهم، ويفرون أمام المسلمين، وقد امتلأت نفوسهم رعبًا وفزعًا، وهم لا يملكون كف خيولهم، يطاردهم فرسان كتيبة الأهوال.

المسلمون في المدائن
وانطلق المسلمون نحو الشاطئ بخيولهم القوية، وهي تصهل في حماس، وتنفض الماء عن أعرافها في قوة، فلما رآهم القوم أخذهم الفزع، وانطلقوا لا يلوون على شيء.
ودخل المسلمون المدائن فاتحين منتصرين، وغنموا ما تحويه من نفائس وذخائر، بعد أن فر كسرى وجنوده حاملين ما استطاعوا حمله من الأموال والنفائس والأمتعة، وتركوا ما عجزوا عن حمله.
ووجد المسلمون خزائن كسرى مليئة بالأموال والنفائس، ولكن هذه الكنوز لم تُغرِ أيًّا منهم بالاستيلاء عليها لنفسه، ولم تراود أحدًا منهم نفسه على أخذ شيء منها، ودخل سعد القصر الأبيض بالمدائن، وانتهى إلى إيوان كسرى، وهو يقرأ قوله تعالى: "كم تركوا من جنات وعيون *وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قومًا آخرين" (الدخان: 25-28).
ثم صلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن، كما صلى من قبلُ في قصر كسرى الآخر في بهرسير.

يد تقاتل وأخرى تحمل السلام
وعرض المسلمون على أهل المدائن ما عرضوه من قبل على إخوانهم في بهرسير:
"إما الإسلام؛ فإن أسلمتم فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فمناجزتكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم". فأجابوهم إلى الجزية، وقالوا: "لا حاجة لنا في الأولى ولا في الآخرة.. ولكن الوسطى". وأرسل سعد السرايا في إثر كسرى، فلحق بهم بعض المسلمين، فقتلوا عددًا كبيرًا منهم، وفر الباقون، واستولى المسلمون على ما معهم من الغنائم والأسلاب، وكان فيها ملابس كسرى وتاجه وسيفه وحليه.
وانتشر المسلمون في المدائن تلك المدينة الساحرة التي طالما داعبت أحلامهم، وتمنوا فتحها، وأخذوا يجمعون المغانم الكثيرة التي ظفروا بها من الذهب والفضة والسلاح والثياب والأمتعة والعطور والأدهان، فأرسلوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، وكان فيما أرسلوه سيف كسرى وأساوره؛ فلما وضعت بين يديه نظر إليها متعجبًا وهو يقول: إن أقوامًا أدّوا هذا لَذَوو أمانة".. فرد عليه علي بن أبي طالب: إنك تعففتَ فعفّت الرعية.

سراقة يلبس سواري كسرى
وكان في القوم سراقة بن مالك الذي وعده النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم الهجرة أنه سيلبس سواري كسرى، فتناول عمر السوارين وألقاهما إليه، فوضعهما سراقة في يديه، لتتحقق بشارة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووعده لسراقة، حيث كان النبي مهاجرًا خارجًا من بلده، فارًا بدينه مطاردًا من قومه، ضعيفًا إلا من إيمانه بالله، وثقته في نصره إياه.
فلما رآهما عمر في يدي سراقة قال: "الحمد لله.. سوارا كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك".
ثم أطرق عمر قليلا، وكسا الحزن والأسى صوته وهو يقول: "اللهم إنك منعتَ هذا رسولك ونبيك، وكان أحب إليك منّي، وأكرمَ عليك مني، ومنعته أبا بكر، وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي".. ثم بكى حتى أشفق عليه المسلمون من حوله.
وهكذا سقطت المدائن عاصمة الفرس العريقة في أيدي المسلمين فكان سقوطها إيذانا بانهيار إمبراطورية الفرس كلها، وبداية صفحة جديدة من تاريخ فارس، بعد أن بادر كثير من أهالي تلك البلاد إلى الدخول في الإسلام؛ لما وجدوه من الحرية والعدل وحسن المعاملة في ظل الإسلام، بعدما قاسوا طويلاً من ظلم دهاقين الفرس وجور حكامهم، مما ساعد على المزيد من الفتوحات الإسلامية في بلاد المشرق.

IroN MaN
21-09-2008, 01:11 AM
انفصال دولة بنجلاديش عن باكستان


كانت دولة بنجلاديش جزءا من دولة باكستان التي أنشئت حديثا في (27 من رمضان 1366هـ = 14 أغسطس 1947م) بعد أن انفصلت عن الهند، وتألفت من جناحين: جناح غربي يسمى باكستان الغربية، يضم ولايات: السند، والبنجاب الغربية، بلوشستان، ومقاطعة الحدود الشمالية الغربية. أما الجناح الشرقي فيضم: البنغال الشرقية، ومقاطعة "سِهلت" ويعرف باسم باكستان الشرقية. وبين الجناحين مسافة كبيرة تصل إلى 1600 ميل تشغلها دولة الهند، وليس بين الجناحين اتصال إلا عن طريق الجو.


محمد علي جناح

ويعد "محمد علي جناح" الملقب بالقائد الأعظم هو مؤسس دولة باكستان بجناحيها، وإن شاركه في هذه الفكرة دعاة آخرون يأتي في مقدمتهم الشاعر الكبير "محمد إقبال" الذي كان يحلم بإنشاء وطن للمسلمين في شبه القارة الهندية، ولكنه لم يعش حتى يرى ما كان يتمناه ويحلم به حقيقة؛ إذ توفي سنة (1357هـ= 1938م) قبل أن تظهر دولة باكستان لتحفظ للمسلمين عقائدهم وحضارتهم في شبه القارة الهندية ذات الأغلبية الهندوسية.



وكانت بداية باكستان المستقلة شاقة جدًا فلم يحفظ لها التقسيم حقا عادلا؛ فقد استأثرت الهند بمعظم الموارد المالية والكفاءات الإدارية، ولم ترث حكومة مركزية تقوم بتدبير شئون الحكم على أحسن وجه، ولا مرافق أو مؤسسات مدنية ذات شأن، وكانت القاعدة الاجتماعية والإدارية هزيلة وتعوزها الأجهزة والمعدات اللازمة التي احتفظت بها الهند، وزاد الأمرَ تعقيدا تدفق تسعة ملايين مسلم من الهند إلى باكستان، ونزوح الهندوس من باكستان إلى الهند، وكانوا يزاولون معظم الأعمال الاقتصادية؛ الأمر الذي أدى إلى اهتزاز الاقتصاد الباكستاني.. يضاف إلى ذلك كله استيلاء الهند على إقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة، وظل هذا الإقليم منطقة نزاع بين الدولتين، وخاضت باكستان من أجل تحريره من الهند أكثر من معركة بعد ذلك، ولكنها لم تنجح بعدُ.



استقلال باكستان

تولى محمد علي جناح الحكم في باكستان عقب قرار تقسيم الهند في (28 من رمضان 1366 هـ= 15 من أغسطس 1947م) وبلاده تعاني ظروفًا سيئة، وتحيط بها روح عداء الهند الهندوسية على الرغم من قبولها قرار التقسيم بينهما، ثم لم يلبث أن توفي جناح في (8 من ذي القعدة 1367 هـ = 11 من سبتمبر 1948م) وخلفه "الخوجا نظام الدين" حاكما عاما على باكستان، وتولّى "لياقت علي خان" رئاسة الوزراء، وأخذت الأمور تتحسن تدريجيًا، وبدأت الدولة تشارك في الأحداث الدولية، غير أن رئيس الوزراء تعرض لحادث اغتيال في (16 من المحرم 1371هـ = 16 من أكتوبر 1951) فعين "غلام محمد" حاكما عاما على باكستان، وكُلّف الحاكم السابق "الخوجا نظام الدين" بتشكيل الوزارة.



وفي هذه الفترة بدأت نواة الدعوة إلى استقلال بنجلاديش استقلالا ذاتيا؛ حيث بدأ الخلاف يدب بين الحاكم العام وهو من إقليم البنجاب الواقع في باكستان الغربية، وبين رئيس الوزراء "الخوجا نظام الدين" وهو من إقليم البنغال، وظهرت دعاوى تثير الشقاق بين الجناحين، مثل أن الجناح الغربي وبخاصة أهل البنجاب يسيطرون على الجيش وعلى المؤسسات المدنية، وأن البنغاليين لم يحصلوا على التمثيل النسبي الصحيح في المؤسسات الإدارية، على الرغم من أنهم يشكلون نحو 53% من مجموع السكان، وبرزت فكرة المطالبة بأن تكون اللغة البنغالية –وهي اللغة التي يتكلم بها الجناح الشرقي- إحدى اللغتين الرسميتين في البلاد، على حين رأى أهل باكستان الغربية أن تكون "الأوردو" هي اللغة الرسمية في البلاد؛ لأنها اللغة التي يعرفها معظم السكان، بالإضافة إلى سكان الهند؛ وذلك خوفا من تعدد اللغات، وتكريس الفرقة بين الجناحين.



ظهور مجيب الرحمن

ثم تزعم فكرة المطالبة بانفصال باكستان الشرقية (بنجلاديش) حزب "رابطة عوامي" بزعامة مجيب الرحمن، وهو من أهالي البنغال ولد في (27 جمادى الآخرة 1338 هـ= 17 من مارس 1920م) ودرس القانون في جامعتي "كلكتا" و"دكا" بالهند، وكان من المؤيدين لقيام دولة باكستان ولمحمد علي جناح، وتقلد عدة مناصب وزارية في باكستان الشرقية، وتعرض لاعتقال في سنة 1388هـ – 1968م.



وقد نشطت تلك الفكرة في عهد الرئيس الباكستاني "أيوب خان" (1378- 1389هـ- 1958-1969م) وبخاصة بعد نشوب الحرب بين باكستان والهند بسبب مشكلة كشمير في (جمادى الأولى 1385هـ = سبتمبر 1965م) واستمرت الحرب بينهما سبعة عشر يوما.. قام السلاح الجوي الباكستاني بدور حاسم في المعركة، وانتهى الأمر بين الدولتين إلى عقد اتفاق صلح بينهما، عرف باتفاق "طشقند" في (1368هـ= 1966م) ولكن بنودها كانت في صالح الهند.



بعد توقيع المعاهدة اشتدت المعارضة لسياسة الرئيس الباكستاني، وانتقد وزير خارجيته "ذو الفقار علي بوتو" اتفاقية طشقند، وانتهى به الحال إلى الخروج من الوزارة، واشتركت الأحزاب المعارضة في المظاهرات؛ فاضطر أيوب خان إلى عقد حوار مع المعارضة سنة 1388 هـ = 1968م في مدينة "روالبندي" عرف بمؤتمر المائدة المستديرة.



واشترك في هذا المؤتمر فصائل المعارضة، غير أنهم لم يتفقوا على شيء بسبب مطالبة "مجيب الرحمن" بالاستقلال الذاتي الكامل لباكستان الشرقية وتمثيلها في المجلس النيابي الاتحادي على أنها تمثل أغلبية السكان، إلا أن هذه المطالب وجدت معارضة شديدة؛ لأن أهم مشكلة تعاني منها باكستان إنما هي قضية كشمير المغتصبَة من قبل الهند، وهي تستحق تكاتف القوى السياسية لا تناحرها من أجل مكاسب حزبية، وانفض المؤتمر دون أن ينظر الرئيس الباكستاني إلى مطالب مجيب الرحمن، وإن تعهد بأنه لن يعيد ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية لفترة قادمة، وتعهد بإجراء بعض الإصلاحات السياسية.



ولم ينجح المؤتمر في فرض حالة الهدوء في البلاد، بل ازدادت اشتعالا واستمرت المظاهرات والاضطرابات في البلاد؛ ولم يجد أيوب خان مفرا من تقديم استقالته واعتزال الحكم في (6 من المحرم 1389هـ= 25 من مارس 1969م).



إجراء الانتخابات العامة

تولى "محمد يحيى خان" رئيس هيئة أركان الجيش السلطة بعد يوم واحد من استقالة أيوب خان، وأعلن عن إجراء انتخابات عامة في البلاد لاختيار أعضاء المجلس النيابي، وأن الجمعية الوطنية المنتخبة ستضع دستورا جديدا للبلاد سيكون نظاما نيابيا لا رئاسيا؛ وأجريت بالفعل في (شوال 1390 هـ = ديسمبر 1970م) وأسفرت عن فوز حزب "رابطة عوامي" بزعامة مجيب الرحمن بأغلبية المقاعد في الجناح الشرقي بدعم من الهند، وفوز حزب "الشعب" بزعامة "ذو الفقار علي بوتو" في باكستان الغربية، وحاول بوتو أن يقتسم السلطة بينه وبين مجيب الرحمن، لكنه لم يوفق لإصرار الأخير على المطالبة بالانفصالية، ورغبته في عقد جلسات المجلس النيابي في أقرب فرصة؛ ليتمكن من إقرار دستور يرتضيه بناء على أغلبية أعضاء حزبه المطلقة في المجلس، على حين كان يرى بوتو تأجيل موعد انعقاد المجلس حتى يتم التفاهم مع مجيب الرحمن حول توزيع السلطة.



اندلاع المظاهرات في بنجلاديش

تقرر اليوم السادس من المحرم 1391 هـ = 3 من مارس 1971م موعدا لانعقاد المجلس النيابي، ولكن بوتو رفض حضور الجلسة رفضا تاما؛ فتأجل الموعد مما أثار أهل باكستان الشرقية، وانفجر فيها عصيان مسلح، وعمت الفوضى البلاد، واضطر الرئيس "يحيى خان" للسفر إلى الجناح الشرقي لتهدئة الأوضاع فلم يفلح، واعتُقل مجيب الرحمن؛ لأنه أعلن قيام دولة بنجلاديش في (29 من المحرم 1391 هـ – 26 من مارس 1971م).



وفي أثناء ذلك توجهت عناصر انفصالية بنجلاديشية أغلبها من الهندوس إلى الهند، وبدأت العمل ضد باكستان، وقُدّر هؤلاء بنحو تسعة ملايين، ثم قامت الهند بالتعاون مع هؤلاء الانفصاليين بالهجوم على باكستان، ثم اشتعلت الحرب بين الهند وباكستان في غارات جوية وقصف مدفعي وغزوات برية على الحدود الشرقية والغربية للبلدين، إثر أسابيع من المناوشات المحدودة وأشهر من التوتر، وانتهت المعارك بهزيمة كبيرة لباكستان، وتوقيع معاهدة استسلام.



قيام بنجلاديش

استقال الرئيس "يحيى خان" من منصبه في (3 من ذي القعدة 1391 هـ = 20 من ديسمبر 1971م) تحت ضغط شعبي، وسلم السلطات إلى "ذو الفقار علي بوتو"، وكان أول ما فعله أن أطلق سراح مجيب الرحمن في 5 من ذي القعدة 1391 هـ الذي وصل إلى بنجلاديش، وبدأ في ممارسة صلاحيته في الدولة الوليدة التي تتابع اعتراف الدول بها بما في ذلك باكستان نفسها.

IroN MaN
21-09-2008, 04:52 PM
نهاية الدولة الفاطمية


استأثر وزراء الدولة الفاطمية بالنفوذ منذ النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وبدأ عصر الوزراء العظام الذين يقبضون على مقاليد الأمور ويختارون ويستبدون بالأمر دون الخلفاء الفاطميين، ويُسيِّرون شؤون الحكم حسبما يريدون، ويختارون خلفاء لا يحولون بينهم وبين تنفيذ مشيئتهم.


وبرز من هؤلاء الوزراء: الأفضل بن بدر الجمالي في عهد المستعلي بالله (487- 495هـ)، والآمر بأحكام الله (495- 524هـ) وطلائع بن رزيق في عهد الفائز (549-555هـ)، وأسد الدين شيركوه، وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي في عهد الخليفة العاضد، آخر خلفاء الفاطميين (555- 567هـ).



ولاية العاضد

في ظل سيطرة الوزراء على الدولة، اختار طلائع بن رزيق الوزير الفاطمي "عبد الله بن يوسف بن الحافظ" من أبناء البيت الحاكم خليفة للدولة، ولقبه بالعاضد لدين الله، وذلك في سنة (555هـ= 1160م)، وكان حدثا صغيرا، لا يتجاوز عمره عشر سنين؛ فقد وُلِدَ في (20 من المحرم 546هـ)، وكان من عادة الوزراء في نهاية عصر الدولة الفاطمية اختيار خلفاء من صغار السن، حتى يسهل عليهم تصريف شؤون الدولة دون تدخل من أحد، غير أن العاضد نجح بمساعدة بعض الأمراء في التخلص من وزيره المستبد بالأمر دونه سنة (556هـ =1161م) وأحل مكانه في الوزارة ابنه العادل بن طلائع، وظل في الوزارة سنتين حتى خلعه "شاور" والي الصعيد في سنة (558هـ=1163م).



الصراع على الوزارة

ونظرا لأن منصب الوزارة كان محط أنظار كثيرين من قادة الجيش وكبار رجال الدولة؛ فقد قامت منافسات للظفر بهذا المنصب الجليل؛ ولهذا لم يهنأ شاور بمنصبه الجديد؛ إذ نجح "ضرغام" أحد كبار رجال الدولة في خلعه، والجلوس مكانه في منصب الوزارة؛ فهرب شاور إلى الشام مستنجدا بـ"نورالدين محمود" صاحب دمشق؛ ليعيده إلى منصبه، وفي الوقت نفسه استنجد ضرغام بـ"عموري" الصليبي ملك بيت المقدس.



لبى كل من نور الدين محمود وعموري نداء مَن استنجد به؛ فأرسل نور الدين سنة (559هـ = 1164م) حملة بقيادة أسد الدين شيركوه، ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي وكان في السابعة والعشرين من عمره، وحضر الصليبيون إلى مصر بقيادة عموري، وتتابعت حملات نور الدين وعموري على مصر، حتى بلغ عددها ثلاثا، وانتهى الأمر بهزيمة الصليبيين، وانتصار حملة نور الدين، والقضاء على الوزيرين المتنافسين، وتقليد أسد الدين شيركوه منصب الوزارة في سنة (564هـ = 1169م).



أصبح أسد الدين صاحب السلطان الفعلي في البلاد بعد أن اختاره العاضد وزيرا له، ولقبه بالملك المنصور أمير الجيوش، وقلده جميع أمور الدولة، وكان شيركوه أهلا لما أُسنِدَ إليه؛ فاستطاع في الفترة القصيرة التي قضاها في الوزارة أن يقبض على زمام الأمور في البلاد، وأن يوزع الإقطاعات على عساكره؛ غير أنه تُوفِّي بعد أن ظل في منصبه ما يقرب من ثلاثة أشهر، وخلفه في منصبه ابن أخيه صلاح الدين.



صلاح الدين والنهاية

شرع صلاح الدين منذ أن اعتلى كرسي الوزارة في تثبيت مركزه في البلاد، وتقوية نفوذه وسلطانه؛ فاستمال قلوب الناس نحوه بحسن سياسته، وكسب ثقتهم بعدالته ونزاهته، وعمل على إمساك زمام الأمور في يده، وإحكام قبضته على شؤون الدولة؛ فأسند مناصب الدولة إلى أنصاره، وأبعد كبار رجال الخليفة عن القاهرة، وأضعف نفوذهم، وأخذ إقطاعاتهم ومنحها لرجاله وقواده، ومنع الخليفة من الاتصال بالناس؛ فصار سجين قصره، وجعل اسم نور الدين محمود يأتي في الخطبة بعد الخليفة الفاطمي.



أثار ذلك حنق أهل القصر وأتباع الخليفة الفاطمي وجنده من السودان؛ فدبروا مؤامرة لاغتيال صلاح الدين في أواخر سنة 564هـ غير أنه علم بالمؤامرة؛ فقبض على زعيمها، وقمع الثائرين عليه، ثم خطا صلاح الدين خطوة كبيرة نحو القضاء على الدولة الفاطمية بإحلال المذهب السني محل المذهب الشيعي؛ فعمل على إنشاء المدارس لتدريس المذهب السني، وكانت المدرسة الناصرية التي أُنشِئت في الفسطاط لتدريس المذهب الشافعي أول مدرسة أنشأها صلاح الدين في مصر، ثم تلاها بإنشاء مدرسة أخرى لتدريس المذهب المالكي، ثم تبعه أفراد أسرته ورجال دولته، فأنشئوا مدارس أخرى لتدريس المذهب السني.



ثم عزز ذلك بتعيين صدر الدين عبد الملك بن درباس الشافعي قاضيا للقضاة؛ فجعل القضاء في سائر الديار المصرية شافعية؛ فاستعاد بذلك المذهب السني قوته، وأخذ المذهب الإسماعيلي في الاختفاء تدريجيا حتى لم يبقَ له أنصار في مصر.



وعلى الرغم من انفراد صلاح الدين بحكم مصر دون أن ينازعه منازع، وسيطرته على مقاليد الأمور في مصر؛ فإنه لم يسارع إلى إقامة الخطبة للخليفة المستضيئ بنور الله العباسي، وأعرض في بادئ الأمر عن تنفيذ رغبة نور الدين محمود في إحلال اسم الخليفة العباسي محل الخليفة الفاطمي، واعتذر بتخوفه من أن يثير هذا العمل غضب أهل مصر.



غير أن صلاح الدين إزاء إصرار نور الدين محمود جمع أمراء جيشه ليستشيرهم في أمر قطع الخطبة للخليفة الفاطمي؛ فترددوا كثيرا، لكن فقيها يدعى "الأمير العالم" قطع هذا التردد وأبدى عزمه على القيام بهذا الأمر، حيث صعد المنبر في أول جمعة من شهر (المحرم 567هـ= سبتمبر 1171م) قبل الخطيب ودعا للخليفة العباسي فلم يعارضه أحد.



وفي الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء في مساجد الفسطاط والقاهرة بإسقاط اسم العاضد من الخطبة، وذكر اسم الخليفة العباسي محله، معلنا بذلك نهاية الخلافة الفاطمية، وتبعية مصر للخلافة العباسية.



وكان العاضد إذ ذاك مريضا فلم يعلمه أهله وأصحابه، ثم لم يلبث أن توفي بعد ذلك بعدة أيام، وبموته انتهت الدولة الفاطمية التي حكم خلفاؤها الأوائل رقعة شاسعة امتدت من المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا، ودُعي لأحد خلفائها على منابر بغداد عاصمة الخلافة العباسية عاما بأكمله.

IroN MaN
24-09-2008, 07:23 AM
فتح القسطنطينية بين الحلم والحقيقة


بدأ التفكير في فتح القسطنطينية يراود خيال خلفاء المسلمين منذ بداية العصر الأموي؛ فعندما ولي الخليفة "معاوية بن أبي سفيان" خلافة المسلمين كان في مقدمة الأهداف التي وضعها نصب عينيه فتح القسطنطينية، تلك المدينة الجميلة الساحرة، أشهر مدن الدولة البيزنطية وعاصمتها المتألقة.


وكان لموقع القسطنطينية المتميز أكبر الأثر في اتجاه أنظار المسلمين إلى فتحها، وانتزاعها من الإمبراطورية البيزنطية التي كانت مصدر قلق دائم للدولة الإسلامية، وضم تلك اللؤلؤة العزيزة إلى عقد الإمبراطورية الإسلامية الواعدة.



كانت مدينة القسطنطينية محط أنظار المسلمين بجمالها وبهائها، كأنها درة قد احتضنها خليج البسفور من الشرق والشمال، وامتدت من جهة الغرب لتتصل بالبر، وتطل أبراجها وحصونها في شموخ وكأنها تتحدى الطامعين فيها، وقد برزت أسوارها العالية من حولها في كل اتجاه فتتحطم عندها أحلام الغزاة وتنهار آمال الفاتحين.



الحملة الأولى إلى القسطنطينية

وبرغم تلك الأسوار المنيعة والأبراج الحصينة التي شيدها أباطرة البيزنطيين حول المدينة، فإن ذلك لم يفتّ في عضد معاوية، ولم يثنه عن السعي إلى فتح القسطنطينية.. وبدأ معاوية يستعد لتحقيق حلمه الكبير.



استطاع معاوية في مدة وجيزة أن يجهز لأول حملة بحرية إلى القسطنطينية (سنة 49 هـ = 669م) حشد لها جيشا ضخما، وشارك فيها عدد كبير من الصحابة منهم "عبد الله بن عمر" و"عبد الله بن عباس" و"أبو أيوب الأنصاري"- رضي الله عنهم- وجعل عليها "سفيان بن عوف"، وأخرج معه ابنه "يزيد بن معاوية".



ولكن تلك الحملة لم يكتب لها النجاح؛ فقد حال سوء الأحوال الجوية وبرودة الجو الذي لم يعتدْه العرب دون استمرار المسلمين في الحصار الذي فرضوه على المدينة، بالإضافة إلى قوة تحصين المدينة التي حالت دون فتحها. وعادت الحملة مرة أخرى بعد أن استشهد عدد من المسلمين، منهم الصحابي الجليل "أبو أيوب الأنصاري".



ولكن معاوية لم ييئس، ولم يخبُ حماسه وإصراره على مواجهة هذا التحدي الجديد؛ فراح يعد لحملة جديدة، ومهد لذلك بالاستيلاء على عدد من الجزر البيزنطية في البحر المتوسط، مثل: جزيرة "كريت" وجزيرة "أرواد" في سنة (54 هـ = 674م).



وكان معاوية يهدف من وراء ذلك إلى أن تكون هذه الجزر محطات للأسطول الإسلامي عند خروجه لغزو القسطنطينية.



سر النار الإغريقية

فرض المسلمون الحصار على المدينة المنيعة لدفعها إلى الاستسلام، واستمر الحصار من عام (54 هـ = 674م) إلى عام (60 هـ = 680م)، وتحمل المسلمون طوال تلك السنوات السبع كثيرا من الصعاب، وواجهوا العديد من المشاق والأخطار حتى فاجأهم البيزنطيون بسلاح جديد لم يألفه المسلمون من قبل وهو "النار الإغريقية"، وهي عبارة عن مزيج كيميائي من الكبريت والنفط والقار، فكان البيزنطيون يشعلونه ويقذفون به سفن الأسطول الإسلامي فتحترق بالنار وهي في الماء؛ مما اضطر المسلمين في النهاية إلى رفع الحصار عن المدينة والعودة مرة أخرى إلى دمشق بعد أن احترق عدد كبير من السفن واستشهد عدد كبير من الجنود.



حملة سليمان بن عبد الملك

أحجم المسلمون فترة من الزمان عن محاولة فتح القسطنطينية لمناعتها وتحصنها، حتى جاء الخليفة الأموي"سليمان بن عبد الملك" فبدأ يجهز جيشا ضخما بلغ نحو مائة ألف جندي، وزوده بنحو ألف وثمانمائة سفينة حربية، وجعل على رأسه أخاه "مسلمة بن عبد الملك".



وانطلق مسلمة نحو القسطنطينية عام (98 هـ = 717م) فحاصرها مدة طويلة، وبرغم تلك الاستعدادات الكبيرة والإمكانات الضخمة الهائلة التي توافرت للجيش، فإن تلك المدينة استعصت عليه، وعجز عن فتحها، فبعث مسلمة أحد رجاله، ويدعى سليمان على رأس جيش يستطلع الطريق عبر آسيا الصغرى.



وسار سليمان حتى بلغ عمورية فحاصرها مدة، وعلم أن "ليون" حاكم هذه المدينة يناهض الإمبراطور البيزنطي "تاود أسيوس" فأراد أن يخدعه ويستميله معه، ويغريه بعرش الإمبراطورية الرومانية، ولكن ليون تظاهر بمساعدته وأضمر في نفسه شيئا آخر، فدخل في مفاوضات مع المسلمين وطلب منهم رفع الحصار عن عمورية، ثم صحب جيش المسلمين قاصدا القسطنطينية، وأصبح ليون موضع ثقة المسلمين، فسمحوا له بأن يسبقهم إلى القسطنطينية.



وسرعان ما كشف "ليون" عن حقيقة نواياه عندما احتل العاصمة البيزنطية واستطاع الوصول إلى العرش الإمبراطوري مستغلا وصول الحملة الإسلامية إلى القسطنطينية، فأسرع بتحصين المدينة وتدعيم أسوارها وتقويتها لمواجهة الحصار الإسلامي المرتقب.



بدأ الحصار البحري لمدينة القسطنطينية في (19 من المحرم 99هـ = أول سبتمبر 717م) وعندما وصل إليها مسلمة بجيشه ضرب عليها حصارا شديدا قاسيا، واستمر حتى الشتاء، وتحمل المسلمون البرد القارس؛ حيث عانوا كثيرا؛ وجاء أسطول من مصر وآخر من شمال إفريقيا، كما وصلت نجدات برية أخرى.



وأخذ المسلمون يهاجمون المدينة مستخدمين النفط، واستعانوا بسلاح جديد أشبه بالمدفع، وأظهر المقاتلون شجاعة نادرة وفدائية فريدة.



وفي تلك الفترة التي اشتد فيها حصار المسلمين لمدينة القسطنطينية توفي الخليفة سليمان بن عبد الملك، وتولى بعده الخليفة"عمر بن عبد العزيز"، واستقر رأى الخليفة الجديد على سحب القوات الإسلامية المحاصِرة للقسطنطينية للإفادة منها في تأمين الدولة الإسلامية وتنظيمها قبل الاستمرار في الفتح والتوسع. وأرسل الخليفة في (12 من المحرم 100 هـ = 15 من أغسطس 718م) يطلب من مسلمة العودة بجيوشه وأساطيله إلى الشام بعد حصار دام اثني عشر شهرًا كاملة، بعد أن أدت دورها في إعزاز دولة الإسلام، وحمل البيزنطيين على التخلي عن أحلامهم وأطماعهم السابقة في استعادة أراضيهم التي انضوت تحت لواء الإمبراطورية الإسلامية الجديدة.



تحقق الحلم

وبرغم كل تلك المحاولات لفتح القسطنطينية، والتي لم يكتب لها النجاح؛ فقد ظل الاستيلاء على هذه المدينة حلما يداعب خيال المسلمين، وأملا يراود نفوسهم، وأمنية تجيش في صدورهم حتى استطاع السلطان العثماني"محمد الفاتح" أن يحقق ذلك الحلم بعد عدة قرون من الزمان، ويفتح القسطنطينية في سنة (857هـ = 1453م).

IroN MaN
24-09-2008, 07:27 AM
جزر القمر.. بلاد العطور والنور


كان البرتغاليون في حركة كشوفهم الجغرافية يبحثون عن طريق جديد للتجارة والوصول إلى الهند وجزر الهند الشرقية (إندونيسيا) للحصول على التوابل والبهار دون المرور من طريق التجارة القديم الذي تسيطر عليه دولة المماليك في مصر، ووجد البرتغاليون في كل السواحل التي مروا بها حول إفريقيا أن معظم سكانها من المسلمين حتى في الجزر النائية غير المأهولة بالسكان ومنها جزر القمر، واصطدم البرتغاليون بالمسلمين المناوئين لهم في كل مكان من هذه السواحل، والمعروف أن التجار المسلمين فتحوا بأخلاقهم وأمانتهم بلادًا كثيرة أكثر مما فتحتها الجيوش الإسلامية، ومن هذه البلاد جزر القمر التي استقر بها المسلمون، وأسسوا عددًا من الممالك في تلك الجزر الساحرة التي يطلق عليها بلاد العطور.

جزر القمر

جزر القمر دولة عربية إسلامية إفريقية تقع في مضيق موزمبيق بين مدغشقر والساحل الإفريقي، وتبلغ مساحتها نحو (2235كم2)، أي ما يعادل (863 ميلاً مربعًا)، وتضم أربع جزر رئيسية هي:

القمر الكبرى، ويبلغ طولها 70كم وعرضها 34كم، وأشهر مدنها مورني العاصمة، وإيكوني. أما جزيرة هنزوان أو إنجوان فتبلغ مساحتها 424كم2، وهي الجزيرة المعطرة لكثرة الزهور والنباتات العطرية بها. وجزيرة مايوت أوماهوري وهي أقرب الجزر إلى مدغشقر، وتبلغ مساحتها 374كم2، وكانت عاصمة البلاد حتى عام (1386هـ= 1966م)، ويسكنها الكثير من الأوروبيين. وجزيرة موالي أوموهيلي ويسميها الأوربيون الجزيرة الخضراء، وتبلغ مساحتها 290كم2، ويجاورها ثماني جزر صغيرة غير مأهولة السكان.

وتتمتع الجزر بأهمية إستراتيجية مردها موقعها الحاكم كملتقى للطرق الملاحية المتجهة من جنوب آسيا والهند إلى الجنوب الإفريقي والعكس.

القمر.. والجزر

وكان العرب أول من أطلق تسمية جزر القمر على هذه الجزر في أوائل القرن الثاني الهجري، وأرجع البعض سبب التسمية إلى أن الرحالة العرب العائدة أصولهم إلى مسقط وعدن وحضرموت هبطوا على ساحل الجزر وكان القمر بدرًا فأسموها جزر القمر. وأرجع آخرون سبب التسمية لأن شكلها العام يشبه الهلال، وجزرها الأربع الكبرى موزعة في مواقع محددة تشبه أربعة من أوجه القمر الرئيسية. وأخذ الأوروبيون هذه التسمية عن العرب، وأطلقوا عليها "كومور" أو "كوموروس" Comoros.

أما اسمها الحالي فهو جزر القمر الاتحادية الإسلامية، ويزيد عدد سكانها على (700) ألف نسمة من أصول عرقية مختلفة تزاوجت وامتزجت فيما بينها، وأعطت شعبًا ظهرت فيه القسمات العربية والإفريقية والآسيوية. وتشكل الأصول العربية نسبة 35%، والإفريقية 55%، فيما ينتمي بقية السكان لأصول آسيوية من الملايو وإندونسيا والصين والهنود، وأصول أوروبية من فرنسا والبرتغال وهولندا. ويدين معظم السكان بالإسلام على المذهب الشافعي، وتوجد أقلية مسيحية في جزيرة مايوت جاءت مع البعثات التبشيرية الكاثوليكية التي ترعاها المؤسسات الدينية الفرنسية، ووفقًا لنص الدستور توجد ثلاث لغات رسمية هي الفرنسية وهي لغة التعليم في المدارس حيث لا توجد جامعة في البلاد، واللغة العربية، واللغة القمرية وهي خليط من العربية والسواحيلية وهي مكتوبة بحروف عربية.

العرب والجزر

توافدت بعض الهجرات العربية من عمان وحضرموت واليمن إلى جزر القمر، وكان بعض هؤلاء صيادين فاستقروا، واستقر معهم الإسلام هناك وصبغوا تلك الجزر بالطابع العربي واندمجوا مع السكان الأصليين، وتمتع الحضارمة بنفوذ قوي وأصبحوا سلاطين الجزر، غير أن الصراعات والتنافس بين الحكام المحليين أضعف شوكتهم، فاحتلها البرتغاليون سنة (908هـ=1502م)، ولم يجدوا فيها قوة لكثرة السلطنات وافتراق الكلمة.

ولم يلبث أهالي الجزر أن ثاروا على البرتغاليين فأخرجوهم، ونزلت في ذلك الوقت جماعة من شيراز في جزيرة القمر الكبرى سنة (912هـ = 1506م) فاحتلوا الجزيرة وأسسوا سلطنة بها، وحكموا إنجوان، ثم مايوت ثم موهلي، وهكذا جمعوا الجزر الأربع في سلطنة واحدة تحت زعامة محمد بن حسن بن محمد بن عيسى، إلا أن وفاته أحدثت ضعفًا خاصة بعدما تولت زوجته "موللانة" الحكم ونافستها امرأة أخرى تسمى "فاتنة"، واستمرت الفرقة والاضطراب يسودان الجزر حتى هاجمها المدغشقريون، وفتكوا بأهلها خاصة قبائل "السكالافا" المدغشقرية.

فرنسا واحتلال جزر القمر

عرفت جزر القمر دوليًا لأول مرة عندما ظهرت على خريطة العالم التي رسمها الرحالة البرتغالي ديوجو ريبير عام (934هـ= 1527م)، ورغم سيطرة النفوذ الإسلامي والعربي على الجزر فإن الاضطرابات كانت تسودها، واستطاعت فرنسا أن تفرض سيطرتها على جزيرة "مايوت" سنة (1259هـ= 1843م).

وقام فود من سكان جزيرة إنجوان بمقابلة قائد القوات المصرية في شرق إفريقيا رضوان باشا في (1292هـ= 1875م) وطلبوا منه دخول الجزيرة تحت الحماية المصرية، إلا أن الحكومة المصرية كانت مشغولة بتدعيم سيطرتها على مناطق أخرى أكثر من اهتمامها بتلك الجزر الصغيرة، لذلك لم تعط هذه الدعوة أية اهتمام، فوقع حكام إنجوان معاهدة مع الإنجليز سنة (1300هـ= 1882م) نصت على إلغاء تجارة الرقيق في الجزيرة، فثار تجار الرقيق على هذه المعاهدة، واندلعت حروب أهلية، فطلب حكام الجزيرة فرض الحماية الفرنسية عليهم ووقعت معاهدة بذلك في (1304هـ=1887م)، أما جزيرة موهيلي فاحتلتها فرنسا سنة (1303هـ=1886م).

ورغم وجود أغلبية مسلمة في الجزر الأربع فإنهم لم يكن لهم دور فعال في مقاومة النفوذ الفرنسي، كما لم يحاولوا تنظيم أنفسهم، وانشغلوا بالحروب الأهلية فيما بينهم.

وصدر قرار فرنسي سنة (1330هـ= 1912م) أصبحت بموجبه هذه الجزر مستعمرة فرنسية، وألحقت بمدغشقر، وبقيت تتبعها عامين، ثم انفصلت وأصبحت مستعمرة مستقلة حتى الحرب العالمية الثانية.

وفرضت بريطانيا سيطرتها على الجزر أثناء الحرب بعد هزيمة فرنسا أمام ألمانيا، واتخذتها قاعدة لسفنها الحربية في المحيط الهندي، ثم عادت هذه الجزر إلى فرنسا بعد انتهاء الحرب.

أقاليم ما وراء البحار

كانت جزر القمر من الأقاليم الفرنسية فيما وراء البحار، وكانت تخضع لحاكم فرنسي تعينه الحكومة الفرنسية وجمعية تشريعية منتخبة على أساس الاقتراع العام الشعبي في الإقليم، وممثل عنها في الجمعية الوطنية الفرنسية، ويلاحظ أن هذه الجزر كانت أقل الأقاليم الفرنسية فيما وراء البحار حظًا في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما لم يتحقق بها إلا النزر اليسير من مظاهر الحكم الذاتي حيث استحوذ المندوب السامي الفرنسي في مورني على صلاحيات واسعة جدًا في كافة المجالات.

أعلنت فرنسا في عام (1378هـ= 1958م) عن استفتاء في مستعمراتها فيما وراء البحار للاختيار بين الاستقلال أو البقاء ضمن المجموعة الفرنسية، وجرى الاستفتاء في جزر القمر واستقر الرأي أن تبقى الجزر ضمن المجموعة الفرنسية، فأعطتها فرنسا حكمًا ذاتيًا، ومن ثم أصبح للإقليم مندوب سام فرنسي يعاونه مجلس وزراء وكان أول رئيس قمري لهذا المجلس هو الشيخ محمود سعيد، ويعتبر هذا المجلس مسؤولاً مسؤولية تضامنية وزارية أمام مجلس تشريعي من 31 عضوًا منتخبًا بالاقتراع العام، ويمثل جزر القمر عضوان في الجمعية الوطنية الفرنسية، وعضو واحد في مجلس الشيوخ بباريس.

ومارست الوزارات القمرية قدرًا من السلطات الواسعة باستثناء شؤون الدفاع والخارجية والشؤون الدبلوماسية.

الحركة الوطنية القمرية

بدأت الحركة الوطنية في جزر القمر في الظهور عام (1383هـ= 1963م) واتخذت من دار السلام في تنزانيا مركزًا لنشاطها السياسي، وقامت بعض المظاهرات في الجزر ضد الاستعمار الفرنسي قابلتها القوات الفرنسية بالقمع في جزيرتي القمر الكبرى وإنجوان، ثم تحولت السياسة الفرنسية من أساليب القمع العادي إلى اتباع سياسة "فرق واستمر في الحكم"؛ حيث كانت فرنسا تتمسك بالجزر نظرًا لأهميتها الإستراتيجية للوجود العسكري الفرنسي فيما وراء البحار، ومخاوف الدوائر الحاكمة في فرنسا من آثار استقلال جزر القمر على الأقاليم الفرنسية الأخرى.

ونشأت بعض الأحزاب السياسية في جزر القمر ومنها حزب الاتحاد الديمقراطي لجزر القمر بزعامة أحمد عبد الله، وتزامن ذلك مع تصاعد الحركة الوطنية، وكان عام (1392هـ=1972م) عامًا فاصلاً ونقطة تحول حاسمة في التاريخ السياسي القمري؛ إذ ناقش مؤتمر القمة الإفريقي التاسع المنعقد في الرباط قضية استقلال جزر القمر، وتم عرض القضية على الأمم المتحدة، واتخذت الجمعية العامة بأغلبية كبيرة قراراً بإدراج قضية جزر القمر بين قضايا المستعمرات التي من الضروري منحها الاستقلال، رغم اعتراض فرنسا على وصف هذه الجزر بالمستعمرة.

وطالبت بعض الأحزاب القمرية بالاستقلال وانعكست هذه المطالبات على الانتخابات التي أجريت في تلك السنة، وفازت جبهة الاستقلال، وتولى رئاسة الوزراء أحمد عبد الله، وسرعان ما طالبت الجمعية الوطنية الحكومة بإجراء مفاوضات مع فرنسا من أجل الحصول على الاستقلال.

وفي (14 جمادى الأولى 1393هـ=15 يونيو 1973م) وقعت معاهدة باريس نصت على أن تحصل الجزر على الاستقلال في مدى خمس سنوات بعد استفتاء عام بين سكانها، وأجري الاستفتاء الذي أسفر عن موافقة 96% من الشعب على الاستقلال، في حين عارض 64% من سكان جزيرة مايوت استقلال الجزيرة، وفضلوا البقاء تحت حكم فرنسا، ثم أعلن مجلس نواب جزر القمر استقلال الجزر من جانب واحد، وتسمت جزر القمر الاتحاديـة الإسلامـية فـي (27 جمادى الآخرة 1395هـ=6 يوليو 1975م)، وانتخب أحمد عبد الله رئيسًا بعد أن خضعت لفرنسا (150) عامًا.

اعتراف فرنسي

لم يمض على الاستقلال أقل من شهر حتى تعرضت الجزر لانقلاب أطاح بالرئيس أحمد عبد الله، وحل مجلس النواب، وانضمت جزر القمر إلى الأمم المتحدة في نفس عام الاستقلال، وفي (27 ذي الحجة 1395هـ=31 ديسمبر 1975م) اعترفت فرنسا رسميًا باستقلال جزر القمر، وأجرت استفتاء في مايوت في العام التالي وافق فيه 99% من السكان على البقاء تحت سيطرة فرنسا.

SASO SASO
26-09-2008, 11:20 AM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

IroN MaN
26-09-2008, 10:36 PM
سوهارتو.. لا تستهينوا بالشعوب!



تعتبر إندونيسيا عاملاً هامًا في الاستقرار في منطقة جنوب شرق آسيا نظرًا لموقعها الإستراتيجي ومساحتها الشاسعة التي تزيد على عشرة ملايين كيلو متر مربع، وعدد سكانها الكبير الذي يتجاوز 210 ملايين نسمة غالبيتهم من المسلمين، وامتدادها على 17 ألف جزيرة منها 6 آلاف جزيرة مأهولة بالسكان، يُضاف إلى ذلك تاريخها الذي شهد فترات طويلة من الصراع ضد الاستعمار الهولندي الذي استمر قرنًا ونصفا، ثم صراع الشيوعيين والجيش أثناء حكم الرئيس أحمد سوكارنو الذي انتهى بتنازل سوكارنو عن الحكم وصعود وزير الدفاع سوهارتو ليتولى رئاسة البلاد، لتبدأ مرحلة جديدة في الحكم استمرت اثنين وثلاثين عامًا حتى عصفت به الأزمة الاقتصادية وأجبرته الإضرابات على تقديم استقالته واتهامه بتكوين ثروة ضخمة قدرت بثمانين مليار دولار، وتزايد المطالبات بضرورة تقديمه إلى المحاكمة العسكرية.





إندونيسيا



إندونيسيا كلمة مركبة من كلمتين: الأولى "إندو" بمعنى "الهند" والأخرى "نيسيا" بمعنى "جزر" ومعناها: جزر الهند، وهي من البلاد الغنية إذ تزيد مساحتها عن مساحة أوروبا، ويعتنق (94%) من سكانها الإسلام، واللغة الرسمية هي: باهاسا الإندونيسية التي كانت تكتب بالحرف العربي، والذي استبدلت هولندا به الحرف اللاتيني سنة (1346هـ = 1927م) ويوجد بها 583 لهجة محلية، وتمتلك ثروة معدنية كبيرة، فتنتج خمس الإنتاج العالمي من القصدير، ومثله من البوكسيت بالإضافة إلى المعادن المختلفة، كما أنها غنية بالبترول والغاز الطبيعي.





ووصل الإسلام إليها مبكرًا عن طريق التجار المسلمين والعرب الذين استقروا في سواحلها وأقاموا المراكز التجارية، ثم قامت بعض الممالك الإسلامية هناك في بداية القرن السابع الهجري مثل مملكة "برلاك" في سومطرة و"آتشه" التي كانت أولى الممالك القديمة التي انتشر فيها الإسلام.





وفي الوقت الذي بدأ المسلمون يثبتون أقدامهم في إندونيسيا، كان الاستعمار الأوروبي يزحف إليها أثناء حركة الكشوف الجغرافية؛ فاحتل البرتغاليون "مالقا" سنة (917هـ = 1511م) واتخذوها قاعدة لشن هجماتهم على باقي الجزر الإندونيسية، فقامت الثورات ضد البرتغاليين واستعان الإندونيسيون في جهادهم ضد البرتغال وإسبانيا بهولندا، فوصل الأسطول الهولندي إلى "سومطرة" و"جاوة" سنة (1005هـ = 1596م) وقاتلوا البرتغاليين، وما إن خرجت البرتغال، حتى بدأت هولندا بتشديد قبضتها على الجزر، وأسست شركة الهند الشرقية الهولندية سنة (1011هـ = 1602م) التي قامت باحتكار موارد الدولة، وإجبار السكان على زراعة محاصيل معينة، ثم تحول الامتياز من الشركة إلى الحكومة الهولندية سنة (1214هـ = 1799م) فوقعت إندونيسيا في قبضة الاحتلال الهولندي الذي استمر قرنًا ونصفا، فرضت فيه اللغة الهولندية، وبدأت المعارك بين الهولنديين والممالك الإسلامية، وتعددت ثورات المسلمين ضد هذا الاستعمار.





وظلت تعرف باسم جزر الهند الشرقية، واستمرت هولندا في سياستها الاستعمارية ونهب الثروات، وكان شعار الهولنديين لمواجهة ثورات المسلمين "التدمير وقوة الانتقام هي مكونات القصة المتكررة في حروبنا"، واتجه السكان إلى تنظيم صفوفهم وتشكيل الأحزاب والجمعيات المختلفة، وعملت هولندا من جانبها على تشكيل أحزاب موالية لها، فاتحدت الأحزاب الإسلامية في تنظيم عرف باسم "المجلس الإسلامي الأعلى".





الاحتلال الياباني



وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية وقعت إندونيسيا تحت سيطرة الاستعمار الياباني، وعمل اليابانيون على التقرب من الشعب الإندونيسي، فأحلوا اللغة الملايوية محل الهولندية، وغيَّروا اسم العاصمة من "بتافيا" إلى جاكرتا، ولكن سرعان ما تغيرت هذه السياسة واتبعت اليابان الأسلوب الاستعماري فحلت جميع الأحزاب السياسية، واستغلت موارد البلاد لصالحها، وبعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية أعلن قيام حكومة إندونيسية برئاسة أحمد سوكارنو في [ رمضان 1364هـ= أغسطس 1945م].





سوكارنو



وبعد انتهاء الحرب حاول الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا الاستيلاء على إندونيسيا وتسليمها لهولندا، ونزل جيش الحلفاء "جاكرتا" في [ ذي القعدة 1364هـ= أكتوبر 1945م] وعاد الجيش الهولندي مرة أخرى تحت مظلة وحماية البريطانيين وبدعوى حفظ الأمن والنظام، فعقد الإندونيسيون اجتماعًا في مدينة جاكرتا ضم أغلب الأحزاب، وتم الاتفاق على الانضواء تحت تنظيم إسلامي واحد سمي "مجلس شورى مسلمي إندونيسيا" وعرف باسم "حزب ماشومي" وسرعان ما اعتقلت هولندا الزعماء الإندونيسيين ومنهم "سوكارنو"، وبدأ ما يعرف بحرب العصابات، قام بها السكان ضد هولندا حتى اضطرت إلى الاعتراف بالحكومة الإندونيسية.





وحدث انشقاق في حزب ماشومي، وأوكل "سوكارنو" رئيس الجمهورية رئاسة الحكومة إلى عامر شرف الدين، وهو شيوعي فثار الشعب، فأقيلت الحكومة، فثار الشيوعيون وأحدثوا العديد من القلاقل والاضطرابات، وقاموا بثورة ضد الحكومة، وأعلنوا قيام حكومة جديدة في [ذي القعدة 1367هـ= سبتمبر 1948م] وأعلنوا قيام "جمهورية إندونيسيا الشيوعية" وأصبح في البلاد حكومتان، فتعاون الجيش مع الشعب حتى تمكنوا من القضاء على الشيوعيين، وأجريت انتخابات في [1375هـ= 1995م] فاز فيها الحزب الوطني "الذي قام بتشكيل وزارة تميل للشيوعيين، فوقف حزب ماشومي معارضًا لها، في الوقت الذي كان فيه سوكارنو يميل إلى التعاون مع الدول الشيوعية، وهو ما أثار أزمة داخل مؤسسات الحكم.





وحاول سوكارنو الحفاظ على توازن بين المجموعات المتنافسة سياسيًا خاصة الجيش والحزب الشيوعي مع تحيز واضح للحزب الشيوعي وتوجهاته، واتباع سياسة تعسفية في حكم البلاد، وهو ما أثار غضب الجيش والشعب. وعلى الصعيد الخارجي اتجه إلى توجيه انتقادات حادة للغرب، وأطلق صيحته المشهورة عام [1383هـ=1963م] التي وجهها إلى الولايات المتحدة والغرب قائلا: "اذهبوا للجحيم مع مساعداتكم".





سوهارتو



أفسح سوكارنو المجال للحزب الشيوعي ليعيد تنظيم نفسه مرة أخرى، فقام بثورة في [جمادى الآخرة 1385هـ= سبتمبر سنة 1965م] فتدخل الجيش للقضاء عليها وأراد سوكارنو إعادة الجيش إلى ثكناته مرة أخرى، وإعادة ضبط المعادلة والتوازن بين الجيش والسلطة السياسية في البلاد، غير أنه لم يستطع ذلك، وكانت تلك بداية تدخل الجيش في الشئون السياسية وصعود نجم سوهارتو وزير الدفاع الذي استطاع أن يتولى الحكم في [ 21 ذي الحجة 1387هـ= 22 مارس 1968م] بعد إجبار سوكارنو على التنازل عن السلطة.





وسوهارتو وُلد في مدينة يوجياكارتا بجاوة عام [ 1340 هـ= 1921م] والتحق بجيش جزر الهند الهولندية وأصبح جنديًا محترفًا، وخلال فترة الاحتلال الياباني انضم إلى جيش الدفاع الوطني، ثم التحق بالقوات المسلحة الإندونيسية بعد الاستقلال، وقاد وحدة من القوات المسلحة الإندونيسية في الهجوم على الهولنديين في يوجياكارتا، وبعد جلاء الهولنديين رقي إلى رتبة لواء، ثم أصبح قائدًا للجيش الاحتياطي الإستراتيجي، وعندما قام الشيوعيون بمحاولتهم الانقلابية واغتالوا عددًا من قيادات الجيش حدث عنف مضاد للشيوعيين، ووقعت مذابح رهيبة راح ضحيتها نصف مليون شخص، واستدعى سوهارتو باعتباره قائد الجيش الإستراتيجي لسحق التمرد الشيوعي، فنجح في ذلك وأعاد الأمن والنظام إلى جاكرتا، وتولى منصب القائد المؤقت للجيش، ثم حصل على تفويض رسمي من سوكارنو لاستعادة الأمن والنظام، فكان من أوائل الإجراءات التي اتخذها حظر نشاط الحزب الشيوعي، واعتقال الشيوعيين.





وفي عام [1386هـ= 1966م] قام بالتفاوض مع ماليزيا وأنهى صراع إندونيسيا معها، وتخلى عن علاقته الوثيقة بالصين والسوفيت واتجه نحو العرب للحصول على المساعدات، ثم تولى الحكم عام [1387هـ= 1968م] لمدة خمس سنوات وأعيد انتخابه بعد ذلك ست مرات، وبلغ مجموع سنوات رئاسته 32 سنة.





وقام سوهارتو باحتلال تيمور الشرقية عام [1395هـ= 1975م] لتحقيق هدف سياسي يجتمع عليه أفراد الشعب الإندونيسي لتأييده، وسعى لتشكيل مناخ سياسي واقتصادي ذي سند عسكري يقطع كل صلة بينه وبين الماضي الممثل في "أحمد سوكارنو"، كما عمل على تطوير برنامج اقتصادي كبير شهدت خلاله إندونيسيا تقدمًا اقتصاديًا.





الأزمة الاقتصادية وانتهاء السوهارتية



شهدت منطقة جنوب آسيا نموًا اقتصاديًا كبيرًا، وظهرت مجموعة النمور الآسيوية التي استطاعت أن تحقق ازدهارًا اقتصاديًّا كبيرًا، وكانت إندونيسيا إحدى هذه النمور، وحققت نجاحًا كبيرًا جعلها تقترب من قائمة الدول الصناعية الكبرى، إلا أن هذه الدول الآسيوية شهدت أزمة اقتصادية حادة بدأت عام [1417هـ= 1996م] عندما تعرض الاقتصاد التايلاندي لهزة عنيفة وصدمات خارجية وداخلية كشفت عن ضعف هيكله المالي، وانتقلت الأزمة منه إلى بقية الدول الأسيوية ومنها إندونيسيا التي انخفضت عملتها "الروبية" بنسبة كبيرة زادت عن 30% فأدى ذلك إلى إصابة الاقتصاد الإندونيسي بمشاكل وأزمات كبيرة انتقلت إلى احتقانات في الشارع وغضب جماهيري، واختلطت مطالب الحريات بشدة الأزمة الاقتصادية.





وأرجع بعض السياسيين الإندونيسيين أسباب هذه الأزمة التي هزت البلاد إلى أسلوب التنمية الذي اتسم بالسرعة أكثر من اللازم لم يتح معه الوقت الكافي لوضع ضوابط تتحكم في النشاط الاقتصادي، وأرجع آخرون أسباب هذه الأزمة إلى إسراف القطاع الخاص بالاقتراض والتوسع في مشروعات بطيئة الدوران اقتصاديًا وكذلك المضاربات العقارية، كما أن معدلات النمو المرتفعة أدت إلى ارتفاع المديونية الخارجية، وتدفق معها الاستثمار الأجنبي الذي أخفى معه العيوب الهيكلية في الاقتصاد ومنها انعدام الشفافية وانتشار الفساد، وانخفاض الصادرات، وعجز الميزان التجاري.





وقد وجهت المؤسسات المالية عدة انتقادات إلى سوهارتو، وكانت إحدى نقاط الخلاف مع صندوق النقد الدولي فيما يتعلق بضرورة الفصل بين المهام السياسية والأعمال الاقتصادية، كما أن سوهارتو كان يشارك أو يمتلك أكثر من ثمانين شركة عملاقة، ووجهت إليه اتهامات بالفساد، وقدرت ثروته بحوالي ثمانين مليار دولار.





يضاف إلى هذه الأزمة الاقتصادية الانتقادات التي وجهت إلى نظام حكم سوهارتو الذي اتسم بضعف النظام الحزبي، وسيطرة حزب الحكومة "جولكار" على الحكم، بينما الأحزاب الأخرى هامشية أو غير مسموح لها بممارسة نشاطها في ظل القوانين التعسفية، كل هذه الأمور عمقت الغضب الشعبي، ولم يفلح التعديل الوزاري الذي أجراه سوهارتو واختياره "يوسف حبيبي" نائبًا له في تخفيف حدة الغضب الشعبي أو وقف تدهور الروبية الإندوسية، وزادت موجة التدمير والإضراب الشعبي مع ارتفاع الأسعار بنسبة 20% وما تولد معها من أزمة في المواد الغذائية، وارتفاع حجم البطالة إلى 15.4 مليون عاطل (17% من حجم القوة العاملة) ومهاجمة الجماهير الغاضبة للممتلكات والواحدات الاقتصادية التي يمتلكها الصينيون (يشكلون 5% من حجم السكان) فأدى ذلك إلى مغادرة بعض هؤلاء لإندونيسيا، واقتربت البلاد من حافة الانهيار السياسي والإفلاس الاقتصادي، فقدم الأمريكيون نصيحتهم إلى سوهارتو بأن يتنازل عن الحكم، فاستجاب لهذا المطلب، وقدم استقالته في (المحرم 1419هـ= 21 مايو 1998) بعدما تعهد قائد الجيش الإندونيسي الجنرال دبرانتو بالالتزام بحمايته، وبذلك انتهت المرحلة السوهارتية المتمثلة في شخص سوهارتو، وإن امتدت في خليفته يوسف حبيبي الذي عمل على تخفيف القيود عن الأحزاب السياسية والصحافة، وارتفع شعار التغيير السياسي الحقيقي، وارتفع عدد الأحزاب التي خاضت الانتخابات النيابية بعد سوهارتو إلى 48 حزبًا، وشهدت الانتخابات إقبالا جماهيريًا كبيرًا باستثناء إقليمي تيمور الشرقية وآتشيه المطالبين بالاستقلال عن إندونيسيا.





الولايات المتحدة وإندونيسيا



كان سوهارتو يتجاهل الاحتجاجات والمظاهرات الطلابية ويستبعد إجراء أي تغيير سياسي قبل عام (1424هـ= 2003م) حتى احتل الطلاب البرلمان وطالبوا سوهارتو بالاستقالة، عندها طلبت منه وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك "مادلين أولبرايت" التنحي حفاظًا على تراثه القيادي، فاستجاب للضغط الشعبي والمطلب الأمريكي وقدم استقالته وبعدها بفترة زارت أولبريت إندونيسيا وتحدثت بصراحة عن قضية الوحدة في الدولة الإندونيسية وموقف واشنطن منها، وذكرت أن بلادها حريصة على تماسك الدولة واستمرار وحدتها لعدة أسباب منها أن الولايات المتحدة تريد أن تظل إندونيسيا قوة متماسكة لكي توازن الدور الصيني في آسيا، وذكرت أن موقع إندونيسيا إستراتيجي وحيوي للأمن القومي الأمريكي؛ لأنها تحكم وتحرس جانبي بوابة العبور إلى آسيا، وهو دور يهدده أي انفراط في عقد الدولة، وذكرت ـ أيضًا ـ أن من مصلحة واشنطن التمسك بوحدة إندونيسيا؛ لأن الولايات المتحدة ضخت استثمارات مالية ضخمة إليها تقدر بـ 300 مليار دولار، وهي غير مستعدة لإهدارها، وطالبت من النظام الجديد الامتثال لشرطين أساسيين لضمان دعم واشنطن: الأول يتمثل في حل مشكلة إقليم تيمور الشرقية والاعتراف بحق الشعب في تقرير مصيره، أما الثاني فيتمثل في منح أقاليم الدولة (26 إقليمًا) حكمًا ذاتيًّا وتخصيصها بحصة أكبر من عائدات ثرواتها.





وفعلا حصلت تيمور الشرقية على استقلالها بعد الاستفتاء على تقرير المصير، وتم إصدار قانون الحكم الذاتي الذي أعطى أقاليم الدولة صلاحيات واسعة، كما أعطاها حصة تتراوح بين 15% و 30% من مواردها الذاتية الخاصة بالنفط والغاز، و80% من عائدات الأسماك والغابات والمعادن، ولمَّا تم لواشنطن ما أرادت وفت بالتزاماتها ودعمت النظام الجديد برئاسة عبد الرحمن واحد.

IroN MaN
26-09-2008, 10:41 PM
عبد العزيز آل سعود.. من القبيلة إلى الدولة


وُلد عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل في قصر آل سعود بالرياض في (20 ذي الحجة 1297هـ = 5 ديسمبر 1880م) وحفظ بعض الأجزاء من القرآن الكريم، ودرس جانبًا من أصول الفقه والتوحيد، والتاريخ واللغة، كما تدرب على ركوب الخيل، واستعمال السيف وإطلاق النار. وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره تفتحت عيناه على تصارع أعمامه على الحكم في الوقت الذي يقترب منافسوهم من آل رشيد للاستيلاء على الرياض، وبسط سلطانهم على نجد، فتصدى لهم والده الإمام عبد الرحمن، واشترك عبد العزيز في القتال على حداثة سنه، لكن المعركة انتهت بهزيمة آل سعود، ولم يجد عبد الرحمن بدًا من الرحيل هو وعائلته عن مدينة آبائه، فتنقل بين مضارب القبائل، واجتمعت على العائلة شدة العيش وخشونته مع فقد الملك والسيادة، ثم انتهى بهم المقام عند حاكم الكويت الجديد مبارك الصباح وكان رجلاً سياسيًّا بارعًا.


كانت الكويت في تلك الفترة ميدانًا للتنافس السياسي الدولي بين الدول الكبرى، فكانت فرصة للأمير عبد العزيز ليتعرف على بعض أبعاد السياسة العالمية في المنطقة، فكان يتردد على مجالس أمير الكويت ويخالط العلماء والوجهاء، ومندوبي الدول الأجنبية.



استرداد الملك

ساءت العلاقات بين الشيخ مبارك الصباح وآل رشيد بحائل، وأراد العثمانيون القبض على مبارك وترحيله إلى الآستانة، ومدوا آل رشيد بالمال والسلاح لقتاله؛ لأنه حالف الإنجليز ووقع معهم اتفاقية حماية سنة (1317هـ = 1899م)، فوقع قتال بين آل مبارك وآل رشيد، انتهى بهزيمة الشيخ مبارك في موقعة الصريف في (26 ذي القعدة 1318هـ = 17 مارس 1901م)، ولم يتحقق هدف عبد العزيز في استرداد الرياض فانحاز هو وقلة من المقاتلين في واحة يبرين في الطرف الشمالي من الربع الخالي، فترة من الوقت، ثم اتجه بهذه القوة الصغيرة لدخول الرياض في إطار من السرية الشديدة، وكانت خطته تقوم على اغتيال عجلان أمير الرياض ثم الاستيلاء على القلعة وبعدها على الرياض، وتم له ذلك في (5 شوال 1319هـ = 15 يناير 1902م) واستسلمت الحامية الرشيدية، وكانت تلك بداية ظهور الدولة السعودية الحديثة كوريثة للدولتين الأولى والثانية.



نجد.. أولاً

تسلم عبد العزيز مقاليد الحكم والإمامة بعد تنازل والده له، وبدأ في توحيد مناطق نجد تدريجيًا، فبدأ بتوحيد المناطق الواقعة جنوب الرياض بعد انتصاره على آل رشيد في بلدة الدلم القريبة من الخرج، وبلدة السلمية، فدانت له الجهات الجنوبية، ورحل ابن رشيد إلى جهات الشمال، ثم توجه عبد العزيز إلى منطقة الوشم (في نجد الشمالية) واستولى على مقاطعات الوشم وسدير والمحمل وضمها إلى دولته الناشئة وخاض عدة معارك طاحنة ضد آل رشيد وحلفائهم من العثمانيين منها وقعة الفيضية في (18 ذي الحجة 1321هـ = 10 مارس 1904م) والبكيرية ثم الشنانة في (18 رجب 1322هـ = 29 سبتمبر 1904م) التي تعتبر من المعارك الحاسمة لابن سعود، حيث قدم العثمانيون لابن رشيد دعمًا عسكريًا ضخمًا تمثل في ثماني فرق تركية ورغم ذلك انتصر عليهم ابن سعود، وهو ما شكل كارثة للأتراك، حيث استولى على القصيم لكنه تركها واتجه إلى قطر لنجدة شيخها ضد خصومه، فانتهز ابن رشيد الفرصة لاستعادة القصيم إلى سلطانه، فعاد إليها عبد العزيز مسرعًا والتقى الجانبان في معركة فاصلة هي روضة مهنا في (17 صفر 1324هـ = 14 إبريل 1906م) انتهت بمقتل "ابن رشيد" وسيطرة ابن سعود على منطقة القصيم الحيوية بعدما جلت عنها القوات التركية وبذلك انتهى النفوذ العثماني في سائر نجد، وأصبح هو صاحب النفوذ فيها ما عدا منطقة حائل وما يحيط بها إذ ما زال يسيطر عليها آل رشيد.



الاستيلاء على الأحساء

كانت الأحساء منذ دخلها العثمانيون مسرحًا للفتن والاضطرابات، فاستغل عبد العزيز ذلك بالإضافة إلى سخط الأهالي لاستعادة السيطرة السعودية عليها، فدخلتها القوات السعودية في (جمادى الأولى 1331هـ = إبريل 1913م) واستعادت أملاكًا فقدتها قبل اثنين وأربعين عامًا، وتمتعت الأحساء بأهمية خاصة لابن سعود باعتبارها منفذًا هامًا على البحر، كما أنها غنية باللؤلؤ، وطول السواحل، ومكنت الدولة الوليدة من الحصول على مورد مالي منظم بواسطة الرسوم الجمركية، وعززت هذه القوات بما استولت عليه من أسلحة من الأتراك، وجعلت السعوديين يتصلون مباشرة بالسياسة الإنجليزية.



عبد العزيز والحرب العالمية الأولى

كان عبد العزيز هو الحاكم الوحيد الذي لا يخضع لسلطة أجنبية في شبه الجزيرة العربية عندما نشبت الحرب العالمية الأولي، وكان أكبر أمير في العرب يملك رقعة من الأرض، إذ تمتد سيطرته على ثلث مليون كيلو متر مربع ورغم ذلك فقد كان محصورًا بين الضغطين العثماني والإنجليزي خاصة بعد استيلائه على الأحساء والقطيف حيث اقترب من طريق المواصلات الإنجليزية إلى الهند، كما صار مجاورًا للعراق بلاد الدولة العثمانية، ولم يكن في استطاعته مواجهة الحرب على جبهتين في وقت واحد، فبدأ يستغل هذه التناقضات الدولية لتحقيق مصلحته ورغبت بريطانيا في إشراكه في الحرب ضد العثمانيين بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، إلا أنه حرص على البقاء على الحياد قدر استطاعته رغم موقفه المعادي للأتراك، ووقَّع الإنجليز معه اتفاقية دارين في عام (1334هـ = 1915م) التي نصت على أن يقف بجانب بريطانيا، لكنه لم يلزم نفسه بالدخول في العمليات العسكرية، واعترف الإنجليز بسلطانه وملكه على نجد والأحساء، فكانت المعاهدة خطوة تكتيكية منه ليواجه الإنجليز والعثمانيين معًا، بعدما عمل على عدم ربط مصيره بأي من أطراف تلك الحرب الدولية.



ضم عسير وحائل

رأى الإنجليز ضرورة التخلص من آل رشيد؛ لأنهم وقفوا إلى جانب العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، لذلك حرضوا "ابن سعود" على قتالهم وأمدوه بالمساعدة، فتحرك بجيشه نحو منطقة جبال شمر في (1236هـ = 1918م) وانتصر على "ابن رشيد"، ثم تجدد القتال بعد ذلك بين الجانبين، فتقهقر "ابن رشيد" إلى عاصمته حائل، فحاصرتهم الجيوش السعودية ثلاثة أشهر حتى تم التسليم النهائي في (29 صفر 1340هـ = 2 نوفمبر 1921م) وعاملهم "ابن سعود" معاملة كريمة وتصاهرت الأسرتان.



أما مقاطعة عسير التي تقع بين الحجاز واليمن وكانت تخضع لآل عائض، فقد تمكن "ابن سعود" من ضمها إلى دولته الفتيه في (1341هـ = 1923م).

IroN MaN
26-09-2008, 10:44 PM
النزاع السعودي-الهاشمي

كان الشريف حسين –حاكم الحجاز- يكن كراهية شديدة لابن سعود؛ لأنه يقف بعناد أمام مطامحه وآماله كملك للعرب، لذلك كان كثيرًا ما يتعاون مع أعدائه ويمدهم بالمال والسلاح لقتاله، فساند آل رشيد وآل عائض، لذا كانت العلاقات بينهما متوترة للغاية، ولم تفلح وساطات الإنجليز في تخفيف حدة العداء بينهما، ولم يكن يفصل بين نجد والحجاز سوى جبل حضن الذي تقع فيه قرية الخرمة وتربة التي اختلف عليهما العاهلان، فاحتلها الشريف حسين بدعم من وزير الخارجية البريطاني كيرزون، أما حكومة الهند التابعة للإنجليز فكانت تؤيد "ابن سعود"، ومالت الأجهزة البريطانية إلى التحزب لآرائها، غير أن العلاقة بين الشريف حسين والإنجليز تصدعت مع إعلان الحسين نفسه خليفة للمسلمين دون التشاور مع الإنجليز الذين كانوا يريدون القضاء على فكرة الخلافة إلى الأبد، فمالت الكفة لصالح ابن سعود ونجحت القوات السعودية في الاستيلاء على تربة بعد الانتصار على الهاشميين وبذلك أصبح الطريق مفتوحًا إلى باقي المدن الحجازية، فاستولى السعوديون على الطائف في (صفر 1343هـ = سبتمبر 1924م)، ثم واصلوا سيرهم وانتصروا على الهامشيين في وقعة "الهدا"، فأصبح الطريق مفتوحًا إلى مكة، فدخلوها محرمين بالعمرة منكسي الأسلحة في (17 ربيع أول 1343هـ = 16 أكتوبر 1924م) ثم واصلت القوات السعودية سيرها فدخلت ميناء رابغ وقنفذة وينبع، واستسلمت حامية المدينة المنورة.


وبدأ الخناق يضيق على الشريف حسين وكانت حماسة الإخوان (قوات ابن سعود) سببًا هامًا في التفوق على الهاشميين رغم كثرة أسلحتهم وحداثتها، يضاف إلى ذلك حياد بريطانيا التي لم تقدم أية مساعدة إلى حليفها السابق الشريف حسين، فعندما رأت انهياره السريع تركته ينهار لتسدل الستار على شخصه وملكه، وكان أقصى ما قدمته له هو أن توسطت لدى ابن سعود لعقد صلح، ينص على استسلام الشريف ومغادرته البلاد، وبذلك انتهى حكم الأشراف في الحجاز، ونودي بعبد العزيز ملكًا على نجد والحجاز في (15 جمادى الثانية 1345هـ = 10 يناير 1926م) وأصبح لقبه الجديد "ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها" واعترف به السوفييت وبريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا ثم عقد معاهدة جدة في (1346هـ = 1927م) وألغى معاهدة دارين وتحقق الاستقلال الكامل لبلاده ولقبه الإنجليز بـ"نابليون الجزيرة العربية".



توطين البدو

قام عبد العزيز بأول مشروع من نوعه لتوطين البدو في العالم العربي، إذ كان يرى أن الهجر (القرى) وسيلة هامة للقضاء على النزعة القبلية، لذلك عمد إلى تغيير الوظيفة الاقتصادية للبدو، فجعلهم يعتمدون على الزراعة بدلاً من الرعي، حتى يضع حدًا للبداوة والفوضوية التي كانت تجنح إليها القبائل، وكان يرى أن مستقبل الجزيرة العربية يتوقف على نجاح هذا المشروع، لذلك أحاطه بالصمت خوفًا عليه من الإنجليز والأشراف في الحجاز الذين كانوا ينظرون إليه بعين الشك والريبة.



وكان المشروع في حقيقته ذا أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية حيث كانت تلك الهجر وسيلة لتعليم البدو أصول دينهم وغرس الحماسة الدينية في نفوسهم وتدريبهم على الفروسية وفنون القتال وتوجيه البدوي لطاعة الدولة والإمام أولاً قبل القبيلة، ونجح الملك في توطين أعداد كبيرة من البدو مستخدمًا في ذلك أساليب سياسية مختلفة تفصح عن عقل واعٍ، وإدراك كامل بالأحداث التي تدور حوله، ومن ذلك استخدامه للعطايا والهدايا والأموال لبعض شيوخ القبائل حتى لا يعارضوا مشروعه، كما أنه تمتع بمرونة كبيرة في تطبيقه فسمح لكل قبيلة كبيرة أن يبقى قسم من أفرادها في الصحراء يعملون في الرعي، أما الباقون فيرسلون إلى الهجر للقيام بأعمال الزراعة، وواجه بحسم بعض القبائل التي حاربت مشروعه وثارت ضده، وكان يقول: "إني أريد تطوير نزعة العرب الفطرية إلى الحرب، حتى يشعروا أنهم أعضاء جماعة واحدة". وكفل هذا المشروع له تنظيم قوة عسكرية من القبائل المختلفة ذات تدريب عال وحماسة شديدة، من الممكن أن تحشد خلفه (76) ألف مقاتل في حالة النفير العام، ليصبح أكبر قوة عسكرية في الجزيرة العربية.



إعلان المملكة العربية السعودية

عندما استولى عبد العزيز آل سعود على الحجاز وضمها إلى دولته، وضع التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية ونشرها في الجريدة الرسمية في (1345هـ = 1926م)، ثم أنشأ مجلس الشورى بعد ذلك بعدة أشهر وأسند رئاسته إلى ابنه فيصل، ومع اتساع الدولة، رأى توحيد المملكة في اسمها بدلاً من لقب ملك الحجاز ونجد وملحقاتها واستقر الرأي على اختيار اسم المملكة العربية السعودية وأصدر مرسومًا بذلك في (17 جمادى الأولى 1351هـ = 18 سبتمبر 1932م)، واشتركت المملكة في هيئة الأمم المتحدة كعضو مؤسس، وكذلك في الجامعة العربية التي قال فيها: "إنها لسان العرب ويجب على العرب أن يلتفوا حولها".



وقام بعدة إصلاحات هامة داخل المملكة فسعى للقضاء على الخلافات بين القبائل، واعتنى بشؤون الحجيج وتوسعة الحرمين الشريفين، وأنشأ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجه عناية خاصة للتعليم ففتح المدارس النظامية والمعاهد واستقدم لها المدرسين والأساتذة من الخارج، وأرسل البعثات التعليمية للخارج، وطبع كثيرًا من الكتب الثقافية والدينية والعلمية، وأعفى جميع الكتب اللازمة للتعليم من الرسوم، واهتم بالشؤون الصحية، وسعى للاستفادة من وسائل المدينة الحديثة –رغم معارضة بعض المتشددين- فوضع نواة للطيران، ومد خطوط التليفون والراديو، وافتتحت في عهده محطة الإذاعة السعودية، واستخرج النفط في عهده بكميات كبيرة، وبدأ التنافس الأمريكي-البريطاني لتوطيد العلاقات النفطية مع المملكة والذي حسم لصالح الأمريكيين والذي بلغ أوجه بإنشاء شركة البترول العربية-الأمريكية "أرامكو"، ومع تزايد الثروة النقدية أنشأ مؤسسة النقد العربي السعودية وضربت العملة السعودية (الريال).



وفاته

حكم الملك عبد العزيز آل سعود –رحمه الله- قرابة نصف القرن، توحدت خلالها الجزيرة العربية وانتشر الأمن في ربوعها، وانتقلت من حالة الفوضوية إلى النظام والمجتمع المترابط، وكان لهذه القوة والطاقة البشرية الكبيرة التي تفتحت عيناها على الصراعات، وخاضت عشرات الحروب والمعارك وخاضت غمار السياسة ودهاليزها هذا الزمن الطويل بعزم قوي أن تمر عليها عاديات الزمن فأصيب الملك بتصلب الشرايين وعاودته بعض نوبات المرض، فانتقل إلى الطائف، وهناك كان القدر المحتوم، فتوفي صباح يوم الإثنين (2 ربيع الأول 1374هـ = 9 نوفمبر 1953م) ونقل جثمانه إلى الرياض حيث دفن بمقبرة آل سعود.

IroN MaN
29-09-2008, 03:40 AM
اكتشاف أمريكا.. مراحل ورجال وآثار
http://www.islamonline.net/arabic/history/1422/03/IMAGES/pic07.jpg

تعد حركة الكشوف الجغرافية الأوروبية التي تم جزء كبير منها في القرن الخامس عشر الميلادي وتُوجت باكتشاف كريستوفر كولومبوس لأمريكا (العالم الجديد)- من أهم النتائج العلمية لحركة النهضة الأوروبية التي من خلالها عبرت أوروبا عصورها الوسطى المظلمة التي كانت مثلاً للجمود والتخلف والبعد عن ركب الحضارة الإنسانية نتيجة سيطرة الكنيسة على مقاليد الأمور فيها، والتي وقفت أمام العقل البشري وإعماله، ناشرة الروح المناهضة للإبداع والابتكار، وتجسد ذلك في محاكم التفتيش التي كانت تقيمها لكل مَن يحاول الخروج عن إرادتها وأغلالها.


قبيل الدخول في تفاصيل اكتشاف كولومبوس للأمريكتين نشير إلى الدواعي التي حركت أوروبا الناهضة نحو الكشف الجغرافي بصفة عامة، والذي مثل بدورة مرحلة المخاض الأولى لميلاد الحركة الاستعمارية التي كان لها عظيم الأثر في مسار حركة التاريخ إلى اليوم، ويأتي تطور الحياة الاقتصادية في أوروبا آنذاك في مقدمة الدوافع التي شجعتها على الكشوف الجغرافية، حيث زادت العلاقات الاقتصادية بين دول القارة؛ وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على المعادن الثمينة وبصورة خاصة الذهب والفضة، ولما كانت موارد الذهب والفضة في العالم القديم محدودة وقليلة ولا تفي بحاجات التجارة الدولية أصبح البحث عن مصادر جديدة لهذه المعادن أمرًا ملحًا.



ويضاف إلى ذلك تطور صناعة السفن إذ بات من الميسور بناء سفن أكبر وأسرع وأكثر قدرة على مواجهة الأنواء والعواصف وعلى تحمل السفر الطويل، وهو ما فتح أمام العاملين في صناعة النقل آفاقًا جديدة وسمح لهم بالتوغل في البحار والابتعاد ولمدة طويلة ولمسافة أكبر عن المناطق المسكونة والمعروفة.



أما أهم دوافع أوروبا على الإطلاق نحو الكشف الجغرافي فيرجع إلى محاولة الالتفاف حول الدولة العثمانية التي وضعت العراقيل أمام تجارة أوروبا مع الشرق الأقصى حيث قضت عليها تقريبًا في أواخر القرن الخامس عشر، فضلاً عن الضرائب الجمركية المتصاعدة التي كان يفرضها مماليك مصر، ومن هنا بدأ الناس في أوروبا يتساءلون عن إمكانية الوصول إلى الهند مباشرة للتخلص من سيطرة العثمانيين المتزايدة على تجارتهم، والبعض يضيف إلى جملة هذه الدوافع دافعا دينيا آخر ممثلاً في الرغبة في نشر الدين المسيحي(1).



البرتغال وإسبانيا والريادة

من بواكير الدول التي قادت حركة الكشف الجغرافي الأوروبي البرتغال وإسبانيا، وإن اختلفت كل منهما عن الأخرى في التوجه، فبينما اتجهت كشوف البرتغال إلى غرب إفريقيا شرقًا حتى منطقة جزر الهند الشرقية من خلال طريق رأس الرجاء الصالح، نجد إسبانيا اتجهت كشوفها غربًا لتصل إلى نفس الهدف والغاية التي سعت إليها البرتغال ليتم إثبات كروية الأرض علميًا، وجاء اكتشاف الأمريكيتين تتويجا للكشوف الإسبانية(2).



كولومبوس واكتشاف الأمريكتين

كان كريستوفر كولومبوس قد استهوته الملاحة عن طريق التجارة، وكان أبوه عاملاً متواضعًا في جنوة، وكان هو شخصيًا أميًا، وكان ذلك من المعوقات التي اعترضته حتى وصل إلى مرحلة الرجولة. ومع ذلك فقد تجلت مواهبه في مرحلة مبكرة من حياته. فاشترك في أول الأمر في بعض الرحلات على سفن تجارية تابعة لجنوة، ومن بينها رحلة إلى إنجلترا، وانتقل بعد ذلك من إيطاليا إلى أيبريا حيث استقر نهائيًا وتعلم القراءة والكتابة وبمرور الوقت استطاع أن يقرأ الأعمال الجغرافية التي كانت مشهورة في ذلك الوقت مثل أعمال بطليوس وماركو بولو وأعمال الجغرافيين والرحالة المسلمين ، وأثناء عمله في البرتغال اشترك في الرحلات على سواحل غرب إفريقيا، وعن طريقها بدأ يثبت ذاته ويحظى بالاهتمام. وقد أفاد كثيرًا من زواجه الذي ساعده على تشكيل حياته حيث كان والد زوجته واحدا من كبار الملاحين الذين عملوا مع الأمير هنري، والذي زوده بمجموعة من الخرائط الهامة التي زودت اهتمامه بالكشف الجغرافي وخصوصًا بكشف طريق إلى الشرق الأقصى بالملاحة نحو الغرب(3).



وقد عرض مشروعه هذا على ملك البرتغال فرفضه بناء على توصية مستشاريه الذين رأوا أنه لا ضرورة للبحث عن طرق جديدة، وعلى أثر ذلك لم يجد من بد سوى التوجه لإسبانيا وبعد وصوله عرض المشروع على الملكة "إيزابيلا" ولكنها رفضت بدعوى أنها مشغولة بالحرب مع العرب عام (891 هـ = 1486م) إلا أنه لم ييئس من رفضها وانتظر إلى أن انتهت الحرب وعاد ليجدد طلب تمويل "إيزابيلا" لمشروعه، وبالفعل وافقت له ومولته في عام (897 هـ= 1492م).



أبحر كولومبس بعد أن نال موافقة إيزابيلا ملكة إسبانيا وتمويلها ، حاملا معه رسائل منها لملوك آسيا والصين. وفي ليلة 11-12 أكتوبر ظهرت لكولومبس ومن معه بعض معالم الأرض فظنها آسيا (وقد كانت تلك التي اقترب منها كولومبوس هي إحدى جزر "لوكايس" بالقرب من أمريكا الشمالية، عند مدخل مضيق لوريد؛ فأطلق عليها "سان سلفادور") وفعلاً أخذ يبحث عن مملكة "كاتي" التي هي الصين؛ ليقدم لملوكها الخطابات التي زودته بها ملكة إسبانيا، ولكن دون جدوى، هناك سارع بالعودة ليعلن نتائج اكتشافه في إسبانيا، فوصل ثغر بالوس في (15 مارس 1493م=26 جمادى الأولى 898هـ) أي بعد سبعة أشهر من مغادرته إياه.



مات كولومبوس عام (1506م=912هـ) وهو يعتقد أنه وصل إلى آسيا، وأن الجزر التي اكتشفها إنما هي تلك التي توجد بالقرب من الهند، ومن هنا ترجع تسميتها إلى جزر الهند الغربية، وكذلك تسمية سكانها الأصليين بالهنود، ولم تلبث الأذهان أن أخذت تشك في أن هذه الأرض التي وصل إليها كولومبوس هي آسيا ولا سيما بعد تلك الرسالة التي نشرها "أميركو فسبوتشي" الفلورنسي، فأشار إلى هذه الأرض المكتشفة بالعالم الجديد؛ ولذلك سميت هذه الأرض على اسمه "أمريكا"(4).

IroN MaN
29-09-2008, 03:41 AM
هل اكتشف العرب أمريكا قبل كولومبوس؟

سؤال محل جدل بين أوساط المهتمين بالتأصيل للدور الريادي للجغرافيين العرب والمسلمين في علم الجغرافيا بصفة عامة وفي حركة الكشوف الجغرافية بصفة خاصة توجهنا به إلى الأستاذ الدكتور/ يوسف عبد المجيد فايد – أستاذ الجغرافيا الطبيعية- جامعة القاهرة والمتخصص في الأمريكتين فقال: ليس ثمة دليل على اكتشاف العرب للعالم الجديد أو أمريكا قبل كريستوفر كولومبوس رغم الكلام الكثير الذي يثيره البعض حول هذا الموضوع، فتجد مثلاً آراء تقول إن المصريين القدماء كانوا أول من اكتشف هذا العالم الجديد مستندين في هذا إلى وجود بعض الأهرامات في المكسيك والتي تعود إلى عصور قديمة والتي تشبه الأهرامات في مصر القديمة، ولكن رغم ذلك فإن أي مزاعم بوصول عرب أو حتى أوروبيين إلى أمريكا قبل كولومبوس مشكوك في صحتها غير أن الهجرات الحقيقية إلى أمريكا والتي سبقت كولومبوس بقرون هي هجرات أسلاف الهنود الأمريكيين الذين وجدهم كولومبوس عند وصوله إلى أمريكا. وقد هاجر أسلاف الهنود من آسيا عن طريق مضيق "بيرنج" من الطرق الشمالي الشرقي لقارة آسيا إلى "آلاسكا" الطرف الشمالي لقارة أمريكا وهذا يفسر صفات الأمريكيين المغولية أو الشبيهة بالمغولية الواضحة.


ويضيف قائلاً: إن الذين يجتهدون لإثبات أن العرب قد وصلوا إلى العالم الجديد قبل الأوروبيين ينسون أن الوصول إلى شواطئ ذلك العالم ليس في نفسه بذي أهمية ولا يدل على تقدم، ولا يوصف بأنه كشف، فالهنود الذين تحدثنا عنهم توًا كانوا قطعًا أول من وصل إلى هذا العالم الجديد، ورغم ذلك فلم يوصفوا بالتقدم ولم يعدوا مكتشفين، إنما العبرة في عمل كولومبوس أنه قام على نظرية علمية وأثبت صحتها، وهو أن المتجه من شواطئ أوروبا غربًا يصل إلى آسيا؛ لأن الأرض كروية، وكروية الأرض نظرية عربية يوجد فيها نصوص صريحة وواضحة للعالم الجغرافي المسلم أبو عبيد الله البكري، وهذا هو الكشف الصحيح وموضع الفخر، أما أن يكون الذي قام بتطبيق هذه النظرية العربية كولومبوس أو غيره فمسألة تلي ذلك في الأهمية، وقد تحققت لعوامل علمية وصناعية أخرى مثل إتقان فن الخرائط البحرية، أو تقدم صناعة السفن وإحكام استخدام البوصلة، ثم لعوامل سياسية أهمها المنافسة الشديدة بين البرتغاليين والأسبان، فأما البرتغاليون فقد قادهم العرب علميًا وعمليًا إلى آسيا؛ إذ إنه من الثابت تاريخيًا أن البحار العربي "ابن ماجد" قد أفاد فاسكو دي جاما البرتغالي مكتشف طريق رأس الرجاء الصالح بما قدم له من خرائط عربية ممتازة توضح معالم الرحلة، فجعله قائدًا لسفينة القيادة التي كان عليها حتى تم الوصول إلى الهند؛ ليكون أول من سلك طريق رأس الرجاء الصالح بمساعدة ابن ماجد.



كيف قاد العرب كولومبوس علميًا؟

يمكننا القول بأن القيادة العلمية من قبل العرب لكولومبوس في رحلة اكتشافه لأمريكا جاءت من خلال استعانته بالتراث العلمي الجغرافي الذي ساهم فيه العلماء العرب والمسلمون الذي كون لكولومبوس الإطار المعرفي الذي مكنه من الانطلاق على أسس واقعية، ولعل نظرة سريعة على أهم إنجازات الجغرافيين العرب والمسلمين في العصور الوسطى التي سبقت كولومبوس كفيلة لتوضيح الدور العربي في اكتشاف أمريكا حتى ولو كان بطريقة غير مباشرة.



ففي مجال الجغرافيا الوصفية قدم الجغرافيون العرب والمسلمون نظريات حول شكل الأرض تؤكد كرويتها للجغرافي الأندلسي المسلم "أبو عبد الله البكري" وللتدليل على هذه الفكرة قدم عالم آخر اسمه أبو الفدا ولد 1273م/672هـ بعض الأدلة المنطقية عليها مثل تغير وقت شروق الكواكب وغروبها كلما تحرك الشخص من الشرق إلى الغرب، وتزايد ارتفاع النجم القطبي والكواكب الشمالية كلما تقدم الشخص نحو الشمال، وفكرة كروية الأرض كما سبق وأوضحنا هي التي انطلق منها كولومبوس في رحلته الاستكشافية نحو الغرب والتي وصل من خلالها إلى العالم الجديد(5).



ويضاف إلى ذلك إسهام المسلمين في فكرة خطوط الطول ودوائر العرض، ووصول المسلمين إلى درجة عالية من الإتقان في القياس، ففي القرن العاشر الميلادي ذكر "المقدسي" أن الأرض كروية، وأن خط الاستواء يقسمها نصفين، وأن محيطها مقسم إلى


360ْ درجة طولية 180ْ درجة عرضية، كما أن البيروني كان أستاذًا في نفس الموضوع، وقد وضع أرقامًا دقيقة لدوائر عرض عدد كبير من الأماكن، وكانت الطريقة التي استخدمها في حسابها مبنية على رصد النجوم التي تدور حول القطب، وبالإضافة إلى ذلك فإن للبيروني إسهامات أخرى في اكتشاف قوانين التوازن المائي وتأثيرها على حياة العيون والآبار الارتوازية.

وقد كانت صناعة الأجهزة من ضمن الإنجازات العلمية الهامة للمسلمين، ومن أشهر هذه الأجهزة جهاز الإسطرلاب، والساعة المائية والمزولة التي كان خط العرض يوضح عليها بدقة، وكذلك البوصلة التي استخدمها العرب في أوقات مبكرة كما أشار الإدريسي، وكل هذه الأدوات استعان بها كولومبوس في رحلته نحو أمريكا(6).



وإسهام العرب والمسلمين في مجال الخرائط بكافة أنواعها حقيقة معلومة؛ إذ بلغ عدد الخرائط التي رسموها في عصر النهضة الإسلامية قرابة 450 خريطة أشهرها خريطة العالم للإدريسي، والتي صنع بجوارها كرة أرضية من الفضة.



وقد أشار "المقدسي" في كتابه "أحسن التقاسيم في دراسة الأقاليم" إلى الخرائط الملاحية المعقدة التي استخدمها العرب للملاحة بسفنهم الشراعية في المحيط الهندي، وقد لاحظ في أسفاره المهارة الفائقة للملاحين العرب في استخدام هذه الخرائط، وكيف أن الخرائط نفسها كانت مرسومة بحسابات غاية الدقة. ومن المعروف أن ماركو بولو استعان بهذه الخرائط في المحيط الهندي. كل هذا بالإضافة إلى العديد من المؤلفات الضخمة التي لا يتسع المقام لعرضها(7).



وأيًا ما كان الأمر فإننا نعتقد أن كولومبوس ما كان له أن يصل إلى اكتشاف أمريكا بدون الاستفادة من هذه الخلفية المعرفية الجغرافية التي قدمها علماء المسلمين بالإضافة إلى أن ثلث بحارته كانوا من العرب.



أثر الحركات الكشفية على العرب والمسلمين

يرى الدكتور عمر عبد العزيز (أستاذ التاريخ الحديث بجامعة الإسكندرية) أن ثمة انعكاسات حادة وخطيرة ترتبت على حركة الكشوف الجغرافية على عالمنا العربي والإسلامي؛ إذ عمل الأسبان والبرتغاليون بعد أن تم الكشف الجغرافي على التبشير بالمسيحية على المذهب الكاثوليكي بين أهالي المكسيك وأمريكا الجنوبية، وكان ذلك أكبر تعويض للبابوية والكنيسة الكاثوليكية عن نفوذها الذي ضاع في كثير من جهات أوروبا بعد ظهور حركة الإصلاح الديني، وتعذر بالضرورة وصول الدين الإسلامي إلى هذه البلاد في وقت مبكر.



وقد أثرت حركة الكشوف الجغرافية بدرجة كبيرة على مركز مصر التجاري، وكان العرب قد اهتموا اهتمامًا بالغًا بالتجارة التي درت عيهم ثروات طائلة بصفتهم وسطاء بين الهند والصين من ناحية وأوروبا من ناحية أخرى، وسيطروا على التجارة العالمية في العصور الوسطى؛ حيث كانت تنقل تجارة التوابل والحرير إلى أوروبا عبر الطرق الهامة المارة بالمنطقة العربية. وجنت مصر من هذه التجارة الكبيرة الكثير، وأصبحت الضرائب المفروضة على هذه التجارة موردًا هامًا من الموارد المالية المصرية، وظل الأمر كذلك حتى شاهد العالم التحول الواضح من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي.



وعندما فتح هذا الطريق الجديد في عام 1498م حاول مماليك مصر يؤيدهم في ذلك البنادقة الذين عانوا أيضًا من جراء هذا الكشف أولاً بالوسائل الدبلوماسية ثم بالحرب، القضاء على هذا الخطر البرتغالي. ولكن جهودهم باءت بالفشل إذا استطاع البرتغاليون إيقاع الهزيمة بالأساطيل المصرية، وتوغلوا حتى الخليج العربي والبحر الأحمر. وفي عام 1510م وقعت مسقط وهرمز والبحرين في أيدي البرتغاليين.



ولم يستطع الشرق العربي استعادة طرق مواصلاته مرة أخرى حتى القرن التاسع عشر. ونتج عن تحول طريق التجارة آثار متعددة، أفقرت أسواق القاهرة والإسكندرية من تلك الحركة التجارية الهائلة، وحرمت حكومة مصر من تلك الضرائب التي طالما تمتعت بها، كما فقد الأهالي الفوائد الكثيرة التي كانوا يجنونها من نقل هذه المتاجر، بينما أخذت دول غرب أوروبا في التوسع والاستعمار.



وعلى الصعيد السوري تدهورت الأوضاع الاقتصادية نتيجة لهذه الكشوف الجغرافية، واضطر التجار السوريون بعد ذلك إلى أن يجعلوا جل اعتمادهم على التجارة البرية؛ إذ كانت رأس الخط التجاري الذي ينتهي إلى بغداد فالبصرة. وهكذا تمكنت حلب من التفوق على دمشق، بينما استطاعت الإسكندرية وطرابلس أن تنتزعا من بيروت مكانة مرفئها التجاري، وبقيت حلب حتى القرن السابع عشر السوق الرئيسية للشرق الأوسط.



ولكن أهم نتيجة لحركة الكشوف الجغرافية الحديثة هي أن الدولة العثمانية دخلت في المواجهة مع الأوروبيين محل المماليك الذين كانوا يسيطرون على مصر والشام.

IroN MaN
30-09-2008, 12:29 PM
مروان بن محمد.. والإنقاذ المستعصي


مرَّت الدولة الأموية في الفترات الأخيرة من حياتها بفتن، وقلاقل، وثورات، واضطرابات، ولم تكن هذه المرة من أعدائها والخارجين عليها، وإنما أشعلها أهل البيت نفسه دون مراعاة لوحدة الأسرة الحاكمة أو المحافظة على سلامة الدولة، وانشغل كل ثائر بنفسه لا يرى سواها ولا يرى الحق إلا فيها، وكانت هذه الفتن هي أخطر ما واجهته الدولة الأموية، فاجأتها وهي منهكة القوى من طعنات الثائرين عليها، مفككة البنيان بعد أن فعلت العصبية القبلية أفاعيلها في جسد الدولة، فإذا أضيف إلى ذلك أن خلفاء الدولة المتأخرين لم يكونوا على قدر المسؤولية، وتعجز ملكاتهم عن قيادة إمارة صغيرة فكيف يفعلون بدولة عملاقة كالدولة الأموية؟ تجمع ذلك كله وسار في اتجاه سقوط الدولة وحاول مروان بن محمد أن يعيق تصاريف القدر أو يؤجل وقوع المصيبة، فما استطاع على قدرته وكفاءته، فكانت الأقدار أكبر منه والأحداث سريعة متلاحقة أعجزته عن تدبير أمره، فوقع ما ليس منه بد، وانهار البناء الشامخ، وكان يُظن أنه راسخ كالجبال.


أحوال الدولة الأموية

تتابع خلال ثلاثة أعوام ثلاثة من خلفاء الدولة الأموية، فتولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك الخلافة سنة (125هـ = 742م)، ولم يمكث طويلا في الخلافة، وثار عليه أبناء عمومته من أبناء الوليد بن عبد الملك وأخيه هشام، وانتهى الأمر بقتله سنة (126هـ = 743م)، وتولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك الخلافة، لكنه عجز عن ضبط أمور الدولة التي اضطربت، وانشغل أبناء البيت الأموي بالصراعات وتدبير المؤامرات، وزاد الأمر سوءاً اشتعال العصبيات القبلية، وانتقل الخلل من عاصمة الدولة إلى الأقاليم، وفي وسط هذه الأحداث الهائجة والأحوال الثائرة توفي يزيد بن الوليد، ولم يتجاوز حكمه ستة أشهر تاركًا دولته تموج بها الفتن، وتشيع فيها الفوضى، وبعد وفاته تولى أخوه إبراهيم بن الوليد الخلافة، ولكن الأمر لم يتم له، ولم يستطع أن يمسك بزمام الأمور، حيث نازعه مروان بن محمد الحكم، ونجح في إزاحته عن منصبه، وتولى الأمر بدلاً منه.



ولاية مروان بن محمد

كان مروان بن محمد قبل أن يتولى الخلافة الأموية حاكمًا على ولاية أرمينية وأذربيجان تولاها سنة (114هـ = 732م) من قبل هشام بن عبد الملك، فأظهر كفاءة وقدرة في إدارة شؤون ولايته وبذل جهدًا كبيرًا في ضبط أمورها، ورد غارات الترك والخزر على حدود ولايته، وظلَّ مروان على ولايته حتى نجح في الجلوس على كرسي الخلافة الأموية بعد أن لعبت به الأهواء.



ولم تكن الظروف التي تولى فيها مروان بن محمد تساعده على الخروج بدولة الخلافة من أزمتها، بل كانت مضطربة تغلي كالمرجل فتحمل هو عبء أوزارها، وحاول بكل ما يملك من قوة إصلاح اعوجاجها، ولكنه كلما خلص من أزمة ظهرت له أخرى، كأنها تنتظره فأنهكت قواه، واستغرقت جهده ووقته، ولم تدع له فرصة للتفسير الهادئ والتأمل الرزين.



وكانت دمشق معقل الأمويين ومركز أنصارهم منقسمة على نفسها شيعًا وأحزابًا، وامتد هذا إلى الشام كله، وأصبح الأمر كله منذرًا بالخطر، فحاول مروان أن يهدئ النفوس، ويسكن القلوب الثائرة بأن عرض على أهل الشام أن يختاروا من يرضونه واليًا عليهم دون نظر إلى عصبيته وقبيلته، ففعلوا ذلك، وبهذه الخطوة الطيبة نجح مروان في أن يرتِّب أوضاع الشام وأن يعيد الهدوء والنظام إليها.



اشتعال الثورات ضد الخليفة

ولم يكد يطمئن الخليفة مروان بن محمد في حران التي اتخذها مقرًّا لحكمه حتى تبدَّد الحلم، وانهار صرح السلام بعد أن جاءته الأخبار بثورة أهل حمص عليه بزعامة ثابت بن نعيم الجزامي، وكان مروان قد أبدى معه تسامحًا ولينًا، على الرغم من غدره به من قبل وإثارته الناس عليه، فعيَّنه واليًا على فلسطين بناء على رغبة أهلها، ولكن "ثابت" لم يحفظ عهدًا أو يراعِ ودًّا، وغلبت عليه نفسه الأمارة بالسوء فكاتب الناس، ودعاهم إلى الثورة، وحضهم على الخروج على الخليفة، ولم يصبر مروان على هذا الأمر فخرج على رأس جيشه، ونجح في قمع الفتنة واقتلاع جذورها. وفي الوقت الذي كان مروان بن محمد مشغولاً بقمع ثورة حمص شبَّت ثورة هائجة في غوطة دمشق، وولَّى أهلها عليهم زعيمًا يمنيًّا هو يزيد بن خالد القسري، وساروا إلى دمشق، فحاصروه غير أن مروان أرسل إليهم وهو في حمص جيشًا تمكن من القضاء على الفتنة وقتل متزعمها.



محاولة الصلح بين أبناء البيت الأموي

حاول مروان بن محمد أن يقيم صلحًا بين أبناء البيت الأموي، وأن يحل الوئام بينهم، وأن يكونوا عونًا للدولة لا حربًا عليها، فزوج ابنيه عبيد الله وعبد الله من ابنتي هشام بن عبد الملك آملا من أن تكون هذه المصاهرة سببًا في رأب الصدع، ولمّ الشمل، والتفرغ لقتال الخوارج الذين ثاروا بالعراق تحت قيادة الضحاك بن قيس الشيباني، منتهزين فرصة انشغال الدولة بثورات أهل الشام، وفي الوقت الذي كان فيه مروان يشرف على تجهيز جيش لقتال الخوارج فاجأته ثورة عارمة قادها صهره سليمان بن هشام بن عبد الملك في الرصافة، وانضم إليه 10 آلاف من أهل الشام الذين استنفرهم مروان بن محمد لقتال الخوارج.



وشجَّع هؤلاء المنضمون سليمان على الخروج على الخليفة الشرعي، وخلع بيعته، فاستجاب لهم لهوى في نفسه دون أن يعبأ ببيعته التي في عنقه، ودون مراعاة لمصالح الدولة، وأمنها الذي تهدده ثورات الخوارج، واستفحلت ثورة سليمان واجتمع حوله سبعون ألفًا من الجند.



ولم يكن أمام هذه الأنباء المفجعة إلا أن يخرج الخليفة بنفسه للقضاء على هذا الخطر المتصاعد الذي يكاد يعصف بالدولة، والتقى بخصمه عند قرية تسمَّى خسَّاف من أعمال قنسرين، ودارت بينهما معركة حامية سنة (127هـ = 744م) هُزم فيها سليمان، وقتل نحو ثلاثين ألفًا من أتباعه، وهرب بمن بقي معه إلى حمص، فتابعه مروان وحاصر حمص حتى استسلمت.



ثورات الخوارج

ولم تكد الأحوال تستقر قليلاً ويعود إليها شيء من السكينة والهدوء ويفرغ الخليفة مروان لإدارة دولته التي تأثرت كثيرًا بانقسام البيت الأموي، واحتدام الصراع بين أبنائه، حتى فاجأه اندلاع ثورات في أماكن مختلفة من أنحاء دولته، فشبت ثورة عارمة قادها عبد الله بن معاوية من أحفاد جعفر بن أبي طالب في العراق فيما بين سنتي (127-129هـ = 744-746م)، كما اشتعلت في الوقت نفسه فتنة هائجة للخوارج بقيادة الضحاك بن قيس الشيباني في العراق وقويت هذه الفتنة بانضمام بعض أبناء البيت الأموي، وهدّدت سلطة الخلافة بكثرة أتباعها، ولولا يقظة مروان بن محمد لعصفت بالدولة فتعامل معها بكل حزم وقوة حتى نجح في القضاء عليها سنة (129هـ – 746م).



وقبل أن ينتهي مروان من القضاء على ثورة الضحاك بن قيس وخلفائه من الخوارج في العراق والجزيرة حتى شبت ثورة الخوارج في جنوبي الجزيرة العربية بقيادة أبي حمزة الخارجي سنة (128هـ = 745م) وبدأت من حضرموت وزحفت إلى مكة والمدينة، واستولت عليها، واتجهت إلى الشام مهددة أمن الخلافة الأموية، فاضطر مروان على الرغم من الأخطار المحدقة به أن يرسل جيشًا للقاء الخوارج، فتقابل الفريقان في "وادي القرى"، وانتهت المعركة بهزيمة الخوارج وقتل قائدهم.



ظهور العباسيين

وفي الوقت الذي كان فيه مروان يقضي على الفتن والثورات ويعيد إلى الدولة هيبتها كان العباسيون يضعون الخطط الأخيرة للقيام بحركتهم للانقضاض على الدولة، منتهزين انشغال الدولة بالثورات التي انبعثت في معظم أنحائها وكلفتها ثمنًا غاليًا من الأموال والأرواح للقضاء عليها.



وكان العباسيون قد انتقلوا بعد مرحلة الدعوة السرية، وجذب الأعوان والأنصار إلى مرحلة العمل المسلح للقضاء على الأمويين، ولم تكن هناك فرصة مواتية أسنح مما كانت عليه الدولة الأموية في هذه الفترة، ولم يكن هناك مكان أصلح لبدء حركتهم من خراسان ملتقى أنصارهم وأعوانهم، وكانت هناك فتنة بين العرب اليمنية والمضرية ساعدت على إنجاح مهمة العباسيين، وفوق ذلك قاد ثورة العباسيين أبو مسلم الخراساني وهو رجل من أكفأ القادة وأمهرهم في ميادين القتال والحروب.



وفي غمرة انشغال مروان بن محمد بأحوال الدولة المضطربة فاجأته ثورة العباسيين في خراسان سنة (129هـ = 746م) وانتقلت كالسيل المنهمر براياتها نحو العراق مكتسحة كل قوة للأمويين أمامها ولم تنجح محاولة واحدة في إيقافها حتى دخلت الكوفة، وأعلنت قيام الدولة العباسية سنة (132هـ = 750م) ومبايعة أبي العباس السفاح بالخلافة.



النهاية الحزينة وسقوط الدولة

وفي أثناء ذلك كان مروان بن محمد يستعد للِّقاء الحاسم لاستعادة دولته ورد العباسيين، فتحرك بقواته من حران إلى الموصل، والتقى بالعباسيين عند نهر الزاب الكبير -أحد روافد دجلة-، ودارت بينهما معركة هائلة لم يستطع جيش الأمويين على ضخامته أن يحسمها لصالحه، فحلت بهم الهزيمة في (جمادى الآخرة 132هـ = يناير/ فبراير 750م)، وفرَّ مروان بن محمد من أرض المعركة، وظل ينتقل من بلد إلى آخر يستعين بالناس فلا يجد معينًا فقد أدبرت عنه الدنيا، وانصرف عنه الأنصار، وانتهت به الحال إلى مصر، فدخلها طلبًا للنجاة والعباسيون من ورائه يتعقبونه، حتى لحقوا به وقتلوه في قرية تسمَّى "زاوية المصلوب" التابعة لبوصير الواقعة جنوبي الجيزة في ( 13 من ذي الحجة 132هـ = 23 من يوليو 750م)، وبوفاته انتهت الدولة الأموية في المشرق، وقامت الدولة العباسية.

IroN MaN
30-09-2008, 12:34 PM
صقر قريش مؤسس الدولة الأموية بالأندلس


أفلت دولة الأمويين في المشرق كما تأفل الشمس عند مغيبها مهيبة حزينة دامعة، وتخضب أفق زوالها بدماء الكثير من أمرائها ورجالها الذين أعمل فيهم العباسيون السيف قتلاً وذبحًا، واستباحوا أموالهم وممتلكاتهم كما استباحوا دماءهم.


وسيطر العباسيون على زمام الأمور في المشرق، ومضوا يتعقبون الأمويين في كل مكان، حتى أفنوا عددًا كبيرًا منهم، وتفرق من بقي أو كُتبت له النجاة في أنحاء البلاد، وأعيت العباسيين الحيلة في طلبهم أو الوصول إليهم، لاستئصالهم وإبادتهم حتى لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك.



خدعة العباسيين

تظاهر العباسيون بالندم لبث الثقة والأمن في نفوس الأمويين الفارين، وأعلن الخليفة "عبد الله السفاح" أنه يفتح صفحة جديدة للصفح عن الأمويين، وكتب كتابًا يتعهد فيه بالأمان للأمويين، ويدعو رجاله وأعوانه إلى عدم التعرض لهم بمكروه، واستأمن الخليفة بذلك الكتاب عددًا من أمراء البيت الأموي.



وأخذ العباسيون يقربون الأمويين وينزلونهم في معسكر "صالح" بالقرب من نهر "أبي فطرس" وخدعوهم بالوعود الكاذبة، والمواثيق الخادعة.



وصدّق الأمويون وعود العباسيين، وخدعتهم تلك الحيلة، وغرهم منهم ذلك اللين الزائف وتلك المودة المصطنعة، فأقبلوا عليهم يسلمون إليهم رقابهم، وهم لا يدرون أنهم إنما يساقون إلى الذبح، ولا يشعرون أن العباسيين قد أعدوا العدة لقتلهم وإبادتهم جميعًا.



مقتل يحيى بن معاوية

وكان "يحيى بن معاوية بن هشام" -شقيق "عبد الرحمن الداخل"- فيمن فرّ من بني أمية، وعندما بلغته دعوة العباسيين ساورته الظنون في صدق نواياهم، فلم يتعجل بالرجوع وتسليم نفسه إليهم، وسرعان ما صدقت ظنونه وكشف العباسيون عن حقيقة نواياهم فقتلوا جميع من لجأ إليهم من الأمويين، وعندئذ قرر "يحيى" الفرار والنجاة، ولكن العباسيين اكتشفوا مكانه، وأدركوه قبل أن يتمكن من الهرب وقتلوه.



السعي إلى الفرار

وعندما علم "عبد الرحمن الداخل" بمقتل أخيه فلم يجد أمامه غير الهرب، فعزم على الفرار إلى إفريقية لبعدها عن مقر الخلافة، وصعوبة وصول أنصار الخليفة إليها، خاصة بعدما بدأ سلطان العباسيين يتقلص عن تلك البلاد في ظل اشتعال الصراع بين قبائل العرب المضرية واليمنية حول أمور الحكم فيها، وشجعه على ذلك أن كثيرًا من أمراء بني أمية سبقوه في الفرار إليها.



صورة دامية

خرج "عبد الرحمن" مع أخ له صغير السن –لم يتجاوز الثالثة عشرة- وبعض أهله، واتجه إلى رجل من معارفه فطلب منه أن يشتري له عددًا من الدواب، ويهيئ له ما يتزود به في سفره، ولكن بعض عيون العباسيين دلوا عليه، فانطلقوا في إثره؛ فخرج حتى وصل إلى شاطئ الفرات، فأحاطت به خيول العباسيين، فألقى بنفسه في الماء ومعه أخوه، وانطلقا يسبحان نحو الشاطئ الآخر، وكان الشاطئ بعيدًا، فأخذ عبد الرحمن يسبح بقوة وحماس وكان يجيد السباحة، بينما بلغ أخاه التعب وهو في منتصف النهر، وخشي الغرق، ففترت عزيمته، وضارت قواه، وأراد العودة إلى الشاطئ، وهم يخدعونه وينادونه بالأمان، فراح عبد الرحمن يناديه ويحثه على السباحة، ويحذره من غدر العباسيين وخداعهم، إلا أنه كان قد بلغ من التعب والإجهاد ما جعله يغتر بأمانهم ويؤمل في عهودهم، فرجع إليهم، وما كاد يصل إليهم وتتلقاه أيديهم، حتى أحاطوا به بعد أن تمكنوا منه، وضربوا عنقه أمام أخيه، وهو ينظر إليه، ولا يملك له شيئًا.



وظلت تلك الصورة الدامية لمصرع أخيه محفورة في ذهنه، ماثلة أمام عينيه، وكأنها مطبوعة على مقلتيه، تلهب حماسه للثأر من العباسيين والانتقام لأخيه الصغير الذي ذبحوه أمام عينيه.



الوصول إلى إفريقية

وصل "عبد الرحمن الداخل" إلى إفريقية بعد عناء شديد، وما لبث أن لحق به مولاه "بدر" الرومي ومولاه "سالم"، ومعهما كثير من أمواله التي تركها هناك.



ولم تكن الأمور في "إفريقية" بأقل سوءًا مما تركها في المشرق، فقد صار "عبد الرحمن بن حبيب الفهري" –والي إفريقية- يسوم الأمويين الفارين إلى بلاده قتلاً وذبحًا، يستحل دماءهم وينهب أموالهم، بعد أن كان حليفًا لهم بالأمس القريب.



عبد الرحمن عند أخواله من البربر

ونزل "عبد الرحمن الداخل" على أخواله "بني نقرة" –من بربر طرابلس- وعندما علم "عبد الرحمن بن حبيب ذلك أخذ يتحين الفرصة لقتله، ويحتال لاستدراجه، كما فعل بغيره من أبناء عمومته.



وأدرك "عبد الرحمن الداخل" ما يدبره له؛ فخرج إلى مكناسة، ونزل على قوم من قبيلة زناته البربرية؛ فأحسنوا استقباله وناصروه، ولكن "عبد الرحمن بن حبيب" لم يكف عن طلبه وتتبعه، فهرب إلى "برقة"، وظل مستخفيًا بها مدة طويلة، استطاع خلالها الاتصال بعدد كبير من قبائل البربر، واستجار ببني رستم ملوك تيهرت، وراح يجمع حوله أشتات الأمويين الذين فروا من اضطهاد العباسيين، وأمراء البيت المرواني الذين نجوا من الذبح.



الطريق إلى الأندلس

وكان "عبد الرحمن الداخل" طوال تلك المدة يراقب الأمور من حوله بوعي وحذر، ويدرس أحوال الأندلس بعناية ليتحين الفرصة المناسبة للعبور إليها.



واستطاع "عبد الرحمن" بمساعدة مولاه "بدر" الاتصال بعدد كبير من الموالين للأسرة المروانية وأنصار الأمويين في الأندلس، وراح يوثق علاقاته بكل خصوم العباسيين في تلك البلاد؛ فالتف حوله عدد كبير من المؤيدين، واستطاع كسب المزيد من الأنصار خاصة من جماعات البربر، الذين وجدوا فيه الأمل لاستعادة نفوذهم، وعقدوا عليه الرجاء في التخلص من الأوضاع المتردية التي صاروا إليها.



وتجمع حول "عبد الرحمن الداخل" أكثر من ثلاثة آلاف فارس، كلهم يدين له بالولاء، ويوطن نفسه على أن يقتل دونه.



وتقدم "عبد الرحمن" نحو "قرطبة" حاضرة الأندلس وعاصمتها، واستعد له واليها "يوسف بن عبد الرحمن الفهري"، فيمن تمكن من حشده من قوات.



ودقت طبول الحرب

وكان "يوسف الفهري" كبير السن ضعيف البنية، فكان جل اعتماده على "الصُّمَيل" الذي قرر أن يستعين بأهل السوق للاشتراك في القتال، فخرجوا يحملون العصي والسيوف، وخرج الجزارون بسكاكينهم وأرباب الحرف بآلاتهم.



وأصبح "الصُّمَيل" هو القائد الأعلى لقوات "يوسف الفهري" وموضع ثقته، ومحل مشورته. وسعي "الصُّمَيل" إلى المكر والخداع، ورأى في صغر سن "عبد الرحمن الداخل" وقرب عهده بزوال ملك آبائه ما يغريه بالرضا بالأمان والقناعة بالنعمة ورغد العيش بدلاً من حياة الأخطار والصعاب التي يواجهها، فأشار على "يوسف الفهري" أن يغري "عبد الرحمن" بالزواج من ابنته ويجعله واحدًا من قواده ليأمن جانبه ويتقي خطره، ولكن فشلت تلك الحيلة، ولم يعد هناك من سبيل غير الحرب.



الانتصار العظيم وميلاد دولة الأمويين في الأندلس

والتقى الفريقان بالقرب من "قرطبة"، وبالرغم من صغر سن "عبد الرحمن الداخل" الذي لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، فإنه أبدى من صنوف المهارة والفروسية والقيادة ما جعله يتمكن من إحراز انتصار حاسم والتغلب على قوات "عبد الرحمن الفهري" وإلحاق هزيمة منكرة بجيشه.



ودخل "عبد الرحمن" قرطبة فصلّى بالناس، وخطب فيهم، فكان ذلك بمثابة إعلان ميلاد الدولة الأموية في الأندلس، وبويع له بالخلافة في (10 من ذي الحجة 138هـ= 18 من مايو 756م)، ليصبح أول أموي يدخل الأندلس حاكمًا، ويطلق عليه ذلك اللقب الذي عُرف به "عبد الرحمن الداخل"، ومؤسس تلك الدولة الفتية التي أصبحت حضارتها منبعًا لحضارة أوروبا الحديثة، وظلت منارًا للعلم والمدنية عبر قرون طويلة من الزمان.

IroN MaN
04-10-2008, 07:56 AM
الدولة الإخشيدية.. تاريخ وحضارة



لما تدهورت أحوال الدولة الطولونية في أيامها الأخيرة في مصر تطلعت دولة الخلافة العباسية إلى استعادتها والسيطرة عليها من جديد بعد أن غلَّ الطولونيون يد الدولة العباسية عنها زمنا طويلا، فأرسلت من قبلها جيشا من العراق يقوده محمد بن سليمان لإعادة مصر إلى حوزتها، وكان من بين قادته "طغج بن محمد"، فلما نجح الجيش في مهمته واستعاد مصر للدولة العباسية عين "طغج" واليًا على قنسرين في بلاد الشام، ثم ما لبث أن انتقل إلى بغداد حاضرة الخلافة العباسية مصطحبًا معه ابنيه محمد وعبيد الله، والتحقوا بخدمة الخليفة العباسي المكتفي بالله (289-295هـ = 901-908م)، غير أن الأيام عبست في وجه "طغج بن محمد" فغضب عليه الخليفة العباسي وألقى به في غياهب السجن ومعه ولداه، وظل محبوسا حتى توفي وخرج ابناه من السجن، فالتحق عبيد الله بخدمة أمير شيزار بفارس، في حين التحق محمد بخدمة أحمد بن بسطام عامل الخراج بالشام.


ميلاد الدولة الإخشيدية

ولما انتقل "ابن بسطام" إلى مصر لتولي خراجها، استمر محمد بن طغج في خدمته، ثم التحق بعد وفاته بخدمة ابنه "علي بن أحمد" الذي خلف أباه في منصب الخراج، وظل يعمل معه حتى عزل عن خراج البلاد سنة (300 هـ = 912م) وبقي في مصر لم يغادرها واتصل بواليها "تكين"، وعمل معه في صفوف جيشه، وبدأ في الظهور والتألق، فاشترك معه في صد هجمات الفاطميين، في المغرب التي كانت تتطلع إلى مصر لضمها إليها وانتزاعها من الدولة العباسية، ورشحته كفاءته لتولي المناصب القيادية، فتولى إدارة مدينة الإسكندرية سنة (307هـ = 919م)، وأظهر مهارة وقدرة في إدارتها والدفاع عنها جعلت الخليفة العباسي المقتدر بالله يعهد إليه بإدارة الرملة بفلسطين سنة (316 هـ = 928م)، ثم بولاية دمشق سنة (319هـ = 931م)، ثم أضاف إليه الخليفة العباسي "القاهر بالله" ولاية مصر سنة (321هـ = 933م) لكنه لم يذهب إليها بسبب الفتن التي كانت تعصف بها.



ولاية مصر

لم يجد الخليفة العباسي الراضي بالله خيرًا من محمد بن طغج ليوليه مصر، ويعيد إليها الأمن والسلام، وقمع فيها الفتن والثورات، فعهد إليه بها سنة (323هـ = 935م) واستعد ابن طغج لما أسند إليه، وتجهز للأمر وأعد عدته، والأمر ليس هينًا بعد أن وقف في وجهه أحمد بن كيفلج والي مصر السابق، ومحمد بنعلي الماذرائي عامل الخراج، وحالا بينه وبين تولي مقاليد الأمور، فلجأ ابن طغج إلى سلاح القوة والبطش فتسلح بهما، واتجه إلى مصر على رأس حملة عسكرية برية، ترافقه حملة بحرية نجحت في الاستيلاء على ثغور مصر في دمياط، وسارت في النيل حتى بلغت "سمنود"، وهناك التقت بسفن ابن كيلخ والماذرائي وألحقت بهما هزيمة ساحقة في (شعبان 323هـ = يوليو 935م)، وواصلت سيرها حتى بلغت جزيرة الروضة بالقاهرة، وفي أثناء ذلك كانت قوات ابن طغج البرية قد نجحت في فتح مدينة الفسطاط في (رمضان 323هـ= أغسطس 935م).



وما كادت أقدامه تستقر في عاصمة البلاد حتى بدأ في تثبيت نفوذه، والضرب بشدة على الخارجين على النظام، والقضاء على القلاقل التي يثيرها أنصار الحاكم السابق، والعمل على صد هجمات الفاطميين الذين لم ييئسوا في ملاحقته بحملاتهم العسكرية المتكررة، وقد أدت جهوده إلى استقرار الأوضاع في مصر، وتلقيب الخليفة له بلقب الإخشيد، وهو لقب كان يطلق على ملوك فرغانة، وهي إحدى بلاد ما وراء النهر التي تتاخم بلاد التركستان، ويعني هذا اللقب باللغة التركية "ملك الملوك".



عقبات في طريق الإخشيد

غير أن هذا الاستقرار الذي حققه الإخشيد في مصر والشام كدَّر صفوة تطلع ابن رائق الملقب بأمير الأمراء إلى الشام وكان يتقلد إمارة الجيش ببغداد، وخرج جميع البلاد الإسلامية التابعة لدولة الخلافة العباسية، فأخذ يهدد الإخشيد ويطالبه بمال كأنه جزية على الممتلكات الإخشيدية في الشام، فلم يرق ذلك للإخشيد، واشتعل القتال بينهما حتى تم الصلح بينهما على أن يحكم ابن رائق الولايات الشامية شمال الرملة، وأن يدفع الإخشيد إليه جزية سنوية قدرها 140 ألف دينار، على أن الإخشيد لم يلبث أن استعاد الشام بعد مقتل ابن رائق سنة (330هـ – 941م)، فدخل دمشق وفرض حكمه بحد السيف، وأصبحت الشام كلها تحت سيطرته، وأضاف إليه الخليفة العباسية "المتقي بالله" مكة والمدينة.



الخليفة العباسي يستنجد بالإخشيد

نجح الإخشيد في أن يوطد علاقته بالخليفة التقي بالله ويوثق عرى المودة بينهما، إلى الحد الذي جعل الخليفة يستنجد به بعد أن ساءت العلاقة بينه وبين "تغرون" أمير الأمراء، فكتب إليه أنه سائر للقائه في "الرقة" بالعراق سنة (333 هـ = 944م)، وفي هذا اللقاء بالغ الإخشيد في إظهار آيات الولاء للخليفة العباسي، وعرض عليه أن يسير معه إلى مصر ويكون هو ورجاله في خدمته، لكن الخليفة العباسي رفض دعوة الإخشيد، ومع ذلك فقد حصل على تقليد جديد من الخليفة بولاية مصر، وحق توريث إمارتها لأبنائه من بعده لمدة ثلاثين سنة قائلا له: "وليتك أعمالك ثلاثين سنة فاستخلف لك أونوجور"، وهو أحد أبناء محمد بن طغج.



الإخشيد والحمدانيون

ولما عاد الإخشيد إلى مصر بعد لقاء الخليفة العباسي رأى سيف الدولة الحمداني الفرصة سانحة للاستيلاء عليها وانتزاعها من أيدي الإخشيديين، بعد أن نجح في تكوين دولة قوية، فسار إلى حلب وقنسرين وحمص وأنطاكية والثغور الشامية، فاستولى عليها، فلما وصلت هذه الأنباء الإخشيد خرج على رأس جيش كبير للقاء سيف الدولة الحمداني، ووقعت بينهما معركة عند قنسرين بالقرب من حلب، وكان النصر فيها للإخشيد، لكنه لم يكن نصرًا حاسمًا، وهو ما دعا الإخشيد إلى الجنوح إلى السلم والميل إلى الصلح، فعقدت بينهما معاهدة في (ربيع الأول 334هـ = 945م)، واتفقا على أن يكون لسيف الدولة من حمص وأعمالها إلى الشام، وأن يكون للإخشيد من دمشق وأعمالها جنوبا، وزيادة في توثيق الصلح بين الطرفين، تزوج سيف الدولة من فاطمة بنت عبيد الله بن طغج، وسار إلى حلب واستقر بها، وسار الإخشيد إلى دمشق واستقر بها إلى أن مات فيها في (24 من ذي القعدة 335هـ = 16 من يونيو 946م)، وهو في السادسة والستين من عمره، بعد أن حكم مصر والشام إحدى عشرة سنة، ونقل جثمانه إلى بيت المقدس حيث دفن هناك، وتولى بعده ابنه أبو القاسم أونجور، ولما كان صغيرا لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره لا يستطيع النهوض بأعباء الحكم، فقد تولى كافور الإخشيد تدبير أمره وإدارة شئون الدولة.



العطاء الحضاري

ونظرًا لطموح الإخشيد في بناء دولة قوية ثابتة الأركان فقد عنى بالجيش وما يتصل به عناية فائقة، حتى بلغ عدده في بعض الروايات التاريخية أربعمائة ألف جندي من مختلف الأجناس في مصر والشام، وأنشأ دارا لصناعة السفن بساحل الفسطاط، وأطلق عليها دار الصناعة الكبرى، وجعل من دار الصناعة التي في جزيرة الروضة بستانا فائق الروعة والجمال بالغ الحسن والبهاء، أطلق عليه المختار، وكان يفاخر به أهل العراق، وأنشأ بستانًا آخر في شمال الفسطاط عرف باسم البستان الكافوري، ومكانه اليوم سوق النحاسين بالقاهرة.



وكان بلاط الإخشيد مجمعا للعلماء وملتقى لأهل اللغة والأدب، يصلهم بعطاياه، ويمنحهم جوائزه، وكانت البلاد غنية بهم، واشتهر منهم في الفقه والحديث أبو إسحاق المروزي، وأبو سعيد عبد الرحمن بن يونس، وفي التاريخ ابن دحية، والكندي وابن البطريق، ومن النحاة أحمد بن محمد بن ولاد، ومن الشعراء أبو الفتح محمد الحسين المعروف بكشاجم.



ونهض الإخشيد بالحياة الاقتصادية للدولة، فزادت غلة الأرض وازدهرت الصنعة ونشطت التجارة، وقد أعجب المؤرخ المعروف أبو الحسن علي المسعودي بالنهضة التي أحدثها الإخشيد، وسجل ذلك في كتبه ومؤلفاته حين زار مصر.



وعنى الإخشيد بزيادة العمران وتشييد القصور وإقامة البساتين وإنشاء المساجد، والبيمارستانات لاستقبال المرضى ومعالجتهم.



وفي عهد الإخشيد ظهر منصب الوزير رسميًا لأول مرة في مصر، وكان أبو الفتوح الفضل بن جعفر الفرات هو أول من تولى هذا المنصب حتى وفاته سنة(327هـ =939م) ثم خلفه ابنه جعفر بن الفضل.



ويذكر للإخشيد أنه كان يجلس للنظر في المظالم يوم الأربعاء من كل أسبوع، وكان ذا دين يحب الصالحين ويتقرب إليهم ويحضر مجالسهم، وقد دفعته هذه النزعة الطيبة إلى هدم أماكن الفساد واللهو وإغلاقها.



وتصفه الحوليات التاريخية بأنه كان مَلِكًا حازما متيقظا لأمور دولته، حسن الرأي والتدبير شديد البطش، ذا قوة مفرطة قوي الساعدين حتى لا يستطيع غيره أن يجر قوسه، وفي الوقت نفسه وصفته بحبه الشديد للمال وميله إلى مصادرة أموال كبار رجاله لأدنى شبهة، أو لسد نفقات الدولة والإنفاق على جيشه، وقد جمع من المُصادرة أموالاً كثيرة بالغ المؤرخون في تقديرها بعد وفاته.

IroN MaN
04-10-2008, 07:59 AM
كشمير.. مأساة تغذيها الأطماع


تظل قضية كشمير العقبة الكئود في العلاقات الباكستانية ـ الهندية، والعامل الرئيسي في تفجير الصراع بين الدولتين الجارتين النوويتين، فهي قضية معقدة خلَّفها الاستعمار، وغذتها الأطماع الإقليمية، وكلما ازداد مرور الزمن عليها ازدادت تعقيدًا حتى ليخيل للدارس للعلاقات والتفاعلات السياسية في منطقة شبه القارة الهندية أن قضية كشمير تشبه إلى حد كبير مأساة فلسطين.


ولقضية كشمير على الساحة السياسية العالمية أهمية خاصة، حيث كانت سببا رئيسيا في توتر العلاقات بين الهند وباكستان، ووقعت بينهما اشتباكات حدودية، وما زالت الأزمة مشتعلة، والمخاوف والهواجس من حدوث مواجهة نووية ما زالت موجودة، أما حل القضية الكشميرية، وإنهاء تلك المأساة فما زال غائبًا، وهذا يدعونا إلى التعرف على جذور المشكلة.



جامو وكشمير

تتميز جامو وكشمير بجمال الطبيعية وسحرها، فهي مناطق جبلية غزيرة الأمطار تبلغ مساحتها حوالي (84471) ميلا مربعًا وتحدها الصين من الشرق والشمال الشرقي ، وباكستان من الغرب والجنوب الغربي، والهند من الجنوب، بالإضافة إلى اشتراكها في بعض الحدود مع روسيا في أفغانستان، وتوجد بها جبال قرقوم التي ترتفع أكثر من ثمانية آلاف متر، وجبال هيمالايا التي ترتفع أكثر من خمسة آلاف متر، وتمتد في الشمال الغربي منها جبال هندكوش، ونظرًا لجمال الطبيعة بها أُطلق عليها جنة الأرض، بل إن الإمبراطور المغولي "أكبر" قال عنها: "إنها جنة الأحلام.. ستكون حديقتي الخاصة"؛ لذلك بقيت كشمير هدفًا للغزاة من التتار والمقدونيين والمغول والهنود.



الإسلام

عرفت كشمير الإسلام في وقت متأخر عن غيرها من المناطق في شبة القارة الهندية، فبدأ دخول الإسلام إليها في القرن الخامس الهجري، عن طريق العلماء والدعاة من البلدان المجاورة، حيث حالت وعورة الطريق دون فتح السلطان محمود الغزنوي لها رغم أنه تغلب على كثير من أراضي الهند خلال فتوحاته.



وكانت البداية الحقيقية للوجود الإسلامي في كشمير في القرن الرابع عشر الميلادي عن طريق الداعية الشيخ "عبد الرحمن شرف الدين المعروف" بـ "بلبل شاه" الذي أمكنه إقناع إمبراطور كشمير "جياليورين تشان" البوذي من اعتناق الإسلام، فكان أول حاكم لكشمير ينضم إلى الإسلام مع جميع أسرته وأقربائه، وترتب على ذلك أن دخل في الإسلام أعداد كبيرة من الشعب، وتسمّى هذا الإمبراطور بصدر الدين، وصار المسلمون أغلبية في تلك المناطق، وأصبحت كشمير جزءًا من الإمبراطورية الإسلامية في الهند على مدى قرنين من الزمان، ثم حكمها الولاة الذين كانوا يعينون من قبل حكومة أفغانستان.



بريطانيا وأمريتسار

استمر حكم المسلمين لكشمير حتى عام (1255 هـ= 1839م) عندما استطاعت شركة الهند الشرقية الاستعمارية البريطانية من الدخول إلى تلك المنطقة والاستيلاء عليها، وعقدت صفقة غريبة في التاريخ مع أسرة "الدواغرا" الهندوسية عرفت باسم اتفاقية "أمريتسار"، باعت فيها بريطانيا تلك الولاية إلى تلك الأسرة لمدة مائة عامة مقابل (7.5) ملايين روبية، أي ما يعادل مليون ونصف المليون دولار، وكان مدة هذه الاتفاقية تنتهي عام (1366هـ= 1946م)؛ لذلك كان المفكر الكبير العلامة "أبو الأعلى المودودي" يقول: "إن رجال السياسة البريطانيين هم الذين أوجدوا قضية كشمير".



وتولى حكم الولاية المهراجا الهندوكي "غولاب سينغ"، وكانت تلك المرة الأولى التي تدخل فيها أغلبية مسلمة تحت حكم أقلية غير مسلمة منذ دخول الإسلام إلى الهند، وظل المسلمون طوال قرن من الزمان يتعرضون لصنوف شتى من الاضطهاد والظلم، فلم يسمح لهم بتولي الوظائف المدنية أو العسكرية، وفُرضت عليهم الضرائب الباهظة وفرضت عليهم قيود شديدة في أداء العبادات.



ويذكر التاريخ أن ذبح الأبقار كانت عقوبته الإعدام، واستمر هذا القانون مفروضًا حتى خفف سنة (1353هـ= 1934م) إلى السجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة وحرم على المسلمين حمل السلاح، كما أن الهندوكي إذا أسلم صودرت أملاكه على عكس المسلم إذا ارتد فإنه يجد فرصة ذهبية لحياة رغدة، ويذكر التاريخ أنه خلال القرن الذي حكمت فيه أسرة الدواغرا كشمير تولت الحكم فيها (28) حكومة لم يكن فيها مسلم واحد.



عودة الوعي

وهكذا عاش 80% من الشعب المسلم مضطهدًا من قلة حاكمة لا تزيد على 20%، وكان لهذا الأمر أثر بالغ في إحساس المسلمين بالمرارة والظلم؛ فأدى ذلك إلى ظهور انتفاضات للمسلمين في تلك المناطق، والمعروف أن المسلمين والهندوس في القارة الهندية تحالفوا معًا في معركة الاستقلال عن بريطانيا رغم التنافر والتناقض الديني، وبرزت الدعوات بتشكيل دولة للمسلمين في المناطق ذات الأغلبية المسلمة، وتأسست عام (1324هـ= 1906م) الجامعة الإسلامية التي أخذت تطالب باستقلال الهند بالتعاون مع حزب المؤتمر الهندي الذي كان يتزعمه غاندي، ومع التعصب الهندوسي بدأ حزب الجامعة الإسلامية يتبنى فكرة قيام دولة مستقلة منفصلة للمسلمين.



وفي كشمير اشتد اضطهاد الهنادكة للمسلمين، الذين اجتمعوا وأسسوا حزبًا عُرف باسم "المؤتمر الوطني الإسلامي" تحت زعامة محمد عبد الله، وضم الحزب بين صفوفه بعض الهندوس، وحضر جلسته الأولى سنة (1351هـ= 1932م) أربعون ألف شخص، غير أن هذا الحزب اعتبر فرعًا لحزب المؤتمر الهندي، وتم تشكيل حزب آخر عُرف باسم حزب "المؤتمر الإسلامي الكشميري" بزعامة "شودري غلام عباس"، الذي دعا من أول يوم عقد فيه اجتماع للحزب إلى إنقاذ كشمير من براثن المهراجا الهندوسي "هري سنغ"، وانضمامها إلى دولة باكستان (الأرض الطاهرة) عندما تنشأ.



ولما رأى الهندوس النجاح الذي حققه حزب المؤتمر الإسلامي والتجاوب الواسع له بين سكان الولاية، عملوا على تأسيس فروع لحزب المؤتمر الهندي في كشمير، وذلك بالتفاهم مع المهراجا "هري سينغ"، وذلك عام (1358هـ= 1939م)، وكان هدف هذا الحزب ضم الولاية إلى الهند.

IroN MaN
04-10-2008, 08:01 AM
كما عمل الهندوس على الوقيعة بين الحزبين الرئيسين للمسلمين، وهما: حزب المؤتمر الإسلامي، وحزب المؤتمر الوطني، وهو ما دفع الزعيم الكبير لمسلمي الهند ومؤسس دولة باكستان "محمد علي جناح" أن يقوم بزيارة لكشمير سنة (1363هـ= 1943م) لرأب الصدع بين هذين الحزبين والعمل على ضمهما معًا في حزب واحد كبير يشمل مسلمي كشمير، إلا أنه لم يتمكن من ذلك لرفض محمد عبد الله هذا الأمر، وكانت الحكومة الكشميرية تضطهد رجال حزب المؤتمر الإسلامي؛ فاعتقلت كثيرًا منهم، ورفضت نتائج الانتخابات التي أجريت عام (1347هـ= 1928م) في الولاية التي حصل فيها الحزب على أغلبية المقاعد، بل رفضت أوراق ترشيح أعضاء ذلك الحزب.


وفي عام (1365هـ= 1944م) قام المسلمون بثورة، وقاطع الحزبان الكبيران في الولاية المهراجا، فقبض على محمد عبد الله، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، فأرسل له الزعيم الهندي نهرو محاميًا ليدافع عنه.



التقسيم والمذابح

وبعد مرور قرن على اتفاقية "أمريتسار" التي باعت فيها بريطانيا ولاية كشمير، أصدر البرلمان البريطاني قانون استقلال الهند، والمعروف أن الهند كانت تتقسم إبان الاحتلال البريطاني لها إلى قسمين أساسيين هما الإمارات والأقاليم، وكانت الأقاليم تخضع للحكم المباشر من البريطانيين، وعندما صدر إعلان تقسيم الهند إلى دولتين إحداهما مسلمة والأخرى غير مسلمة في (27 من رمضان 1366هـ=14 من أغسطس 1947م) أصبح محمد علي جناح أول رئيس للدولة الإسلامية الجديدة التي حملت اسم باكستان.



وأعطى قرار التقسيم الإمارات الحرية في أن تظل مستقلة أو تختار الانضمام إلى الهند أو باكستان، مع مراعاة الوضع الجغرافي والعوامل الاقتصادية والإستراتيجية، ثم رغبات الشعب، غير أن تطبيق هذا الأمر في الواقع كانت له بعض الاستثناءات الخطيرة، فمثلا ولايتا حيدر آباد وجوناكاد الواقعتان بالقرب من باكستان، كانتا ذات أغلبية هندوسية وإن كان حاكماهما من المسلمين، إلا أن أخطر هذه الاستثناءات كان إقليم كشمير الذي كان يسكنه في ذلك الوقت أربعة ملايين نسمة غالبيتهم من المسلمين وحاكمهم هندوسي.



واتفق البريطانيون مع حزب المؤتمر الهندي على أن تضم كشمير للهند، وكان الهدف من وراء ذلك أن تصبح كشمير بؤرة الصراع المزمن بين الهند وباكستان، وبالتالي لن تصبح هناك دولة قوية كبرى في شبه القارة الهندية تشكل تحديًا للمصالح التجارية والإستراتيجية للإنجليز في المنطقة.



وشهدت كشمير قبل صدور قرار التقسيم حركة مقاومة عنيفة نظمها المسلمون ضد الممارسات الطائفية للحاكم الهندوسي، وقرر المؤتمر الإسلامي قبل صدور قرار التقسيم بأقل من شهر ضرورة الانضمام لباكستان، وقرر الشبان المسلمون أن يقوموا بحركة جهاد لتحرير الولاية وضمها إلى باكستان.



وأمام هذا الوضع وقع المهراجا اتفاقًا مع باكستان بأن يبقى الوضع على ما هو عليه مع التعاون بين الولاية وباكستان؛ وذلك لأن كشمير كانت تتبع قبل التقسيم السلطات المحلية الموجودة في مدينة لاهور التي انضمت إلى باكستان، وبذلك أصبحت باكستان مسؤولة عن الدفاع عن كشمير وعن شؤونها الخارجية باعتبارها جزءًا منها، وفي نفس الوقت ألَّف المهراجا عصابات وسمح لعصابات إرهابية هندوكية تسمى "آر. سي. سي" و"الجان سينغ" و"الهندو مهاسابها" بممارسة عمليات إرهابية بشعة ضد المسلمين قتل خلالها عشرات الآلاف من المسلمين.



فقامت مظاهرات عنيفة من جانب المسلمين بقيادة "جودري حميد الله خان" في (19 شوال 1366هـ= 5 سبتمبر 1947م) ردًا على هذه الاعتداءات؛ فتصدت لها الشرطة بالرصاص؛ فسقط كثير من القتلى، وهم يطالبون بالانضمام إلى باكستان.



مؤتمر الفلاحين

وفي (1 من ذي القعدة 1366هـ= 16 من سبتمبر 1947م) عُقد مؤتمر الفلاحين الكشميريين، وطالب بانضمام الولاية إلى باكستان، لكن المهراجا رفض هذا الطلب، وقام بتوزيع الأسلحة على الهنادكة؛ فسارع رجال القبائل من باكستان لنجدة إخوانهم الكشميريين، ولما رأى محمد عبد الله الذي أفرج عنه المهراجا تأزم الأوضاع خشي من انفلات الأمور فأعلن وقوفه بجانب المهراجا، وتسلم رئاسة الحكومة وقتل يومها من المسلمين حوالي (62) ألفًا، وفي هذه الأثناء فر المهراجا سنغ إلى الهند، واستقر في دلهي العاصمة تاركًا كشمير تغرق في بحار الدماء.



واستطاع المسلمون الكشميريون تحرير جزء من الولاية، وقام المجاهد محمد إبراهيم (19 من ذي القعدة 1366هـ= 4 أكتوبر 1947م) بتشكيل حكومة كشمير الحرة "آزاد كشمير"، وتأليف الجيش الكشميري الذي استطاع أن يسيطر على كثير من المناطق ويقيم حكومة، وعندما وجد المهراجا أن الأمور خرجت عن سيطرته وقدرته أراد أن يضرب ضربته الأخيرة ضد المسلمين الكشميريين، فعقد مع الهند أثناء وجوده في دلهي اتفاقية في (12 من ذي الحجة= 27 من أكتوبر] تتضمن انضمام الولاية إلى الهند ورغم أن هذه الاتفاقية المجحفة لا يوافق عليها أغلبية الشعب، وتتناقض مع اتفاقيته السابقة مع باكستان، بالإضافة إلى عدم تمتعه بالشرعية لانتهاء المائة عام من الحماية التي نصت عليها اتفاقية أمريتسار لأسرته، فإنه أعلن انضمامه للهند لتبدأ فصول مأساة جديدة.



مأساة جديدة

وعندما حققت قوات الثوار المسلمين انتصارات في كشمير، واقتربت من مدينة سرينجار عاصمة الإقليم، أرسلت الهند قواتها المحملة جوًا لوقف تقدم الكشميريين، وكان برفقة هذه القوات المهراجا، ووقعت اشتباكات بين الجانبين، وأكد الزعيم الهندي نهرو في برقية بعث بها إلى حكومة باكستان أن الهند تتعهد بسحب قواتها العسكرية من كشمير بعد عودة السلام إليها، وتعهد أن يترك لمواطنيها الحرية في حق تقرير المصير.



وأعنت الحكومة المؤيدة للمهراجا في كشمير أن من يرغب في الهجرة إلى باكستان فسوف تسهل له الحكومة الهجرة وتقدم له المساعدة، وأن على راغبي الهجرة أن يجتمعوا في مكان واحد، فظن الكشميريون أن الحكومة جادة في إعلانها، فاحتشد المسلمون فأُطلقت عليهم النيران بكثافة وسقط آلاف القتلى، وهتكت أعراض آلاف الشابات الكشميريات، ومن ضمنهن ابنة شودري غلام عباس مؤسس حركة تحرير كشمير، وصدرت الأوامر إلى الجيش الباكستاني للمشاركة في المعارك ضد الجيش الهندي.



وعندما تطور الأمر إلى احتمال حدوث صراع مسلح بين الدولتين رفعت الهند القضية إلى الأمم المتحدة التي تدخلت واتخذت قرارًا بوقف إطلاق النار في (1369 هـ = 1949م]، وأن يتم إجراء استفتاء حر في الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة، وانتشرت قوات حفظ السلام على جانبي خط وقف إطلاق النار، ولم تنفذ بقية البنود، واستمرت هذه القوات حتى عام (1392هـ = 1972م) عندما طالبت الهند بانسحابها فانسحبت من الجانب الهندي.



وأصبح الجزء الشمالي من كشمير يخضع لسيطرة باكستان، ويعرف باسم "آزاد كشمير"، أما باقي كشمير فتحت السيطرة الهندية، ويشمل ثلثي الإقليم، وأكثر من 60% من السكان غالبيتهم من المسلمين، ومنذ ذلك الوقت لم تهدأ حركات المقاومة والجهاد الكشميري ضد الاحتلال الهندي، وأصبحت تلك القضية موضوعًا لقرارات عديدة من الأمم المتحدة، جرى تجاهلها جميعًا، خاصة قرار سنة (1369هـ 1949م) الذي تتمسك به باكستان، وينص على إجراء استفتاء حر في الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة.



أما الهند فقد رفضت كافة المقترحات التي تقدم بها وسطاء الأمم المتحدة، وتبنت موقفًا مؤداه أن كشمير انضمت إلى الهند برغبتها، وأن الحل الوحيد المقبول لحل القضية هو انسحاب القوات الباكستانية منها، وعندما رفع الأمر إلى مجلس الأمن عام (1377هـ=1957م) وجدت الهند نفسها في عزلة دولية حتى من حلفائها؛ فأصرت على رفض أي دور للأمم المتحدة في تسوية المشكلة؛ لأنها تمثل مشكلة داخلية ليس للمنظمة الدولية اختصاص بها، ثم أعلنت في عام (1383هـ = 1963م) أن جامو وكشمير ولاية هندية مع وضعية تتساوى فيها مع غيرها من الولايات الهندية، وأن هذا الضم نهائي.



وبدأت الهند في مخطط مدروس لتغيير الطبيعة السكانية في الإقليم، فدفعت بموجات كبيرة من الهندوس خاصة ممن خدموا في الجيش الهندي إلى الاستقرار في الإقليم ومنحتهم الوظائف المختلفة، وأغلقت مئات المدارس الإسلامية، وصادرت كثيرًا من الممتلكات، وأغلقت (200) معهد إسلامي، وغيّرت المناهج نحو التعليم الهندوسي، وبدأت في عمليات قمع رهيبة ضد المسلمين، وكان نتيجة هذه الإجراءات الهندية العنيفة نشوب صدامات مسلحة بين باكستان والهند بسبب القضية الكشميرية، أبرزها الحرب الثانية بين البلدين عام (1385هـ=1965م)، وقامت حركات الجهاد الكشميرية التي تدعمها باكستان.



وما زالت القضية الكشميرية تتمتع بتأثير كبير في السياسة الداخلية في الهند وباكستان، وتشكل قيدًا قويًّا على صانع القرار في الدولتين، وما زالت عاملاً مفجرًا للصراع بين الدولتين.

IroN MaN
07-10-2008, 07:14 AM
إشبيلية من الإسلام إلى المسيحية


سقطت قرطبة حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس في أيدي ملك قشتالة "فرناندو الثالث" في (23 من شوال 633هـ = 29 من يونيه 1236م)، بعد أن لبثت قرونًا طويلة منارة ساطعة، وحاضرة سامقة، ومثوى للعلوم والآداب. وكان سقوطها نذيرًا بخضوع معظم البلاد والحصون القريبة لسلطان النصارى القشتاليين.


وتابع فرناندو الثالث غزواته في منطقة الأندلس الوسطى، وتوالى سقوط قواعد الأندلس الكبرى التي شملت فيما شملت بلنسية وشاطبة ودانية وبياسة وجيان وغيرها، وتم ذلك في فترة قصيرة لا تتجاوز عقدًا من الزمان، وبدا كيان الأندلس الضخم كمَن نخر السوس في عظامه فانهار من داخله قبل أن يهاجمه أحد.



ولم يبقَ من قواعد الأندلس الشرقية والوسطى سوى إشبيلية المدينة العظمية، وما حولها من المدن والقواعد القريبة منها، ولم تكن إشبيلية بعيدة عن أطماع ملك قشتالة، الذي كان ينتظر الفرصة للانقضاض عليها، ويُمنِّي نفسه بالفوز بها.



أوضاع إشبيلية الداخلية

كانت إشبيلية في ذلك الوقت أعظم حواضر الأندلس، وأمنعها حصونًا، وأكثرها سكانًا، ومركزًا لحكومة الدولة الموحدية في الأندلس.


وتوالت عليها حكومات متعددة؛ فتارة تحت طاعة الموحدين، وتارة أخرى تخلع طاعتهم، إلى أن ألقت بمقاليدها عن رضى واختيار إلى الدولة الحفصية، وكانت دولة قوية فتية قامت في تونس، وامتدت إلى المغرب الأوسط، وقلصت نفوذ دولة الموحدين، وبدأت تحل محلهم، وامتاز مؤسسها"أبو زكريا الحفصي" بالقدرة والكفاءة والمروءة والشهامة.


غير أن هذه التبعية الجديدة لم يُكتب لها النجاح؛ فقد قامت ثورة ضد الوالي الجديد ورجاله، وأخرجتهم من إشبيلية، وقتلت الفقيه أبا عمرو بن الجد، زعيم إشبيلية القوي، وصاحب الأمر والنهي فيها.



العلاقة بين إشبيلية وقشتالة

كانت إشبيلية ترتبط بمعاهدة أبرمها أبو عمرو بن الجد مع فرناندو الثالث ملك قشتالة، وكانت معاهدة مخزية تشبه في خذلانها المعاهدة التي عقدها الملك القشتالي مع ابن الأحمر أمير مملكة غرنانطة، وتتلخص بنودها في أن يعترف ابن الجد بطاعة ملك قشتالة، وأن يؤدي له الجزية، وأن يشهد اجتماعات "الكورتيس" باعتباره واحدًا من أتباع الملك القشتالي، وأن يقدم له العون متى طلب إليه ذلك.



ولم تكن هذه المعاهدة مثل المعاهدات تضمن حقًا، أو تدفع ضررًا، أو تجلب أمنًا، أو تحقق سلمًا، لكنها كانت فرصة للملك القشتالي يرتب أوضاعه، ويعد عدته، ويجهز جنده؛ منتظرًا الفرصة المواتية فينتهزها، لا يردعه رادع من خُلق أو وازع من ضمير، أو احترام لعقد، ولكنه ابن المصلحة يدور معها حيثما تدور، وهذا ما كان من أمر الملك القشتالي مع إشبيلية.



ولما تولَّى الزعماء الجدد أمر إشبيلية بعد الثورة التي أطاحت بابن الجد أعلنوا بطلان المعاهدة التي عقدها مع النصارى، فغضب الملك فرناندو الثالث لمقتل ابن الجد، وخروج إشبيلية عن طاعته، واتخذ من ذلك ذريعة للتدخل والانتقام، وقد واتته الفرصة للوثوب على إشبيلية للاستيلاء عليها بعد أن أصبحت معزولة، وقطع عنها كل الطرق التي يمكن أن تنجدها وتهب لمساعدتها؛ سواء من جيرانها، أو من دول المغرب الإسلامي.



الاحتشاد لغزو إشبيلية

وكان غزو إشبيلية يحتاج إلى إعداد خاص وتجهيزات كثيرة؛ فلم تكن مدينة صغيرة يسهل فتحها، بل كانت من أكثر مدن الأندلس منعة وحصانة، كثيرة الخصب والنماء، متصلة بالبحر عن طريق نهر الوادي الكبير؛ وهو ما يمكِّنها من تلقِّي الإمدادات والمؤن من المغرب.



اتخذ فرناندو الثالث للأمر أهبته، وعزم على حصار إشبيلية حصارًا شديدًا، برًّا وبحرًّا، وسار في قواته الجرارة صوب إشبيلية سنة (644هـ = 1246م)، وعبر نهر الوادي الكبير تجاه مدينة "قرمونة"؛ ناسفًا ما يقابله من زروع، ومخربًا ما يقع تحت يديه من ضِياع، وعلى مقربة من قرمونة وافاه ابن الأحمر أمير غرناطة في خمسمائة فارس، وسارا معًا جنوبًا نحو قلعة جابر حصن إشبيلية من الجنوب الشرقي، وقام ابن الأحمر بمهمة مخزية، تتنافى مع المروءة والشرف والنجدة والعون، وتتعارض مع ثوابت الشرع من معاضدة الكفار وممالأتهم ومشاركتهم في حرب إخوانه المسلمين؛ فقام بإقناع حامية القلعة المسلمة بضرورة التسليم حقنًا للدماء، وصونًا للأموال والأرزاق، ثم بعث فرناندو الثالث ببعض قواته لتخريب بعض المناطق بإشبيلية، ثم كرَّ راجعًا إلى قرطبة ومنها إلى "جيان"، حيث قضى هناك فترة الشتاء.



عاود فرناندو الثالث حملته مرة أخرى سنة (645هـ = 1247م)، وحاصر قلعة "قرمونة" أمنع حصون إشبيلية الأمامية من ناحية الشمال الشرقي. ولما رأى أهل قرمونة ضخامة الحشود، وأيقنوا بعدم جدوى الدفاع عرضوا تسليم المدينة بعد ستة أشهر إذا لم تصلها خلالها أي نجدة، فقبل ملك قشتالة، وسار في طريقه صوب إشبيلية بحذاء الوادي الكبير، واستولى في طريقه على "لورة" بالأمان، واعترف أهلها بطاعته، ثم اتجه إلى "قنطلانة" الواقعة شمالي إشبيلية على الوادي الكبير، فاقتحمها عَنوة، وأسر منها سبعمائة مسلم، ثم استسلمت له مدينة "غليانة"، وتبعتها "جرينة" القريبة منها، ثم قصد بلدة القلعة التي تطل على نهر الوادي الكبير، فثبتت المدينة، واستبسل أهلها في الدفاع عنها، وأبلوا بلاءً حسنًا في رد النصارى القشتاليين، لكن ذلك لم يُغنِ عنهم شيئًا أمام قوات جرارة تشتد في الحصار، وتخرب الزروع المحيطة بالمدينة، فاتفق أمير المدينة على الانسحاب في جنده –وكانوا ثلاثمائة فارس- إلى إشبيلية، وتسليم المدينة بالأمان. وبسقوط تلك المدينة الحصينة أصبحت سائر الحصون الأمامية لإشبيلية من جهة الشمال والشرق والغرب في أيدي القشتاليين.

IroN MaN
07-10-2008, 07:19 AM
حصارالأخ

غادر "فرناندو الثالث" مدينة القلعة في قواته الجرارة جنوبًا إلى إشبيلية في (12 من ربيع الآخر 645 هـ = 15 من أغسطس 1247م)، وبدأ في محاصرتها وتطويقها من كل جانب، واحتل الأسطول النصراني مياه مصب الوادي الكبير؛ ليمنع ورود الإمداد والمؤن إلى إشبيلية من طريق البحر، وكان من الأحداث المؤلمة التي تنفطر لها النفس وجود ابن الأحمر بقواته إلى جانب القوات النصرانية المحاصرة، يشترك مع أعداء أمته ودينه في تطويق الحاضرة الإسلامية العريقة، ولذلك لم يكن عجيبًا أن تتساقط مدن الأندلس وقواعدها في أيدي النصارى؛ إذ كان من بين قادة الأندلس وأمرائها مَنْ يطوي نفسًا تخلت عنها أخلاق النجدة والمروءة، وحملت صفات الذل والهوان والضعف والمسكنة، ولم تجد غضاضة في أن تضع يدها في أيدي أعداء أمتها لتصفية إخوانهم المسلمين، وتشريد أهلهم، وإخماد دعوة الإسلام بها.


ومضى على الحصار شهور طويلة، وإشبيلية تزداد إصرارًا على المقاومة والثبات ودفع النصارى وردهم، يخرج من المدينة بعض قواتهم للإيقاع بالنصارى، ثم تعود هذه القوات بعد أن تكون كبَّدتهم بعض الخسائر، وكانت تنشب بين حين وآخر معارك بحرية بين سفن القشتاليين والسفن الإسلامية في نهر الوادي الكبير، وفي الوقت الذي انسالت فيه الإمدادات العسكرية من أنحاء إسبانيا النصرانية كانت المُؤَن والعتاد في إشبيلية يتعرضان للنقص والفناء. وفي الوقت الذي عزز فيه النصارى حصارهم بحشود عسكرية، حُرمت إشبيلية من وصول المجاهدين إليها لنجدتها وعونها، ومن المؤن والأقوات لمواصلة الدفاع.



ولم يبق لإشبيلية طريق للاتصال بالعالم الخارجي سوى قلعة طريانة، بعد أن استحكم الحصار واشتدت وطأته، وشعر أهالي إشبيلية بالضيق، وبدأ شبح الجوع يقترب منهم شيئًا فشيئًا، وبدأت صرخات شعراء إشبيلية تتعالى؛ طلبًا للنجدة والغوث، لكنها لم تجد الاستجابة الكافية من حكام المغرب القريبين.



وكان الاستيلاء على قلعة طريانة هو الذي يشغل تفكير النصارى؛ حتى يقطعوا كل منفذ عن إشبيلية، وتنقطع صلتها بمن حولها؛ فتضطر إلى التسليم، وكان المسلمون على بينة مما يدور في ذهن النصارى، فحشدوا الرجال والسلاح والمؤن في القلعة، ورتبوا مجموعة من الرماة المهرة لإصابة فرسان النصارى حين يهاجمون المدينة، فلما هاجمت القوات القشتالية المدينة نجحت حاميتها في الدفاع عنها، وتكررت محاولات الهجوم الفاشلة في اقتحام القلعة، لكن ذلك كان يزيد النصارى إصرارًا على اقتحام المدينة، وعمدوا إلى محاصرة قلعتها برًا وبحرًا، وقدمت سفنهم إلى النهر أسفل القلعة، ونجحت في تحطيم القنطرة القوية التي كانت تربط "طريانة" بإشبيلية عبر نهر الوادي الكبير، وفقدت بذلك كل صلتها بالعالم الخارجي.



السقوط والنهاية الحزينة

استمر الحصار حول إشبيلية وطريانة، وأخذ يشتد يومًا بعد يوم، والمسلمون المحاصرون يعانون ألم الجوع ومتاعب الحصار، ولم تفلح محاولات العلماء في بثّ الروح وإعادة الثقة إلى النفوس الواهنة والأبدان الناحلة التي هدّها الجوع وعضَّها الحرمان، وأنهكها القتال المستمر طوال خمسة عشر شهرًا، دون أن تأخذ قسطًا من الراحة، ولم تتحرك الدول القريبة لنجدة إشبيلية؛ فالدولة الموحِّدية مشغولة بمحاربة بني مرين، والدولة الحفصية لم تُلقِ بالاً إلى صرخات المحاصَرين، ودولة بني الأحمر الأندلسية مغلولة اليد بمعاهدة فخرية مع القشتاليين، ويشترك أميرها في حصار إخوانه المسلمين؛ لكل هذا غاضت الآمال في النفوس، وامتلك اليأس القلوب، وفقدت إشبيلية أي بارقة للإنجاد تخرجها مما هي فيه من ضيق وشدة.



ولم يجد زعماء إشبيلية مفرًا من التسليم، وحاولوا أن يخففوا من وقع المصيبة، فعرضوا تسليم ثلث المدينة فرفض فرناندو الثالث هذا العرض، فحاولوا مرة أخرى بتسليم نصف المدينة، فأبى فرناندو الثالث إلا أن تسلم المدينة كاملة، فكان له ما أراد. وانتهت المفاوضات بين الفريقين على أن تسلم المدينة كاملة سليمة لا يُهدم من صروحها شيء، وأن يغادرها سكانها، مع السماح لهم بأن يحملوا كل أمتعتهم من مال وسلاح، وأن تُسلَّم مع المدينة سائر الأراضي التابعة لها.



ولما وقع الاتفاق بين الفريقين، سُلِّم قصر الوالي ومقر الحكم في إشبيلية إلى ملك قشتالة، فرفع عليه شعاره الملكي فوق برج القصر العالي في (3 من شعبان 646هـ = 21 من نوفمبر 1248م)، وكان ذلك إيذانًا بسقوط إشبيلية في أيدي النصارى القشتاليين.



وقضى المسلمون شهرًا في إخلاء المدينة، وتصفية حاجاتهم، وبيع ممتلكاتهم قبل أن يغادروها، وتقدر بعض الروايات عدد من خرج بنحو 400 ألف مسلم، هاجروا إلى مختلف نواحي المغرب والأندلس المسلمة.



وفي (5 من رمضان 646هـ = 22 من شهر ديسمبر 1248م) دخل فرناندو الثالث ملك قشتالة مدينة إشبيلية مزهوًا بنفسه، مختالاً بقواته، يحوطه موكب ضخم، يتيه اختيالاً بما حقق من ظفر ونصر، واتجه إلى مسجد المدينة الأعظم الذي تحول إلى كنيسة، وقد وُضع به هيكل مؤقت، وأقيم في المسجد قداس الشكر، ثم اتجه إلى قصر إشبيلية، حيث أدار شئون دولته، وقام بتقسيم دور المسلمين وأراضيهم بين جنوده، ومن ذلك التاريخ أصبحت إشبيلية عاصمة مملكة قشتالة النصرانية بدلاً من طليطلة.



وهكذا سقطت إشبيلية حاضرة الأندلس بعد أن ظلت خمسة قرون وثلث القرن تنعم بالحكم الإسلامي منذ أن فتحها موسى بن نصير سنة (94هـ = 712م)، وظلت منذ ذلك الحين مركزًا للحضارة، ومنارة للعلم، ومأوى للعلماء والشعراء والأدباء، ولا تزال آثارها الباقية شاهدة على ما بلغته المدينة من نمو وازدهار.

IroN MaN
07-10-2008, 07:22 AM
تونس.. النضال حتى الاستقلال


كان الاستعمار الأوروبي ينظر إلى العالم العربي والإسلامي على أنه أسلاب معركة، وغنائم حرب تقتسم الدول الكبرى منه ما يحقق مصالحها، ويوسع نفوذها وسيطرتها، وكانت فرنسا الاستعمارية ترى في الشمال الأفريقي مكانًا ملائمًا لتحقيق أطماعها؛ لذا سعت للسيطرة عليه واحتلاله. وكانت تونس ممن وقع ضحية لهذا الاستعمار؛ إذ وقعت فرنسا مع باي حاكم تونس معاهدة "باردو" سنة 1298هـ = 1881م التي أعطت فرنسا حق الإشراف المالي والخارجي والعسكري في تونس، وحق تعيين مفوّض فرنسي في مدينة تونس، وتوالى التدخل الفرنسي في شؤون البلاد، وانتهى بفرض الحماية الفرنسية على تونس بعد معاهدة "المرسي" سنة (1300 هـ = 1888م).


واشتدت فرنسا في القضاء على حركة المقاومة التونسية حتى ضعفت حركة الجهاد، وبدأت حركة استيطان فرنسية في تونس، وتمتع هؤلاء المستوطنون الفرنسيون بالنصيب الوافر من ثروات البلاد وخيراتها.



بوادر الحركة الوطنية

أدت سياسات الحماية الفرنسية في تجنيس اليهود في تونس إلى تأسيس حزب تونس الفتاة سنة (1325 هـ = 1908م)، وبرزت شخصية عبد العزيز الثعالبي على الساحة السياسية الوطنية، غير أن الفرنسيين حلوا هذا الحزب سنة (1329 هـ = 1911م)، وألقوا القبض على قادته. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولي أطلقت بعض الحريات بعدما وقف ثمانون ألف مقاتل تونسي بجانب فرنسا في حربها، وانطلق وفد تونسي برئاسة الثعالبي إلى باريس لعرض قضية بلاده على مؤتمر الصلح، إلا أن الحلفاء المنتصرين لم يستمعوا إلى آمال الشعوب المستعمرة، فاتجه الثعالبي إلى الرأي العام العالمي، وأصدر كتاب "تونس الشهيدة"، منددًا فيه بالاستعمار الفرنسي، وقرأ التونسيون هذا الكتاب، والتقوا جميعًا على فكرة المطالبة بالدستور، وتقدموا بطلبهم إلى الباي الذي وعدهم بإجابة مطالبهم، وإزاء هذا الوعد تكون الحزب الحر الدستوري.



الحزب الحر الدستوري

نشأ الحزب الحر الدستوري مطالبًا بمنح تونس نظامًا دستوريًا، وعارض الثعالبي خطة الحزب وهدفه؛ لأنه كان يتمسك بفكرة الاستقلال التام، إلا أنه اعتبر هدف الحزب خطوة أولى نحو هذا الاستقلال، وعلى هذا الأساس تعاون معهم، بل ترأس هذا الحزب مدة من الزمن، وكانت عواطفه نحو الاستقلال التام سببًا دائمًا في المشكلات بينه وبين بعض أعضاء الحزب من الشباب، الذين تربوا في المدارس الفرنسية، ويرون البدء بالإصلاحات الداخلية، ومنها إنشاء مجلس تشريعي يشترك فيه الأوروبيون والتونسيون، وقيام حكومة مسؤولة أمام المجلس التشريعي؛ فاضطر الثعالبي إلى العمل بصفته الشخصية، وسافر إلى باريس غير أنه اعتُقل بتهمة التآمر على سلامة الدولة الفرنسية، ثم أُفرج عنه.



وقد أظهر الباي محمد الناصر تعاطفه مع الحزب، وخشيت فرنسا من التقارب بين الناصر والثعالبي، خاصة بعد المظاهرات التي خرجت يوم وصول رئيس الجمهورية الفرنسية "ألكسندر ميلران" إلى تونس الذي صرح بأن "تونس" ستظل مرتبطة بفرنسا إلى الأبد؛ فشَنَّ الدستوريون والباي حملة عنيفة على هذا التصريح، وهدد الباي بالتنازل عن العرش إذا رفضت طلباته الإصلاحية، فعمَّت المظاهرات العاصمة، إلا أن موت الباي المفاجئ والمُريب جعل أزمة العرش مع فرنسا تمر دون شيء؛ إذ تولى الحكم أحد البايات الموالين لفرنسا، وهو محمد حبيب سنة (1340 هـ = 1922م).



وسافر وفد تونسي إلى باريس لعرض مطالبه، لكن الأبواب سُدَّت في وجهه؛ فالتونسيون كانوا يتقدمون بمطالب متواضعة؛ ظنًا منهم أنهم سيحصلون عليها، إلا أن الواقع كان يشهد بأن فرنسا لم تكن تستمع لهم، فكانوا يطالبون بأن يتساووا مع المستعمرين الفرنسيين، وأن يشاركوا في الحكم، على خلاف ما كان يطالب به الثعالبي؛ وهو الاستقلال.



الإصلاحات الجديدة

وعندما تولى لوسيان منصب المقيم العام الفرنسي في تونس وافق على بعض مطالب أعيان تونس؛ فألغى حالة الطوارئ، وسمح لأكثر من عشرين صحيفة بالصدور، وشهر الحزب الدستوري برئاسة الثعالبي، وبدأت فرنسا في إحداث تغييرات إدارية في تونس، ومنها إنشاء المجلس الكبير الذي يُمثَّل فيه الفرنسيون بضعف عدد الأعضاء التونسيين، والقوانين الجديدة في الجنسية؛ حيث فتح باب التجنس بالجنسية للمواطنين التونسيين، وهو قانون انتفع به اليهود، ولم يقبل الحزب الدستوري هذه الإصلاحات المبتورة، وقاوم المسلمون هذه الإصلاحات الشكلية اجتماعيًا وعقائديًا؛ فقاطعوا كل مسلم طلب الجنسية الفرنسية؛ لذا لم يزد من قبلوا التجنس بالفرنسية عن ألفيْ شخص.



فبدأ لوسيان في محاربة الوطنيين، وأصاب الركود الحزب الدستوري لمدة امتدت تسع سنوات، والتجأ رئيسه الثعالبي إلى الخارج، إلا أن الحياة عادت إلى هذا الحزب بسبب بعض رعونة التصرفات الفرنسية؛ حيث أقيم تمثال عام (1344 هـ = 1925م) في العاصمة التونسية لـ"أسقف لافجري" المبشر الشهير، كذلك تم تخصيص حوالي مليوني جنيه من الميزانية التونسية لمجمع كنسي وصفه أحد الأساقفة بأنه سيكون مظهرًا للصليبية الجديدة المسالمة.

IroN MaN
07-10-2008, 07:25 AM
الحبيب بورقيبة والحزب الجديد

أدت هذه الأحداث إلى اتحاد الشباب التونسي المثقف معًا، وإعادة إصدار جريدة "صوت التونسي"، وجريدة "صوت العمل"، وبرزت في تلك الفترة شخصية الشاب "الحبيب بورقيبة"، صاحب الاتجاه الجديد المطالب بالإصلاحات الداخلية؛ مثل فصل السلطات، وإقامة مجلس نيابي، وظهر هذا الاتجاه جليًا في مؤتمر الحزب الدستوري سنة (1352 هـ = 1933م)، وكانت تلك بداية الانقسام في الحزب الدستوري، وتأسيس حزب جديد يحمل اسم "الحزب الدستوري الجديد" برئاسة محمد الماطري، والحبيب بورقيبة سنة (1353 هـ = 1934م)، ونجحت فرنسا في إثارة الفرقة بين الدستوريين القدامى والجدد.


وقد اقترنت فكرة التحرير السياسي عند بورقيبة وحزبه الجديد بفكرة التقدم الاجتماعي؛ لذلك كان مستعدًا لإدماج الفرنسيين والتونسيين في بيئة ديمقراطية واحدة، وإمكان التعاون مع فرنسا، بل إنه ذهب إلى القول بأن وضع تونس الجغرافي يحتم عليها التعاون مع فرنسا.



واتجه الحزب الجديد إلى الطبقة العاملة، وأصبحت الحركة النقابية العمالية جزءًا من تاريخه؛ فاعتقلت فرنسا بعض قياداته لمدة عام ونصف، ثم أطلقت سراحهم، وسُمح للحبيب بورقيبة بالسفر إلى باريس للتفاوض؛ حيث اقترح الفرنسيون فكرة السيادة المزدوجة، وهذا المبدأ يجعل للمستوطنين الفرنسيين حقًا ثابتًا في الاشتراك في إدارة البلاد.



وقد تزامن في ذلك الوقت عودة الثعالبي إلى تونس (1356هـ = 1937م) وإضراب العمال التونسيين، فأحس شبان الحزب الدستوري الجديد بأن زعامتهم مهددة، فعمدوا إلى تغيير سياسة الحزب، وأيدوا الإضرابات العمالية، وسعوا لقيادتها، وبدأت تتأكد زعامة بورقيبة بعدما اعتُقل مع ثلاثة آلاف شاب من الحزب، وصدر مرسوم بحله وحظر نشاطه؛ بسبب اشتعال الحرب العالمية الثانية.



الحرب العالمية الثانية

كانت تونس مسرحًا للعمليات الحربية بين المحور والحلفاء لمدة سبعة أشهر، وعاشت فترة في ظلال السيطرة الألمانية، وتولى الباي محمد المنصف الحكم في تونس في منتصف 1361 هـ = 1942م، وتلقى الباي عرضا من الألمان بالتعاون معهم نظير إسقاط الحماية، وعرض عليه الحلفاء الانضمام إليهم، إلا أن الباي رأى الاستفادة من تلك المساومات المؤقتة لتقوية مركزه؛ فاختار حكومة وطنية دون استشارة المقيم الفرنسي، وأشرك الحزبين الدستوري والجديد فيها، فعزل الفرنسيون الباي بعد القبض عليه، ثم أُلقي القبض على بورقيبة، إلا أنه استطاع الفرار من معتقله والسفر إلى القاهرة على أمل أن تعاونه الدول العربية في تحرير بلاده.



وانضم بورقيبة في القاهرة إلى لجنة "المغرب العربي"، التي يرأسها المجاهد الكبير الأمير عبد الكريم الخطابي، وأحدث ذلك تحولا هاما في اتجاه الحزب الدستوري الجديد نحو التضامن العربي. أما في تونس فتولى قيادة الحزب نيابة عن بورقيبة "صالح بن يوسف" الذي عقد مؤتمرا سنة 1366 هـ = 1946م أصدر ميثاقًا وطنيًا أعلن فيه سقوط نظام الحماية، وأكد صفة تونس العربية؛ فهاجمت فرنسا المؤتمر، وقبضت على زعمائه، ونكلت بالوطنيين.



أما الفترة التي قضاها "بورقيبة" في القاهرة، فقد كانت الجامعة العربية والعرب مشغولين بقضية فلسطين، ولم يجد اهتماما بقضية تونس، فاتجه إلى فرنسا، وأجرى محادثات غير رسمية مع الفرنسيين، وأظهر استعدادًا لعقد معاهدة مع فرنسا تضمن لها امتيازات إستراتيجية واقتصادية في تونس، إلا أن باريس رفضت مفاوضته على أساس عدم اعترافها بشرعية الحزب الدستوري الجديد.



المقاومة

أعلن روبير شومان -وزير الخارجية الفرنسية- أن فرنسا تسعى إلى تحقيق الاستقلال الداخلي لكل الدول التي تؤلف الاتحاد الفرنسي، فأعلن بورقيبة موافقته على هذا التصريح، وشكلت في تونس وزارة لمفاوضة فرنسا، إلا أن المستوطنين الفرنسيين رفضوا هذا الاتجاه، ورضخت لهم فرنسا، واستخدمت فرنسا عنفًا شديدًا ضد الوطنيين التونسيين، فعرضت مشكلة تونس على مجلس الأمن الدولي، لكن المجلس أخذ بوجهة نظر فرنسا في عدم اختصاصه بالنظر في المشكلة التونسية، وتعاطف الباي محمد الأمين مع شعبه، وأشركه في الحكم بعدما كوّن مجلسا من 40 شخصًا من أعيان تونس، ورفضت فرنسا ذلك، فنشطت حركة النضال الوطني، وبدأت التجمعات الوطنية تظهر في كثير من الأماكن، وعمّت الاضطرابات البلاد، وبدأ الوطنيون في اغتيال المستوطنين الفرنسيين، ونمت حركة المقاومة المسلحة، وشكل المستوطنون الفرنسيون فرقا انتقامية.



اعتقلت فرنسا الوزارة التونسية؛ فوقف الباي موقفا صريحا بجانب الحركة الوطنية، فبدأت فرنسا في اتباع سياسة مرنة، عندما بدأت حركة المقاومة تؤتي ثمارها، وتزامن ذلك مع هزيمة فرنسا الشنيعة في الهند الصينية سنة (1373هـ = 1954م)؛ لذلك بدأت في التفاوض، واشترطت وقف المقاومة، فوافق بورقيبة على وقف الكفاح المسلح، وسلم ثلاثة آلاف مقاتل أسلحتهم، ورغم ذلك توقفت المفاوضات بسبب سقوط الحكومة الفرنسية، ثم عادت مع حكومة "إدجار فور فيفري" الذي التقى ببورقيبة في باريس في شعبان (1374هـ = أبريل 1955م)، وانتهى اللقاء بالتفاهم على إصدار تصريح مشترك يقيد كلا الطرفين بحل وسط، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاقيات في (13 شوال 1374هـ = 1 يونيو 1955م) حصلت فيها تونس على صلاحيات السيادة الداخلية، وإقامة علاقات اقتصادية بين البلدين، وضمت حقوق الفرنسيين المكتسبة أثناء الحماية مع احتفاظ فرنسا بشؤون الخارجية والدفاع.



كانت هذه الاتفاقيات نجاحًا لفرنسا أكثر منها لتونس، ولا أدل على ذلك من أن بورقيبة نفسه رأى فيها مجرد مرحلة نحو الاستقلال؛ لذلك عارضها صالح بن يوسف الأمين العام للحزب، واتهم بورقيبة بالخيانة، ودعا إلى مواصلة الكفاح، واستعادت بعض مجموعات المقاومة نشاطها المسلح، وألقي القبض على أنصار صالح بن يوسف، أما هو ففر إلى ليبيا.



الاستقلال

أدركت فرنسا ضرورة الإسراع في الاتفاق مع بورقيبة، والتخلص من الشروط القاسية في الاتفاقيات السابقة، وذلك عندما رأت ازدياد نفوذ وأنصار صالح بن يوسف في انتخابات الجمعية التأسيسية التي ستضع دستورا للبلاد، ومعنى ذلك هو زوال نفوذ فرنسا من تونس، يضاف إلى ذلك تطور الثورة الجزائرية وازدياد وطأتها على الجيش الفرنسي.



وسعى بورقيبة أيضا لقطع الطريق على "ابن يوسف"، فسافر إلى باريس، والتقى مع رئيس الحكومة الفرنسية الجديدة "جي موليه" واتفقا على منح تونس الاستقلال من حيث المبدأ، وأعلن في (8 شعبان 1375 هـ = 20 مارس 1956م) أن تونس دولة مستقلة ذات سيادة تتولى شئون الدفاع والخارجية بنفسها مع الاحتفاظ ببعض الامتيازات لفرنسا.



وعاد بورقيبة إلى تونس، فاستقالت وزارة الطاهر بن عمار، وعهد إلى بورقيبة بتشكيل وزارة جديدة تبدأ بالبناء على أساس أن البلاد قد حصلت على الاستقلال، وتشكلت الوزارة الجديد برئاساته، فتخلص من خصومه السياسيين، ثم أعلن في (28 ذي الحجة 1376 هـ = 25 يوليو 1957م) إلغاء منصب الباي، وأعلن الجمهورية، وتسلم رئاستها، وبدأت مرحلة جديدة في حياة تونس.

IroN MaN
07-10-2008, 05:49 PM
الخطابي.. أمير ثائر ودولة ناشئة


كان المغرب في بداية القرن العشرين يعاني من ضعف وانقسام شديد، تمثل في انقسام الأسرة الحاكمة وصراعاتها الداخلية، واستعانة أطراف هذا الصراع للبقاء على العرش بالقوى الخارجية، أما الوجه الآخر فتمثل في التنافس الاستعماري الشرس بين الدول الكبرى للسيطرة على المغرب وتأمين نفوذها ومصالحها فيه، وبخاصة فرنسا التي كانت تتحين الفرصة للانقضاض على المغرب، غير أنها وجدت إنجلترا وألمانيا واقفتين لها بالمرصاد؛ فلجأت إلى إرضاء إنجلترا من خلال الاتفاق الودي سنة (1322هـ = 1904م) الذي أطلق يدها في المغرب، أما ألمانيا فاضطرت إلى إعطائها جزءًا من الكاميرون حتى تقر باحتلال فرنسا لمراكش في (13 من ذي القعدة 1329هـ = 4 نوفمبر 1911م).


لم يكن دخول فرنسا مدينة "فاس"، أو إعلان الحماية عليها بالأمر الهين اليسير؛ نظرا لطبيعة البلاد الجبلية ذات المسالك الوعرة، وطبيعة السكان البربر الذين اعتادوا الاحتفاظ باستقلالهم الداخلي أمام جميع الحكومات المركزية، ومن ثَمَّ لم يتم إخضاع البلاد إلا بعد مرور أكثر من عشرين عاما لعبت فيها شخصية الأمير الخطابي دورا رئيسيا في الجهاد والمقاومة، ووصف أحد الضباط الفرنسيين الكبار هذه المقاومة الباسلة بقوله: "لم تستسلم أية قبيلة دون مقاومة؛ بل إن بعضها لم يُلقِ سلاحه حتى استنفد كل وسائل المقاومة، واتسمت كل مرحلة من مراحل تقدمنا بالقتال، وكلما توقفنا أنشأ المراكشيون جبهة جديدة أرغمت قواتنا سنوات طويلة على الوقوف موقف الحذر واليقظة في موقف عسكري مشين".



وفرض الفرنسيون الحماية على المغرب في (12 ربيع الثاني 1330هـ = 30 مارس 1912م) وبعد أيام قام المغاربة بثورة عارمة في فاس ثار فيها الجيش والشعب، تزعمها المجاهد "أحمد هبة الله"، وكانت الانتصارات فيها سجالا بين الفريقين، وانتهى الأمر بوفاة الرجل، وتمكن الفرنسيون من بسط نفوذهم على المغرب أثناء الحرب العالمية الأولى.



الريف والأسبان

كانت منطقة النفوذ الأسباني حسب اتفاقية (1322هـ = 1904م) مع فرنسا تشمل القسم الشمالي من مراكش، التي تنقسم إلى كتلتين: شرقية وتعرف بالريف، وغربية وتعرف بالجبالة، وتكاد بعض جبال الريف تتصل بمنقطة الساحل. وتتميز مناطقها الجبلية بوعورة المسالك وشدة انحدارها، غير أنها أقل خصبا من منطقة الجبالة. وتمتد بلاد الريف بمحاذاة الساحل مسافة 120ميلا وعرض 25 ميلا، وتسكنها قبائل ينتمي معظمها إلى أصل بربري، أهمها قبيلة بني ورياغل التي ينتمي إليها الأمير الخطابي.



وعندما بدأ الأسبان ينفذون سياسة توسعية في مراكش، صادفوا معارضة قوية داخل أسبانيا نفسها بسبب الهزائم التي تعرضوا لها على يد الأمريكيين في الفليبين وكوبا، فعارض الرأي العام الأسباني المغامرات العسكرية الاستعمارية، إلا أن المؤيدين احتجوا بأن احتلال مراكش ضروري لتأمين الموانئ الأسبانية الجنوبية، وضَمَّ رجال الدين صوتهم إلى العسكريين.



وكان الأسبان يعرفون شدة مقاومة أهل الريف لتوسعهم، فاكتفوا في البداية بالسيطرة على سبتة ومليلة، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى احتلال معظم الموانئ الساحلية المحيطة بمنطقة نفوذهم، وكانت خطتهم تقوم على أن تتقدم القوات الأسبانية عبر منطقة الجبالة لاحتلال مدينة تطوان، التي اتُّفق على أن تكون عاصمة للمنطقة الأسبانية، لكن ظهر في الجبالة زعيم قوي هو "أحمد بن محمد الريسوني" الذي حمل لواء المقاومة منذ سنة (1330هـ = 1911م) حتى تولاها منه الأمير الخطابي.



وقد اصطدم الريسوني بالأسبان عندما احتلوا ميناء أصيلة الذي كان يعتمد عليه في استيراد الأسلحة، وبعدها ساروا إلى احتلال مدينة تطوان، فوقعت مصادمات بينهم انتهت بصلح اتفق فيه على أن تكون الجبال والمناطق الداخلية للريسوني، والساحل للأسبان، غير أن الأسبان نقضوا العهد، وطاردوه، وتوغلوا في بلاد الجبالة بخسائر فادحة، واستطاعوا أن يحتلوا مدينة شفشاون أهم مدينة في تلك البلاد في (صفر 1339هـ = أكتوبر 1920م).



الأمير الخطابي

كانت الثورة الثانية ضد الأسبان هي ثورة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، زعيم قبيلة بني ورياغل، أكبر قبائل البربر في بلاد الريف، وقد وُلد الأمير سنة (1299هـ = 1881م) في بلدة أغادير، لأب يتولى زعامة قبيلته، فحفظ القرآن الكريم صغيرا، ثم أرسله أبوه إلى جامع القرويين بمدينة فاس لدراسة العلوم العربية الدينية، ثم التحق بجامعة سلمنكا بأسبانيا، فحصل منها على درجة الدكتوراه في الحقوق، وبذلك جمع بين الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة وبعض النواحي من الثقافة الأوروبية، ثم عُين قاضيا بمدينة مليلة التي كانت خاضعة لأسبانيا، وأثر فيه عندما كان قاضيا مشهد ضابط أسباني يضرب عربيا بالسوط في شوارع مليلة، ويستغيث ولا يغاث، عندها رأى الوجه القبيح للاستعمار، وأدرك أن الكرامة والحرية أثمن من الحياة.



وكان الأسبان قد عرضوا على والد الأمير أن يتولى منصب نائب السلطان في تطوان التي تحت الحماية الأسبانية، وأن يقتصر الوجود العسكري الأسباني على المدن، إلا أنه اشترط أن تكون مدة الحماية محددة فلم ينفذ هذا العرض.



وبعد سيطرة أسبانيا على مدينة شفشاون وإخضاع منطقة الجبال، استطاعت أن تركز جهودها وقواتها في بلاد الريف، وأعلنت الحماية على شمال المغرب، فرفض الأب الخضوع للأسبان، وأعلن معارضته للاستعمار، ورفض تقديم الولاء للجنرال الأسباني غوردانا؛ فما كان من الجنرال إلا أن عزل الخطابي عن قضاء مليلة، واعتقله قرابة العام، ثم أطلق سراحه، ووضعه تحت المراقبة، وفشلت إحدى محاولات الخطابي في الهرب من سجنه، فأصيب بعرج خفيف لازمه طوال حياته، ثم غادر مليلة ولحق بوالده في أغادير، وفي هذه الأثناء توفي والده سنة (1339هـ = 1920م) فانتقلت الزعامة إلى الابن.



من القضاء إلى الثورة

تولى الأمير الخطابي زعامة قبيلة بني ورياغل، وقيادة الثورة في بلاد الريف، وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، فزحف الجنرال سلفستر قائد قطاع مليلة نحو بلاد الريف، واحتل بعض المناطق دون مقاومة تُذكر، واحتل مدينة أنوال، وتقدم اثني عشر ميلا بعدها؛ فظن أن قبائل بني ورياغل خضعت له، ولم يدرِ أن الأمير الثائر أراد أن يستدرجه إلى المناطق الجبلية ليقضي عليه تماما، وأنه ادخر رجاله لمعركة فاصلة.



بلغ قوام الجيش الأسباني بقيادة سلفستر 24 ألف جندي استطاع أن يصل بهم إلى جبل وعران قرب أغادير مسقط رأس الأمير، وعندها قام الخطابي بهجوم معاكس في (25 شوال 1339هـ = 1 يوليو 1921م) استطاع خلاله أن يخرج الأسبان من أنوال، وأن يطاردهم حتى لم يبق لهم سوى مدينة مليلة، وكانت خطة هجومه في أنوال أن يهاجم الريفيون الأسبان في وقت واحد في جميع المواقع؛ بحيث يصعب عليهم إغاثة بعضهم البعض، كما وزع عددا كبيرا من رجاله في أماكن يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الفارين، فأبيد معظم الجيش الأسباني بما فيهم سلفستر، واعترف الأسبان أنهم خسروا في تلك المعركة 15 ألف قتيل و570 أسيرا، واستولى المغاربة على 130 موقعا من المواقع التي احتلها الأسبان، وحوالي 30 ألف بندقية، و129 مدفعَ ميدان، و392 مدفعا رشاشا.



ولم ينتبه الخطابي إلى ما أدركه من نصر حاسم؛ إذ لو تابع القتال لما وجد أمامه قوة ولدخل حصن مليلة دون مقاومة تُذكر، ولأنهى الوجود الأسباني في بلاد الريف، غير أنه توقف ظنا منه أن للأسبان قوة، وقد هيأ التوقف للأسبان الفرصة لحشد ستين ألف مقاتل، وقاموا بهجوم معاكس في (10محرم 1340هـ = 12 سبتمبر 1921م)، فاستعادوا بعض ما فقدوه، وبلغ مجموع القوات الأسبانية في ذلك العام ببلاد الريف أكثر من 150 ألف مقاتل، ورغم ذلك أصبح وجود الأسبان مقصورًا على مدينة تطوان والموانئ وبعض الحصون في الجبالة.



ويعزو الأسبان وقوع هذه الهزيمة إلى طبيعة البلاد الصعبة، والفساد الذي كان منتشرا في صفوف جيشهم وإدارتهم، وأرسلت حكومة مدريد لجنة للتحقيق في أسباب هذه الكارثة المدوية، ذكرت أن الأسباب تكمن في إقامة مراكز عديدة دون الاهتمام بتحصينها تحصينا قويًّا، كما أن تعبيد الطرق التي تربط بين هذه المراكز كان خطأ كبيرًا من الناحية العسكرية، ويعترف التقرير بأنه لم يكن أمام المراكشيين إلا أن يلتقطوا الأسلحة التي تركها الجنود الفارون، وكشف التقرير حالات بيع بعض الضباط لأسلحة الجيش.

IroN MaN
07-10-2008, 05:51 PM
من الثورة إلى الدولة

بعد الانتصار العظيم الذي حققه الخطابي في أنوال ذاعت شهرته في بلاد الريف، وترسخت زعامته فاتجه إلى تأسيس دولة؛ لذلك دعا القبائل إلى عقد مؤتمر شعبي كبير تُمثَّل فيه جميع القبائل لتأسيس نظام سياسي، ووضْعِ دستور تسير عيه الحكومة، وتم تشكيل مجلس عام عُرف باسم الجمعية الوطنية مُثِّلت فيه إرادة الشعب، واتخذ أول قرار له وهو إعلان الاستقلال الوطني وتأسيس حكومة دستورية جمهورية في (المحرم 1340هـ = سبتمبر 1921م)، وتم وضع دستور لجمهورية الريف مبدؤه سلطة الشعب، ونص الدستور على تشكيل وزارات، ونص على أن رجال الحكومة مسئولون أمام رئيس الجمهورية.
وقد أعلن الخطابي أن أهداف حكومته هي عدم الاعتراف بالحماية الفرنسية، وجلاء الأسبان عن جميع ما احتلوه، وإقامة علاقات طيبة مع جميع الدول، والاستفادة من الفنيين الأوروبيين في بناء الدولة، واستغلال ثرواتها؛ فشجع بعض شركات التعدين للعمل في الريف حتى قيل بأن تأييد بعض الأوساط الرأسمالية له في أوروبا إنما كان سببه ارتباط مصالحهم بمشاريع في الريف، كذلك تحول رجاله المقاتلون إلى جيش نظامي، له قواده ومقاتلوه من الفرسان والمشاة المدفعية، وعهد بالوظائف الفنية إلى المغاربة الذين سبق لهم الخدمة في الجيش الفرنسي، وعمل على تنظيم الإدارة المدنية، والإفادة من بعض وسائل الحضارة العصرية؛ فمدّ أسلاك البرق والهاتف وشق الطرق، وأرسل الوفود إلى العواصم العربية ليحصل على تأييدها، وطلب من فرنسا وبريطانيا وبابا الفاتيكان الاعتراف بدولته، وعاصمتهاأجدير (أغادير).

مسألة سياسة

وأثار وضع جمهورية الريف مسألة سياسية هامة أثرت في حياة مراكش، وهو موقف الخطابي من العرش والسلطان المغربي، فنسب البعض إليه أنه اعترف بمبدأ السيادة السلطانية، واستدلوا على ذلك بأنه لم يعلن نفسه سلطانا، غير أن السلاطين من الأسرة العلوية لم يقتنعوا بذلك، واعتقدوا أن دولته تمثل انشقاقا على العرش، واستمر سوء التفاهم هذا بينهم وبين الخطابي حتى عهد السلطان محمد الخامس، ونفى الخطابي أن يكون تطلع إلى عرش مراكش بدليل أنه منع أنصاره من الخطبة باسمه في صلاة الجمعة، وأنه كان مستعدا لقبول الأسرة الملكية الحاكمة، وأن يبايع الوطنيون السلطان الذي يحقق أهدافهم بعد تحرير البلاد.

الأوضاع الداخلية في أسبانيا

أصبحت مشكلة الريف والخطابي هي المشكلة الأولى التي تقلق أسبانيا داخليا وخارجيا، فارتفعت القوات الأسبانية في شمال المغرب بعد شهور من هزيمة أنوال إلى 150 ألف مقاتل، وعرضت مدريد على الخطابي الاعتراف باستقلال الريف بشرط أن يكون استقلالا ذاتيا خاضعا للاتفاقات الدولية التي أخضعت المغرب للنظام الاستعماري، فرفض الأمير الاستقلال تحت السيادة الأسبانية.
وداخليا وقع انقلاب عسكري في أسبانيا في (1 صفر 1342هـ = 12 سبتمبر 1923م) وتسلم الحكم فيه الجنرال بريمودي ريفيرا، فأعلن عن سياسة جديدة لبلاده في مراكش، وهي الانسحاب من المناطق الداخلية والتمركز في مواقع حصينة على الساحل، وأدرك ريفيرا أن تعدد المواقع الأسبانية المنعزلة أمر بالغ الخطورة؛ لأنها محاطة بالقبائل المغربية. أما الخطابي فلم يكن هناك ما يدفعه إلى مهادنة الأسبان، خاصة بعد وثوقه بقدرته على طردهم، وبعد رفضهم الانسحاب إلى سبتة ومليلة؛ لذلك بدأ في عمليات قتالية باسلة ضد القوات المنسحبة اعتمدت على أساليب حرب العصابات، واعترفت الحكومة الأسبانية في تعدادها الرسمي أن خسائرها في الستة أشهر الأولى من عام (1343هـ = 1924م) بلغت 21250 قتيلا وجريحًا وأسيرًا رغم إشراف الجنرال ريفيرا بنفسه على عمليات الانسحاب.
واستطاع الخطابي أن يبسط نفوذه على الريف، رغم استمالة مدريد لزعيم منطقة الجبالا الريسوني، فزحف على الجبالا، ودخل عاصمتهم سنة (1344هـ = 1925م) وصادر أملاك المتعاونين مع الأسبان، وألقى القبض على الريسوني، واقتاده سجينا إلى أغادين حيث توفي في سجنه، فأصبح زعيم الريف بلا منازع، وسيطر على مساحة تبلغ 28 ألف كيلومتر مربع، ويسكنها مليون مغربي.

فرنسا.. والريف

وأدرك الأسبان عجزهم الكامل عن مقاومة دولة الريف الناشئة، وقوبلت هذه النتيجة بدهشة كبيرة من الدوائر الاستعمارية التي لم تكن مطمئنة لحركة الخطابي وعلى رأسها فرنسا التي كانت تتوقع أن يتمكن الأسبان يوما ما من القضاء على هذه الحركة، أما الخطابي فكان يحرض على تجنب الاصطدام بالفرنسيين حتى لا يفتح على نفسه جبهتين للقتال في وقت واحد، إلا أن الأوضاع بين الاثنين كانت تنذر بوقوع اشتباكات قريبة.
والمعروف أن فرنسا كانت تخشى من حركة الخطابي أن تكون عاملا مشجعا للثورات في شمال أفريقية، ويرى البعض أن مصالح الرأسمالية التي استثمرت أموالها في بناء ميناء الدار البيضاء الضخم وفي مشروعات أخرى في منطقة ساحل الأطلسي استحسنت بقاء منطقة الريف مضطربة حتى يصعب استخدام الطريق الموصل بين فاس وطنجة، الذي يحول تجارة مراكش إلى ذلك الميناء، واستقرار الأوضاع في الريف سيؤثر سلبا على مصالحها، يضاف إلى ذلك أن الخطابي حرص على دعوة الشركات الأجنبية لاستغلال موارد الريف الطبيعية خاصة البريطانية؛ وهو ما يعني أن تقترب المصالح الرأسمالية البريطانية من المصالح الفرنسية، وتصبح دولة الريف في حالة من الأمان الدولي في ظل التنافس بين هذه المصالح؛ لذلك يقال: إن بعض الأسلحة البريطانية المتطورة في ذلك الوقت بدأت تتدفق على دولة الريف عبر ميناء الحسيمات.
كما أن قيام جمهورية قوية في الريف يدفع المغاربة دفعا إلى الثورة على الفرنسيين، ورفض الحماية الفرنسية؛ لذلك كرهت فرنسا قيام دولة المغاربة مستقلة، وأرسلت تعزيزات عسكرية على الجبهة الشمالية لها في مراكش، وتحينت الفرصة للاصطدام بها والقتال معها، وفشلت محاولات الخطابي للتفاهم مع الفرنسيين للتوصل إلى اتفاق ينظم العلاقة بينهما، فبعث أخاه إلى باريس، وبعث موفدا له إلى السلطات الفرنسية في فاس، لكنهما لم يتوصلا إلى شيء.

الصدام

كان مجموع القوات الفرنسية في مراكش 65 ألف جندي، وكانت فرنسا ترى أن هذه القوات غير كافية لدخول حرب في الريف؛ لذلك أرسلت قوات إضافية أخرى حتى بلغ مجموع هذه القوات 158 ألف مقاتل منهم 133 ألف مغربي، وفي (رمضان 1343هـ = أبريل 1925م) وقعت شرارة الصدام بين الفرنسيين والخطابي، عندما أمدّ الفرنسيون زعماء الطرق الصوفية بالمال والسلاح ليشجعوهم على إثارة الاضطرابات في دولة الريف، فأدى ذلك إلى مهاجمة الريفيين لبعض الزوايا قرب الحدود، ووجد الفرنسيون في ذلك حجة للتدخل لحماية أنصارهم، وعندما بدأ القتال فوجئ الفرنسيون بقوة الريفيين وحسن تنظيمهم وقدراتهم القتالية، فاضطروا إلى التزام موقف الدفاع مدة أربعة أشهر، واستطاعت بعض قوات الريف التسلل إلى مسافة 20 ميلا بالقرب من فاس، وخسر الفرنسيون خسائر فادحة، ووقعت كثير من أسلحتهم في أيدي الريفيين، فقلقت فرنسا من هذه الانتصارات، وأرسلت قائدها العسكري البارع "بيتان" للاستعانة بخبرته وكفاءته.

أسبانيا وفرنسا ضد الريف

كان صمود جمهورية الريف الناشئة أمام فرنسا وأسبانيا والمناوئين لها من المغاربة أمرًا باهرًا رائعا وحالة نادرة في تاريخ الحروب الاستعمارية، يرجع جوهره إلى كفاءة الزعماء الريفيين في ميدان القتال والحرب؛ فقد استخدم هؤلاء المقاتلون خطوط الخنادق المحصنة على النمط الذي أقامته فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى، ويكفي الريفيين فخرًا أنهم قادوا الحرب ضد ثلاثة ماريشالات وأربعين جنرالا وحوالي ربع مليون مقاتل فرنسي وأسباني ومغاربي مدعمين بالطائرات والمدرعات وتحت إشراف رؤساء حكوماتهم.
وقد اتخذت فرنسا بعض الإجراءات لتدعيم موقفها في القتال، فأغرت السلطان المغربي بأن يعلن الخطابي أحدَ العصاة الخارجين على سلطته الشرعية، ففعل السلطان ما أُمر به، وقام برحلة إلى فاس لتأليب القبائل على المجاهدين، كذلك نسقت خططها الحربية مع حكومة مدريد، وعقد مؤتمر لهذا الغرض اتفق فيه على مكافحة تجارة السلاح بين الريف وأوروبا، وسمع بتتبع الثائرين في مناطق كل دولة، وتعهدت باريس ومدريد بعدم توقيع صلح منفرد مع الخطابي.

الاستسلام

واتفق الأسبان والفرنسيون على الزحف على جمهورية الريف بهدف تحقيق اتصال عسكري بين الدولتين وخرق الريف، وتقسيم قواته إلى جزأين؛ وهو ما يعرضهم لموقف عسكري بالغ الحرج، إلا أن قدوم الشتاء ببرودته أجَّل هذا الزحف وبعض العمليات العسكرية، وخسر الخطابي في تلك المعارك حوالي 20 ألف شهيد، وبقي بجانبه حوالي 60 ألف مقاتل. اتسعت الحرب في (1344هـ = 1926م) وتجدد الزحف والتعاون العسكري التام بين باريس ومدريد مع تطويق السواحل بأساطيلهما، وقلة المؤن في الريف؛ لأن معظم المقاتلين في صفوف الخطابي من المزارعين، وهؤلاء لم يعملوا في أراضيهم منذ أكثر من عام، وهم يقاتلون في جبهة تمتد إلى أكثر من 300 كم.
ولجأ الفرنسيون إلى دفع المغاربة المتعاونين معهم إلى توجيه دعوة للقبائل لعقد صلح منفرد مع فرنسا أو أسبانيا في مقابل الحصول على حاجاتهم من الطعام، فوجد الخطابي أن الحكمة تقتضي وقف القتال رحمة بسكان الريف وقبائله قبل أن تلتهمهم الحرب، وقبلها الجشع الفرنسي والأسباني والخائنون من المغاربة.
وقد فكر الرجل أن يخوض بنفسه معارك فدائية؛ دفاعا عن أرضه ودينه، إلا أن رفاقه منعوه ونصحوه بالتفاوض، فقرر أن يحصل لبلاده ونفسه على أفضل الشروط، وألا يكون استسلامه ركوعا أو ذلا، ورأى تسليم نفسه للفرنسيين على أنه أسير حرب، واقتحم بجواده الخطوط الفرنسية في مشهد رائع قلّ نظيره في (12 ذي القعدة 1344هـ = 25 مايو 1926م) واستمر القتال بعد فترة. أما هو فنفته فرنسا إلى جزيرة ريونيون النائية في المحيط الهادي على بعد 13 ألف كيلو متر من موطنه الذي شهد مولده وجهاده.
وطال ليل الأسر والنفي بالخطابي وأسرته وبعض أتباعه نيفا وعشرين سنة، قضاها في الصلاة وقراءة القرآن الكريم في تلك الجزيرة الصخرية، عانى فيها قلة المال، فآثر أن يعمل بيديه لتأمين معيشته هو وأسرته، فاشترى مزرعة، وجاهد فيها كسبا للعيش، ولم تفلح محاولاته بأن يرحل إلى أية دولة عربية أو إسلامية؛ لأن فرنسا كانت تعلم أن الرجل يحمل شعلة الحرية في قلبه وهي لم تنطفئ، كما أن كلماته عن تقرير المصير هي عبارات محشوة بالديناميت تفجر الثورات وقبلها نفوس الأحرار.
وفي عام (1367هـ = 1947م) قررت فرنسا نقل الخطابي وأسرته إليها لتضغط به على الملك محمد الخامس لمطالبته الدائمة بالاستقلال، غير أنها استجارت من الرمضاء بالنار، فعندما وصلت الباخرة التي تقله إلى ميناء بورسعيد، التجأ إلى السلطات المصرية، فرحبت القاهرة ببقاء هذا الزعيم الكبير في أراضيها، واستمر بها حتى وفاته في (1382هـ = 1963م).

أبو روان
08-10-2008, 03:40 AM
موضوع متميز يا أستاذ أحمد

بارك الله فيك وأعانك على إتمامه على أكمل وجه

وافر إحترامى وتقديرى لجهدكم المبذول

IroN MaN
08-10-2008, 02:17 PM
موضوع متميز يا أستاذ أحمد

بارك الله فيك وأعانك على إتمامه على أكمل وجه

وافر إحترامى وتقديرى لجهدكم المبذول


ربنا يخليك يا ابو روان
دي شهادة اعتز بيها
جزاك الله خير

IroN MaN
10-10-2008, 07:49 AM
تورجوت أوزال.. والمد الإسلامي بتركيا


شكل الإسلام في تركيا عاملا هامًّا في بناء الشخصية وصياغة الواقع، فجذور هذا الدين العظيم عميقة في التاريخ والنفس التركية، وقد استطاع الأتراك من خلاله بناء إمبراطورية عظيمة امتدت ستة قرون في ذاكرة الإنسانية، وامتدت في قارات العالم القديم: آسيا وأوروبا وأفريقيا، ورغم إلغاء "مصطفى كمال أتاتورك" الخلافة في (27 رجب 1342هـ = 3 مارس 1924م) فإنه لم يستطع أن يلغي الإسلام من القلوب والواقع.


العمامة.. والإعدام

لم يدخر أتاتورك وسيلة لمحاربة الإسلام وسلخ تركيا بعيدًا عن دينها الحقيقي إلا لجأ إليها وفعلها، وكان يرى أن الإسلام سبب التخلف والرجعية، لذلك دعا إلى تأسيس نظام علماني في تركيا. والعلمانية التي انتهجها في الحكم كانت تعني محاربة الإسلام، وليس فصل الدين عن الدولة والسياسة، فكانت الهجمة على الإسلام شرسة. وهكذا يفعل العلمانيون دائمًا: ينادون بالحريات والديمقراطية، وهم أول من ينتهكها إذا كانت في مصلحة الإسلام.



وقد اتخذ الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة العلمانية في تركيا أشكالاً متعددة، اتخذ خلالها العلمانيون سلاح القانون وسلطة الدولة وقوة الجيش لمحاربة الإسلام، وقاوم الإسلاميون هذه الأمور بالانحناء للعاصفة تارة، ومواجهتها تارة أخرى، والتحايل عليها والالتفاف حولها أوقاتًا كثيرة، ولكن في إطار سلمي بعيدا عن العنف.



حاول أتاتورك أن يفرض القبعة على الشعب بالقانون وببطش الدولة، فاتخذ العلماء من هذا الأمر وسيلة لمواجهة الهجمة العلمانية، فظهرت فتاوى عن حكم صلاة الرجل بالقبعة، وغالى البعض فحكم بكفر من يرتديها، فقاوموها حتى الموت، باعتبارها رمزًا لنموذج مرفوض. وكان الصراع في تلك الفترة بين النظام السياسي والشعب المسلم فقبض هذا الشعب على الإسلام في قلبه المؤمن، وتجاهل القوانين العلمانية، واتجه العلماء إلى بناء الإسلام سرًّا في النفوس؛ فظهر العالم الجليل الشيخ "سلمان حلمي" الذي اهتم بتحفيظ القرآن الكريم، فكان يستأجر المزارع البعيدة عن المدن، ويأخذ طلبته معه يعملون في الحقل بالنهار، ويدرسون القرآن الكريم بالليل، في إصرار عجيب على المحافظة على الإسلام والقرآن. وكانت "الطريقة النقشبندية" بزعامة الشهيد "عاطف الإسكليبي" الذي أُعدم بسبب كتاباته ضد القبعة. وكان الشيخ "سعيد النورسي" صاحب "رسائل النور" الذي رفض تغريب تركيا، وحارب الإلحاد.



وبدأت الحرب على الأبجدية العربية التي كانت تُكتب بها اللغة التركية، فصدر قانون بالكتابة بالأبجدية اللاتينية، ونُقِّيت التركية من الكلمات الفارسية والعربية، فأصبح الأذان للصلاة بالتركية. وكم من العلماء شُنقوا وعُلقت أجسادهم أمام المساجد لأنهم رفعوا الأذان باللغة العربية. ثم جاءت الهجمة الشرسة على أسماء الشعب وهي ما عُرفت بـ"معركة الألقاب"، وبدا واضحًا أن أتاتورك ورجاله يسعون لتغيير دين الشعب وهيئته وأسماءه بعيدًا عن الإسلام؛ ففي الذكرى العاشرة لتأسيس الجمهورية التركية جُمعت المصاحف والكتب الدينية ووضعت على ظهور الإبل ليقودها رجل يرتدي الزي العربي ليتجه بها نحو الجزيرة العربية، وعُلقت على رقاب الإبل لافتة تقول: "جاءت من الصحراء، ولتعد إلى الصحراء، وجاءت من العرب، فلتذهب إلى العرب".



مهمة شاقة

كانت مهمة إعادة الوجه الإسلامي لتركيا مهمة شاقة وعسيرة، ناهيك أن تكون المهمة هي إعادة الإسلام للحياة السياسية ليصبح أحد الفاعلين على المسرح السياسي، بل ومنافسًا بارزًا للوصول إلى السلطة السياسية. وقد استطاعت الحركات الإسلامية في تركيا أن تقدم نموذجًا فريدًا في الاستجابة لضغوط الواقع السياسي والاجتماعي المفروض عليها، والتكيف معه، والاستفادة منه، دون أن تتخلى عن عقيدتها أو أفكارها، ودون أن تلجأ إلى العمل المسلح والثوري العنيف، فكانت تستغل كل انفراجة سياسية لترسيخ أقدامها والتعبير عن نفسها، فهي تعرف كيف تستفيد من عناصر الواقع الذي تعيشه، فتأخذ منه النافع بأكبر قدر ممكن، وتقلل السيئ قدر المستطاع، ولعل أحد الأصول المهمة المستفادة من تناول حركة الإسلام السياسي في تركيا هو أن الحركة تأخذ ما يتاح لها حتى تتهيأ لها الظروف للتغيير.



ولقد قامت ثلاثة انقلابات عسكرية في تركيا كانت كلها بعد قرب وصول الإسلاميين إلى قمة النظام السياسي حكمًا أو مشاركة، وهذا يدل على عمق الإسلام في نفس الشعب التركي، وقدرة الحركة الإسلامية ومعرفتها بمواطن التأثير في الشعب وكيفية مخاطبته، وطبيعة القضايا التي تطرحها عليه، فالحركة الإسلامية في تركيا لم تكن تكتفي وتقتصر على الحلال والحرام فقط رغم أهميته، وإنما كانت تقدم حلولاً واقعية لمشكلات يكابدها الأتراك ولا يجدون في الساسة العلمانيين يدًا تُنفذ أو أملاً يتحقق، حيث كان صراعهم على السلطة وليس على مصلحة الشعب.



البداية

كانت بداية الانفراج سنة (1365هـ = 1945م) عندما سمح النظام بتعدد الأحزاب، فظهر على الساحة الحزب الديمقراطي، لينافس حزب الشعب الذي أسسه أتاتورك واحتكر السلطة (27) سنة، واستطاع الحزب الديمقراطي أن يحصل على غالبية مقاعد البرلمان، وكان تصويت الأتراك له نكاية في حزب الشعب، وأصبح النشاط الإسلامي ممكنًا بعد أن كان مُصادَرًا، غير أن هذه التوجهات السياسية الجديدة دفعت الجيش للقيام بانقلاب عسكري في (2 ذي الحجة 1379هـ = 27 مايو 1960) باعتباره الحامي لمبادئ أتاتورك العلمانية، وتم إعدام "عدنان مندريس" رئيس الوزراء في هذا الانقلاب، وتولى قائد الانقلاب "جمال جورسيل" رئاسةَ الدولة والوزراء ووزارةَ الدفاع.



الصعود

لقد شهدت فترة الستينيات تحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة في تركيا؛ حيث ارتفعت الدخول وتغيرت بعض أنماط الحياة. أما في المجال السياسي فانتشرت الأحزاب اليسارية في صفوف الطلاب والمثقفين، وظهر في تلك الفترة توجهات سياسية إسلامية على الساحة في تركيا، فظهر المهندس الإسلامي "نجم الدين أربكان" الذي عيَّنه حزب العدالة رئيسًا لاتحاد مجالس الصناعة والتجارة التركية، ثم كان الظهور القوي لأربكان عام (1389هـ = 1969م) حيث فاز كمرشح مستقل عن دائرة قونية معقل الصوت الإسلامي، فكان فوزًا كبيرًا وانتصارًا ساحقًا، لكن الشرطة أبعدته عن منصبه.



وفي عام (1390هـ = 1970م) أسس أربكان حزب النظام الوطني، الذي تميز برنامجُه بالرغبة في توطيد العلاقات مع الدول القريبة من تركيا تاريخيًّا وثقافيًّا، وبدأ في نقد حزب العدالة والشعب الجمهوري. ومن يقرأ البيان التأسيسي للحزب ير كيف كانت الحركة تستجيب للنظام القانوني، ولا تحاول أن تخرج عليه حتى لا تقع تحت طائلته. وفي العام التالي أقام الحزب مؤتمره السنوي الأول، مبتدئًا الحفل بالنشيد الوطني، واختير "أربكان" أمينًا للحزب.



انقلاب المذكرة

وقد عانى النظام السياسي في تركيا من أزمات حادة لم تفلح الحكومات المتعاقبة في معالجتها لذلك وجهت قيادة الجيش في (15 محرم 1391هـ = 12 مارس 1971م) مذكرة إنذار إلى رئيس الوزراء "سليمان ديميريل" تدعوه فيه إلى إجراء إصلاحات سريعة من أجل القضاء على أسباب التذمر والفوضى، وإلا فإن الجيش سيمارس حقه الدستوري ويتولى مقاليد الحكم، وعُرف هذا الانقلاب بانقلاب المذكرة، فاستقالت الحكومة، وجُرِّم حزب النظام الوطني وأغلقت مقرَّاتُه، وذلك بعد أن ترك أثرًا لا يُمحى في نفوس الأتراك، واُضطر أربكان لمغادرة البلاد، حتى يترك العاصفة الهوجاء تمر.



السلام الوطني

في عام (1392هـ = 1972م) أسس "فريد ملان" حزب السلامة الوطني، وهو حزب يحمل توجهات إسلامية، وبقي أربكان في الظل حتى لا يُصادر نشاط الحزب كغيره، وبعد فترة قليلة خاض الحزب الانتخابات البرلمانية واستطاع أن يحقق المركز الثالث في نتائجها بعد أن حصل على (49) مقعدًا، ودخل في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري، وتضمن بروتوكول الاتفاق بينهما مبادئ هامة منها إطلاق الحريات، وحرية الصحافة، والعفو عن السجناء السياسيين. وتولى أربكان منصب نائب رئيس الوزراء، وجنى الإسلام من وراء هذا التحالف مكاسب كبيرة، منها: فتح عدد كبير من مدارس الأئمة والخطباء، وتدريس مادة الأخلاق كمادة إجبارية، وكانت أعظم إنجازات هذه الوزارة نجاح أربكان في إقناع قيادة الجيش التركي بإنزال قواتها في جزيرة قبرص واحتلال أكثر من ثلثها، وكان الدافع وراء ذلك هو وقف المذابح التي يرتكبها اليونانيون القبارصة في حق المسلمين القبارصة. واتخذ أربكان هذا القرار في ظل غياب رئيس الوزراء التركي أجاويد عن البلاد، وحصلت الوزارة بعد هذا القرار على تأييد شعبي كبير، ولمع نجم "أربكان" في سماء السياسة التركية، ولمع معه الاتجاه الإسلامي المتمثل في حزب السلامة الوطني.

IroN MaN
10-10-2008, 07:56 AM
وكان للنجاح الذي حققه حزب السلامة الوطني أثر بالغ في تصاعد المخاوف منه ومن تنامي المد الإسلامي في البلاد، فافتُعلت أزمة سياسية، واستقال أربكان ومؤيدوه من الوزارة.


كان أربكان في موقفه الحازم من قضية الإنزال التركي في قبرص يخاطب الشعب التركي والقضايا التي تشغله، وذلك لأن الشعب التركي يعتبر جزيرة قبرص جزءًا منه، قامت بريطانيا بتمكين اليونانيين منها حتى يصبحوا أكثرية، والمعروف أن الجزيرة لا تبعد إلا ستة كيلومترات عن الموانئ التركية، في حين تبعد عن اليونان أكثر من ستمائة كيلومتر.



وقد ائتلف حزب السلامة الوطني مع حزب العدالة في حكومتي (1395هـ = 1975م) و(1399 = 1978) وكان أربكان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء، وتبنى الحزب في هذه الفترة قضايا ذات طابع اقتصادي تنموي، فأصر الحزب على القيام بحملة للصناعات الكبرى خاصة في مجال الأسلحة الثقيلة، فافتتح في عام (1396هـ = 1976م) أكثر من مائة مؤسسة صناعية كبرى، وعمل على إصدار قانون يُلغي الفوائد الربوية على القروض الزراعية، وتم إحلال زراعة الحبوب محل زراعة الدخان، ووزع آلافًا من الجرارات الزراعية على الفلاحين.



انقلاب جديد

وفي عام (1400 هـ = 1980م) عقد الحزب مؤتمرًا شعبيًّا تحت شعار: "أنقذوا القدس"، ورُفعت فيه الأعلام الخضراء وظهرت دعوات لإقامة دولة إسلامية في تركيا، فقام الجيش بانقلاب عسكري، وسيطر العسكريون على السلطة السياسية، وتم حل الأحزاب ومن بينها حزب السلامة، وتركزت السلطة في يد مجلس الأمن القومي، ونفذ في تلك الفترة (3600) حكم بالإعدام، وقيدت الحريات المختلفة، ولم يُسمح بدخول انتخابات عام (1403هـ = 1983م) إلا لثلاثة أحزاب هي: حزب الديمقراطية ويتكون من جنرالات الجيش المتقاعدين، وحزب الشعب الجناح الأتاتوركي، وحزب الوطن الأم بقيادة "تورجوت أوزال" وهو الذي فاز في تلك الانتخابات، وظلت الحياة السياسية في تركيا غير مستقرة.



أوزال.. والحركة الإسلامية

لقد واجه قادة الانقلاب الأخير أزمة حقيقية؛ فهم يريدون استخدام الإسلام لمقاومة المد الشيوعي، وفي نفس الوقت يخشون من تنامي المد الإسلامي في الشارع والحياة السياسية التركية، وعلى حد تعبير البعض فهم يريدون إسلامًا تابعًا للنظام وليس منافسًا له.



وعندما بدأت الحياة السياسية تعود للبلاد تدريجيًّا أسس "تورجوت أوزال" حزب الوطن الأم، والمعروف أن أوزال مهندس كهربائي ولد عام (13446هـ = 1927م) وتمتع بخبرة عالية في الشئون الاقتصادية والسياسية وأنه كان مرشحًا لحزب السلامة الوطني عن ولاية "أزمير"، وكان يقال عنه إنه سفير الغرب في بلاده، ورغم ذلك فإن الحركة الإسلامية في عهده –سواءً كان في رئاسة الوزراء أو في رئاسة الجمهورية- كانت تتمتع بحرية أكبر، واحتلت مساحة أكبر في السياسة والشارع التركي، فأوزال كان يرى الأسلمة المعتدلة كإطار أيديولوجي للحد من تطرف الأتاتوركية، وخوفًا من تطرف بعض الإسلاميين ونمو الأفكار المتطرفة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران لذلك تَبَنَّى سياسات إسلامية معتدلة مقارنة بسابقيه، فدعم المدارس التي تُخرِّج الأئمة والخطباء لتصل نسبة خريجيها إلى 20% من خريجي المدارس المتوسطة، كما سمح بالدعوة الإسلامية في الإذاعة والتلفزيون، وسمح للفتيات بارتداء الحجاب بعد أن كان مجرَّمًا قبل ذلك، وسمح بقيام مؤسسات الأوقاف، كما سمحت السياسات الاقتصادية التي تبناها بوجود شركات ومشروعات إسلامية، كما سمح بنشاط رابطة العالم الإسلامي في تركيا.



الحجاب.. هو البداية

وقد تولى أوزال رئاسة الجمهورية في (ربيع الثاني 1410هـ = نوفمبر 1989م) وقبل توليه الرئاسة بيوم واحد نظمت طالبات جامعة "أنقرة" مظاهرة كبيرة اشترك فيها خمسة آلاف طالبة؛ احتجاجًا على منع الحجاب في الجامعات التركية بقرار من المحكمة الدستورية العليا، وأحدثت هذه المظاهرة أثرها في الشارع التركي، حيث رأى البعض أن الظهور المكثف للمحجبات هو من قبيل التخطيط السياسي، حيث يقدمون النساء والفتيات في الواجهة مما يجعل تأثيرهن أقوى ومواجهتهن أقل، ورأى آخرون أن النساء رفعن رايات الانتماء للإسلام بارتداء الحجاب لتثبت الحركة الإسلامية في تركيا أنها موجودة في الوجدان الشعبي والجماهيري، وبذلك استطاعت الحركة الإسلامية أن تنقل معركتها مع العلمانيين من الحرم الجامعي إلى الشارع العام لإثارة المشاعر الإسلامية لدى المواطن التركي، ولا شك أن هذا الأداء الإسلامي المحسوب بدقة كان يهدف إلى عدم حدوث انتكاسة للإسلاميين كالتي حدثت في بداية الثمانينيات والتي أدت إلى اقتصار المد الإسلامي على العباءات فقط بعد الانقلاب الأخير.



الرفاه.. من المسجد إلى المجتمع

تأسس "حزب الرفاه" عام (1403هـ = 1983م) وكان "النظام العادل" هو عنوان البرنامج الذي يطرحه الحزب، وهو في مضمونه يعني النظام الإسلامي. وكان النظام العادل للحزب يهدف إلى إلغاء العلمانية في تركيا والتي تختلف عن العلمانية الغربية التي تقتصر فقط على فصل الدين عن السياسة وليس محاربة الدين. وكان أربكان يرى أن الديمقراطية وسيلة وليست غاية؛ فهي تهدف إلى إقامة نظام السعادة وإذا فشلت في ذلك فلا قيمة لها، وكان هذا هو الخطاب السياسي الذي خاض به أربكان الانتخابات بعد ذلك، فاستطاع في الانتخابات المحلية عام (1410هـ = 1989م) أن يحصل على خمس بلديات، أما فوزه الكاسح فكان في عام (1413هـ = 1992م)، وكان مفاجأة كبيرة في الوسط السياسي التركي، ودعت هذه النتائج أربكان إلى مطالبة رئيس الوزراء "سليمان ديميريل" بالاستقالة وإحلال النظام العادل محل النظام المُفْلِس.



لقد بدأ حزب الرفاه والإسلاميون يقتربون من السلطة في هدوء وبطء، فعمل على خلق قاعدة اجتماعية قوية له، وساعده على ذلك انشغال المؤسسة العسكرية التركية والائتلاف الحكومي بمواجهة حزب العمال الكردستاني وزعيمه "عبد الله أوجلان"، فاستثمر حزب الرفاه ذلك الأمر في إعلانه أنه يرفض العنف، وأنه لن يخرج على خط الدولة وسياساتها، وساعده– أيضًا وجود الرئيس "تورجوت أوزال" في الحكم بأفكاره غير المتطرفة تجاه الإسلاميين. إلا أن أوزال توفي بأزمة قلبية مفاجئة في (24 شوال 1413هـ = 17 أبريل 1993م) قبل أن يكمل فترة رئاسته، وتولى الحكم بعده "سليمان ديميريل''.



ومع ازدياد الشعور الإسلامي في تركيا وسيطرة حزب الرفاه على عاصمتي تركيا: أنقرة وإستانبول، توحدت أحزاب اليمين واليسار ضده لتستطيع مواجهته، إلا أن أربكان السياسي العجوز رأى في هذه الوحدة إضعافًا لهما وتقويةً له، فحقق الحزب فوزًا في انتخابات (1414هـ = 1994م) وهو ما أقلق الأحزاب المختلفة فبدأ بعضها يخاطب ودَّ الجماهير عن طريق فتح معاهد لتدريس القرآن الكريم، وأثبت فوز الرفاه في هذه الانتخابات البلدية أنه حزب مستقيم استطاع أن يقدم خدمات يومية في البلديات التي فاز فيها دون تفرقة بين أحد؛ لذلك كان كثير من غير المسلمين يصوتون لصالحه، وبذلك انتقل الحزب من المسجد إلى المجتمع بهدوء وقوة فحقق شعبية كبيرة رغم تشكيك الكثيرين في هذا الأمر، وتجلت هذه الجماهيرية للحزب في الانتخابات البرلمانية في (1416هـ = 1995م) حيث حصل الحزب على أعلى المقاعد وهي: (158) مقعدًا من أصل (550) مقعدا، وحصل في الانتخابات البلدية الجزئية التي جرت في ذلك العام على 33% من الأصوات، وأعقب هذا الفوز الكاسح للرفاه فشلُ وانهيارُ الحكومة الائتلافية بين حزبي "الطريق القويم" و"الوطن الأم''.



ولقد تحالف الجميع ضد وصول الرفاه للحكم، فعهد الرئيس ديميريل إلى "تانسو تشيلر" زعيمة الطريق القويم بتشكيل الوزارة ففشلت، وقدَّم الرفاه ملفات تُدينها بالفساد، وحصل على موافقة من البرلمان على إجراء تحقيق حول ممتلكاتها الشخصية. أما "مسعود يلماظ" زعيم حزب الوطن الأم فألجأ الرفاه إلى المحكمة الدستورية العليا واستطاع الحصول منها على حكم بعدم دستورية اقتراع الثقة على حكومته، فأدى ذلك إلى فوضى سياسية مع إصرار المؤسسة العسكرية والعلمانيين على عدم صعود أربكان لرئاسة الوزارة.



وأمام هذه الإدارة المنظمة للحملة السياسية التي قام بها الرفاه لمواجهة خصومة الأقوياء، رفعت تشيلر الراية البيضاء حتى يتوقف الحزب عن فتح ملفات فسادها، وأعلنت قبولها الائتلاف السياسي مع الرفاه ،على أن يتولى أربكان رئاسة الوزارة، وتكون الوزارات السياسية السيادية من نصيب حزب الطريق القويم.



وفي (صفر 1417هـ= يونيو 1996م) تشكلت وزارة ائتلافية على رأسها نجم الدين أربكان ليصبح بذلك أول إسلامي يصعد إلى قمة السلطة السياسية في العصر الحديث في الشرق الأوسط عن طريق الانتخاب. واستطاع أربكان في الفترة التي تولى فيها الوزارة وهي عام واحد أن يخفض ديون تركيا من (38) مليار دولار إلى (15) مليار دولار، وقاد سياسة ناجحة داخليًّا وخارجيًّا بعيدًا عن التشدد والتطرف، وهذه السياسة تعتمد الواقع ولا تبتعد عنه، إلا أن المؤسسة العسكرية رأت في نجاحاته الكبيرة خطرًا كبيرًا، خاصة أنه اقترب من بعض القضايا الشائكة في تركيا –وعلى رأسها القضية الكردية- لحلها، وبدأت قيادة الجيش في حملة تطهير للإسلاميين من صفوف الجيش، وتوجيه انتقادات لاذعة لأربكان فتأزمت الأوضاع السياسية واحتقنت، وأمام ذلك لجأ أربكان إلى إجراء انتخابات مبكرة، ثم قدم استقالته من رئاسة الحكومة بعد أقل من عام.



ولا يخفى أن النخبة السياسية في تركيا وافقت على صعود الرفاه للسلطة لإثبات فشله والالتفاف عليه وحتى يفقد شعبيته إلا أن أربكان كان يدرك قواعد اللعبة السياسية ويتحرك من خلالها، مدركًا التوازنات السياسية التي تحيط به فنجح في أقل من عام في تحقيق إنجازات زادت من رصيده الشعبي والسياسي، لذلك رأى منافسوه ضرورةَ إقصائه عن موقعه رغم هتاف مائة ألف شاب تركي أمامه في مدينة قونية: "نريد الإسلام''.

IroN MaN
13-10-2008, 05:55 AM
الجزائر.. تضحيات ومجازر


قصة الجزائر واستقلالها قصة طويلة الفصول، حزينة الأحداث، تجمع بين البطولة والمأساة، بين الظلم والمقاومة، بين القهر والاستعمار، بين الحرية وطلب الاستقلال، كان أبطال هذه القصة الفريدة مليون شهيد، وملايين اليتامى والثكالى والأرامل، وكتبت أحداثها بدماء قانية غزيرة أهرقت في ميادين المقاومة، وفي المساجد، وفي الجبال الوعرة، حيث كان الأحرار هناك يقاومون.


بداية القصة

شاءت الأقدار أن يكون اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال الفرنسي للجزائر هو نفس اليوم الذي استقلت فيه غير أن الفارق الزمني بينهما (132) عامًا امتلأت بالأحداث والشهداء، فقد دخل الفرنسيون مدينة الجزائر في [14 محرم 1246هـ=5 يوليو 1830م] وكان عدد القوات الفرنسية التي نزلت الجزائر حوالي أربعين ألف مقاتل، خاضوا أثناء احتلالهم لهذا البلد العنيد معارك شرسة استمرت تسع سنوات فرضوا خلالها سيطرتهم على الجزائر.



كان الاستعمار الفرنسي يهدف إلى إلغاء الوجود المادي والمعنوي للشعب الجزائري، وأن يكون هذا البلد تابعًا لفرنسا؛ لذلك تعددت وسائل الفرنسيين لكسر شوكة الجزائريين وعقيدتهم ووحدتهم، إلا أن هذه المحاولات تحطمت أمام صلابة هذا الشعب وتضحياته وتماسكه، فقد بدأ الفرنسيون في الجزائر باغتصاب الأراضي الخصبة وإعطائها للمستوطنين الفرنسيين، الذين بلغ عددهم عند استقلال الجزائر أكثر من مليون مستوطن، ثم محاربة الشعب المسلم في عقيدته، فتم تحويل كثير من المساجد إلى كنائس أو مخافر للشرطة أو ثكنات للجيش، بالإضافة إلى ما ارتكبوه من مذابح بشعة، أبيدت فيها قبائل بكاملها.



بدأت المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال مع نزول أرض الجزائر، وكان أقوى حركاتها حركة الجهاد التي أعلنها الأمير عبد القادر الجزائري في [1248هـ=1832م]، واستمرت خمسة عشر عامًا، استخدم فيها الماريشال الفرنسي "بيجو"، وقواته التي وصل عددها (120) ألف جندي، حرب إبادة ضد الجزائريين، والحيوانات، والمزارع، فوقع الذعر في قلوب الناس، واضطر الأمير عبد القادر إلى الاستسلام في [1261هـ=1847م].



لم تهدأ مقاومة الجزائريين بعد عبد القادر، فما تنطفئ ثورة حتى تشتعل أخرى، غير أنها كانت ثورات قبلية أو في جهة معينة، ولم تكن ثورة شاملة؛ لذا كانت فرنسا تقضي عليها، وضعفت المقاومة الجزائرية بعد ثورة أحمد بومرزاق سنة [1288هـ=1872م]، وقلت الثورات بسبب وحشية الفرنسيين، واتباعهم سياسة الإبادة التامة لتصفية المقاومة، وفقدان الشعب لقياداته التي استشهدت أو نفيت إلى الخارج، وسياسة الإفقار والإذلال التي اتبعت مع بقية الشعب.



السياسة الفرنسية في الجزائر

لقد أحدث المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر جروحًا عميقة في بناء المجتمع الجزائري، حيث عملت فرنسا على إيقاف النمو الحضاري والمجتمعي للجزائر مائة واثنتين وثلاثين سنة، وحاولت طمس هوية الجزائريين الوطنية، وتصفية الأسس المادية والمعنوية التي يقوم عليها هذا المجتمع، بضرب وحدته القبلية والأسرية، واتباع سياسة تبشيرية تهدف إلى القضاء على دينه ومعتقده الإسلامي، وإحياء كنيسة إفريقيا الرومانية التي أخذت بمقولة "إن العرب لا يطيعون فرنسا إلا إذا أصبحوا فرنسيين، ولن يصبحوا فرنسيين إلا إذا أصبحوا مسيحيين".



وكان التوجه الفرنسي يعتمد على معاداة العروبة والإسلام، فعملت على محو اللغة العربية، وطمس الثقافة العربية والإسلامية، وبدأ ذلك بإغلاق المدارس والمعاهد، ثم تدرج مع بداية القرن العشرين إلى منع تعلم اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية، وعدم السماح لأي شخص أن يمارس تعليمها إلا بعد الحصول على ترخيص خاص وفي حالات استثنائية، ومن ناحية أخرى عملت على نشر الثقافة واللغة الفرنسية، واشترطوا في كل ترقية اجتماعية ضرورة تعلم اللغة الفرنسية، كذلك عملوا على الفصل بين اللغة العربية والإسلام، والترويج لفكرة أن الجزائريين مسلمون فرنسيون.



البربر والأمازيغية

واهتم الفرنسيون بالترويج للهجات المحلية واللسان العامي على حساب اللغة العربية، فشجعوا اللهجة البربرية "الأمازيغية"، واتبعوا كل سبيل لمحاربة اللسان العربي، واعتبروا اللغة العربية الفصحى في الجزائر لغة ميتة.



وقد سعى الفرنسيون إلى ضرب الوحدة الوطنية الجزائرية بين العرب والبربر، فأوجدوا تفسيرات مغرضة وأحكاما متحيزة لأحداث التاريخ الجزائري، ومنها أن البربر كان من الممكن أن يكون لهم مصير أوروبي لولا الإسلام، واعتبروا العنصر البربري من أصل أوروبي، وحكموا عليه بأنه معاد بطبعه للعرب، وسعوا لإثبات ذلك من خلال أبحاث ودراسات تدعي العلمية، وخلصوا من هذه الأبحاث الاستعمارية في حقيقتها إلى ضرورة المحافظة على خصوصية ولغة منطقة القبائل البربرية بعيدًا عن التطور العام في الجزائر.



واتبع الفرنسيون سياسة تبشيرية لتنصير المسلمين خاصة في منطقة القبائل، فتعرض رجال الإصلاح وشيوخ الزوايا للتضييق والمراقبة والنفي والقمع، وفتحت كثير من المدارس التبشيرية وبنيت الكنائس ووجه نشاطها للأعمال الخيرية والخدمات الاجتماعية لربطها بواقع السكان هناك، وقام الرهبان والقساوسة بالتدريس في الكثير من المدارس. وحسب الإحصائيات الفرنسية بالجزائر فإن منطقة القبائل كان بها مدرسة لكل (2100) طفل، في حين كانت هناك مدرسة لكل أربعين ألف طفل في بعض المناطق الأخرى بالجزائر.



وسعى الفرنسيون إلى عزل بعض المناطق بالجزائر والحيلولة دون اتصالها أو تفاعلها مع باقي المناطق الأخرى، وكان تركيزهم على منطقة القبائل، ورعوا نزعاتها الإقليمية التي تتنافى مع وحدة الشعب الجزائري، وذلك بالاهتمام بالأعراف والتقاليد واللهجات والفولكلور على حساب الثقافة العربية الإسلامية، وصدرت تعليمات واضحة لموظفي الإدارة الاستعمارية الجزائرية تتلخص في ضرورة حماية القبائل وتفضيلهم في كل الظروف على العرب، ولولا المواقف الشجاعة والتضحيات التي قدمها أبناء القبائل لأمكن للمخطط الاستعماري تدمير البنية الاجتماعية للشعب الجزائري في تلك المناطق.

IroN MaN
13-10-2008, 06:02 AM
موقف الشعب الجزائري

لم يتجاوب الشعب الجزائري مع السياسة الفرنسية في جميع الجهات بدون استثناء، لا سيما في المناطق التي عرفت ضغطًا فرنسيًا مكثفًا لتحويل اتجاهها الوطني، فلم يكن للإعانات ولا المساعدات التي تقدمها الإرساليات التبشيرية ولا للتعليم الذي وفرته المدرسة الفرنسية، ولا للمستوطنين الفرنسيين، ولا للمهاجرين الجزائريين الذين تنقلهم السلطات للعمل في فرنسا ـ أثر في فرنسة الشعب الجزائري المسلم، وهو ما دفع مخططي السياسة الفرنسية إلى اتهام الجزائريين بأنهم شعب يعيش على هامش التاريخ.


وحارب الشعب سياسة التفرقة الطائفية برفع شعار "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا والجزائر وطننا" الذي أعلنه العالِم والمجاهد الجليل عبد الحميد بن باديس، ورأى المصلحون من أبناء الجزائر في ظل فشل حركات المقاومة، أن العمل يجب أن يقوم –في البداية- على التربية الإسلامية لتكوين قاعدة صلبة يمكن أن يقوم عليها الجهاد في المستقبل، مع عدم إهمال الصراع السياسي فتم تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام [1350هـ=1931م] بزعامة ابن باديس، التي افتتحت مدارس لتعليم ناشئة المسلمين، وهاجم ابن باديس الفرنسيين وظلمهم، وشنع على عملية التجنس بالفرنسية وعدها ذوبانًا للشخصية الجزائرية المسلمة، وطالب بتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي، وأثمرت هذه الجهود عن تكوين نواة قوية من الشباب المسلم يمكن الاعتماد عليها في تربية جيل قادم.



وعلى الصعيد السياسي بدأ الجزائريون المقاومة من خلال التنظيم السياسي الذي خاض هذا الميدان بأفكار متعددة، فمنهم من يرى أن الغاية هي المساواة بالفرنسيين، ومنهم الشيوعيون، والوطنيون المتعصبون، وظهرت عدة تنظيمات سياسية منها: حزب الجزائر الفتاة، وجمعية نجم شمالي إفريقيا بزعامة مصالي الحاج الذي عرف بعد ذلك بحزب الشعب الجزائري، وتعرض زعيمه إلى الاعتقال والنفي مرات كثيرة.



مذابح [1364هـ=1945م]




اشتعلت الحرب العالمية الثانية ولم تمض شهور قليلة حتى انهارت فرنسا أمام ألمانيا، وبدا للشعوب المستعمرة أن قوة فرنسا لم تكن إلا عليهم فقط، وأن هيبتها لم تكن إلا في هذه القلوب المستضعفة، وأدى ذلك إلى تعاون كثير من المستوطنين الموجودين في الجزائر مع حكومة فيشي الموالية للألمان في فرنسا، وظهرت أصوات المستوطنين الفرنسيين تعلو بأن فرنسا ارتكبت أخطاء، وأن عليها أن تدفع الثمن وحدها، أما الجزائريون فذهب كثير منهم إلى الحرب للدفاع عن فرنسا، فدُمر الإنتاج في الجزائر وزادت صعوبات الحياة؛ لذلك تقدموا ببيان إلى السلطات الفرنسية يطالبون فيه بحق تقرير المصير، تقدم به فرحات عباس –زعيم حزب اتحاد الشعب الجزائري-، ورفضت فرنسا قبول البيان كأساس للمحادثات، فأحدث ذلك رد فعل عنيفا عند الجزائريين الذين أصروا على تمسكهم بالبيان والتزامهم به، ففرض الجنرال كاترو الحاكم العام في الجزائر الإقامة الجبرية على فرحات عباس وغيره من الزعماء الجزائريين.




أسس فرحات عباس حركة أصدقاء البيان والحرية في [ربيع أول 1363هـ=مارس 1944] وكان يدعو إلى قيام جمهورية جزائرية مستقلة ذاتيًا ومتحدة مع فرنسا، وهو ما سبب خلافًا بينه وبين مصالي الحاج الذي نصحه بقوله: "إن فرنسا لن تعطيك شيئًا، وهي لن ترضخ إلا للقوة، ولن تعطي إلا ما نستطيع انتزاعه منها".



ولم يمض وقت طويل حتى استغلت فرنسا قيام بعض المظاهرات في عدد من المدن الجزائرية وإحراقها للعلم الفرنسي حتى ارتكبت مذبحة رهيبة سقط فيها (45) ألف شهيد جزائري، وكان ذلك تحولاً في كفاح الجزائريين من أجل الحرية والاستقلال، إذ أدركوا أنه لا سبيل لتحقيق أهدافهم سوى العمل المسلح والثورة الشاملة، فانصرف الجهد إلى جمع الأسلحة وإعداد الخلايا السرية الثورية حتى يحين الوقت المناسب لتفجير الصراع المسلح.



الثورة الجزائرية

اتجه الجزائريون بعد تلك المذابح البشعة إلى العمل السري، وكان يتم اختيار أفراد هذا العمل من خيرة الشبان خلقًا وأدبًا فلم يكن يسمح بضم الملحدين أو الفوضويين، وبدأت خلايا المجاهدين تنتشر في الجزائر طولاً وعرضًا، وأحيطت أساليب العمل بسرية تامة مما كان له أكبر الأثر في نجاح الثورة، واستطاع هذا التنظيم الدعاية للثورة في صفوف الشعب وإعداده للمعركة القادمة.



وقد تشكلت لجنة مؤلفة من (22) عضوًا برئاسة محمد بوضياف عرفت باسم "اللجنة الثورية للوحدة والعمل" كان مهمتها قيادة العمل السري، وأوكل إلى بعض أفرادها مهمة العمل لإشعال الثورة، وتم تشكيل جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي حددت يوم [6 ربيع الأول 1347هـ=1 نوفمبر 1954م] موعدًا لبدء الثورة الجزائرية، وهو يصادف عيد القديسين عند الفرنسيين، وأعلنت الجبهة في بيانها الأول أهدافها ووسائلها التي تصدرها الاستقلال الوطني وإقامة دولة جزائرية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية، واحترام الحريات دون تمييز ديني أو عرقي، وأعلنت الجبهة أنها ستواصل الكفاح بجميع الوسائل لتحقيق ذلك الهدف، وتأسس في ذلك اليوم جيش التحرير الوطني، وفُتح للجبهة عدد من المكاتب في الخارج.



وفوجئت السلطات الاستعمارية الفرنسية بوقوع سلسلة من الهجمات المسلحة شنها المجاهدون الجزائريون على المنشآت والمراكز العسكرية الفرنسية في كامل أنحاء البلاد وعلى الأخص في جبال الأوراس والقبائل والشمال القسطيني، وتلمسان، وكان ذلك إيذانًا ببداية الحرب طويلة الأمد التي استمرت سبع سنوات ونصفا، وكان رد الفعل الفرنسي الأول ممثلا بموقف رئيس وزرائها "مانديس فرانس" الذي أعلن أن جواب فرنسا على هذه العمليات التمردية هو الحرب، وبادر بإرسال قوات المظليين الفرنسيين في اليوم التالي، وقامت هذه القوات ذات القبعات الحمراء بارتكاب أبشع الأعمال الإجرامية والدموية ضد الشعب الجزائري، فدمرت قرى بكاملها، ومورست الإبادة الجماعية والتعذيب البشع، وصرح وزير الداخلية الفرنسي "فرانسوا ميتران" أن الجزائر هي فرنسا.



كان عدد القوات الفرنسية في الجزائر عند بداية الثورة حوالي (50) ألف جندي، فلم تستطع حماية نفسها، فطلبت التعزيزات حيث قام المجاهدون في اليوم الأول للثورة بأكثر من خمسين هجومًا خاصة في منطقة أوراس والقبائل، ثم اعتصموا بالجبال واستطاع المجاهدون السيطرة على منطقة الأوراس التي تبلغ مساحتها (12) ألف كيلو متر، ولم يعد في إمكان الفرنسيين دخولها إلا في المدرعات وحماية الطائرات.



ارتفع عدد القوات الفرنسية في الجزائر بعد ثلاثة شهور من الثورة إلى ثمانين ألفًا، وامتد لهيب الثورة إلى كل أنحاء الجزائر وأصبحت ولايات الجزائر ولايات للكفاح والجهاد، وخلق الإرهاب الفرنسي جوًا من العزلة بين الفرنسيين والقوى الوطنية.



مؤتمر الصومام

كان قادة الثورة الجزائرية قد تواعدوا عندما أطلقوا شرارة الثورة على الالتقاء بعد ستة أشهر لتقويم المرحلة السابقة، غير أن عنف الثورة، وانهماك القادة في الجانب العسكري والسياسي لم يسمح بهذا اللقاء إلا بعد (22) شهرًا، حيث انعقد مؤتمر الصومام في [ 14 محرم 1376 هـ= 20 أغسطس 1956م] في منطقة القبائل وحضره كبار القادة ومثلت فيه جميع الولايات، ويعتبر المؤتمر نقطة تحول هامة في تاريخ الثورة، واتخذ المؤتمر عدة قرارات هامة منها إقامة المجلس الوطني للثورة الذي تولى مهمة التوجيه العام لها، وتنظيم جيش التحرير على غرار التنظيم المتبع في جيش منطقة القبائل.

IroN MaN
13-10-2008, 06:05 AM
مشروع شال

وكانت جبهة التحرير الجزائرية قد أعلنت [جمادى الآخرة 1375 هـ: فبراير 1956م] استعدادها للمفاوضة مع فرنسا من أجل وقف القتال وحل المشكلة الجزائرية، إلا أن فرنسا رفضت هذه المبادرة، وأرسلت السفاح "روبيرلاكوست" قائدًا عامًا في الجزائر، وزادت قواتها الاستعمارية إلى أكثر من نصف مليون مقاتل، وقامت بأحد عشر هجومًا ضخمًا واسع النطاق حمل أسماء ضخمة، كان يهدف بعضها إلى عزل جيش التحرير عن مناطق الريف؛ لذلك تم إجلاء القرويين من مساكنهم وحشدوا في معسكرات تحت الرقابة الدائمة، أما النقطة الثانية فتتمثل في حشد قوات هائلة تستمر عملياتها من أسابيع إلى شهور لسحق الوطنيين وهو ما عرف بمشروع "شال".


ولم ترهب هذه القوات الفرنسية جيش التحرير الجزائري الذي زاد قواته ومجاهديه إلى أكثر من (120) ألفًا، وأنشأ مدارس عسكرية، بل امتدت عملياته الحربية والجهادية إلى الأراضي الفرنسية حيث تم تدمير مستودعات بترولية ضخمة في فرنسا.



وأمام هذا الوضع المتأزم اختطفت فرنسا في [ 1376 هـ= 1956م] طائرة مغربية وعلى متنها أربعة قادة من قادة الثورة الجزائرية وهم حسين آيات أحمد، وأحمد بن بله، ومحمد خضير، ومحمد بو ضياف، كذلك حاولت شق صف الثورة من خلالها عميلها "بن لونيس" إلا أن الثوار استطاعوا إعدامه.



قضية الجزائر

أصبحت القضية الجزائرية معضلة من أضخم المشكلات الدولية، وتعددت مناقشاتها في الأمم المتحدة واكتسبت تعاطفًا دوليًا متزايدًا على حساب تآكل الهيبة الفرنسية عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وقام قادة الثورة بزيارات لعدد من دول العالم، وتشكلت حكومة جزائرية مؤقتة في [6 ربيع الأول 1378هـ= 19 سبتمبر 1958م] برئاسة عباس فرحات، ولم يمض شهر واحد على تشكيلها حتى اعترفت بها (14) دولة.



وفي [جمادى الأولى 1379هـ= نوفمبر 1979م] أعلن الرئيس الفرنسي ديجول عن قبول فرنسا للمفاوضات بأسلوب غير مقبول، إذ أعلن أنه على ممثلي المنظمة الخارجة على القانون والمتمردين على فرنسا أن يأتوا إليها، فأعلنت الحكومة الجزائرية المؤقتة أنها كلفت الزعماء الجزائريين المختطفين في فرنسا بإجراء المفاوضات حول تقرير المصير، فرفض ديجول هذا المقترح.



محادثات إيفيان

وقع تمرد عسكري في صفوف القوات الفرنسية في الجزائر بقيادة عدد من الجنرالات وأعلنوا ذلك التمرد عبر إذاعة الجزائر في [ 7 ذي القعدة 1380هـ= 22 إبريل 1961م] وقامت مظاهرات عنيفة في الجزائر ضد الفرنسيين، وأعلنت الحكومة الجزائرية المؤقتة أنها شرعت في إجراء محادثات إيفيان بعد ذلك بأسابيع، لكنها ما لثبت أن توقفت بسبب الخلاف في موضوع الصحراء.



ثم استؤنفت المفاوضات بعد ذلك، واضطرت فرنسا إلى الاعتراف بحق الجزائر في الصحراء، وتم الاتفاق في [ 12 شوال 1381هـ= 19 مارس 1962م] على وقف إطلاق النار بين الجيش الفرنسي وجبهة التحرير الجزائرية، وأن تتولى شؤون الجزائر هيئة مؤقتة تتألف من (12) عضوًا، ثم جرى استفتاء في [29 محرم 1382 هـ= 1 يونيو 19962م] على استقلال الجزائر جاءت نتيجته 97.3% لمصلحة الاستقلال.



ودخلت الحكومة الجزائرية برئاسة يوسف بن خده الجزائر، ثم أعلن الاستقلال في [ 3 صفر 1382 هـ= 5 يوليو 1962م] وقامت الدولة الجزائرية رغم المشكلات التي عرقلت سيرها وتفجر الصراع بين قادة الثورة والجهاد؛ وهو ما كاد يؤدي إلى حرب أهلية.



ولم يعترف المستوطنون الفرنسيون باتفاقية إيفيان، وشكلوا منظمات سرية فرنسية للإطاحة بما تم، لكنها لم تفلح في ذلك، فأخذ المستوطنون في ترك الجزائر، وهاجر ما يقرب من مليون مستوطن إلى فرنسا.

IroN MaN
18-10-2008, 10:14 AM
سقوط قرطبة.. تآمر العدو والصديق



على أنقاض دولة الموحدين التي انفكت عراها بعد هزيمتهم المدوية في معركة العقاب في (15 من صفر 609هـ= 16 من يوليو 1212م) المعروفة أمام الجيوش الإسبانية والأوروبية المتحالفة – نجح محمد بن يوسف بن هود في أن يقيم دولة كبيرة ضمت قواعد الأندلس الكبرى، مثل: إشبيلية حاضرة الحكم الموحدي، وشاطبة، وجيان، وغرناطة، ومالقة، وألمرية، وأصبح بعد هذا النجاح زعيم الأندلس وقائد حركة تحريرها والدفاع عنها أمام أطماع النصارى التي ليس لها حد؛ ولذلك دخل في معارك معهم أصابه التوفيق في بعضها، وحلّت به الهزيمة في بعضها الآخر.
ومحمد بن يوسف بن هود كان قبل أن يظهر أمره من أجناد "مرسية" ومن بيت عريق في الزعامة والرياسة، فهو سليل بني هود ملوك سرقسطة أيام حكم الطوائف، استطاع أن يجمع حوله الأتباع والأنصار، وأن يحارب بهم دولة الموحدين، وكانت تمر بظروف حرجة فلم تقو على الوقوف أمامه، فتساقطت مدنها في يده بعدما اشتد أمره وذاع ذكره.


التبعية للدولة العباسية


رأى ابن هود منذ أن استفحل أمره أن ينطوي تحت الخلافة العباسية في بغداد، ويستظل بظلها، وأن يتشح بثوب من الشرعية في انتحال الولاية، ويستقوي بها في محاربة خصومه؛ فرفع الشعار الأسود شعار العباسيين، ودعا للخليفة المستنصر بالله العباسي، وبعث إليه في بغداد يطلب منه مرسومًا بولايته على الأندلس، فبعث به إليه ومعه الخلع والرايات، واستقبل ابن هود مبعوث الخليفة سنة (630هـ= 1233م) وكان يومئذ بغرناطة.
فقرئ المرسوم على الناس، وجاء فيه أن الخليفة قلده "أمر جزيرة الأندلس وما يجري معها من الولايات والبلاد، ويسوغه ما يفتتحه من ممالك أهل الشرك والعناد تقليدًا صحيحًا شرعيًا، ثم يقدم له الخليفة بعض النصائح تتضمن التمسك بتقوى الله، والتزام كتابه وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأن يكثر من مجالسة الفقهاء والعلماء، ومشاورة العقلاء الألباب، وأن يحسن السيرة في الرعية وأن يُعنى بمجاهدة الكفار.
وبهذا المرسوم صار ابن هود أمير الأندلس الشرعي، وكان ملكه يومئذ يمتد في شرقي الأندلس من الجزيرة وشاطبة حتى ألمرية جنوبًا، وفي وسط الأندلس فيما بين قرطبة وغرناطة، ولم يخرج عن سلطانه سوى عدد قليل من قواعد الأندلس الكبرى.


صراع ومنافسة


ولم يكن ابن هود منفردًا بحكم الأندلس، ولم تتحد قواعدها الكبرى تحت سلطانه فقد نافسه في شرقي الأندلس "أبو جميل زيان بن مردنيش" وكانت بلنسية تحت يده. وفي وسط الأندلس وجنوبها نافسه "محمد بن يوسف الأحمر" وكان زعيمًا شجاعًا مقدامًا، أهلته ملكاته ومواهبه أن يشتد أمره ويضع يده على "جيان" وما حولها، وأن يتطلع إلى أن يبسط سلطانه على قواعد الأندلس في الجنوب.
واستشعر ابن هود بقوة منافسه ابن الأحمر وتوجس منه خيفة ومن تطلعاته الطموحة، فشاء أن يقضي على آمال خصمه قبل أن تتحول إلى حقيقة ويعجز هو عن إيقاف مده والقضاء على خطره، فلجأ إلى السيف لتحقيق ما يتمنى، ولم يكن خصمه القوي في غفلة عما يدبر له، فاستعد ليوم اللقاء، وعقد حلفًا مع "أبي مروان أحمد الباجي" القائم على إشبيلية التي خرجت من سلطان ابن هود.
وكان مما لا بد منه، والتقى الفريقان على مقربة من إشبيلية في معركة حامية في سنة (631هـ=1233م)، وانتصر الحليفان على غريمهما ابن هود، ودخل ابن الأحمر إشبيلية بعد ذلك، وهو يضمر في نفسه التخلص من حليفه الباجي، فدس له من يقتله، وحاول أن يبسط يده على إشبيلية فلم يتمكن، وثار عليه أهلها، وأخرجوه منها بعدما علموا بفعلته مع زعيمهم أبي مروان الباجي، وأرسلوا إلى ابن هود يسلمون له مدينتهم لتكون تحت حكمه وسلطانه.


الرجوع إلى الحق


وحدث ما لم يكن متوقعًا، فقد حل السلم والصلح بين الزعيمين المتخاصمين، ولعلهما أدركا خطر الحرب بينهما واستنزاف الأموال والدماء في معارك لن يستفيد منها سوى عدوهما المشترك ملك قشتالة، فغلّبا صوت العقل وخلق الأخوة على التنافس البغيض، وعقدا الصلح في (شوال 631هـ= يونيو 1234م)، واتفقا على أن يقر ابن الأحمر بطاعة ابن هود على أن يقره الأخير على ولايتي أرجونة وجيان.
وفي هذه الفترة لم يكن فرناندو الثالث يكف عن شن غزواته وحروبه، ولا يهدأ في إرسال جيوشه تعبث في الأرض فسادًا. وكان ابن هود يرده في كل مرة بعقد اتفاقية وهدنة، ويدفع له إتاوة عالية، وينزل له عن بعض الحصون، وكان فرناندو يهدف من وراء غزواته المتتالية أن يرهق المسلمين ويستولي على حصونهم، حتى تأتي الفرصة المواتية فينقض على قرطبة تلك الحاضرة العظيمة ذات المجد الأثيل ويستولي عليها.
ولم تكن المدينة العظيمة في أحسن حالتها، تضطرب الأمور فيها اضطرابًا، تميل مرة إلى ابن الأحمر، ومرة أخرى إلى ابن هود، لا تتفق على رأي، ولا تسلم زمامها لمن يستحق وتمكنه قدرته وكفاءته من النهوض بها، وتفتك الخصومات والأحقاد بها، ويبدو أن الملك القشتالي كان على علم بعورات المدينة، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها.

IroN MaN
18-10-2008, 10:18 AM
غزو قرطبة

وأواخر (ربيع الآخر 633هـ= 1236م) خرج جماعة من فرسان قشتالة المغامرين صوب قرطبة، واحتموا بظلام الليل وخيانة البعض ونجحوا في الاستيلاء على منطقة من مناطق المدينة تعرف بالربض الشرقي، وكانت قليلة السكان، ضعيفة الحراسة، وقتلوا كثيرًا من سكانها، وفر الباقون إلى داخل المدينة، وبعدما زالت المفاجأة جاءت حامية المدينة وهاجموا هؤلاء الغزاة الذين تحصنوا بالأبراج، وبعثوا في طلب النجدة والإمداد، فجاءتهم نجدة صغيرة من إخوانهم النصارى، وتحرك فرناندو على الفور صوب قرطبة، غير ملتزم بالمعاهدة التي عقدها مع ابن هود الذي تتبعه المدينة، وبدأت تتجمع قوات من النصارى تحت أسوار المدينة ويزداد عددها يومًا بعد يوم، وتتوقد قلوبهم حماسة وحمية، وبدأ الملك يضع خطته للاستيلاء على المدينة العظيمة.


موقف ابن هود

تطلع القرطبيون في هذه اللحظات الحرجة إلى ابن هود لإنجادهم والدفاع عن مدينتهم باعتباره حاكم المدينة الشرعي، فاستجاب لهم حين علم بالخطر الداهم الذي يحيط بالمدينة العريقة، وخرج في جيش كبير من بلنسية إلى قرطبة، وعسكر على مقربة منهم، وكان أهل قرطبة ينتظرون مقدمه واشتباكه مع النصارى في موقعة فاصلة، وبدلاً من أن يفعل ذلك ظل واقفًا في مكانه لا يحرك ساكنًا، ولا يتحرش بهم، ولو أنه اشتبك معهم لحقق نصرًا هائلاً وألحق بهم هزيمة كبيرة، فحشودهم لم تكن ذات شأن، جمعتها الحماسة والحمية، وفرسانهم لم يكن يتجاوزا المائتين.
ويختلف المؤرخون في السبب الذي جعل ابن هود يقف هذا الموقف المخزي، وهو الذي ملأ الأندلس كلامًا بأنه سيعمل على تحرير الأندلس من عدوان النصارى، وعلى إحياء الشريعة وسننها. يذهب بعض المؤرخين إلى أن قسوة الجو وهطول الأمطار بشدة ونقصان المؤن هو الذي حمل ابن هود على اتخاذ هذا الموقف.
وتذهب بعض الروايات أن أحد رجال ابن هود وكان مسيحيًا قشتاليًا خدعه وأوهمه بأن الملك في أعداد هائلة من جيشه، مجهزة بأقوى الأسلحة وأفتكها، وأنه لا يأمل أن يتحقق النصر على جيش مثل هذا، فانخدع له ابن هود وتخلى عن نجدة أهل قرطبة، وأيًا كانت الأسباب التي يلتمسها المؤرخون لموقف ابن هود فإن ذلك لن يغير من الحقيقة شيئًا، وهو أن ابن هود ترك قرطبة دون أن ينجدها ويضرب القوات التي تحاصرها، ولم يكن عاجزًا أو ضعيفًا، فقواته كانت تتجاوز خمسة وثلاثين ألف جندي، لكنه لم يفعل.


سقوط قرطبة

لم يعد أمام قرطبة بعد أن تركها ابن هود تلقى مصيرها سوى الصمود ومدافعة الحصار الذي ضربه حولها فرناندو الثالث، الذي قطع عنها كل اتصال عن طريق البر أو عن طريق نهر الوادي الكبير؛ فانقطعت عنها المؤن والإمدادات وكل ما يجعلها تقوى على الصمود، وظل هذا الوضع قائمًا حتى نفدت موارد المدينة المنكوبة ونضبت خزائنها، واضطر زعماء المدينة إلى طلب التسليم على أن يخرجوا آمنين بأموالهم وأنفسهم، فوافق الملك على هذا الشرط.
وفي أثناء المفاوضات علم أهل قرطبة أن الجيش القشتالي يعاني من نقص المؤن مثلما يعانون، فابتسم الأمل في نفوسهم، فتراجعوا عن طلب تسليم المدينة أملاً في أن يدفع نقص المؤن الجيش القشتالي على الرحيل ورفع الحصار، لكن أملهم قد تبدد بعد أن تحالف ملك قشتالة مع ابن الأحمر أمير جيان، فتآمر عليهم العدو والصديق، ولم يجدوا بدًا من التسليم ثانية بعد أن تعاونت الخيانة مع ضياع المروءة والشرف في هذا المصير المحتوم.
وأغرى هذا الموقف المخزي بعض القساوسة الغلاة في أن يصر الملك على فتح المدينة بالسيف وقتل من فيها، لكن الملك رفض هذا الرأي خشية أن يدفع اليأس بأهل قرطبة إلى الصبر والصمود وتخريب المدينة العامرة وكانت درة قواعد الأندلس، فآثر الموافقة على التسليم.
وفي يوم حزين وافق (الثالث والعشرين من شهر شوال 633هـ= 29 من يونيو 1236م) دخل القشتاليون المدينة التليدة، ورُفع الصليب على قمة صومعة جامعها الأعظم، وصمت الأذان الذي كان يتردد في سماء المدينة أكثر من خمسة قرون، وحُوّل المسجد في الحال إلى كنيسة، وفي اليوم التالي دخل فرناندو قرطبة في كوكبة من جنوده وأتباعه، وهو لا يصدق أن ما يحلم به قد تحقق، لا بقدرته وكفاءته وإنما بتنازع المسلمين وتفرقهم، ووطئت أقدامه عاصمة الخلافة في الأندلس لا بشجاعة جنوده وبسالتهم وإنما بجبن قادة المسلمين وحكامهم.. وهكذا سقطت المدينة التليدة التي كانت يومًا ما مركز الحكم، ومثوى العلوم والأدب، ومفخرة المسلمين..

IroN MaN
18-10-2008, 10:23 AM
ميلاد دولة المماليك


اثنان من بني أيوب كُتب لأحدهما أن تولد على يديه الدولة الأيوبية، وكتب للآخر أن تكون نهاية الدولة بموته، وشاءت الأقدار أن تشهد مصر لحظتي المولد والوفاة.


أما الأول فهو"صلاح الدين الأيوبي" الذي نجح بحكمته البالغة، وعقله الراجح، وسياسته الرشيدة أن يسرّع في إنهاء حياة الدولة الفاطمية سنة (567هـ = 1171م) في هدوء ودون إراقة دماء. واستعان في تحقيق ذلك بإقامة العدل، وإشاعة الأمن، والاستعانة بالأكْفَاء؛ فكَسَب ثقة الناس واستمالهم إلى سياسته، ثم هيأ الأجواء للتغيير بإقامة المدارس السُنّية، وتعيين القضاة الشافعية في البلاد، فانسحب المذهب الشيعي من الحياة، واختفى تدريجيًّا، ومن ثَمّ استعدت البلاد للوافد الجديد والدولة الوليدة.



وأما الآخَر فهو "توران شاه" آخر سلاطين الأيوبيين في مصر، وبموته انتهت دولة الأيوبيين، وخرجت دولة المماليك إلى الوجود وهذا ما سنعرض له.



الصليبيون في مصر

نجح الصليبيون في حملتهم السابعة بقيادة لويس التاسع في الاستيلاء على مدينة "دمياط" في (20 من صفر 6447هـ = 4 من يونيو 1249م)، واتخاذها قاعدة لمواصلة زحفهم نحو القاهرة، ونتيجة لذلك اضطر سلطان مصر


"الصالح أيوب" إلى نقل معسكره إلى المنصورة، ورابطت سفنه في النيل تجاه المدينة، واستقبلت المدينة أفواجا من المجاهدين الذين زحفوا إليها من أماكن مختلفة من العالم الإسلامي؛ مشاركة لإخوانهم المصريين في جهادهم ضد الصليبيين.

لم يهنأ الصليبيون باستيلائهم على دمياط، فقد اشتدت العمليات الفدائية، والحرب الخاطفة، ونجحت البحرية المصرية في حصار قوات الحملة، وتدمير خطوط إمدادها في فرع دمياط. واستمر الحال على ذلك المنوال ستة أشهر منذ أن سقطت دمياط، ولويس التاسع ينتظر قدوم أخيه الكونت "دي بواتيه"، فلما حضر تحركت الحملة الصليبية صوب القاهرة، فخرجت قواتهم من دمياط يوم السبت الموافق (12 من شعبان 647هـ = 20 من نوفمبر 1249م).



شجرة الدر في الحكم

أثناء ذلك توفي الملك الصالح أيوب في ليلة النصف من شعبان 647هـ فقامت زوجته شجرة الدر بترتيب شئون الدولة وإدارة شئون الجيش، وأخفت نبأ موت السلطان، وفي الوقت نفسه أرسلت إلى "توران شاه" ابن زوجها وولي العهد، تحثّه على القدوم، ومغادرة حصن كيفا بأطراف العراق حيث يقيم؛ ليتولى عرش السلطنة خلفًا لأبيه.



لم تفلح محاولات شجرة الدر في إخفاء خبر وفاة السلطان طويلاً، فتسرب نبأ الوفاة إلى الصليبيين، فسارعوا في التحرك، وزحفوا جنوبًا على شاطئ النيل الشرقي لفرع دمياط، وسفنهم تسير حذاءهم في النيل، ونجحت طلائع قواتهم في اقتحام معسكر المسلمين بالمنصورة فانتشر الذعر بينهم، ودخل الصليبيون المنصورة، وانتشرت جنودهم في أزقة المدينة، وباتت المدينة على وشك السقوط، وظن المسلمون أنهم قد أُحيط بهم، غير أن فرقة من المماليك البحرية جمعت قواها خارج المدينة، ثم أطبقت على الصليبيين بقيادة"بيبرس البندقداري" فانقلب نصر الصليبيين إلى هزيمة، وأوسعهم المماليك قتلاً، وشارك أهل المدينة في المعركة بإقامة المتاريس في الشوارع؛ لعرقلة الخيالة الصليبية، وقذف الفرسان بالحجارة والطوب؛ مما عجّل بالنصر وإلحاق الهزيمة القاسية بالصليبيين في (4 من ذي القعدة 647هـ = 8 من فبراير 1250م).



ولم تمض أيام على هذا النصر حتى قام المسلمون بهجوم جديد في فجر يوم الجمعة الموافق (8 من ذي القعدة 647هـ) على معسكر جيش الصليبيين الذي كان مرابطًا بالقرب من "أشموم طناح" لكن الملك لويس تمكن من الثبات بعد أن تكبد خسائر فادحة في الأرواح.

IroN MaN
18-10-2008, 10:30 AM
توران شاه في مصر

غادر توران شاه حصن كيفا ومعه خمسون من خاصته، حتى إذا وصل إلى مدينة "الصالحية" بمصر أُعلن موت الصالح أيوب، ونودي بسلطنة توران شاه وعمره وقتذاك خمس وعشرون سنة، ثم وصل إلى المنصورة في (21 من ذي القعدة 647هـ = 25 من فبراير 1250م)، وتسلم مقاليد الأمور من شجرة الدر، وتولى قيادة الجيش بنفسه، وبدأ في إعداد خطة لإجبار لويس التاسع على التسليم.


وتتلخص خطة توران شاه في التحول عن متابعة الهجوم البري على مواقع الصليبيين، إلى خطة نهرية محورها تجويعهم في معسكرهم بقطع مواصلاتهم في النيل مع دمياط. وتنفيذًا لهذه الخطة أمر السلطان بسحب عدد من المراكب المصرية الراسية قريبًا من موقع الأحداث، ثم تفكيكها لتُحمل على ظهور الجمال إلى بحر المجلة، ثم تركيبها وشحنها بالمقاتلين هناك لإقلاعها شمالاً إلى مصب البحر في النيل؛ حتى تكون خلف الخطوط الصليبية في النيل.



وبهذه الوسيلة تمكنت السفن المصرية من قطع خطوط الإمداد عن الصليبيين في المنصورة؛ فساءت أحوالهم، وتفشت الأمراض والأوبئة بين الجنود لاضطرارهم إلى الشرب من ماء النيل الذي غدت مياهه ملوثة بجثث القتلى الطافية، وحلّ بهم الجوع، واضطر الملك لويس إلى طلب الهدنة وتسليم دمياط مقابل أن يأخذ الصليبيون بيت المقدس، فرُفض طلبه.



ومن العجيب أن يفرض الملك الفرنسي شروطًا، وهو في موقف لا يُحسد عليه. ثم لم يلبث أن نشبت معركة هائلة في "فارسكور" قضى فيها المسلمون تمامًا على الجيش الصليبي، ووقع الملك أسيرًا، وسيق مكبلاً بالأغلال إلى المنصورة حيث سُجِن في دار "ابن لقمان".



نهاية توران شاه

لم يحسن توران شاه بن الصالح أيوب معاملة المماليك البحرية أصحاب الفضل في هذا النصر العظيم، وتنكر أيضًا لشجرة الدر وأساء معاملتها وتهددها.. فبدلاً من أن يعترف بالجميل لهم جميعًا حسدهم على مكانتهم التي بلغوها بفضل شجاعتهم وبأسهم، وبدلاً من أن يقربهم إليه باعتبارهم أركان دولته أعرض عنهم، وخشي من نفوذهم، وأوجس منهم خيفة، بل وأضمر لهم السوء، وكان لخفته وهوجه يجاهر بذلك.



يضاف إلى ذلك سوء تدبيره وفساد سياسته بإبعاده كبار رجال دولته من الأمراء، وتقريبه رجاله وحاشيته ممن قدموا معه إلى مصر، وإغداقه الأموال عليهم، واستئثارهم بالمناصب دون غيرهم.



تضافرت تلك الأسباب وقوّت من عزيمة المماليك على التخلص من توران شاه قبل أن يبطش هو بهم، فاتفقوا على قتله، وعهدوا بتنفيذ هذه المهمة إلى أربعة من قادتهم، منهم "فارس الدين أقطاي"، و"بيبرس البندقداري"، فنجحوا في قتله في فارسكور في صباح يوم الإثنين الموافق (28من شهر المحرم 648هـ= 2 من مايو 1250م) وبمقتله انتهت الدولة الأيوبية في مصر، وبدأ عصر جديد.

الكوماندة
22-10-2008, 02:44 PM
مواضيعك رائعة لك كل تقدير .

IroN MaN
22-10-2008, 03:31 PM
مواضيعك رائعة لك كل تقدير .


شكراا لاهتمام سيادتك
موفق بإذن الله نورت الموضوع

IroN MaN
23-10-2008, 09:55 AM
دولة المماليك تلفظ أنفاسها الأخيرة

شهدت مدينة المنصورة بمصر صرخة ميلاد دولة المماليك سنة 647هـ= 1250م، حيث أبلى فرسانها في جهادهم ضد حملة لويس التاسع بلاء حسنا، وضربوا أروع الأمثلة في الشجاعة والفداء، حتى مُنيت الحملة بالفشل ولحق بها عار الهزيمة، وترتب على هذا النصر المبين أن علت مكانة فرسان المماليك، وارتفع شأنهم باعتبارهم القوة التي هيأت لها الأقدار أن تنهض بمهمة الدفاع عن العالم الإسلامي الذي كانت تتناوشه قوتان: إعصار المغول القادم من الشرق، وخطر الصليبيين القابع في بلاد الشام.


وقد نجح المماليك بعد قيام دولتهم في التصدي لهذين الخطرين؛ حيث انتصر"قطز" في عين جالوت بفلسطين على المغول في سابقة لم تحدث من قبل، في الوقت الذي عجز فيه الأيوبيون حكام الشام في التصدي للمغول بتخاذلهم عن المواجهة والقتال، ثم تابع خليفته "الظاهربيبرس" استكمال المسيرة الظافرة في الجبهتين معا، فحارب المغول والصليبيين، وألحق بهما هزائم فداحة.



واكتسب المماليك شرعيتهم في الحكم وتقدير الناس لهم باعتبارهم حماة الإسلام والمدافعين عن أهله وأرضه، وظلت دولتهم تقوم بهذا الدور في الفترة الأولى من عهدها المعروفة باسم دولة المماليك البحرية حتى كان لهم شرف إخراج الوجود الصليبي من الشام، والقضاء على خطر المغول، ثم تابع السلاطين المماليك في الفترة الثانية المعروفة باسم دولة المماليك البرجية القيام بهذا الدور في الدفاع عن أرض الإسلام ضد هجمات الصليبين الذين نقلوا نشاطهم العسكري إلى البحر المتوسط واتخذوا من قبرص ورودس مركزًا لنشاطهم.



ثم أصاب دولة المماليك ما يصيب الدول في أواخر عهدها من ضعف ووهن، فلم تعد قادرة على أن تقوم بدورها الفعال كما كانت تقوم به من قبل، وتهددها خطر البرتغاليين في الخليج العربي بعد أن تنامت قوتهم بعد اكتشافهم طريق "الرجاء الصالح"، وكثرت فيها المنازعات بين قادتها وأمرائها.



هذا، في الوقت الذي تصاعدت فيه قوة الدولة العثمانية الفتية، وتطلعت إلى المشرق الإسلامي لتضمه إلى سلطانها بعد أن نجحت في بسط نفوذها، وتوسيع دولتها في أوروبا، ولم تكن دولة المماليك وهي في هذه الحالة تستطيع أن تدفع قدرها المحتوم وترد الخطر الداهم الذي أحدق بها من كل جانب، ولكنها حاولت في صحوة تشبه صحوة الموت أن تسترد عافيتها، فلم تفلح فأفسحت مكانها لمن يستكمل المهمة، ويقود المسيرة.



هزيمة الغوري في مرج دابق

ساءت العلاقة بين العثمانيين والمماليك، وفشلت محاولات الغوري في عقد الصلح مع السلطان العثماني "سليم الأول" وإبرام المعاهدة للسلام، فاحتكما إلى السيف، والتقى الفريقان عند "مرج دابق" بالقرب من حلب في (25 من رجب 922هـ = 24 من أغسطس 1516م).



وأبدى المماليك في هذه المعركة ضروبا من الشجاعة والبسالة، وقاموا بهجوم خاطف زلزل أقدام العثمانيين، وأنزل بهم خسائر فادحة، حتى فكّر سليم الأول في التقهقر، وطلب الأمان، غير أن هذا النجاح في القتال لم يدم طويلا فسرعان ما دب الخلاف بين فرق المماليك المحاربة، وانحاز بعضها إلى الجيش العثماني بقيادة "خايربك".



وسرت إشاعة في جيش المماليك أن الغوري سقط قتيلا، فخارت عزائمهم ووهنت قواتهم، وفرّوا لا يلوون على شيء، وضاع في زحام المعركة وفوضى الهزيمة والفرار، نداء الغوري وصيحته في جنوده بالثبات والصمود وسقط عن فرسه جثة هامدة من هول الهزيمة، وتحقق للعثمانيين النصر الذي كان بداية لأن يستكمل سليم الأول فتوحاته في الشام وأن يستولي على مدنه واحدة بعد أخرى، بعدها سلَّم معظمها له بالأمان دون قتال.

IroN MaN
23-10-2008, 09:57 AM
طومان باي سلطانا

اتفقت كلمة الأمراء في مصر على اختيار "طومان باي" للسلطنة، فأخذ يستعد لمقاومة العثمانيين وعزم للخروج لقتالهم ولا ينتظر مجيئهم، ولكنه اصطدم بتخاذل المماليك، واستهانتهم بخطورة الموقف، وعدم تقديرهم للمسئولية في الوقت الذي أرسل فيه السلطان سليم الأول رسالة إلى طومان باي يعرض عليه الصلح ويبقيه على حكم مصر في مقابل أن يقر بتبعيته للدولة العثمانية، غير أن هذه المساعي السلمية لم تكلل بالنجاح.


واضطر طومان باي إلى مواصلة الاستعداد للقتال، فخرج إلى "الريدانية" وتحصّن بها فحفر خندقا على طول الخطوط الأمامية، ووضع مدافعه الكبيرة وأعد أسلحته وبنادقه وحاول شحذ همة مماليكه وقواته ولكن دون جدوى؛ فقد جبن كثير منهم عن اللقاء حتى كان بعضهم لا يقيم بالريدانية إلا في خلال النهار حتى يراهم السلطان، وفي المساء يعودون إلى القاهرة للمبيت في منازلهم.



ولم يكن من شأن جيش كهذا أن يثبت في معركة أو يصمد للقاء أو يتحقق له النصر، فحين علم طومان باي وهو في الريدانية بتوغل العثمانيين في البلاد المصرية حاول جاهدا أن يقنع أمراءه بمباغتة العثمانيين عند الصالحية، وهم في حالة تعب وإعياء بعد عبورهم الصحراء، لكنهم رفضوا، معتقدين أن الخندق الذي حفروه بالريدانية كفيل بحمايتهم ودفع الخطر عنهم، لكنه لم يغن عنهم شيئا، فقد تحاشت قوات العثمانيين التي تدفقت كالسيل مواجهة المماليك عند الريدانية عندما علمت تحصيناتها، وتحولت عنها، واتجهت صوب القاهرة، فلحق بهم طومان باي.



والتحم الفريقان في معركة هائلة في (29 من ذي الحجة 922هـ = 23 من يناير 1517م)، وأبلى طومان باي في المعركة بلاء حسنا، وقتل "سنان باشا الخادم" الصدر الأعظم بيده، وكثر القتلى بين الفريقين، غير أن العثمانيين حملوا على المماليك حملة صادقة زلزلت الأرض من تحتهم، فضاقت عليهم بما رحبت، وانسحب طومان باي ومن بقي معه إلى نواحي الفسطاط، ودخلت طلائع الجيش العثماني مدينة القاهرة، وأخذوا يتعقبون جنود المماليك في كل مكان.



سليم الأول في القاهرة

وفي يوم الإثنين الموافق (3 من المحرم 923هـ = 26 من يناير 1517م) دخل سليم الأول مدينة القاهرة في موكب حافل، يتقدمه الخليفة العباسي والقضاة، وقد أحاطت به جنوده الذين امتلأت بهم شوارع القاهرة، يحملون الرايات الحمراء شعار الدولة العثمانية، وكتب على بعضها "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، وفي بعضها "نصر من الله وفتح قريب".



ولم يكد يهنأ سليم الأول بهذا الفتح حتى باغته طومان باي في "بولاق"؛ وذلك في اليوم الخامس من المحرم، واشترك معه المصريون في هذه الحملة المفاجئة، وأشعلوا في معسكر سليم الأول النيران، وظن الناس أن النصر آت لا محالة، واستمرت مقاومة المماليك أربعة أيام وليال، وظهروا فيها على العثمانيين، حتى إنه خطب لطومان باي في القاهرة في يوم الجمعة، وكان قد دعي لسليم الأول في الجمعة التي سبقتها، غير أن هذا الفوز لم يحسم المعركة لصالح طومان باي؛ إذ سرعان ما لجأ الجنود العثمانيون إلى سلاح البنادق، وأمطروا به من فوق المآذن الأهالي والمماليك، فأجبروهم على الفرار، وفرَّ طومان باي إلى "البهنا" التي تقع غربي النيل في جنوب القاهرة.



استمرار المقاومة

ظل طومان باي يعمل على المقاومة بما تيسر له من وسائل، واجتمع حوله كثير من الجنود وأبناء الصعيد حتى قويت شوكته، غير أنه أدرك أن هذا غير كاف لتحقيق النصر، فأرسل إلى سليم الأول يفاوضه في الصلح، فاستجاب له السلطان العثماني، وكتب له كتابا بهذا، وبعث به مع وفد من عنده إلى طومان باي، لكن الوفد تعرض لهجوم من بعض المماليك وقتل بعض رجاله؛ فحنق السلطان سليم الأول وخرج لقتال طومان باي بنفسه، والتقى الجيشان قرب قرية "الوردان" بالجيزة في (9 من ربيع الأول 923 هـ =1 من إبريل 1517م)؛ حيث دارت معركة حامية استمرت يومين وانتهت بهزيمة طومان باي وفراره إلى البحيرة.



على باب زويلة

لجأ طومان باي إلى أحد رؤساء الأعراب بإقليم البحيرة طالبا منه العون والحماية فأحسن استقباله في بادئ الأمر، ثم وشي به إلى السلطان سليم الأول، فسارع بإرسال قوة للقبض عليه فأتت به إليه، وأخذ السلطان يتأمله معجبا بشجاعته وفروسيته، ثم عاتبه واتهمه بقتل رسله الذين أرسلهم لمفاوضته في الصلح، فنفى طومان باي التهمة عن نفسه، وبرر استمراره في القتال بأن الواجب يحتم عليه هذا، وكاد السلطان العثماني من إعجابه بشجاعة طومان باي أن يعفو عنه، ولكنه لم يفعل تحت تأثير الوشاة الذين حرّضوا السلطان على قتله بحجة أن لا بقاء لملكه في مصر ما دام طومان باي على قيد الحياة.



وفي يوم الأحد الموافق (21 من شهر ربيع الأول 923 هـ = 15 من إبريل 1517م) أخرج طومان باي من سجنه، وسار وسط حرس عدته 400 جندي إلى باب "زويلة"؛ حيث نصبت له مشنقة فتقدم لها هادئ النفس ثابت الجنان والناس من حوله يملئون المكان حيث لقي حتفه وسقط ميتا؛ فصرخ الناس صرخة مدوية تفيض حزنا وألما، وظلت جثته معلقة ثلاثة أيام ثم دفنت في قبة السلطان الغوري، وبموته انتهت دولة المماليك وسقطت الخلافة العباسية، وأصبحت مصر ولاية عثمانية.

IroN MaN
23-10-2008, 10:04 AM
قيام دولة المماليك في مصر والشام

يرجع ظهور المماليك في العالم الإسلامي إلى ما قبل دولتهم في مصر والشام بأمد بعيد؛ إذ استخدمهم الخلفاء العباسيون الأوائل، واعتمدوا عليهم في توطيد دولتهم، واستعانوا بهم في الجيش والإدارة، ولعلَّ الخليفة المأمون العباسي (198-218هـ= 813-833م) هو أول من استعان بهم، ثم استكثر منهم الخليفة المعتصم (218-227هـ= 833-843م)، وشكّل فرقا عسكرية من الأتراك، وكان يُعنى بشرائهم صغارا ويستجلبهم من سمرقند وفرغانة والسند، وغيرها من أقاليم ما وراء النهر، حتى بلغ عددهم بضعة عشر ألفا، فلمّا ضاقت بهم بغداد، وزاحموا الناس في الطرقات نقلهم المعتصم معه إلى "سامراء" عاصمته الجديدة التي بناها لتكون حاضرة لملكه.


ولم يلبث أن شاع استخدام المماليك في كثير من أجزاء العالم الإسلامي، وكانت مصر ممن انتهجت هذا النهج، فأكثر"أحمد بن طولون" الذي تولَّى حكم مصر سنة 254هـ = 868م من شراء المماليك الديالمة، سكان بحر قزوين حتى بلغ عددهم أكثر من 24 ألفا، والتزم الإخشيديون سُنة أسلافهم الطولونيين في جلب المماليك الأتراك والاستعانة بهم في الجيش.





وفي الهند قامت لهم دولة قبل أن تقوم في مصر بعد أن نجح "قطب الدين أيبك" في إنشاء دولة عُرفت باسم دولة "الملوك المماليك"، وظلَّت دولتهم قائمة مدة 84 عاما، بدأت عقب سقوط الدولة الغورية سنة 602هـ = 689م.





الصالح أيوب والمماليك



عُني الصالح أيوب (638-647هـ = 1240 – 1249م) منذ أن تولّى حكم مصر بالإكثار من شراء المماليك الأتراك بعد أن ساندوه في توطيد سلطانه، حتى صار معظم جيشه منهم، وبنى لهم قلعة خاصة بجزيرة "الروضة" في وسط النيل وأسكنهم بها، وجعلها مقرا لحكمه، وعُرف هؤلاء المماليك الجدد باسم المماليك "البحرية الصالحية".





وقد برز هؤلاء المماليك البحرية وتعاظم شأنهم في خضم أحداث الحملة الصليبية السابعة التي مُنيت بهزيمة بالغة سنة 648هـ = 1250م، وانتهت بأسر الملك

"لويس التاسع" قائد الحملة في المنصورة، وتبدد قواته بين القتل والأسر.


نهاية الدولة الأيوبية



تُوفي الصالح أيوب في أثناء المعركة وخلفه ابنه توران شاه في حكم مصر، لكنه لم يحسن معاملة المماليك البحرية، الذين كان لهم الفضل الأكبر في تحقيق النصر، وحسدهم على مكانتهم التي بلغوها بفضل شجاعتهم وقوة بأسهم، وخشي من نفوذهم فأعرض عنهم، وأوجس منهم خيفة وأضمر لهم السوء، غير أنه لخفته ولهوجته كان يجاهر بذلك عند سكره بالليل فينفلت لسانه بما يضمره قلبه من قتلهم والتخلص منهم.





يُضاف إلى ذلك سوء تدبيره وفساد سياسته بإبعاده كبار رجال دولته من الأمراء وأهل الحل والعقد، وتقريبه رجاله وحاشيته وإغداقه عليهم بالأموال والإقطاعات ولم يكن أمام المماليك سوى التخلص من توران شاه قبل أن يتخلص هو منهم، فنجحوا في قتله في فارسكور في صباح يوم الإثنين الموافق (28 من المحرم 648هـ = 2من مايو 1250م)، وبمقلته انتهت الدولة الأيوبية في مصر وبدأ عصر جديد.





قيام دولة المماليك



وجد المماليك أنفسهم أمام وضع جديد لم يعهدوه من قبل، فهم اليوم أصحاب الكلمة النافذة والتأثير البالغ، ولم يعودوا أداة في أيدي من يستخدمهم لمصلحته وتحقيق هدفه، وعليهم أن يختاروا من بينهم سلطانا جديدا للبلاد، فاتفقت كلمتهم على اختيار أرملة أستاذهم"شجرة الدر" سلطانة للبلاد، في سابقة لم تحدث في التاريخ الإسلامي إلا نادرا، وبايعوها بالسلطنة في (2 من صفر 648هـ = 5 مايو 1250م).





غير أن الظروف لم تكن مواتية لأن تستمر شجرة الدر في الحكم، على الرغم مما أبدته من مهارة وحزم في إدارة شئون الدولة، فلقيت معارضة شديدة في داخل البلاد وخارجها، وثارت ثائرة الأيوبيين في الشام لمقتل توران شاه وجلوس شجرة الدر على سدة الحكم، ورفضت الخلافة العباسية في بغداد أن تُقر صنيع المماليك، فكتب الخليفة إليهم: "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نُسيِّر إليكم رجلا".

IroN MaN
23-10-2008, 10:06 AM
تنازل شجرة الدر وولاية عز الدين أيبك

لم تجد شجرة الدر بُدا من أن تتنازل عن الحكم للأمير "عز الدين أيبك" أتابك العسكر الذي تزوجته وتلقب بالملك المعز، وكانت المدة التي قضتها شجرة الدر على عرش البلاد 80 يوما، ولم يكن تولِّيها الحكم ناتجا عن موافقة شعبية أو اختيار من الخلافة العباسية، وإنما كان وليد الظروف التى أحاطت بمصر في ذلك الوقت.


تولَّى الملك المعز عرش البلاد، ولم تهدأ أصوات المعارضين لانفراد المماليك بالحكم، بل زاد حدة، وكان على السلطان الجديد للدولة الوليدة أن يواجه بحزم خطر الأيوبيين في الشام وتهديداتهم، وكانوا قد اجتمعوا تحت زعامة "الناصر يوسف" صاحب حلب ودمشق لاسترداد مصر من المماليك، باعتبارهم مغتصبين حق الأيوبيين في حكم مصر، وزحفوا على مصر فالتقى معهم أيبك بقواته في معركة بالقرب من الصالحية في (10 من ذي القعدة سنة 648هـ = 2 من فبراير 1251م)، وانتهت بانتصاره وفرار الناصر يوسف ورجاله إلى الشام.



وقد دفع هذا النصر الملك المعز إلى الزحف إلى الشام للقضاء على المعارضة الأيوبية، غير أن تدخل الخليفة المعتصم العباسي وضع حدًّا للنزاع بين الطرفين؛ فتم الصلح بينهما سنة 651هـ = 1253م على أن تكون مصر والجزء الجنوبي من فلسطين بما في ذلك غزة وبيت المقدس وبلاد الساحل للمعز أيبك، على حين تظل البلاد الشامية في أيدى الأيوبيين، وهكذا انتهت العقبة الأولى في تأسيس الدولة المملوكية الناشئة بإيقاف النزاع والصراع مع ملوك البيت الأيوبي.



عقبات في طريق قيام دولة المماليك

ولم يكد السلطان أيبك يتخلص من هذه العقبة حتى واجهته عدة مشكلات داخلية، بدأت بقيام الأعراب بثورة شعبية في الصعيد والشرقية تحت زعامة "حصن الدين ثعلب"، هددت البلاد؛ فاضطر السلطان إلى أن يرسل حملة عسكرية بقيادة "فارس الدين أقطاي" لقمع هذه الثورة في مهدها؛ فنجح في القضاء عليها قبل أن يستفحل خطرها.



أما العقبة الثانية التي واجهت أيبك في الداخل فهي ازدياد نفوذ المماليك البحرية بزعامة "فارس الدين أقطاي"، خاصة بعد نجاحهم في تحقيق انتصارات داخلية وخارجية، فهدد نفوذهم مكانة السلطان، واشتد خطرهم حتى أصبح يهدد أمن الناس وسلامتهم، وعجز السلطان عن مواجهتهم والتصدي لاستخفافهم به؛ فكان "أقطاي" لا يظهر في مكان إلا وحوله رجاله ومماليكه في أبهة عظمية كأنه ملك متوج، وبالغ في تحقيره للسلطان في مجلسه فلا يسميه إلا أيبكا، وتطلعت نفسه نحو السلطنة، ولقّبه زملاؤه بالملك الجواد.



استشعر السلطان الخطر وأحس بالخوف من ازدياد نفوذ "أقطاي"؛ فعزم على التخلص منه فاستدعاه إلى القلعه بحجة استشارته في أمر من أمور الدولة، وهناك تخلص منه بالقتل في (3 من شعبان 652هـ = 18 من سبتمبر 1254م)، وألقى هذا الحادث الرعب في قلوب كبار المماليك البحرية فسارعوا بالهرب إلى خارج البلاد، والتجأ بعضهم إلى ملوك البيت الأيوبي في الشام، ولجأ بعضهم الآخر إلى دولة سلاجقة الروم، وتعقب أيبك من بقي منهم في مصر فقبض عليهم، وكتب إلى الملوك الذين لجأ إليهم المماليك يحذرهم منهم ومن غدرهم.



نهاية السلطان أيبك

أسلمت البلاد قيادها للمعز، وتخلص من القوى المناوئة له، وكان من المنتظر أن تنعم البلاد بالهدوء بعد الفوضى والقتال، وينعم هو بزعامة بلد له شأن، ولكن ذلك لم يدم، ودخل في صراع مع زوجته شجرة الدر زاد من ضراوته عزمه على الزواج من إحدى بنات البيت الأيوبي، وبدأ يفكر في الخلاص منها، غير أنها كانت أسبق منه، فدبرت مؤامرة لقتله في (24 من ربيع الأول 655هـ = 11 من إبريل 1257م)، ثم لم تلبث هي الأخرى أن قُتلت بعده بأيام قليلة.



وبعد مقتله تعصب المماليك المعزية لابن سيدهم المدعو "نور الدين علي" بن أيبك، وكان في الخامسة عشرة من عمره، وأقاموه سلطانا على البلاد، ولمّا تعرض الشرق الإسلامي لخطر المغول الذي اجتاح الشام وأصبحت مصر على مقربة من هذا الخطر، قام"قطز" نائب السلطنة بعزل السلطان الصغير، وتولى الحكم لمواجهة الخطر المغولى الداهم، وخرج إلى ملاقاة المغول في "عين جالوت" وحقق نصار تاريخيا في (26 من رمضان 658هـ = 3 من سبتمبر 1260م)، وطرد المغول من المنطقة، وضمَّ الشام إلى سلطان المماليك الذين أصبحوا سادة الموقف، ومن بيدهم مقاليد الأمور في مصر والشام.

IroN MaN
01-11-2008, 03:15 PM
انفصال دولة بنجلاديش عن باكستان




كانت دولة بنجلاديش جزءا من دولة باكستان التي أنشئت حديثا في (27 من رمضان 1366هـ = 14 أغسطس 1947م) بعد أن انفصلت عن الهند، وتألفت من جناحين: جناح غربي يسمى باكستان الغربية، يضم ولايات: السند، والبنجاب الغربية، بلوشستان، ومقاطعة الحدود الشمالية الغربية. أما الجناح الشرقي فيضم: البنغال الشرقية، ومقاطعة "سِهلت" ويعرف باسم باكستان الشرقية. وبين الجناحين مسافة كبيرة تصل إلى 1600 ميل تشغلها دولة الهند، وليس بين الجناحين اتصال إلا عن طريق الجو.


محمد علي جناح


ويعد "محمد علي جناح" الملقب بالقائد الأعظم هو مؤسس دولة باكستان بجناحيها، وإن شاركه في هذه الفكرة دعاة آخرون يأتي في مقدمتهم الشاعر الكبير "محمد إقبال" الذي كان يحلم بإنشاء وطن للمسلمين في شبه القارة الهندية، ولكنه لم يعش حتى يرى ما كان يتمناه ويحلم به حقيقة؛ إذ توفي سنة (1357هـ= 1938م) قبل أن تظهر دولة باكستان لتحفظ للمسلمين عقائدهم وحضارتهم في شبه القارة الهندية ذات الأغلبية الهندوسية.
وكانت بداية باكستان المستقلة شاقة جدًا فلم يحفظ لها التقسيم حقا عادلا؛ فقد استأثرت الهند بمعظم الموارد المالية والكفاءات الإدارية، ولم ترث حكومة مركزية تقوم بتدبير شئون الحكم على أحسن وجه، ولا مرافق أو مؤسسات مدنية ذات شأن، وكانت القاعدة الاجتماعية والإدارية هزيلة وتعوزها الأجهزة والمعدات اللازمة التي احتفظت بها الهند، وزاد الأمرَ تعقيدا تدفق تسعة ملايين مسلم من الهند إلى باكستان، ونزوح الهندوس من باكستان إلى الهند، وكانوا يزاولون معظم الأعمال الاقتصادية؛ الأمر الذي أدى إلى اهتزاز الاقتصاد الباكستاني.. يضاف إلى ذلك كله استيلاء الهند على إقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة، وظل هذا الإقليم منطقة نزاع بين الدولتين، وخاضت باكستان من أجل تحريره من الهند أكثر من معركة بعد ذلك، ولكنها لم تنجح بعدُ.


استقلال باكستان


تولى محمد علي جناح الحكم في باكستان عقب قرار تقسيم الهند في (28 من رمضان 1366 هـ= 15 من أغسطس 1947م) وبلاده تعاني ظروفًا سيئة، وتحيط بها روح عداء الهند الهندوسية على الرغم من قبولها قرار التقسيم بينهما، ثم لم يلبث أن توفي جناح في (8 من ذي القعدة 1367 هـ = 11 من سبتمبر 1948م) وخلفه "الخوجا نظام الدين" حاكما عاما على باكستان، وتولّى "لياقت علي خان" رئاسة الوزراء، وأخذت الأمور تتحسن تدريجيًا، وبدأت الدولة تشارك في الأحداث الدولية، غير أن رئيس الوزراء تعرض لحادث اغتيال في (16 من المحرم 1371هـ = 16 من أكتوبر 1951) فعين "غلام محمد" حاكما عاما على باكستان، وكُلّف الحاكم السابق "الخوجا نظام الدين" بتشكيل الوزارة.
وفي هذه الفترة بدأت نواة الدعوة إلى استقلال بنجلاديش استقلالا ذاتيا؛ حيث بدأ الخلاف يدب بين الحاكم العام وهو من إقليم البنجاب الواقع في باكستان الغربية، وبين رئيس الوزراء "الخوجا نظام الدين" وهو من إقليم البنغال، وظهرت دعاوى تثير الشقاق بين الجناحين، مثل أن الجناح الغربي وبخاصة أهل البنجاب يسيطرون على الجيش وعلى المؤسسات المدنية، وأن البنغاليين لم يحصلوا على التمثيل النسبي الصحيح في المؤسسات الإدارية، على الرغم من أنهم يشكلون نحو 53% من مجموع السكان، وبرزت فكرة المطالبة بأن تكون اللغة البنغالية –وهي اللغة التي يتكلم بها الجناح الشرقي- إحدى اللغتين الرسميتين في البلاد، على حين رأى أهل باكستان الغربية أن تكون "الأوردو" هي اللغة الرسمية في البلاد؛ لأنها اللغة التي يعرفها معظم السكان، بالإضافة إلى سكان الهند؛ وذلك خوفا من تعدد اللغات، وتكريس الفرقة بين الجناحين.

IroN MaN
01-11-2008, 03:17 PM
ظهور مجيب الرحمن


ثم تزعم فكرة المطالبة بانفصال باكستان الشرقية (بنجلاديش) حزب "رابطة عوامي" بزعامة مجيب الرحمن، وهو من أهالي البنغال ولد في (27 جمادى الآخرة 1338 هـ= 17 من مارس 1920م) ودرس القانون في جامعتي "كلكتا" و"دكا" بالهند، وكان من المؤيدين لقيام دولة باكستان ولمحمد علي جناح، وتقلد عدة مناصب وزارية في باكستان الشرقية، وتعرض لاعتقال في سنة 1388هـ – 1968م.
وقد نشطت تلك الفكرة في عهد الرئيس الباكستاني "أيوب خان" (1378- 1389هـ- 1958-1969م) وبخاصة بعد نشوب الحرب بين باكستان والهند بسبب مشكلة كشمير في (جمادى الأولى 1385هـ = سبتمبر 1965م) واستمرت الحرب بينهما سبعة عشر يوما.. قام السلاح الجوي الباكستاني بدور حاسم في المعركة، وانتهى الأمر بين الدولتين إلى عقد اتفاق صلح بينهما، عرف باتفاق "طشقند" في (1368هـ= 1966م) ولكن بنودها كانت في صالح الهند.
بعد توقيع المعاهدة اشتدت المعارضة لسياسة الرئيس الباكستاني، وانتقد وزير خارجيته "ذو الفقار علي بوتو" اتفاقية طشقند، وانتهى به الحال إلى الخروج من الوزارة، واشتركت الأحزاب المعارضة في المظاهرات؛ فاضطر أيوب خان إلى عقد حوار مع المعارضة سنة 1388 هـ = 1968م في مدينة "روالبندي" عرف بمؤتمر المائدة المستديرة.
واشترك في هذا المؤتمر فصائل المعارضة، غير أنهم لم يتفقوا على شيء بسبب مطالبة "مجيب الرحمن" بالاستقلال الذاتي الكامل لباكستان الشرقية وتمثيلها في المجلس النيابي الاتحادي على أنها تمثل أغلبية السكان، إلا أن هذه المطالب وجدت معارضة شديدة؛ لأن أهم مشكلة تعاني منها باكستان إنما هي قضية كشمير المغتصبَة من قبل الهند، وهي تستحق تكاتف القوى السياسية لا تناحرها من أجل مكاسب حزبية، وانفض المؤتمر دون أن ينظر الرئيس الباكستاني إلى مطالب مجيب الرحمن، وإن تعهد بأنه لن يعيد ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية لفترة قادمة، وتعهد بإجراء بعض الإصلاحات السياسية.
ولم ينجح المؤتمر في فرض حالة الهدوء في البلاد، بل ازدادت اشتعالا واستمرت المظاهرات والاضطرابات في البلاد؛ ولم يجد أيوب خان مفرا من تقديم استقالته واعتزال الحكم في (6 من المحرم 1389هـ= 25 من مارس 1969م).


إجراء الانتخابات العامة


تولى "محمد يحيى خان" رئيس هيئة أركان الجيش السلطة بعد يوم واحد من استقالة أيوب خان، وأعلن عن إجراء انتخابات عامة في البلاد لاختيار أعضاء المجلس النيابي، وأن الجمعية الوطنية المنتخبة ستضع دستورا جديدا للبلاد سيكون نظاما نيابيا لا رئاسيا؛ وأجريت بالفعل في (شوال 1390 هـ = ديسمبر 1970م) وأسفرت عن فوز حزب "رابطة عوامي" بزعامة مجيب الرحمن بأغلبية المقاعد في الجناح الشرقي بدعم من الهند، وفوز حزب "الشعب" بزعامة "ذو الفقار علي بوتو" في باكستان الغربية، وحاول بوتو أن يقتسم السلطة بينه وبين مجيب الرحمن، لكنه لم يوفق لإصرار الأخير على المطالبة بالانفصالية، ورغبته في عقد جلسات المجلس النيابي في أقرب فرصة؛ ليتمكن من إقرار دستور يرتضيه بناء على أغلبية أعضاء حزبه المطلقة في المجلس، على حين كان يرى بوتو تأجيل موعد انعقاد المجلس حتى يتم التفاهم مع مجيب الرحمن حول توزيع السلطة.


اندلاع المظاهرات في بنجلاديش


تقرر اليوم السادس من المحرم 1391 هـ = 3 من مارس 1971م موعدا لانعقاد المجلس النيابي، ولكن بوتو رفض حضور الجلسة رفضا تاما؛ فتأجل الموعد مما أثار أهل باكستان الشرقية، وانفجر فيها عصيان مسلح، وعمت الفوضى البلاد، واضطر الرئيس "يحيى خان" للسفر إلى الجناح الشرقي لتهدئة الأوضاع فلم يفلح، واعتُقل مجيب الرحمن؛ لأنه أعلن قيام دولة بنجلاديش في (29 من المحرم 1391 هـ – 26 من مارس 1971م).
وفي أثناء ذلك توجهت عناصر انفصالية بنجلاديشية أغلبها من الهندوس إلى الهند، وبدأت العمل ضد باكستان، وقُدّر هؤلاء بنحو تسعة ملايين، ثم قامت الهند بالتعاون مع هؤلاء الانفصاليين بالهجوم على باكستان، ثم اشتعلت الحرب بين الهند وباكستان في غارات جوية وقصف مدفعي وغزوات برية على الحدود الشرقية والغربية للبلدين، إثر أسابيع من المناوشات المحدودة وأشهر من التوتر، وانتهت المعارك بهزيمة كبيرة لباكستان، وتوقيع معاهدة استسلام.


قيام بنجلاديش


استقال الرئيس "يحيى خان" من منصبه في (3 من ذي القعدة 1391 هـ = 20 من ديسمبر 1971م) تحت ضغط شعبي، وسلم السلطات إلى "ذو الفقار علي بوتو"، وكان أول ما فعله أن أطلق سراح مجيب الرحمن في 5 من ذي القعدة 1391 هـ الذي وصل إلى بنجلاديش، وبدأ في ممارسة صلاحيته في الدولة الوليدة التي تتابع اعتراف الدول بها بما في ذلك باكستان نفسها.‏‏

IroN MaN
08-11-2008, 02:12 AM
سقوط طليطلة وبداية الجرح الأليم



ظلت الأندلس نحو ثلاثة قرون دولة واحدة، تخضع لحكومة مركزية قوية منذ أن أشرقت عليها شمس الإسلام في عهد الخلافة الأموية، ومكثت طوال هذه المدة متحدة الأجزاء كأنها كتلة واحدة، لا تعرف عدوا لها سوى أسبانيا النصرانية في الشمال. وتعاقب على الأندلس حكام أقوياء من قِبل الأمويين قبل أن تستقل وتصير دولة ذات مجد وسؤدد، منذ أن أسس بها"عبد الرحمن الداخل" خلافة أموية عقب سقوط الأمويين في المشرق سنة (132 هـ= 749م) وقيام الخلافة العباسية.


سقوط الخلافة الأموية في الأندلس

غير أن الخلافة الأموية الزاهرة أصابها الوهن، ودب في أوصالها أعراض الضعف والانحلال، وصارت ألعوبة في أيدي الطامعين والمغامرين، ومطمعًا للظامئين إلى الملك والسلطان، حتى اختتمت سلطانها، ولفظت أنفاسها الأخيرة سنة (422 هـ= 1031م) بعد أن دامت مائتين وأربعة وثمانين عامًا منذ قيام عبد الرحمن الداخل بتأسيسها سنة (138هـ =756م).



ساد الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية حالة من الفوضى والارتباك، وتمزقت أشلاء متفرقة، وصارت إمارات صغيرة، ودويلات متعددة، عُرفت في التاريخ الأندلسي باسم عصر ملوك الطوائف، حيث استقل كل أمير بناحية، وجعل من نفسه ملكًا وسلطانً.



قيام دولة بني ذي النون في طليطلة

كانت طليطلة من كبرى دول الطوائف رقعة ومساحة، وتحتل موقعًا حربيًا هامًا؛ حيث تقع على مشارف الأندلس الشمالية الوسطى، وعرفت منذ قيام الدولة الإسلامية بالأندلس بالثغر الأوسط؛ نظرًا لمتاخمتها حدود الممالك الأسبانية النصرانية، وعدت بذلك حاجز الدولة الإسلامية الشمالي الأوسط ضد عدوان النصارى.



وقامت في هذه المنطقة بعد سقوط الخلافة الأموية دولة "بني ذي نون" حيث تولى إسماعيل بن ذي نون حكم طليطلة سنة (427هـ= 1036م) لكنه لم يمكث في الحكم إلا قليلاً؛ إذ توفي في سنة (435هـ= 1043م) وخلفه ابنه يحيى بن إسماعيل، وتلقب بالمأمون.



الاستعانة بالقشتاليين

وقد استطال مدة حكم "المأمون بن ذي النون" ثلاثة وثلاثين عامًا، أنفق معظمها في حروب داخلية مع منافسيه من ملوك الطوائف، واستهل صراعه مع "ابن هود" صاحب مملكة "سرقسطة"، وهو جاره من الناحية الشمالية الشرقية، واستعان كل منهما في صراعه على توسيع رقعة مملكته ودولته بقشتالة ونافار الإمارتين المسيحيتين، بدلاً من أن يقفا معًا سدًا منيعًا في وجههما.



استباح النصارى أراضي المملكتين المسلمتين، بمساعي ابن هود وابن ذي النون الذميمة، وساءت أحوال المسلمين بعد أن عاث النصارى في أرضهم فسادًا، وتحركت مساعي الصلح بين الأميرين المسلمين، فتظاهرا بالرغبة في الصلح والمهادنة، ثم لم يلبثا أن عاودا القتال، كل واحد منهما يفسد أرض الآخر، وينزل بها الخراب والدمار بمساعدة حلفائه، واستمرت هذه الفتنة بين الأميرين ثلاثة أعوام من سنة (435 هـ= 1043م) إلى آخر سنة (438 هـ= 1046م)، ولم تتوقف هذه الحرب الوضعية إلا بوفاة ابن هود، وهدأت الأمور.



صراع في مملكة قشتالة

بعد أن استولى المأمون على إمارة بلنسية وضمها إلى دولته سنة (457هـ= 1065م) توفي في السنة نفسها فرناندو ملك قشتالة، وشب صراع بين أولاده الثلاثة: "سانشو" ملك قشتالة، و"ألفونسو" ملك ليون، و"غرسيه" ملك جليقية، واشتعلت حرب أهلية استمرت أعوامًا، انتهت بانتصار "سانشو" سنة (463هـ= 1071م) واغتصاب ملك أخويه، فلجأ "ألفونسو" إلى طليطلة طالبًا حماية المأمون بن ذي النون، فأكرم ضيافته، وعاش لمدة أشهر معززًا مكرمًا، حتى إذا توفي أخوه "سانشو" عاد إلى قشتالة ليتولى عرشها، وقد استغل هذا الأمير مدة إقامته في طليطلة في دراسة موقعها، ووضع الخطط التي تمكنه من الاستيلاء عليها إذا سنحت له الفرصة.. وهذا ما حدث بعد ذلك.

IroN MaN
08-11-2008, 02:14 AM
ولاية حفيد المأمون

توفي المأمون سنة (467هـ= 1075م) بعد أن نجح في بسط سلطانه على رقعة كبيرة من أرض الأندلس، وامتد حكمه ليشمل بلنسية وقرطبة، وقد خلفه حفيده "يحيى بن ذي النون" وكان فتى مترفًا قليل الخبرة والتجارب، يساعده وزير محنك له بصر بالأمور ودراية بالسياسة، لكن بطانة السوء زينت ليحيى ضرورة القضاء عليه، والتخلص منه، بدعوى استبداده بالأمر دونه، فمال إليهم، ونجحت مؤامرتهم في الفتك بالوزير الكفء في أوائل المحرم (468 هـ= 1076م).


جنى يحيى بن ذي النون نتائج سياسته الحمقاء، فتعرض لدسائس خصومه بالداخل، وغارات جيرانه بالخارج، فتعرضت طليطلة لغارات ابن هود صاحب سرقسطة، الذي كان يستعين بالجند النصارى، وخلعت بلنسية طاعتها، واستقل بها حاكمها، واسترد المعتمد بن عباد قرطبة حاضرة ملكه.



التجأ يحيى إلى قشتالة يلتمس منها الصون والحماية، نتيجة عجزه عن إدارة دولته، وضبط أمورها، وكان يحيى يعترف بطاعته لملك قشتالة ويدفع له الجزية، كما كان يفعل جده، ولكن ملك قشتالة غالى هذه المرة في طلباته، واشترط دفع مزيد من المال، وتسليم بعض الحصون القريبة من حدوده.. كل ذلك "ويحيى بن ذي النون" عاجز عن رده، حتى كادت خزائنه تنضب.



أدت هذه السياسة إلى اشتعال الثورة في طليطلة ضد حاكمها، فلاذ بالفرار هو وأهله إلى حصن "وبذة" سنة (473هـ= 1080م)، تاركًا طليطلة بلا حكومة، تضطرم بالفوضى، ولم يجد أهلها بدًا من استدعاء "المتوكل بن الأفطسي" أمير بطليوس ليتولى أمرهم، فقبل على كره منه، لكن يحيى عاود الاتصال مرة أخرى بملك قشتالة طالبًا عونه فأجابه إلى طلبه، وخرج معه في سرية من فرسانه، وساعده في الجلوس على عرشه المضطرب سنة (474 هـ= 1081م).



أطماع ملك قشتالة

كان ملك قشتالة قد أعد خطة ماكرة للاستيلاء على طليطلة، ساعده على تحقيقها تحالفات مخزية مع بعض ملوك الطوائف، مثل الحلف الذي عقده مع "المعتمد بن عباد" ملك إشبيلية، تعهد فيه بأن يعاون ابن عباد بالجند ضد أعدائه من الأمراء المسلمين، وفي مقابل ذلك يتعهد ابن عباد بأن يدفع لملك قشتالة جزية كبيرة، وأن يتركه حرًا طليقًا في أعماله ضد طليطلة، وألا يعترض سبيله في الاستيلاء عليها، وكان معظم ملوك الطوائف يؤدون في ذلة الجزية لملك قشتالة خوفًا من تهديداته، وطلبًا لعونه ضد بعضهم بعضا، ولم يسلم من هذا التصرف الشائن سوى الأمير المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس.



ومن جانب آخر اتبع ملك قشتالة سياسة إرهاق طليطلة بشن الغارات المتوالية عليها، وتخريب مزارعها واستنفاد مواردها، وظل يمارس تلك السياسة أربع سنوات كاملة، منذ أن أعاد يحيى بن ذي النون إلى عرشه سنة (474هـ= 1081م)، حتى يجد الفرصة السانحة للانقضاض على المدينة المنهكة، فلا تقدر على دفع الخطر الداهم عنها.



وضحت سياسة ملك قشتالة لكل ذي عينين، لكن ملوك الطوائف أصاب أعينهم العمى، فلم يروا الأخطار المحدقة بهم، وقيد خطوهم تحالفاتهم المخزية مع ملك قشتالة، وانشغالهم بمحاربة بعضهم بعضا، وبعد بعضهم عن مسرح الأحداث، ولم تُجْدِ الصرخة المنذرة التي أطلقها العلامة أبو الوليد الباجي الذي طاف عليهم ، يثير فيهم نخوتهم، ويحرك ضمائرهم، ويذكرهم بأخوة الإسلام، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، لكن صيحته ضاعت سدى، وغلبت الأهواء كل تفكير سليم.



سقوط طليطلة

وفي سنة (477هـ= 1084م) ضرب ألفونسو ملك قشتالة حصاره حول طليطلة، ولم يتقدم أحد لنجدتها، وكان يمكن لملك إشبيلية المعتمد بن عباد أن يكون أول من يقوم بالنجدة، لكنه لم يفعل هو ولا غيره، باستثناء المتوكل بن الأفطس، الذي أرسل ولده الفضل بجيش قوي لدفع ألفونسو عن طليطلة، لكنه لم يوفق لغلبة القوى النصرانية، على الرغم مما أبداه من حماسة بالغة وما خاصة من معارك دامية.



استمر الحصار نحو تسعة أشهر، واستبد بالناس الجوع والحرمان، واشتدت الحاجة دون أن تلوح في الأفق بادرة أمل أو إشراقة صباح، بعدما تخاذل الأخ، وانزوى الرفيق، وجبن الصديق، وفشلت محاولات الصلح مع ملك قشتالة الذي لم يقبل إلا بتسليم المدينة، فاضطر يحيى إلى تسليم المدينة، وغادرها إلى بلنسية. أما ألفونسو فقد دخل المدينة ظافرا في يوم الأحد الموافق غرة صفر 478 هـ= 25 مايو 1085م).

IroN MaN
12-11-2008, 05:21 AM
قرطبة.. حياة إلى حين



كان لسقوط طليطلة في مستهل صفر سنة 478هـ في أيدي القشتاليين دوي هائل في الأندلس والعالم الإسلامي، وعُدَّ سقوطها واحدة من المآسي الكبرى في تاريخ المسلمين؛ لأن سقوطها لم يكن عن عجز في المقاومة أو ضعف في الدفاع، أو قلة في العتاد، وإنما سقطت لسقوط قيم النجدة والإغاثة، وتردي شيم المروءة والأخوة؛ فتركها جيرانها من ملوك الطوائف تسقط، وتخرج من قبضة الإسلام إلى الأبد، دون أن يتقدم أحد لنجدتها باستثناء صاحب بطليوس، وتركت المدينة المنكوبة لمصيرها المحتوم.


صحوة ملوك الطوائف

شجعت مواقف ملوك الطوائف المخزية أن يتحرك "ألفونسو السادس" ملك قشتالة في محاولة منه لالتهام حواضر الإسلام الأخرى، فتوالت غزواته، وراح يهدد سرقسطة وإشبيلية وبطليوس وغيرها من قواعد الأندلس، كان ذلك نذيرًا.. فتحرك ما بقي من ضمائرهم، وتفتحت أعينهم على حقيقة جلية، وهي أن ما أصاب طليطلة سيصيبهم، ولن تنفعهم معاهدات عقدوها مع ملك قشتالة، وأن مصيرهم إلى السقوط والهلاك ما لم يتداركوا مواقفهم، وتتحد كلمتهم وتجتمع على كلمة سواء.



وأدرك"المعتمد بن عباد" صاحب إشبيلية خطورة الموقف، وهو أشد ملوك الطوائف مسئولية عما حدث؛ لأنه كان بإمكانه نجدة طليطلة، ومد يد العون إليها، لكن غلَّت يديه معاهدة مخزية عقدها مع القشتاليين بمقتضاها يتعهد ملك قشتالة بمعاونة المعتمد ضد جيرانه من الأمراء المسلمين، وفي المقابل يتعهد المعتمد بأن يؤدي الجزية لملك قشتالة، وأن يطلق يده في أعماله العسكرية ضد طليطلة، دون أن يتدخل لوقف أعماله، وبعد سقوط طليطلة، بدأ ألفونسو ملك قشتالة يشتد في مطالبه المالية ويرهقه بالمزيد منها، بل إنه كاتبه يطالبه بتسليم بلاده، وينذره بسوء المصير، وبدأ بالفعل في اجتياح بلاده وتخريب مدنها وقراها.



رعي الإبل لا الخنازير

أجمع ملوك الطوائف على ضرورة الاستغاثة بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين المغربية وكانت دولة قوية بسطت نفوذها بالمغرب، وكان قد ذاع صيته، واشتهر أمر فُتُوحه في المغرب، وحبه للجهاد، وإقامته حكومة تقوم على العدل والقسطاس.



وبدأ ملوك الطوائف يكاتبون الأمير يوسف ويرسلون إليه الرسل، يستنصرون به على محاربة النصارى الذين اشتد سلطانهم، وتفتحت شهيتهم لالتهام الأندلس، ويصفون له حالهم وما ينتظرهم من خطر السقوط والفناء؛ إذ لم يبادر هو بإغاثتها ونصرها.



ولم تكن فكرة الاستنصار بالمرابطين تلقى إجماعًا بقبولها من قبل ملوك الطوائف، فقد كان هناك من يخشى مغبة هذه السياسة ويعارض قيامها، مخافة أن يطمع المرابطون في بلادهم فيلحقوها بدولتهم الفتية، غير أن "المعتمد بن عباد" حسم الموقف وأخمد الفتنة بمقولته المأثورة: "رعي الإبل خير من رعي الخنازير" يقصد بذلك أنه يفضل أن يكون أسيرًا لدى أمير المرابطين يرعى له جماله من أن يكون أسيرًا لدى ملك قشتالة.

IroN MaN
12-11-2008, 05:27 AM
عبور المرابطين

استجاب يوسف بن تاشفين لدعوة ملوك الطوائف، وأعد جيشًا عظيمًا، عبر به البحر المتوسط إلى الأندلس، فاستقبله أمراؤها، وسار بجيشه إلى إشبيلية حيث وافته جيوش الأندلس، وفي أثناء ذلك الوقت كان "ألفونسو" ملك قشتالة مشغولاً بمحاربة"ابن هود" أمير سرقسطة، فلما علم بخبر عبور المرابطين ترك محاربة ابن هود، وجمع جندًا من سائر الممالك النصرانية للقاء الجيوش الإسلامية، فالتقى الفريقان في سهل الزلاقة بالقرب من بطليوس، في معركة هائلة (12 من رجب 479هـ:23 من أكتوبر1086م)، ثبت فيها المسلمون وأبلوا بلاءً حسنًا حتى أكرمهم الله بالنصر، وقتل معظم جيش القشتاليين، ومن نجا منهم وقع أسيرًا، وفر ملكهم بصعوبة في بضع مئات من جنده جريحًا ذليلاً، وعاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب متوجًا بتاج النصر والفخار، وملقبًا بأمير المسلمين.


كان هذا النصر عزيزًا، أعاد الثقة في نفوس الأندلسيين، واهتزت له مشاعر المسلمين فرحًا وطربًا، ورد خطر القشتاليين عن الأندلس إلى حين بعد أن كانت على موعد مع الغثاء والهلاك، وكتبت لها حياة جديدة، امتدت إلى أربعة قرون أخرى.



عبور المرابطين ثانية

لم يكد يستقر يوسف بن تاشفين في المغرب حتى عادت كتب الأندلسيين ووفودهم تترى عليه؛ طلبًا لنجدتهم من القشتاليين الذين عاودوا التدخل في شئون شرقي الأندلس في بلنسية ومرسية ولورقة، فأجابهم إلى ذلك، وعبر بقواته إلى الأندلس في (ربيع الأول 481 هـ: يوليو 1088م) واتجهت مع القوات الأندلسية إلى حصن (ليبط)، وهو حصن أقامه القشتاليون بين "مرسية" ولورقة، ليكون قاعدة للإغارة على أراضي المسلمين في هذه المنطقة.



حاصرت القوات المتحدة هذا الحصن، وسلطت عليه آلات الحصار، وضربوه بشدة، لكنها لم تنجح في هدمه أو إحداث ثغرة ينفذ منها المسلمون؛ نظرًا لمناعته واستماتة المدافعين، ودام الحصار نحو أربعة أشهر دون جدوى، ففك يوسف بن تاشفين الحصار بعدما كبد حامية الحصن خسارة كبيرة، وأهلك معظم رجاله حتى إن ملك قشتالة حين قدم الحصن لنجدته لم يجد فيه سوى مائة فارس وألف راجل (محارب من المشاة)، بعد أن كان يضم عند محاصرته ثلاثة عشر ألف مقاتل، ثم عاد يوسف إلى بلاده بعد ترك بعض قواته تحت إمرة خير قواده (سير بن أبي بكر اللمتوني).



العبور الثالث

شاهد أمير المرابطين عند عبوره إلى الأندلس ما عليه أمراؤها من فُرقة وتنابذ، وجنوح إلى الترف والبذخ، وميل إلى الدعة والراحة والعيش الناعم، في الوقت الذي يهملون فيه شئون رعيتهم، ويتقاعسون عن حماية دولتهم من خطر النصارى وتطلعهم إلى الاستيلاء على أرضهم، فاستقر في ذهنه ضرورة إزاحة هؤلاء الأمراء عن مواقعهم، وعزز من ذلك فتاوى كبار الفقهاء من المغرب والأندلس بوجوب خلع ملوك الطوائف، وانتزاع الأمر من أيديهم، وكان"أبو حامد الغزالي" و"أبو بكر الطرطوشي" على رأس القائلين بهذه الفتوى؛ وهو ما دعا أمير المرابطين إلى تنفيذ هذا الأمر، وكان لا يحب القيام بعمل إلا إذا كان متفقًا مع أحكام الشرع الحنيف.



عبر أمير المرابطين إلى الأندلس للمرة الثالثة بجيش ضخم في أوائل سنة (483هـ: 1090م) لتحقيق هذا الهدف، ومقاتلة النصارى، فاتجه بقواته إلى طليطلة، واجتاح في طريقه أراضي قشتالة دون أن يتقدم أحد من ملوك الطوائف لمعاونته أو السير معه، وكان يرغب في استرداد طليطلة لعله يشفى الجُرح الدامي، لكنه لم ينجح نظرًا لمناعة أسوارها العالية، فرجع بجيشه إلى إشبيلية وفي عزمه أن يستخلصها هي وغيرها من إمارات ملوك الطوائف بعد أن وقر في قلبه، وقامت عليه الأدلة إلى عودة ملوك الطوائف إلى عقد اتفاقات سرية مع ملك قشتالة، يتعهدون فيها بالامتناع عن معاونة المرابطين، والدخول في طاعة ألفونسو ملك قشتالة وحمايته.



دخول المرابطين قرطبة

قسم أمير المرابطين قواته في أنحاء الأندلس، وبدأ هو بالاستيلاء على غرناطة، ودخلها في (العاشر من رجب 483هـ: سبتمبر 1090م) وأعلن على الناس أنه سوف يحكم بالعدل وفقًا لأحكام الشرع، وسيدافع عنهم، ويرفع عنهم سائر المغارم الجائرة، ولن يفرض عليهم من التكاليف إلا ما يجيزه الشرع الحنيف.



ثم بعث أمير المرابطين بقائده الكبير "سير بن أبي اللتموين" على رأس جيش كبير إلى إشبيلية، فتمكن من الاستيلاء على كثير من مدنها، ودخل المرابطون قرطبة في اليوم الثالث من صفر 484 هـ: 26 من مارس 1091م، ثم تتابع سقوط مدن الأندلس في أيدي المرابطين ليبدأ عصر جديد في الأندلس.

IroN MaN
15-11-2008, 02:22 AM
عبيد الله المهدي.. مؤسس الدول الفاطمية


بدأ الضعف يدب في أوصال الخلافة العباسية السُّنّية، وظهرت أمارات الإعياء على جسدها الواهن، ولاحت آيات الضعف في ملامح الوجه والقسمات، وذلك في مطلع القرن الرابع، بعد أن تفككت الدولة، وصارت دولاً وممالك صغيرة، لا يربطها بدولة الخلافة سوى الاسم والدعاء للخليفة على المنابر.


وشهد هذا القرن بزوغ ثلاث خلافات، تنازعت السلطة في العالم الإسلامي: الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في إفريقية، والخلافة الأموية في قرطبة، وأصبح للعالم الإسلامي -لأول مرة- ثلاثة من الخلفاء في ثلاثة أماكن مختلفة، يقتسمون الحكم، ويتنازعون فيما بينهم.



قيام الدولة الفاطمية

نجح أبو عبد الله الشيعي داعية الإسماعيلية في إعلان قيام الدولة الفاطمية في "رقادة" عاصمة دولة الأغالبة في (21 من ربيع الآخر 297هـ= 8 من يناير 910م)، ومبايعة عبيد الله المهدي بالخلافة، وجاء هذا النجاح بعد محاولات فاشلة قام بها الشيعة منذ قيام الدولة الأموية للظفر بالخلافة.



وقد نجح أبو عبد الله الشيعي منذ أن وطأت قدماه بلاد "كتامة" في المغرب العربي في منتصف ربيع الأول (288هـ= فبراير 901م) في جمع الأتباع، وجذب الأنصار إلى دعوته، مستغلاً براعته في الحديث، وقدرته على الإقناع، وتظاهره بالتقوى والصلاح، ثم صارح بعض زعماء كتامة بحقيقة دعوته بعد أن اطمأن إليهم، وأنه داعية للمعصوم من أهل البيت، ولمَّح إلى أنهم هم السعداء الذين اختارهم القدر ليقوموا بهذه المهمة الجليلة.



وبعد أن أحسن أبو عبد الله الشيعي تنظيم جماعته، والتزموا طاعته، بدأ في مرحلة الصدام مع القوى السياسية الموجودة في المنطقة، فشرع في سنة (289هـ = 901م) في مهاجمة دولة الأغالبة، ودخل معها في عدة معاركة، كان أشهرها معركة "كينوتة" في سنة (293هـ=906م) وعُدَّت نقطة تحوّل في ميزان القوى لصالح أبي عبد الله الشيعي؛ حيث توالت انتصاراته على دولة الأغالبة، فسقطت في يده قرطاجنة، وقسنطينة، وقفصة، ودخل "رقادة" عاصمة الأغالبة في (أول رجب 296هـ = 26 من مارس 909م).



عبيد الله المهدي

لا يستطيع أحد القطع برأي حاسم في نسب "عبيد الله المهدي"، فالشيعة الإسماعيلية يؤكدون صحة نسبه إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، في حين يذهب المؤرخون من أهل السُنّة وبعض خصوم الفاطميين من الشيعة إلى إنكار نسب عبيد الله إلى علي بن أبي طالب.



ولكن على أية حال نحن أمام رجل يسمى عبيد الله، ويدّعي أنه صاحب الحق في إمامة المسلمين، وأنه من سلالة الإمام جعفر الصادق، وقد نجح أحد دعاته في إقامة دولة باسمه في إقليم إفريقية، وجزء كبير من المغرب الأوسط.



خرج عبيد الله المهدي من مكمنه في "سلمية" من أرض حمص ببلاد الشام في سنة (292 هـ = 905م)، واتجه إلى المغرب، بعد الأنباء التي وصلته عن نجاح داعيته أبي عبد الله الشيعي في المغرب، وإلحاح كتامة في إظهار شخصية الإمام الذي يقاتلون من أجله، وبعد رحلة شاقة نجح عبيد الله المهدي في الوصول إلى "سجلماسة" متخفيا في زي التجار، واستقر بها.



ومن ملجئه في سجلماسة في المغرب الأقصى أخذ عبيد الله المهدي يتصل سرًا بأبي عبد الله الشيعي الذي كان يطلعه على مجريات الأمور، ثم لم يلبث أن اكتشف "اليسع بن مدرار" أمير سجلماسة أمر عبيد الله؛ فقبض عليه وعلى ابنه "أبي القاسم" وحبسهما، وظلا في السجن حتى أخرجهما أبو عبد الله الشيعي بعد قضائه على دولة الأغالبة.



وكان أبو عبد الله الشيعي حين علم بخبر سجنهما قد عزم على السير بقواته لتخليصهما من السجن، فاستخلف أخاه "أبا العباس" واتجه إلى سجلماسة، ومر في طريقه إليها على "تاهرت" حاضرة الدولة الرسمية فاستولى عليها، وقضى على حكم الرّستميين، وبلغ سجلماسة فحاصرها حتى سقطت في يده، وأخرج المهدي وابنه من السجن.



ويذكر المؤرخون أن أبا عبد الله الشيعي حين أبصر عبيد الله المهدي ترجّل وقابله بكل احترام وإجلال، وقال لمن معه: هذا مولاي ومولاكم قد أنجز الله وعده وأعطاه حقه وأظهر أمره.



وأقام أبو عبد الله الشيعي وعبيد الله المهدي في سجلماسة أربعين يوما، ثم رحلوا عائدين فدخلوا رقادة في يوم الخميس الموافق (20 من شهر ربيع الآخر 297هـ= 7 من يناير 910م).



وخرج أهل القيروان مع أهل رقادة يرحبون بالإمام المهدي، وفي يوم الجمعة التالي أمر عبيد الله أن يُذكر اسمه في الخطبة في كل من رقادة والقيروان، معلنا بذلك قيام الدولة الفاطمية.



خلاقة عبيد الله الفاطمي

استهدف عبيد الله الفاطمي منذ أن بويع بالخلافة واستقامت له الأمور أن يدعم مركزه، وأن تكون كل السلطات في يديه، وأن يكون السيد المطلق على الدولة الناشئة والدعوة الإسماعيلية، وكان لا بد من أن يصطدم مع أبي عبد الله الشيعي مؤسس الدولة، ولم يجد غضاضة في التخلص منه بالقتل في سنة (298هـ= 911م) بعد أن أقام له دعائم ملكه، وأنشأ دولة بدهائه وذكائه قبل سيفه وقوته.



أثار مقتل أبي عبد الله الشيعي فتنة كبيرة قام بها أتباعه من أهل كتامة، وقدّموا طفلا ادعوا أنه المهدي المنتظر، وامتدت هذه الدعوة وقويت، واضطر عبيد الله إلى إرسال حملة قوية إلى أرض كتامة بقيادة ابنه لقمع هذه الفتنة، فألحق بهم الهزيمة وقتل الطفل الذي ولّوه باسم المهدي.

IroN MaN
15-11-2008, 02:26 AM
بناء المهدية

خاب أمل أهل المغرب في عبيد الله المهدي، وساء ظنهم به بعد أن ذهبت الوعود التي وعدهم بها أبو عبد الله الشيعي سُدى، فلم ينقطع الفساد بخلافة المهدي، ولم يحل العدل والإنصاف محل الظلم والجور، بالإضافة إلى السياسة المالية المتعسفة التي انتهجها الفاطميون في جمع الضرائب، والتفنن في تنويعها حتى فرضوا ضريبة على أداء فريضة الحج.


وزاد الأمر سوءا قيام عبيد الله المهدي ودعاته بسبّ الصحابة على المنابر فيما عدا علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والتغيير في صيغة الأذان، وهو ما لا يمكن أن يقبله شعب نشأ على السنة، وتعصّب لمذهب الإمام مالك.



وكان من نتيجة ذلك أن اشتعلت عدة ثورات ضد عبيد الله المهدي، ولكنه وإن نجح في إخمادها فإنه أصبح غير مطمئن على نفسه في مجتمع يرفض مذهبه ويقاطع دولته مقاطعة تامة؛ ولذا حرص على أن يبعد عن السكنى في رقادة مركز المقاومة السُنّي، وأسس مدينة جديدة عُرفت باسم "المهدية" في سنة (303هـ= 915م) على طرف الساحل الشرقي لإفريقية (تونس) فوق جزيرة متصلة بالبر، ولم ينتقل إليها إلا في سنة (308هـ= 920م) بعد أن استكمل بناءها وتشييدها، وأقام تحصيناتها ومرافقها المختلفة، وأصبحت المهدية قلعة حصينة للفاطميين بالمغرب ومركزا لعملياتهم الحربية والبحرية، وظلت حتى مطالع العصر الحديث أكبر مركز إسلامي للجهاد في البحر المتوسط.



التفكير في غزو مصر

تطلع المهدي إلى فتح مصر والأندلس؛ لأنه رأى أن المغرب لم تسلس له قيادتها، وتشتعل فيها الثورات من وقت لآخر، كما أنها قليلة الموارد، وبدأ في التأهب لفتح هذين الإقليمين؛ فوجه أولى حملاته إلى مصر بقيادة "حباسة بن يوسف" في سنة (301هـ = 913م) فدخل مدينة "سرت" بالأمان، ثم زحف إلى "أجدابية"، واستولى عليها بالأمان، ثم دخل "برقة".



وفي أثناء إقامته ببرقة التقى بالجيوش العباسية، ودارت بينهما عدة معارك انتهت بهزيمة العباسيين، وزحف حباسة نحو الإسكندرية، وأدركه "أبو القاسم بن عبيد الله المهدي" بجيش كبير فدخلا الإسكندرية معا، بعد أن غادرها أهلها، وواصلا الزحف حتى الفيوم، لكن الحملة اضطرت إلى الرجوع والانسحاب بعد ظهور قوات العباسيين بقيادة "مؤنس الخادم"، ثم تكررت المحاولة سنة (307هـ= 919م) ولكن لم يُكتب لها النجاح، كما أن محاولات المهدي لفتح الأندلس باءت بالفشل.



وقد نبهت هذه المحاولات الخلافة العباسية إلى أن استمرار هذه المحاولات يتطلب وجودا عسكريا قويا في مصر، بعد أن اكتشف القائد مؤنس الخدام الذي تصدّى لهذه المحاولات وجود موالين للفاطميين في مصر؛ فأسند العباسيون إلى "ابن طغج الإخشيد" ولاية مصر، بالإضافة إلى ولايته على الشام؛ حتى يتمكن من مواجهة خطط الفاطميين.



وفاة عبيد الله المهدي

وبعد فترة حكم ناهزت ربع قرن من الزمان توفي المهدي في (15 من ربيع الأول 322 هـ= 5 من مارس 934م) وخلفه ابنه أبو القسام محمد، وكانت فترة عبيد الله المهدي بمثابة عهد التأسيس وإرساء القواعد، بعد عهد التمهيد والإعداد على يد الداعي أبي عبد الله الشيعي.

Flood
16-01-2009, 06:12 AM
موضوع أكتر من رائع
مشكور وجزاك الله خيرا

امانى احمد
16-01-2009, 01:57 PM
موضوع تاريخى رائع شكرا لك ونتمنى ان نرى المزيد

IroN MaN
24-01-2009, 05:09 AM
شكراا علي اهتمام حضراتكم
موفقين بإذن الله وفي تقدم دائم

IroN MaN
02-03-2009, 12:13 PM
قيام الدولة الخلجية في الهند


قامت "الدولة الغورية" (543 ـ 613 هـ = 1148ـ1215م) على أنقاض "الدولة الغزنوية" التي حكمت الهند أكثر من قرنين من الزمان، وتوغلت في شبه القارة الهندية، ونشرت الإسلام بين ربوعها، واستعان السلطات "محمد الغوري" في توطيد دعائم حكمه بالمماليك، الذين كان يشتريهم ويخصهم بعنايته، ويعدهم للغزو والجهاد، ويرقي منهم من كانت تؤهله ملكاته ومواهبه للقيادة والحكم.


ولم تطل الحياة بالسلطان الغوري، فقد توفي سنة (603 هـ=1206م)، وخلفه مملوكه "قطب الدين أيبك" الذي كان يحكم ولاية "دلهي"، وكان قائدًا ماهرًا وحاكمًا عادلاً؛ يتمسك بالإسلام، ويكره الظلم، ولم تطُل به الحياة –أيضًا-، فلقي حتفه إثر وقوعه من فوق ظَهْر فرسه سنة (608هـ = 1210م)، وخلفه ابنه "آرام شاه"، ولم يكن مؤهلا للحكم وإدارة شؤون البلاد؛ فخلفه "شمس الدين التمش" أحد مماليك أبيه البارزين سنة (614هـ = 1216م)، وتولى أمر الدولة، وكان رجلا موهوبا صاحب كفاءة عالية في الإدارة والتنظيم، ويُعد المؤسس الحقيقي لدولة المماليك في الهند، واستمرت فترة ولايته حتى سنة (634هـ = 1236م)، وخلفه أبناؤه، وكان من بينهم ابنته"رضية الدين".

ولم يكن من أبناء "التمش" من كان في كفاءته وقدرته، فبرز "غياث الدين بلبن" أحد قادته، فتولى الوزارة لناصر الدين محمود بن التمش، ونجح في إقامة الأمن، وقمع الفتن والاضطرابات، واستطاع أن يرد هجمة التتار الشرسة بقيادة "مانكوخان" على الهند سنة (643هـ = 1245م). وحين كرروا المحاولة ردهم خائبين مرة أخرى سنة (655هـ = 1257م).





ولما قويت قبضة "غياث الدين" على البلاد، وازداد نفوذه استأثر بالحكم، وحل محل بيت "التمش" في إدارة شؤون الحكم، وحكم أبناؤه معه ولايات الهند، لكنهم بعد وفاته سنة (685هـ = 1278م) لم يستطيعوا الاحتفاظ بدولتهم، فسقط حكهم بعد أربع سنوات من حكم عميد الأسرة "غياث الدين بلبن" حيث تمكن الخلجيون من القضاء عليهم.





من هم الخلجيون؟



الخلجيون أصلهم من الترك الأفغانيين، وكانوا أسرة محاربة، ظهر أمرها من أيام الغزنويين، ويرى بعض المؤرخين أنهم ينتسبون إلى "قليج خان" أحد أصهار "جنكيز خان" نزل بجبال "الغور" بعد هزيمة "خوارزم شاه"، وحرف اسمه بعد ذلك إلى "خلج"، وعرف ورثته بـ "الخلجيون"، واندمجوا في الحياة في "أفغانستان"، واعتنقوا الإسلام في عهد سلاطين الدولة الغزنوية، وضم الجيش الغزنوي فرقًا منهم أسهمت في فتح الهند.





وظهر أمرهم منذ أيام الدولة الغورية، وازداد نفوذهم في عهد المماليك، وتولوا حكم إقليم "البنغال"، ونهضوا بالوظائف الكبرى في الدولة.





قيام دولتهم



بعد وفاة "غياث الدين بلبن" تولى حفيدة "كيقباد" الحكم، وكان شابًا لاهيًا منصرفًا عن إدارة الدولة، وهو ما أطمع الخلجيين في الإطاحة بنظام الحكم في "دلهي"، فجمعوا أمرهم تحت قيادة زعيمهم "فيروز"، ودخلوا "دلهي"، وأسقطوا حكم بيت "غياث الدين بلبن"، وأعلن فيروز نفسه سلطانًا، ولقب نفسه بـ "جلال الدين"، وذلك في الثاني من جمادى الآخرة 689هـ = 13 من يونيو1290م).





جلال الدين فيروز شاه



استطاع السلطان جلال الدين أن يجذب القلوب التي كانت نافرة منه بعد اجتياح قواته مدينة "دلهي" وقتلها "كيقباد"، وقد كان شيخًا كبيرًا في السبعين من عمره، يميل إلى الحلم والسماحة؛ فنجح في أن يتألف القلوب من حوله، وبلغ من سماحته أنه عفا عن بعض الثائرين عليه، وفكَّ أغلالهم، وأجلسهم بمجلسه، وقال لهم: كنتم زملائي، وقد جعلني الله ملكًا؛ فأنا أشكر الله على نعمته، ولا أنسى الماضي، وأنتم بوفائكم لأميركم من "آل بلبن" قد قمتم بواجبكم، ولا يمكن أن أحاسبكم على هذا الوفاء.





وقد نجح السلطان "جلال الدين" في رد غارات المغول حين عاودوا هجومهم على الهند، وأسر منهم ألوفًا، وأنزلهم بضواحي "دلهي"، ثم خرج في سنة (694هـ = 1214م) لفتح "الدكن"، وتمكن من التغلب على إمارة "ديوكر" الهندية، ودخل الدكن؛ فكان أول من دخلها من سلاطين المسلمين.





وكان من إفراط السلطان في حسن الظن بمن حوله أن استطاع ابن أخيه علاء الدين محمد أن يستدرجه إلى مقامه في "كره"؛ بدعوى مشاهدة بعض الغنائم الثمينة التي أتى بها من "الدكن"، ودبر له مَن قتله قبل أن يلتقيا في (4 من رمضان 694 هـ = 18 من يوليو 1295م).





علاء الدين الخلجي



بعد أن غدر "علاء الدين" بعمه زحف بجيشه إلى "دلهي"، حين جمعت زوجة جلال الدين أنصار زوجها، ونادت بابنها "ركن الدين إبراهيم" سلطانًا خلفًا لأبيه، لكن علاء الدين هاجم دلهي، وأجبر ركن الدين على الفرار إلى "الملتان"، ونصَّب نفسه على عرش الهند في دلهي سنة (695 هـ = 1295م).





ولما استقرت الأمور لعلاء الدين بدأ يتجه لشؤون الدولة الحربية، ويعنى بالنواحي الاجتماعية، وكان سلطانًا قويًا طموحًا، نجح في دفع الخطر المغولي عن بلاده، وقاد جنده في فتوحات متصلة، حتى أظلت راية الإسلام شبه القارة الهندية كلها لأول مرة في التاريخ.





ولكي يدفع هجمات المغول أقام سلسلة من الحصون على حدوده الغربية، وزودها بالجند والسلاح، ولكن ذلك لم يحُلْ دون هجمات المغول على الهند، فتوالت حملاتهم على الرغم مما كان يتكبدونه من خسائر على أيدي علاء الدين وقادته، مثلما حدث في سنة (698هـ = 1298م) حين سار سلطان المغول "قتلق خواجه" على رأس قوات كثيفة، فتصدى لها علاء الدين وقائداه "ظفرخان" و"ألج خان"، وأنزلوا بالمغول هزيمة قاصمة، لكنها لم تمنعهم من موالاة الهجوم مرات أخرى حتى تمكن القائد "غازي ملك تغلق" من القضاء على خطرهم تمامًا.





وفي الوقت الذي كان فيه "علاء الدين" مشغولا بالقضاء على هجمات المغول كان يعد الجيوش لاستكمال فتح الهند، فأرسل في سنة (699هـ = 1299م) قائديْه "ألنخان" "ونصرت خان" لفتح حصن "رنتنبهور" أعظم حصون إقليم "الراجبوتانا"، فنجحا في مهمتهما بعد حروب دامية، ودخل الإقليم في طاعة "علاء الدين الخلجي"، ثم فتح إمارة "موار"، وكانت أمنع إمارات "الراجبوتانا" بقلعتها الحصينة القائمة على قمة جبل منحوتة في الصخر، ثم استولى على "ملوة" و"أوجين" و" دهري نجري"، ولم يكد يأتي عام (706 هـ = 1306) حتى كان "علاء الدين الخلجي" قد فتح "الهنستان" كلها من "البنغال" إلى "البنجاب".





وواصل علاء الدين فتوحاته؛ فأرسل قائده الحبشي "كافور"، فاخترق أقاليم "ملوة" و"الكجرات"، ثم أردف ذلك بجيش آخر يقوده "أدلوغ خان"، واستولى الجيشان على "ديوكر، وتوالت انتصارات علاء الدين بفضل كافور القائد المظفر، فقاد حملة هائلة في سنة (710 هـ = 1310م) تمكنت من فتح الجنوب الهندي كله.





وقد اغتر علاء الدين بهذه الانتصارات التي تحققت على يديه حتى لُقِّب بالإسكندر الثاني، وأسكرته الغنائم والكنوز التي غنمها في حروبه، وتراءى له أن يفتح العالم بجنده، كما فعل الإسكندر، وسرَحَ به الخيال إلى أبعد من ذلك، فصرح أن قادته هم بمنزلة الخلفاء الراشدين، ولكن عمه القاضي علاء الملك أيقظه من أحلامه الضالة، وذكَّره بأن النبوة قد انتهى زمانها، ورده إلى جادة الصواب، فعاد إليه عقله، وانتبه من غفلته.





الإصلاح الداخلي



وقد وجدت نصيحة القاضي صداها عند علاء الدين؛ فعدل عن رأيه إلى الاهتمام بشؤون دولته والعمل على نهضتها، ووضع النظم الإدارية والمالية التي تصلح من شأن مملكته، وقُدِّر لها أن تلقى قدرًا كبيرا من النجاح؛ فعم البلاد الرخاء، ونَعِمَ الناس بالأمن، وكان لرقابته على الأسواق وشدته في معاقبة التجار المدلسين ومنعه من الاحتكار أثرها في رواج التجارة، ورخص الأسعار، وبلغ من شدته أنه كان يأمر بالمطفِّف من التجار فتُقطَع من لحمه حيًا قطع يستكمل بها الميزان عظة لغيره من التجار.





وكان يفتح خزائن دولته العامرة، ويعطي منها التجار والمزارعين حين تشتد الحالة الاقتصادية أو يفسد الزرع حتى لا يتأثر الناس بقلة المعروض من البضائع كما وعُني بأمر الزراعة، وأسبغ رعايته على العلماء، وقد تحدث "ابن بطوطة" في رحلته عما شاهده من الرخاء الذي ينعم به المسلمون تحت حكم علاء الدين.





نهاية الدولة الخلجية



على أن السلطان علاء الدين حين تقدمت به السن أوكل تصريف شؤون دولته إلى "كافور" قائده المعروف، وانقاد له في كثير من الآراء، حتى إذا توفي سنة (715هـ = 1315م) كان كافور قد استبد بالأمر، وأمسك بزمام الدولة بعد أن أجلس على السلطنة طفلا صغيرًا من أبناء علاء الدين، وقد أدى ذلك إلى اشتعال الفتنة في البلاد، وانتهى الأمر بقتله على يد بعض الأمراء المنافسين له، وأقاموا مكانه سلطانا جديدًا يسمى "مبارك شاه الخلجي" سنة (716 هـ = 1316م).





وبدأ السلطان الجديد عهده بسيرة حسنة؛ فرفع كثيرًا من الضرائب من على كاهل الناس، ورد الأرض المغتصبة إلى أصحابها، وأطق سراح المعتقلين، لكن هذه السياسة لم تستمر كثيرًا، وارتد السلطان عنها دون مبرر واضح، وانغمس في الملذات، وانصرف عن متابعة شؤون الدولة؛ فساءت أحوال الدولة، وعادت سيرتها الأولى، وانتهز هذه الحالة المتردية قائده "خسرو" فتخلص منه بالقتل، وكان هندوكيا يُظهِر الإسلام ويُبطن له العداوة، فعاث في الأرض، وأطلق لأتباعه العنان؛ يفسدون، وينشرون ديانتهم الهندوكية، ويطمحون في القضاء على الإسلام، وبلغ من فسادهم أنهم كانوا يقتحمون المساجد، ويقيمون فيها أوثانهم، ويجعلون من المصاحف قواعد لها، وكاد الأمر يخرج من أيدي المسلمين، ولولا أن سارع "غازي ملك تغلق" قائد الخلجيين بالبنجاب، فقضى على هذه الفتنة العارمة سنة (720هـ = 1320م) لتعرض الإسلام في الهند إلى مخاطر لا يعلم مداها إلا الله، وبقضائه على الفتنة بدأ عصر جديد عُرف في التاريخ الإسلامي بعصر "بني تغلق"، وامتد في الهند نحو قرن من الزمان.

IroN MaN
04-03-2009, 12:19 PM
دولة الموحدين.. ملامح بداية


ظهر المهدي بن تومرت في القرن السادس الهجري، وبدأ دعوته الإصلاحية في المغرب؛ فدعا الناس إلى التوحيد الخالص، ولهذا أُطلق على أنصاره اسم "الموحدين"، وسُميت الدولة التي قامت على دعوته دولة "الموحدين"، وجهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعا لنفسه على أنه المهدي المنتظر والإمام المعصوم الذي يحكم بين الناس بالعدل، واتخذ منهجا في الفقه يقوم على الدراسة المباشرة للقرآن والسنة دون دراسة فروع المسائل الفقهية التي كانت سائدة في المغرب على المذهب المالكي.


وكان المهدي بن تومرت يطوف بمدن المغرب يدعو الناس إلى الإصلاح والالتزام بالشرع ومحاربة البدع والمنكرات، وقد لاقت دعوته قبولا بين الناس، فالتفوا حوله أينما نزل. وفي إحدى جولاته التقى بعبد المؤمن علي الكومي، وكان اللقاء في "ملالة" بجانب ميناء "بجاية" شرقي الجزائر.



نشأة عبد المؤمن علي الكومي

وأبو محمد بن علي الكومي من أصل بربري، ولد في قرية "تاجرا" الجزائرية التي تبعد نحو ثلاثة أميال عن مرسى "هنين" على ساحل البحر المتوسط، ولا يُعرف على سبيل اليقين تاريخ مولده. وفي قريته حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ودرس شيئا من الفقه والسيرة النبوية، ثم رحل إلى تلمسان، وكانت من حواضر العلم، وتلقى العلم على عدد من كبار العلماء، في مقدمتهم الشيخ "عبد السلام التونسي" إمام عصره في الفقه والحديث والتفسير، ثم استعد للرحلة إلى المشرق؛ طلبا للمزيد من المعرفة. وقبل الرحيل سمع بوجود فقيه جليل يتحدث الناس عن علمه الغزير، فاشتاق إلى رؤيته، فاتجه إليه حيث يقيم في بلدة "ملالة" القريبة من "بجاية" بمسافة قليلة.



وفي هذا اللقاء أُعجب عبد المؤمن بشخصية "ابن تومرت" وغزارة علمه وقدرته على حشد الأنصار والأتباع، وتخلى عن فكرة السفر إلى المشرق، ولزم ابن تومرت، ودرس على يديْه، وكان عالما كبيرا وفقيها متبّحرا، ودرس في المغرب، ورحل إلى المشرق، وقابل العلماء، وأخذ عنهم، ثم توثقت الصلة بين الرجلين، ثم غادرا "ملالة"، واتجها إلى "فاس"، وفي أثناء الرحلة لم يكف المهدى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكسر آلات اللهو، وإراقة الخمر حتى وصل إلى مدينة فاس، فأقام بها يدرّس العلم إلى سنة (514هـ= 1120م)، ثم ارتحل ومعه عبد المؤمن بن علي الكومي إلى مراكش عاصمة دولة المرابطين، فأقاما بها في (ربيع الأول 515هـ = 1221م).



بداية الصدام مع دولة المرابطين

أقام المهدي بن تومرت في مراكش وأخذ في الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعترض على سياسة الدولة في بعض الأمور التي رآها مخالفة للشرع، ووعظ السلطان حين قابله في المسجد وطالبه بتغيير المنكر، فلما استفحل أمره وتجمع الناس حوله دعا الأمير "علي بن يوسف" العلماء إلى مناظرته فغلبهم بقوة لسانه وحدّة ذكائه وسعة علمه، ولم يجد الأمير مفرًا من طرده من عاصمته، معتقدا أن ذلك كافٍ لزوال خطره على سلطانه، واتجه المهدى بأتباعه إلى "تينملل" وبدأ في تنظيمهم وإعدادهم، وجعلهم في طبقات على رأسها الجماعة التي تمثل أعلى سلطة في حكومته، وهي تتألف من عشرة رجال، كان من بينهم عبد المؤمن بن علي الكومي، ثم أخذ البيعة لنفسه في (غرة المحرم 516هـ= 12 من مارس 1122م)، واستعد لمواجهة المرابطين بجذب الأتباع والأنصار وتجهيز الحملات العسكرية التي حققت بعض الانتصارات، وشارك المهدي في تسع غزوات منها، ولكنها لم تكن كافية لتقويض الحكم المرابطي، وشجعت هذه الانتصارات زعيم الموحدين فأرسل حملة كبيرة بلغت 40 ألف جندي لمهاجمة مراكش عاصمة المرابطين والاستيلاء عليها، ولكنها لقيت هزيمة ساحقة سنة (524 هـ= 1130م) في معركة سميت بمعركة "البحيرة"، على مقربة من أسوار مراكش، وقُتل معظم الجيش الموحدي، ولم ينج من القتل سوى عدد قليل، تسلل تحت جنح الظلام إلى "تينملل"، ولما وصلت أنباء الهزيمة إلى المهدي الذي كان مريضا ساءت صحته وخاب أمله ثم لم يلبث أن توفي في (13 رمضان 524هـ= 20 من أغسطس 1130م).



الكومي زعيمًا للموحدين

تحمل عبد المؤمن علي الكومي أعباء الدعوة عقب وفاة أستاذه، وكانت المسئولية جسيمة بعد الهزيمة المدوّية التي لحقت بالموحدين، واستطاع في صبر وأناة أن يعيد تنظيم شئون دعوته ويجند أنصارا جددا، واستغرق منه ذلك نحو عام ونصف حتى إذا آنس في نفسه قوة وثقة بدأ في الاستعداد لمناوشة المرابطين، وظل يناوشهم دون الدخول في معارك حاسمة، واستمر هذا الوضع حتى سنة (534هـ= 1130م)، وكان عبد المؤمن في أثناء هذه الفترة يعمل على زيادة نشر الدعوة الموحدية وجذب قبائل جديدة للدخول في طاعته وتوسيع رقعة دولته كلما سمحت له الظروف، وبخاصة في الجهات الجنوبية والشرقية من المغرب.



سقوط دولة المرابطين

رأى عبد المؤمن أن الفرصة قد سنحت للقضاء على المرابطين، فآثر أن يسرع في ذلك، وأن يبدأ بمهاجمتهم في قلب دولتهم، فجهز جيشًا عظيمًا لهذا الغرض، وخرج به من قاعدته "تينملل" سنة (534 هـ = 1140م)، واتجه إلى شرق المغرب وجنوبه الشرقي؛ لإخضاع القبائل لدعوته، بعيدًا عن مراكش مركز جيش المرابطين القوي، وأنفق عبد المؤمن في غزوته الكبرى أكثر من سبع سنوات متصلة، أبدى فيها ضروبًا من الحيل الحربية والمهارة العسكرية؛ وهو ما جعل الجيش المرابطي يحل به الوهن دون أن يلتقي معه في لقاءات حاسمة ومعارك فاصلة.



وفي أثناء هذه الغزوة توفي علي بن يوسف سلطان دولة المرابطين سنة (537هـ = 1142م) وخلفه ابنه تاشفين، لكنه لم يتمكن من مقاومة جيش عبد المؤمن، الذي تمكن من دخول تلمسان سنة (539هـ=1144)، فتراجع تاشفين، إلى مدينة "وهران"، فلحقه جيش الموحدين، وحاصروا المدينة وأشعلوا النيران على باب حصنها، ولما حاول تاشفين الهروب من الحصن سقط من على فرسه ميتًا في (27 من رمضان 539 هـ = 23 من مارس 1145م)، ودخل الموحدون مدينة وهران، وقتلوا من كان بها من المرابطين.



بعد وهران تطلع عبد المؤمن إلى فتح مدينة فاس، فاتجه إليها، وضرب حولها حصارًا شديدًا، ظل سبعة أشهر، وعانى أهلها من قسوة الحصار، واضطر واليها إلى التسليم فدخلها الموحدون في (14 من ذي القعدة 540 هـ = 5 من مايو 1145م).



ثم دخلت كل من مدينتي سبتة وسلا في طاعة الموحدين قبل أن يتجهوا إلى تراشك لفتحها، وكان يعتصم بها إسحاق بن علي بن تاشفين، وضرب الموحدون حصارًا حول المدينة دام أكثر من تسعة أشهر، أبدى المدافعون عن المدينة ضروبًا من الشجاعة والبسالة، لكنها لم تغن عنهم شيئًا، واستولى الموحدون على المدينة في (18من شوال 541هـ = 24 من مارس 1147م)، وقتلوا إسحاق بن علي آخر أمراء المرابطين بعد أن وقع أسيرًا، وبذلك سقطت دولة المرابطين، وقامت دولة جديدة تحت سلطان عبد المؤمن بن علي الكومي الذي تلقب بلقب "خليفة".



استكمال الفتح

انتهز جماعة من الزعماء الأندلسيين فرصة انشغال المرابطين بحرب الموحدين بالمغرب، فثاروا على ولاتهم التابعين لدولة المرابطين، وأعلنوا أنفسهم حكامًا واستبدوا بالأمر، وتنازعوا فيما بينهم يحارب بعضهم بعضًا.



فلما تمكن عبد المؤمن بن علي من بسط نفوذه على المغرب بدأ في إرسال جيش إلى الأندلس سنة (541هـ = 1146م)، فاستعاد إشبيلية واتخذها الموحدون حاضرة لهم في الأندلس، ونجح يوسف بن علي قائد جيش الموحدين من بسط نفوذه على بطليوس وشمنترية، وقادس، وشلب، ثم دخلت قرطبة وجيان في طاعة الموحدين سنة (543هـ= 1148م)، واستعادوا "المرية" سنة (552هـ = 1157م) من يد الأسبان المسيحيين، وبذلك توحدت بقية الأندلس الإسلامية تحت سلطانهم، وعين عبد المؤمن ابنه "أبا سعيد عثمان" واليًا عليها.



وفي سنة (555 هـ = 1160م) أمر عبد المؤمن ابنه ببناء حصن ومدينة على سفح جبل طارق الذي سُمّي بجبل الفتح –ولا تزال قطعة من هذا البناء باقية إلى اليوم في جبل طارق وتعرف بالحصن العربي- وعلى إثر ذلك عبر عبد المؤمن من طنجة إلى الأندلس ونزل بجبل الفتح، وأقام شهرين أشرف خلالهما على أحوال الأندلس ثم عاد إلى مراكش.



وقبل أن يعبر عبد المؤمن إلى الأندلس كان قد تمكن في سنة (547 هـ = 1152م) من فتح المغرب الأوسط وضم إلى دولته الجزائر وبجاية وقلعة بني حماد، وجعل ابنه عبد الله واليًا على المغرب الأوسط، وعهد إليه بمواصلة الفتوح شرقًا، فنجح فيما عُهد إليه، كما نجح في القضاء على النورمانديين الصليبيين وطردهم من تونس التي كانوا قد احتلوها. وفي أواخر أيام عبد المؤمن حدث تمرد في شرق الأندلس، فأسرع إلى هناك وقمع الثائرين وقضى على الفتنة، ثم عاد إلى المغرب، وعندما وصل إلى "سلا" نزل به المرض، ولم يلبث أن توفي في (10 من جمادى الآخرة 558 = 16 من مايو 1162م) ودفن في "تينملل" بجوار قبر المهدي بن تومرت.



عبد المؤمن بن علي في التاريخ

حكم عبد المؤمن بن علي أربعًا وثلاثين سنة تعد من أزهى عصور المغرب، ورث عن ابن تومرت حركة ثائرة فحولها إلى دولة، ومد سلطانها حتى شلمت المغرب كله وما بقي من الأندلس ووضع لها القواعد والنظم الإدارية التي تمكن من تسيير أمور الدولة وإدارة شئونها. ويحفظ التاريخ رسالة طويلة بعث بها عبد المؤمن إلى أهل الأندلس، تعد دستورًا لنظم الحكم الموحدية، أكد فيها على اتصال الولاة بالناس دون وساطة، ودعا إلى أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، ولا يطبق الإعدام على أي شخص دون الرجوع إلى الخليفة ورفع تفاصيل جريمته إليه، وحث الولاة على محاربة صنع الخمر، وألا يفرضوا غرامات أو مكوس على رعيتهم إلا بإذن منه.



ونظم عبد المؤمن أمور دولته وجعل لها مؤسسات، فللعدل والنظر في الشكايات وزير، ولأعمال الحرب والجهاد وزير يسمى "صاحب السيف"، وللثغور وزير، وللشرطة رئيس يسمى "الحاكم"، وجعل للكتابة والمراسلات وزيرًا من أهل الرأي والبلاغة، وكان لعبد المؤمن مجلس خاص للنظر والمشاورة يحضره الفقهاء ونواب القبائل وكبار رجال الدولة.



وعني عبد المؤمن بن علي بالجيش حتى صار من أعظم الجيوش في وقته، وكان هو نفسه قائًدا عظيمًا وجنديًا ممتازًا، يشاطر جنوده مشقة الطريق وتقشف الحياة العسكرية، واجتمع له من الجيوش الجرارة ما لم يجتمع لملوك المغرب مثله، حيث حقق به انتصارات رائعة.



وشهد عصره حركة إصلاح اجتماعي، فحارب المنكرات بلا هوادة، واشتد في محاربة الخمر وإنزال العقوبة على شاربيها، وكان حريصًا على أن تقام الصلوات في مواقيتها، وأن تجمع الزكاة وتصرف في مصارفها الشرعية.



وكان عبد المؤمن إلى جانب براعته الإدارية والعسكرية، فقيهًا حافظًا لأحاديث رسول الله، له بصر بالنحو واللغة والأدب، محبًا لأهل العلم، لا يُعرف عنه ميل إلى اللهو، بل كان جادًا وافر العقل، مسلمًا شديد الغيرة على الدين، متحمسًا لكل ما يصلحه.

IroN MaN
08-03-2009, 04:18 PM
ظهير الدين بابر.. وقيام الدولة المغولية في الهند


قامت في النصف الأول من القرن العاشر الهجري دولة فتية في شمال شبه القارة الهندية، وأصبحت ثالث ثلاث دول- بعد الدولة العثمانية والدولة الصفوية- يشهد هذا القرن ميلادها. وقد نشأت هذه الدولة الفتية على يد "ظهير الدين محمد بابر"، وشاءت لها الأقدار أن تحيا ثلاثة قرون حتى اغتصب البريطانيون الهند كلها من أهلها بالدس والخديعة، وقد نعم الناس تحت حكم هذه الدولة بالعدل والتسامح والسلام والأمن.
وتعود جذور ظهير الدين بابر إلى "تيمورلنك" الذي أقام دولة عظيمة امتدت من دلهي حتى دمشق، ومن بحيرة آرال إلى الخليج العربي، ولم تلبث هذه الدولة أن تفككت بعد وفاته بين أولاده، حتى أفلح حفيده السلطان "أبو سعيد ميزرا" في أن ينشئ له دولة امتدت من السند إلى العراق، وخلفه فيها أبناؤه العشرة، واختص عمر شيخ ميرزا- والد ظهير الدين بابر- بإقليم فرغانة بأقصى الشمال الشرقي من بلاد ما وراء النهر.


المولد والنشأة


ولد ظهير الدين سنة (888هـ = 1418م) في إمارة فرغانة التي كان يحكمها أبوه عمر شيخ ميرزا، وكان حاكمًا طموحًا؛ دخل في صراع مع جيرانه من المغول- وكانوا أصهاره- ومع إخوته من أجل توسيع سلطانه ومد نفوذه، لكن يد الأجل بادرته قبل أن يحقق أطماعه؛ حيث سقط من فوق حصن له قتيلاً، وخلفه ابنه ظهير الدين على ملكه، وكان صبيًا صغيرًا في الثانية عشرة من عمره.
تولى ظهير الدين حكم فرغانة سنة (899هـ = 1429م)، وورث عن أبيه خلافاته وصراعاته مع جيرانه، ولم يكن لمثل هذا الصبي أن يتحمل تبعات إمارة يتربص بها جيرانها، لكن من حوله أداروا له دفة الأمور، وساعدوه في حكم البلاد، ولم تكد تمضي سنوات قلائل حتى انقض على "سمرقند" فاستخلصها لنفسه من أيدي أبناء عمومته، واتخذها عاصمة لدولته، كما كانت من قبل حاضرة لجده تيمورلنك.


بابر يفقد سلطانه


جلس بابر على عرش تيمورلنك ثلاثة أشهر وعشرًا، ثم انقض عليه جيرانه من الأمراء الأوزبك والشيبانيين، ففقد سمرقند وجميع أملاكه ببلاد ما وراء النهر، وأصبح شريدًا طريدًا يضرب في الأرض ويبحث عن مأوى، لكنه وإن خسر ملكه وتخلى عنه رجاله، فإنه لم يتطرق اليأس إلى قلبه، ولم يضع الأمل، فظل عامًا وبعض عام في الصحاري والجبال حتى واتته الفرصة فانتهزها بعد أن التقى بجموع من عشائر المغول والأتراك الفارة من وجه الأوزبك عند الجنوب الشرقي ببلاد ما وراء النهر، فقادها واتجه بها إلى أرض "كابل" و"غزنة"، وكان أحد أعمامه قد تُوفي حديثًا عنها، فأقام هناك، وتولى عرشها، وظل نحو عشرين عامًا قبل أن يقدم على فتح الهند، وإقامة دولة المغول.


التحالف مع الصفويين


انتعشت الآمال في نفس ظهير الدين بقيام إسماعيل الصفوي شاه الفرس بالقضاء على شوكة الأوزبك وزعيمهم شيباني خان، وانتزاع قسم كبير من أملاكه وأراضيه، وتطلع إلى استرداد بلاد ما وراء النهر، فأمده حليفه بفرق من جنده ليستعين بهم في تحقيق آماله وطموحاته، وقد رحّب أهالي بخارى وسمرقند بأميرهم القديم واستقبلوه استقبالاً حسنًا، ثم ما لبث أن تحول الترحيب إلى داء ومقاومة، لإصرار جنود الشاه على إرغام أهالي البلاد على اعتناق المذهب الشيعي، وارتكبوا في سبيل تحقيق ذلك مذابح رهيبة، مما جعل الناس يأتلفون مع الأوزبك لطرد هؤلاء الغزاة ومعهم بابر نفسه، الذي حاول أن يمنع قادة الفرس من ارتكاب جرائمهم المخزية، لكن صوت نصحه ضاع أدراج الرياح.
ولو أن العالم الإسلامي كانت به من القوة ما تمنع اعتداء الغاشم، ورد الباغي عن غيه، لأمكنه ذلك من نصرة المسلمين في الأندلس والوقوف أمام إسبانيا التي انفردت بالمسلمين تفعل بهم ما تشاء، لكن المسلمين كانوا في شغل بالحروب في غير ميدان، والصراع على آمال حقيرة.
ولو ترابطت الدول الإسلامية الكبرى، العثمانية والصفوية والمغولية، لما ظهرت روسيا، أو تأخر ظهورها على مسرح التاريخ، وهي التي كانت في مهدها تدفع الجزية للمسلمين، لكنها استغلت الخلافات المذهبية والصراع بين الدول الإسلامية لتبني مجدها، وتصبح مصدر خطر دائم عانت منه الدولة العثمانية، وتستولي على أراض إسلامية، وتشرد من سكانها ملايين عديدة.


التوجه إلى الهند


ولّى ظهير الدين بابر وجهه شطر الهند بعد أن استنجد به فريق من أمرائها ليخلصهم من استبداد "إبراهيم اللودهي" حاكم "دلهي"، فانتهز الفرصة لتحقيق آماله العريضة في إقامة دولة كبيرة له في الهند، بعد أن ثبت الأوزبك أقدامهم ببلاد ما وراء النهر من جديد، واستولى الصفويون على خراسان كلها، ولم تعد له فرصة سوى أن يقيم دولة في الهند.
خرج بابر إلى الهند في غزوات متتالية بدأت في سنة (925هـ= 1519م) حتى تم له السيطرة على السند والبنجاب، ثم كانت معركته الفاصلة "باي بت" في (7 من رجب 932هـ= 20 من إبريل سنة 1526م) مع إبراهيم اللودهي على بعد عشرة أميال شمالي "دلهي" وقد حقق نصرًا هائلا على اللودهيين على الرغم من قلة عدد جنوده الذين لم يتجاوز عددهم اثني عشر ألفًا في مقابل مائة ألف، بعد أن باغت خصمه وهو في طريقه للقتال، وأخذت بنادقه ومدفعيته تصلي قلب الجيش اللودهي نارًا حامية، ولم يكن للند معرفة بها من قبل، فتمزق جيش اللودهيين، وقتل السلطان إبراهيم في ساحة القتال، ودخل بابر مدينة دلهي واستقر على عرش اللودهيين بقلعة آكرا.
وبعد النصر بدأ الفاتح العظيم في توزيع ما وقعت عليه يده من كنوز الهند على رجاله، وبلغ من كثرتها أنه بعث بنصيب منها إلى ولاته وجنوده فيما وراء حدود الهند، وأغدق على العلماء والفقراء في كافة المزارات الإسلامية والأراضي المقدسة، وخص كل ساكني كابل بنصيب من غنائمه. يذكر أن مما غنمه الفاتح جوهرة كوهينور أكبر ماسة عرفتها الدنيا، وهي التي نهبها البريطانيون في القرن التاسع عشر، وزينوا بها تاج ملكتهم فكتوريا.


التوغل في شبه القارة الهندية


وفي الوقت الذي انشغل فيه ظهير الدين بابر بتنظيم أموره بدأ الأمراء الأفغان يضعون أيديهم في أيدي الأمراء الهندوس بالراجيوتانا، يكونون جبهة واحدة لطرد بابر وقواته، واقتضى الأمر تحركًا سريعًا لضرب هذا التحالف قبل استفحاله، وما كاد يستعد لذلك حتى فوجئ بشيوع روح التذمر تسري بين جنوده، وبتسرب الملل إلى نفوسهم، وبدءوا يطالبون بالعودة إلى بلادهم، وشعر "بابر" أن آماله ستتبدد لو رضخ لهوى جنوده، وأن طموحه العظيم سيصبح سرابًا لو وافقهم على هواهم؛ فبذل معهم محاولات جادة لثنيهم عن عزمهم وبث فيهم روح الجهاد والآمال العظيمة حتى أفلح في جعلهم يخضعون له.
وما كاد يتم له ذلك حتى أرسل ابنه "همايون" إلى المناطق الشرقية في أربعين ألفا من الجند، فاستولوا على "قنوج"، واتجهوا إلى آكر فاستولوا عليها، وتوغلوا حتى أشرفوا على حدود البنغال، وبينما قوات همايون تحقق تلك الانتصارات، كان خطر الأمراء الهنادكة لا يزال قائمًا، فأرسل "بابر" إلى ابنه يستدعيه على عجل لمواجهة التحالف الذي قام بين الهنادكة وأمراء الأفغان تحت زعامة "راناسنكا" سيد الراجيوتانا وأكبر أمراء الهاندكة، وتجمع في هذا التحالف نحو مائة وعشرين ألفًا من الجند ومئات الأفيال.
والتقى الفريقان في معركة هائلة في "خانوه" وثبت المسلمون في الميدان، وأبلوا بلاء حسنًا، وأخلصوا نياتهم، وبالغوا في تضرعهم إلى الله طلبًا للنصر، واستعملوا البنادق والمدفعية، حتى جاء نصر الله والفتح، فانفرط عقد الهندوس وولوا الأدبار. وبهذا النصر العظيم قضى على الخطر الهندوسي الذي ظل يهدد كيان الدولة الإسلامية بالهند منذ قيامها على يد السلطان محمود الغزنوي في نهاية القرن الرابع الهجري.
ولم يكتف بابر بهذا النصر، فخرج بقواته لمطاردة ثورات الأفغان حتى حدود البنغال، وبذلك خضعت له الهندستان، وأقام إمبراطورية المغول في الهند.


شخصية بابر


يعد ظهير الدين بابر من كبار القادة والفاتحين في تاريخ الإسلام، نجح في إقامة دولة كبيرة بهمته العالية وروحه الطامحة وإصراره الدائب قبل أن يقيمها بسيفه وغزواته، تعرض لمحن كثيرة وهو لا يزال صبيًا غض الإهاب فقابلها بثبات الأبطال، وبقلب لم يعرف اليأس إليه طريقًا.
يذكر له أنه كان يقود جندًا من مختلف الأجناس، من مغول وترك وأفغان لكنه نجح في قيادتهم، وقضى بعزيمته وحكمته على بوادر أي تذمر في مهده؛ ولذا نجح فيما عجز عنه غيره في مواصلة الفتح في بلاد الهند.
وعرف هذا السلطان بسماحته وبغضه للتعصب الديني، ونهج خلفاؤه في الهند هذه السياسة فمارس الهندوس طقوسهم الدينية في حرية تامة ودون تضييق إبان حكم الدولة المغولية في الغالب، وكان سمحًا مع رجاله الذين تخلوا عنه، فعفا عنهم حين وفدوا عليه في الهند.
وعلى الرغم من قصر المدة التي مكثها في الهند فقد اجتهد في إصلاح نظم الإدارة، وبناء دولته، فشق الطرق، وحفر الترع والأنهار، وأقام عددًا من البساتين وجلب لها صنوفًا من الثمار والنباتات لم تكن الهند تعرفها من قبل.
ولم يكن بابر قائدًا عظيمًا وفاتحًا كبيرًا، بل كان أديبًا موهوبًا كتب سيرة ذاتية لنفسه باللغة التركية باسم "بابرنامة" ضمنها ترجمة لحياته وعصره، وذكر فيها ما قابله من أحداث وحروب، واتسمت تلك السيرة بالصدق مع النفس وغيره، فلم ينكر فضيلة لعدو أو يخفي رذيلة لصديق، وقد ترجمت هذه السيرة إلى الفارسية وإلى عدة لغات أوروبية.


وفاته


بعد أن انتصر بابر على الأفغان لم يمتد به الأجل فتُوفي في (5 من جمادى الأولى 937هـ= 22 من فبراير 1530م) وهو في الخمسين من عمره، ولم يكن قد مضى عليه في الهند أكثر من ست سنوات.

صقر العرب
08-04-2009, 03:04 AM
موضوع جميل جدا موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

IroN MaN
08-04-2009, 02:08 PM
موضوع جميل جدا موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .


شكراا لاهتمامك ويارب ينول اعجاب الجميع
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .