المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معارك وغزوات



Matador
13-02-2008, 04:30 AM
معركة ساحة الدم.. النصر حليف الوحدة


أسفرت الحملة الصليبية الأولى على المشرق الإسلامي عن قيام أربع إمارات، كانت أسبقهن في الظهور إمارة الرها التي قامت في (ربيع الأول سنة 491هـ= فبراير 1098م)، وتلا ذلك قيام إمارة أنطاكية في (رجب 491هـ= يونيو 1098م)، ثم مملكة بيت المقدس في (شعبان سنة 492هـ= يوليو 1099م)، ثم مملكة طرابلس في (ذي الحجة سنة 502هـ= يوليو 1109م).

وكان هذا النجاح اللافت الذي حققته الحملة الصليبية في سنوات معدودة لا يعود إلى خطة محكمة أو إرادة صلبة أو قيادة حكيمة أو عدد وفير أو عتاد هائل بقدر ما كان راجعا إلى تهاون من المسلمين واستخفافهم بعدوهم، وإلى الانشغال بخلافات وأهواء شخصية ومطامح ضيقة ومطامع صغيرة.

وكان ما كان، وألفى المسلمون أنفسهم ورايات الصليب ترفرف على بيت المقدس ومدن الساحل الشامي وهم لا يحركون ساكنا، وعجزت المحاولات التي قام بها بعض قادة المسلمين عن تحرير الأرض المغتصبة وإعادة الحق إلى أهله، وبقي الأمر كما هو عليه، وهو ما جعل الناس يتحركون للبحث عن مخرج من الأزمة، ولكنه كان حراكا ضعيفا اكتفى بالبكاء والعويل، وهذا هو شر سلاح يلجأ إليه الإنسان المكبل بالأغلال، العاجز عن التغيير، وهذا ما عبر عنه الشاعر الكبير أبو المظفر الأبيوردي وكان معاصرا لتلك النكبة فقال:

وشر سلاح المرء دمع يفيضه
إذ الحرب شبّت نارها بالصوارم

وكيف تنام العين مـلء جفونها
على هفوات أيقظـت كل نـائم

وإخوانكم بالشام أضحى مقيلهم
ظهور المَذَاكِي أو بطون القَشَاعِم

تسومهم الرومُ الهوانَ وأنتمُ
تجرون ذيل الخفض فعل المُسالم

أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى
رماحهم والدين واهي الدعائم

أترضى صناديد الأعاريب بالأذى
ويغضي على ذل كماة الأعاجم


والمَذَاكِي الإبل، والقَشَاعِم النسور.


سقوط أنطاكية

بعد أن تواترت الأنباء بسير الحملة الصليبية الأولى، وأنها في طريقها إلى الشام وأن أنطاكية هي هدفها، أسرع حاكمها "ياغي سيان" بالاستعداد لساعة الحسم، فأعد مدينته كي تتحمل حصارا طويلا، فملأ قلاعها بالمقاتلين والمجاهدين ومخازنها بالمؤن والطعام، وحفر خندقا لحمايتها وتحصينها، وزيادة في الاحتياط أرسل إلى الخليفة العباسي وحكام دمشق وحمص والموصل يطلب منهم النجدة والمساعدة.

وبدأت طلائع الصليبيين تتوافد على المدينة في (شهر ذي القعدة سنة 490هـ= أكتوبر 1097م) وضربت حصارا حول المدينة، ودارت عدة اشتباكات خفيفة بين ياغي سيان والصليبيين لم تحسم أمرا أو تغير وضعا، وجاءت أول نجدة للمدينة بعد ثلاثة أشهر من "دقّاق" والى دمشق، لكنها عجزت عن تحقيق النصر وفك حصار المدينة، ولم يكن حظ النجدتين الحلبية والموصلية بأفضل حالا من نجدة دمشق، وانتهى الأمر بسقوط المدينة التي صمدت للحصار نحو تسعة أشهر في (1 من رجب 492هـ= 3 من يونيو 1098م).

دخل الصليبيون المدينة وحصلت مذبحة رهيبة راح ضحيتها أعداد كبيرة من الرجال والنساء، وغرس بوهيمند قائد الحملة علمه القرمزي فوق القلعة إيذانا بسقوط المدينة، في الوقت الذي كانت تدوي فيه صيحات جنود الصليبيين "إنها إرادة الله".


أنطاكية إمارة صليبية

وهكذا نتيجة لانقسام المسلمين وتفرق كلمتهم استولى الصليبيون على أنطاكية ليقيم فيها بوهيمند النورماندي ثاني إمارة صليبية في الشرق، ويفتح الطريق للاستيلاء على بيت المقدس وهو ما حدث بعد ذلك بالفعل.

بدأ الحاكم الجديد يرسي أركان إمارته ويثبت دعائمها على حساب جيرانه المسلمين، وتطلع إلى حلب للسيطرة عليها فأعد خطة لها، لكنها لم تنجح في تحقيق هدفه؛ إذ وقع في الأسر في إحدى حملاته العسكرية سنة (493هـ= 1100م)، وظل في أسره نحو ثلاثة أعوام، وخرج بعدها ليعاود توسعاته على حساب جيرانه المسلمين المشغولين بقتال بعضهم.

ثم طمع في الاستيلاء على "حران" لتأمين إمارته، واستعد لغزوها، لكنه مني بهزيمة مدوية، راح ضحيتها آلاف من جنده، ووقع في الأسر عدد من أمراء الصليبيين، وأفقدته الهزيمة ثقته وطموحه فآثر العودة إلى إيطاليا، وترك إمارة أنطاكية لابن أخته الأمير تنكريد في (سنة 498هـ= 1104م)، وكان رجلا شجاعا وقائدا عسكريا بارعا، استطاع أن يعيد لأنطاكية ما فقدته بعد هزيمتها في حرّان على حساب مدينة حلب.

وصار الأمير تنكريد هو صاحب السلطة في المنطقة الممتدة من جبال طوروس إلى وسط بلاد الشام، وهو ما أزعج حكام الشام المسلمين، وجعلهم يتطلعون إلى إقامة حلف بينهم لمجابهة هذا الخطر الداهم، لكنه لم يفلح في التصدي والوقوف في وجهه، بسبب الفرقة والحرص على المصالح الشخصية التي جعلت بعضهم يدفع الجزية لأمير أنطاكية عن يد وهم صاغرون، وبعضهم الآخر يدخل معه في حلف ضد إخوانه المسلمين.

وبعد وفاة تنكريد في (8 من جمادى الآخرة 506هـ= 12 من ديسمبر 1112م) خلفه في حكم أنطاكية روجردي سالرنو، ولم يكن أقل من سلفه طاقة ومهارة وجرأة، فألحق بالمسلمين هزيمة كبيرة في معركة تل دانيث في (23 من ربيع الآخر سنة 509هـ= 14 من سبتمبر 1115م). وعد هذا النصر أهم انتصار حققه الصليبيون منذ الحملة الصليبية الأولى.


حلب في خطر

وكانت مدينة حلب ذات أهمية بالغة لمن يريد مجابهة الصليبيين وإيقاف خطرهم؛ بسبب موقعها الحيوي، فهي تقع في مركز حصين بين إمارتين صليبيتين هما الرها وأنطاكية، بالإضافة إلى ما تتمتع به من مزايا بشرية واقتصادية وخطوط مواصلات، تسمح بالاتصال بالقوى الإسلامية المنتشرة في الجزيرة والفرات والأناضول وشمالي الشام وأوسطه مما يعد أساسيا لاستمرار حركة الجهاد، ولم تكن كل هذه الأمور خافية على قادة الأمراء الصليبيين الذين كانوا يتابعون أحوالها عن كثب وينتظرون الفرصة للاستيلاء عليها.

وكانت أحوال حلب في هذه الفترة غير مستقرة، وبدأ الضعف يدب فيها بعد وفاة حاكمها "رضوان بن تتش" سنة (507هـ= 1113م) وخلفه في حكمها أبناؤه، وكانوا ضعافا غير قادرين على تسيير شئون البلاد، فتحكم فيهم أوصياؤهم، وصارت حلب سهلة المنال، فتحالف روجر أمير أنطاكية مع كبار مسئوليها كي يمنع إيلغازي صاحب مردين من الاستيلاء عليها وضمها إلى دولته، ووصل الأمر بحلب أن أصبح المسئولون عنها يعتمدون على روجر الصليبي في رد الطامعين في الاستيلاء عليها من أمراء المسلمين.

ولم تأت سنة (511هـ= 1118م) حتى صارت حلب تحت رحمة أنطاكية، وهو ما جعل أهلها يستنجدون بإيلغازي بن أرتق، وكان واحدا من أبرز المجاهدين ضد الوجود الصليبي في بلاد الشام، وقامت سياسته على أساس التحالف مع الأمراء المسلمين ضد الصليبيين.


الوحدة سبيل النجاح

ولما قدم إيلغازي إلى حلب قام بعدة إجراءات إصلاحية وسيطر على أمور البلدة، وصادر أموال الأمراء الذين كانوا قد سيطروا على شئون حلب في الفترة السابقة، واستعان بها في حشد قواته من التركمان لمجابهة الصليبيين.

وقام بتوحيد العمل مع طفتكين حاكم دمشق التي لم تسلم من اعتداءات الصليبيين، فذهب إليه في دمشق، واتفقا على حشد قواتهما والبدء بمهاجمة أنطاكية، وحددا شهر صفر من سنة (513هـ= 1119م) موعدا للاجتماع.

غير أن إيلغازي كانت حركته أسرع من حركة حليفه، فاستطاع أن يحشد أكثر من عشرين ألفا من مقاتلي التركمان، واتجه بهم إلى الرها، فتخوف أمراؤها الصليبيون، وأرسلوا إليه يطلبون مصالحته نظير تنازلهم عن أسرى المسلمين الذين في حوزتهم، فأجابهم إلى ذلك، واشترط عليهم البقاء في بلدهم وعدم التوجه لمساعدة أمير أنطاكية في حالة حدوث قتال معه، وكانت هذه خطوة صائبة من إيلغازي تمكن بموجبها من عزل إحدى القوى الصليبية الكبيرة.

ثم عبر إيلغازي وحلفاؤه الفرات وهاجموا "تل باشر" و"تل خالد" والمناطق المحيطة بهما، وانتشرت قوات إيلغازي في مناطق وجود الصليبيين، واستولى على حصن قسطون، ثم مدينة "قنسرين" التي اتخذها قاعدة لشن الغارات على "حارم" وجبل "السماق".


اللقاء الحاسم

ولما شعر "روجر" أمير أنطاكية بالخطر الذي يتهدده اضطر إلى طلب النجدة من "بونز" أمير طرابلس ومن بلدوين الثاني ملك بيت المقدس، وعسكر خارج أنطاكية في انتظار المدد من رفاقه الصليبيين، لكنه لم يصبر لحين وصول النجدة، وتقدم صوب القوات الإسلامية على رأس ثلاثة آلاف فارس، وتسعة آلاف راجل، وعسكر في "تل عفرين" وهو موضع ظن روجر أنه مانعهم من هجمات المسلمين حتى تأتيهم الإمدادات.

وفي الوقت نفسه كانت عيون إيلغازي تأتي إليه بأخبار روجر وجيشه، وكانت جماعة من جواسيسه قد تزيت بزي التجار، ودخلت معسكر الصليبيين لمعرفة استعداداته، وأراد إيلغازي أن ينتظر حليفه طفتكين القادم من دمشق قبل الدخول في المعركة، لكن أمراءه رفضوا وحثوه على قتال العدو، فأسرع بالسير إلى ملاقاة أعدائه، الذين فوجئوا بقوات المسلمين تحيط بهم في فجر السبت الموافق (16 من ربيع الأول 513هـ= 28 من يونيو 1119م)، ودارت معركة هائلة لم تثبت في أثنائها قوات الصليبيين وتراجعت أمام الهجوم الكاسح، وسقط آلاف القتلى من هول القتال، وكان من بينهم روجر نفسه.

ولكثرة القتلى اشتهرت هذه المعركة لدى مؤرخي الصليبيين باسم معركة ساحة الدم، وفضلا عن القتلى فقد وقع في أيدي المسلمين من السبي والغنائم والدواب ما لا يحصى.

وبعد المعركة نزل إيلغازي في خيمة روجر وحمل إليه المسلمون ما غنموه فلم يأخذ منهم إلا سلاحا يهديه لملوك الإسلام، ورد عليهم ما حملوه بأسره، وكتب إلى سائر أمراء المسلمين يبشرهم بهذا النصر العظيم.

واكتفى إيلغازي بهذا النصر، ولو توجه إلى أنطاكية لما استعصى عليه فتحها لأنها كانت خالية من الجند، ولاحتل مكانة أرسخ وأكثر شهرة في الحروب الصليبية، ولكن قدر لهذه المدينة أن تبقى بعد ذلك حوالي قرنين من الزمان حتى فتحها السلطان الظاهر بيبرس.

Matador
13-02-2008, 04:32 AM
حرب العاشر من رمضان


من أهم ما حدث في شهر رمضان المبارك: ما فاجأنا وفاجأ العالم كله من حدث اهتزت له القلوب طربا، وابتسمت له الثغور فرحا، ولهجت به الألسنة ثناء، وسجدت الجباه من أجله لله شكرا.

إنه الحدث الذي عوضنا عما فوجئنا به من قبل في الخامس من حزيران (يونيو) 1967، والذي خسرت به الأمة ما خسرت، وكسبت إسرائيل ما كسبت، وضاعت به -إلى اليوم- القدس والضفة والقطاع والجولان، بالإضافة إلى سيناء التي استردتها مصر فيما بعد.

وهذا الحدث الذي أحيا الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، بل الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط، هو: حرب العاشر من رمضان، وأنا أحب دائما أن أسميها معركة العاشر من رمضان، وليس السادس من أكتوبر؛ لأن شهر رمضان ونفحاته وبركاته وإمداداته التي هبت نسماتها على الجنود والصائمين والمصلين كان له أثره في تحقيق النصر، وإمداد المقاتلين بشحنة إيمانية دفعتهم إلى البذل والفداء، أما أكتوبر، فليس له أي إيحاء أو دخل في هذا النصر.

ما زلت أذكر هذا اليوم المشرق، وقد خرجت من درس العصر في مسجد الشيخ خليفة، فإذا الأنباء المبشرة تستقبلني، وإذا الهواتف تدق ولا تتوقف، للاتصال بي من هنا وهناك، مهنئة بما وقع، شاكرة لله تعالى، الذي صدق وعده، وأعز جنده، وهزم الظالمين وحده.

في أول الأمر خفت أن نكون مخدوعين، كما خدع كثيرون أيام نكبة 5 يونيو 1967، فقد كانت القاهرة تذيع الأكاذيب على الناس، وتخدرهم بأخبار لا أساس لها: طائرات إسرائيلية تسقط بالعشرات، والحقيقة أن طائراتنا هي التي ضُربت في مدرجاتها، ولم تطر حتى تسقط، ولكن كانت الشواهد كلها تؤكد أن هذه حقيقة وليس حلما، وأنه واقع وليس من نسج الخيال.

ألا ما أحلى مذاق النصر، وخصوصا بعد تجرع مرارة الهزيمة المذلة من قبل! وللأسف طالت هزائم الأمة في معارك شتى، وذرفت الدموع كثيرا على هزائمها، حيث لم تغنِ الدموع، وآن لها أن تجد مناسبة تفرح بها بعد حزن، وأن تضحك بعد طول بكاء.

لقد عبر الجيش المصري القناة، صنع قناطر أو جسورا للعبور عليها، مكونة من أجزاء، تُركب في الحال، ويوصل بعضها ببعض، فتكون جسرا فوق الماء تعبر فوقه المصفحات والمجنزرات والدبابات إلى البر الآخر، وقد بدأ بالعمل فيها منذ سنوات، ثم بدأت تجربتها، والتدريب عليها منذ شهور، في تكتم وسرية بالغة، وهذا عمل مصري خالص، لم يشترك فيه خبراء أجانب، ولهذا حفظ السر، ولم يبح به أحد.

بعد عبور القناة بسلام وأمان ونجاح، اقتحمت القوات المصرية ما عُرف باسم خط بارليف، الذي أقامته إسرائيل؛ ليكون حاجزا ترابيا بعد الحاجز المائي، وكانت العدة قد أعدت لتخطيه بإحكام ومهارة.

وكان كل شيء مُعدا بجدارة وأناة وحكمة، ولم يكن هناك شيء مرتجل، وقام كل سلاح بدوره: سلاح المهندسين، وسلاح الفرسان والمدرعات، وسلاح الطيران، كل قام بما هيئ له، وما كلف به.

وقد اختير التوقيت المناسب لبدء المعركة، وكان رمضان هو الوقت الملائم نفسيا وروحيا، لما يمد به الجنود من نفحات، وما يعطيهم من شحنة روحية، وكان أكتوبر مناسبا، من حيث المناخ، وليس فيه حرارة الصيف، ولا برد الشتاء.

وكان الوقت مناسبا من ناحية أخرى: أنه يوم الغفران، أو عيد الغفران عند اليهود، فلننتهز غفلتهم وانهماكهم في الاحتفال بالعيد، لنفاجئهم بضربتنا، كما فاجئونا بضربتهم في يونيو 67.

ولا يقال: كيف نباغتهم ولا ننذرهم؟ فمثل هذه الحرب لا تحتاج إلى إنذار ولا إبلاغ؛ لأنها حرب دفاع للمحتل، وهي مستمرة معه لم تتوقف.

وأهم من هذا كله: الروح المعنوية التي كان يحملها المقاتل المصري.. إنها روح الإيمان؛ الإيمان بالله تعالى، وأنه ينصر من نصره، والإيمان بأننا أصحاب الحق، والحق لا بد أن ينتصر، والباطل لا بد أن يزهق )وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا( (الإسراء: 81).

فرق بين حربَين

وفرق كبير بين هذه الحرب وحرب يونيو 67، فقد كان العنصر الإيماني والروحي مغيبا عنها تماما؛ لذلك لم يحالفها النصر.

كانت كلمة السر في حرب 67: "بر بحر جو"، ولكن الواقع يقول: إنهم لم ينتصروا في بر ولا بحر ولا جو، ولم يكن الذنب ذنب الجيش وجنوده، ولكن ذنب القادة الذين جروهم إلى حرب لم يخططوا لها، ولم يعدوا لها العدة، ولم يأخذوا لها الحذر، كما أمر الله.

لقد ترك الجنود أسلحتهم، وتركوا دباباتهم ومصفحاتهم، لم يحاولوا أن يشعلوا فيها النار بعد أن تركوها، حتى لا يغنمها العدو ويستفيد منها؛ لأن هم كل واحد منهم كان هو النجاة بنفسه، واللياذ بالفرار.

لقد اعتمدوا على الآلات، فلم تغنِ عنهم الآلات، واتكلوا على السلاح فلم ينجدهم السلاح؛ لأن السلاح لا يقاتل بنفسه، إنما يقاتل بيد حامله، ويد حامله إنما يحركها إيمان بهدف، وإيمان برسالة، وهذا لم يعبأ به الجنود.

يقول أبو الطيب:

وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام!

ويقول الطغراني في لاميته:

وعادة السيف أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل!

ماذا تجدي خيل بغير خيال، وفرس بغير فارس، وسيف صارم بغير بطل؟!.

فلا عجب أن كانت الهزيمة الثقيلة المذلة في 67؛ فهذه نتيجة منطقية لمقدمتها، كما قال العرب: إنك لا تجني من الشوك العنب، وصدق الله إذ يقول: )وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا( (الأعراف: 58).

سُئل الرئيس حسني مبارك، عندما كان نائبا للرئيس السادات في 27-9-1975، سأله بعض الصحفيين: ماذا أخذنا من دروس 67 في الإعداد لقتال 6 أكتوبر؟ قال: باختصار.. في 67.. لا تخطيط.. لا إعداد.. لا تدريب.. لا تنسيق بين العمل السياسي، والعسكري. اهـ.

وأهم من ذلك: أننا لم نزود جنودنا بالإيمان، في حين تجتهد إسرائيل أن تزود جيشها بتعاليم التوراة، وتوجيهات التلمود، ونصائح الحاخامات.

وكان من ثمرات محنة 67: أنها أيقظت في الناس المعنى الديني، والضمير الديني، والرجعة إلى الله، وبدأت حركة إيمانية قوية في القوات المسلحة، وكان الحرص على إقامة الصلاة، وقام وعاظ الأزهر بدورهم في التنبيه والإحياء، وكان هناك شعور عام بالحاجة إلى الله، والدعاء بنصر الله، فلا غرو أن كان شعار المعركة "الله أكبر".

إن الجندي المصري في 73 هو نفسه في 67 من حيث الشكل والمظهر، ولكنه غيره من حيث الباطن والجوهر، إن الإنسان إنما يقاد من داخله، لا من خارجه، ولا يقود الناس في بلادنا شيء مثل الإيمان، ولا يحركهم محرك مثل الإيمان.

وهذا ما لم تفهمه قيادة 67، فقد عزفوا على منظومة القومية، ومنظومة الاشتراكية، ومنظومة الثورية، فلم تحرك ساكنا، أو تنبه غافلا في الجندي المصري، أو الجندي العربي عموما.

ولكنك إذا حركته بـ"لا إله إلا الله والله أكبر".. إذا رفعت أمامه المصحف، إذا قلت: يا ريح الجنة هبي، إذا ذكرته بالله ورسوله، وذكرته بالأبطال العظام: خالد وأبي عبيدة وسعد وطارق وصلاح الدين وقطز وعبد القادر الجزائري، وعمر المختار -فقد خاطبت جوانيته، ودخلت في أعماقه، وأوقدت جذوته، وحركت حوافزه، وبعثت عزيمته، وهنا لا يقف أمامه شيء، إنه يصنع البطولات، ويتخطى المستحيلات؛ لأنه باسم الله يتحرك، وباسم الله يمضي، وعلى الله يتوكل: )وَمَنْ يَتَوَكلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ( (الطلاق: 3)، )وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ( (آل عمران: 101).

Matador
13-02-2008, 04:36 AM
"وادي المخازن".. معركة الملوك الثلاثة


عرف التاريخ الإنساني عددا من المعارك الفاصلة التي كانت نقاط تحول تاريخية نتيجة للآثار الإستراتيجية البعيدة التي تركتها تلك المعارك، حيث كانت بمثابة القسمات على وجه التاريخ، وحفرت وقائعها فضلا عن أسمائها في الذاكرة الإنسانية.

ومن هذه المعارك معركة بلاط الشهداء أو لابواتيه التي كانت تحولا في مسار الفتوح الإسلامية بأوربا، وتراجع العثمانيين أمام أسوار فيينا، ومعركة وادي المخازن بين الدولة السعدية في المغرب والعثمانيين من جانب، والبرتغال والأسبان وفلول المتطوعين المسيحيين الأوربيين من جانب آخر.

كان دافع البرتغاليين لخوض هذه المعركة هو استرداد شواطئ شمال أفريقيا وسحب البساط تدريجيا من تحت أقدام الإسلام في تلك المناطق وإرجاعها إلى حظيرة المسيحية، وإحكام السيطرة على طرق التجارة، خاصة مدخل البحر المتوسط من خلال السيطرة على مضيق جبل طارق، محاولين في ذلك استلهام تجربة حروب الاسترداد التي خاضتها أسبانيا ضد الوجود الإسلامي بها.

المتوكل.. على الأسبان والبرتغاليين

كانت الدولة السعدية -التي تعود لمحمد النفس الزكية أحد أئمة آل البيت النبوي- هي التي تسيطر على مراكش (المغرب)، وكان قيامها سنة (923هـ= 1517م) على أساس مجاهدة البرتغاليين، واستطاعت هذه الأسرة أن تحرر الكثير من شواطئ المغرب المطلة على المحيط الأطلنطي -والتي احتلها الأسبان في عدة حملات- حيث استطاعت دخول مراكش سنة (931هـ= 1525م) ثم فاس في (961هـ= 1554م) وكان ذلك بداية قيام تلك الدولة التي استمرت حتى عام (1011هـ=1603م)

وعندما توفي عبد الله الغالب السعدي حاكم الدولة السعدية تولى من بعده ابنه محمد المتوكل الحكم سنة (981هـ=1574م) وعرف عنه القسوة وإتيان المنكرات، فانقلب عليه عماه عبد المالك وأحمد واستنجدا بالعثمانيين -الذين كانوا موجودين بالجزائر- فقدم لهما العثمانيون المساعدات واستطاعا الانتصار على المتوكل في معركتين سنة (983هـ=1576م) واستطاع عبد المالك أن يدخل فاس عاصمة الدولة السعدية وأن يأخذ البيعة لنفسه، وأن يشرع في تأسيس جيش قوي ضم العرب والبربر وعناصر تركية وأندلسية.

ولم تؤد خسارة المتوكل أمام عميه عبد المالك وأحمد إلى أن يرضى بالأمر الواقع فرحل إلى الشواطئ البرتغالية واستنجد بالملك البرتغالي دون سباستيان ليساعده في استرداد ملكه مقابل أن يمنحه الشواطئ المغربية على المحيط الأطلسي.

واستطاعت المخابرات العثمانية في الجزائر أن ترصد هذه الاتصالات بين المتوكل والبرتغاليين، وبعث حسن باشا أمير أمراء الجزائر برسالة مهمة إلى السلطان العثماني بهذا الشأن، وكان العثمانيون في إستانبول على دراية بما يجري في أوربا فقد كان لديها معلومات عن اتصالات يجريها بابا روما ودوق فرنسا منذ عدة أشهر بهدف جمع جنود وإعداد سفن وتحميلها بمقاتلين لمساعدة البرتغال في غزوها للشاطئ المغربي، ورصدت المخابرات العثمانية الاتصالات بين ملك البرتغال سباستيان وخاله ملك أسبانيا فيليب الثاني ولكنها لم تستطع أن تقف على حقيقة الاتفاق الذي جرى بينهما، لكن المعلومات التي رصدتها أكدت أن ملك أسبانيا جمع حوالي عشرة آلاف جندي لمساعدة البرتغال في تأديبه ملك فاس عبد المالك السعدي.

أما الدولة السعدية فقد استطاعت سفنها أن تلقي القبض على سفارة كان قد أرسلها المتوكل إلى البرتغال تطالبهم بالتدخل لمساعدته في استرداد ملكه مقابل منحهم الشواطئ المغربية على المحيط الأطلسي، ولذا بدأ السعديون يأخذون أهبتهم للحرب القادمة من حيث الاستعدادات الحربية وحشد الجنود والاتصال بالعثمانيين الموجودين في الجزائر للحصول على دعمهم في الحرب القادمة ضد البرتغاليين والأسبان.

سباستيان: استرداد استرداد

كانت الهوس الديني مسيطرا على سباستيان وكان يرغب في أن يخوض حرب استرداد مسيحية أخرى في سواحل الشمال الأفريقي، ورأى أن تكون حربا كبيرة لا مجرد غارة خاطفة، ولذا بدأ مشاورات مع عدد من ملوك وأمراء أوربا وعلى رأسهم خاله فيليب الثاني الذي سمح للمتطوعين الأسبان بالتدفق على الجيش البرتغالي، وأمده بقوات من جيشه وسفن لنقل القوات إلى الشواطئ المغربية، وشارك بثلث نفقات الحملة شريطة الاكتفاء باحتلال ميناء العرائش على المحيط الأطلسي وعدم التوغل في الأراضي المغربية وألا تستمر الحرب أكثر من عام.

تدفقت جموع المتطوعين على الجيش البرتغالي من إيطاليا وألمانيا وغيرها من الدول الأوربية، وجمع سباستيان حوالي 18 ألف مقاتل، وكان بالجيش البرتغالي الكثير من المدافع والخيالة الذين كانوا عماد الحرب في تلك الفترة من التاريخ. واختلف في المجموع الكلي لجيش سباستيان وجموع الأسبان والمتطوعين المسيحيين الذين تدفقوا على هذا الجيش؛ إذ رفع البعض عددهم إلى حوالي 125 ألف مقاتل، وفي تقديرات أخرى 80 ألفا، بينما يقول المدققون إنه كان يزيد على 40 ألفا.

وقد ظن البرتغاليون أنهم ذاهبون إلى نزهة على الشواطئ المغربية؛ حيث أخذوا الأمر باستخفاف شديد؛ فقد كانوا واثقين من انتصارهم السهل، حتى إن الصلبان كانت مُعدة لتعليقها على المساجد المغربية الكبيرة في فاس ومراكش، بل وضعت تصميمات لتحويل قبلة جامع القرويين الشهير إلى مذبح كنسي، وكانت بعض النساء البرتغاليات من الطبقة الراقية يرغبن في مصاحبة الجيش لمشاهدة المعركة، وكان بعض البرتغاليين يرتدون الثياب المزركشة المبهرة وكأنهم سيحضرون سباقا أو مهرجانا.

الإبحار والخطة والمواجهة

أبحرت السفن البرتغالية والأسبانية من ميناء لشبونة في (19 ربيع ثان 986هـ= 24 من يونيو 1578م) ورست على شاطئ ميناء أصيلة فاحتلته، وفوجئ سباستيان بأن عدد قوات المتوكل قليل جدا.

بنى السعديون خطتهم للمواجهة على إطالة الفترة التي تبقاها قوات البرتغاليين في الشاطئ دون التوغل في الأراضي المغربية؛ حتى يتمكن السعديون من تجميع قواتهم ودفعها إلى المعركة، ثم بدأ السعديون في محاولة إغراء البرتغال بترك الشواطئ والتوغل في الأرض المغربية الصحراوية لإرهاقها وإبعادها عن مراكز تموينها على شاطئ المحيط.

نجحت خطة عبد المالك واستطاع أن يغري القوات البرتغالية والأسبانية بالزحف داخل المغرب حتى سهل فسيح يسمى سهل القصر الكبير أو سهل وادي المخازن بالقرب من نهر لوكوس، وكان يوجد جسر وحيد على النهر للعبور إلى الوادي.

كانت خطة عبد المالك القتالية أن يجعل القوات البرتغالية تعبر الجسر إلى الوادي ثم تقوم القوات المغربية بنسف هذا الجسر لقطع طريق العودة على البرتغاليين، ومن ثمة يكون النهر في ظهرهم أثناء القتال؛ بحيث لا يجد الجنود البرتغاليون غيره ليهرعوا إليه عند اشتداد القتال؛ وهو ما يعني أنهم سيغرقون به نظرا لما يحملونه من حديد ودروع.

بدأ القتال وكان شديدا نظرا للحماسة الدينية التي كانت تسيطر على كلا الطرفين، وأصيب عبد المالك بمرض شديد أقعده في الفراش، وقيل إن بعض الخدم وضع له سما. وقد زاد ضغط البرتغاليين والأسبان على بعض القوات المغربية فاختلت صفوفها فما كان من عبد المالك إلا أن ركب فرسه وحث جنده على الثبات، لكنه سقط فنقل إلى خيمته وأوصى إن توفاه الله تعالى أن يتم كتمان الخبر حتى الانتهاء من القتال حتى لا يؤثر ذلك في معنويات الجنود، وشاءت إرادة الله تعالى أن يُتوفى عبد المالك، وعمل رجال دولته بوصيته فكتموا الخبر.

استمر القتال حوالي أربع ساعات وثلث الساعة وفي أثنائها بدأت بشائر النصر تلوح في الأفق للمسلمين فحاول البرتغاليون الهروب من ميدان المعركة والعودة إلى الشاطئ لكنهم وجدوا أن جسر وادي المخازن قد نُسف فألقى الجنود ومعهم سباستيان بأنفسهم في الماء فمات هو وكثير من جنوده غرقا، أما الباقون فقتلوا في ميدان المعركة أو أسروا، أما البقية التي نجت وركبت البحر فقد استطاع حاكم الجزائر حسن باشا وقائده الريس سنان أن يعترض سفنهم وأن يأسر غالبيتهم؛ حيث أسر 500 شخص.

معركة الملوك الثلاثة

لقي في هذه المعركة ثلاثة ملوك حتفهم هم عبد المالك وسباستيان والمتوكل؛ ولذا عرفت بمعركة الملوك الثلاثة، وفقدت البرتغال في هذه الساعات ملكها وجيشها ورجال دولتها، ولم يبق من العائلة المالكة إلا شخص واحد، فاستغل فيليب الثاني ملك أسبانيا الفرصة وضم البرتغال إلى تاجه سنة (988هـ= 1580م)، وورث أحمد المنصور العرش السعدي في فاس، وأرسل سفارة إلى السلطان العثماني يعرض عليه فيها انضمام دولته لدولة الخلافة العثمانية.

Matador
13-02-2008, 04:38 AM
"ليبانتو".. هزيمة وعزيمة


كانت الدولة العثمانية عند وفاة السلطان سليمان القانوني قد بلغت أقصى اتساعها وخاضت الحروب في ميادين الشرق والغرب وحققت لها هيبة كبيرة في العالم، وبقدر هذه الهيبة الكبيرة كان لها أعداؤها الأقوياء الذين ينتظرون أي بادرة ضعف حتى ينالوا منها.

وعندما جلس سليم الثاني على العرش خلفا لوالده القانوني في ( ربيع 974هـ=سبتمبر 1566م) ظهر بعض التمرد في الدولة، فقامت حركة تمرد في اليمن سنة (975هـ= 1567م) استطاعت حصر العثمانيين في الشريط الساحلي، ولم يستطع العثمانيون إعادة سيطرتهم على اليمن إلا بعد عامين.

وظهرت في تلك الفترة في أروقة الدولة العثمانية كثير من المشاريع الكبيرة التي استهلكت الكثير من الوقت من الدولة دون أن توضع موضع التنفيذ، أو ربما تعرضت للفشل، حيث فكرت الدولة في فتح قناة السويس (بين البحر الأبيض والبحر الأحمر) لإعادة حركة التجارة العالمية من رأس الرجاء الصالح الذي سيطر عليه البرتغال إلى طريق التجارة القديم.

كما شرعت الدولة سنة (977هـ= 1569م) في فتح قناة بين نهري الدون والفولجا وتأمين المرور بين البحر الأسود وبحر الخزر، حيث إن هذه القناة ستربط تركيا بمنطقة تركستان وتحول دون تهديد الروس والإيرانيين لتركستان، ولذا قامت الدولة العثمانية بحملة عسكرية على إمارة "أسترخان" لكن فتح هذه القناة المهمة لم يؤخذ مأخذ الجد نظرا لوجود مصالح لحكام الأقاليم تتعارض مع شق مثل هذه القناة، وأكد ذلك خان القرم بقوله: "عندما تبدأ الجنود العثمانية القدوم إلى الأراضي القبجاقية وشيروان (منطقة أوكرانيا وشمال أذربيجان حاليا) فسوف لا تبقى هناك قيمة للتتر ويحتمل أن تذهب قرم (أوكرانيا) من أيدينا".

كان العثمانيون رغم المشاريع الكبيرة التي أعلنوا عنها في تلك الفترة يركزون اهتمامهم على فتح جزيرة قبرص التي كانت عقبة كبيرة في طريق التجارة المنتعشة بين مصر وإستانبول والتي يسيطر عليها البنادقة ويمارسون من خلالها بعض أعمال القرصنة البحرية، ولذا شرع العثمانيون في فتحها رغم إدراكهم أن فتح هذه الجزيرة سوف يؤدي إلى قيام تحالف مسيحي قوي ضدهم.

"الأرمادا" والعثماني

كانت قبرص تمثل أهمية خاصة للعالم المسيحي في صراعه مع الدولة العثمانية، وعندما علمت أوربا بنوايا العثمانيين تجاه قبرص تحرك البابا "بيوس الخامس" وعقد معاهدة اتفاق ضد الدولة العثمانية في (غرة المحرم 979هـ= 25 من مايو 1571م) مع ملك أسبانيا والبندقية وبعض الدويلات المسيحية، وكان هذا الاتفاق المسيحي هو الاتفاق الثالث عشر الذي تعقده أوربا ضد الدولة العثمانية منذ تأسيسها.

ونص الكتاب الذي أرسله البابا "بيوس" إلى ملك أسبانيا على "أنه لا توجد في العالم المسيحي أية دولة مسيحية يمكنها أن تقف بمفردها في مواجهة الدولة العثمانية ولذا فالواجب على كافة الدول المسيحية أن تتحد لكسر الغرور التركي"، وهكذا بدأ يتشكل الائتلاف المسيحي لحرب الدولة العثمانية.

واستطاعت أجهزة المخابرات العثمانية في البندقية وروما أن ترصد هذا الاتفاق وهو في طور التكوين وأبلغت به إستانبول، وتحرك الأسطول العثماني للبحث عن الأسطول الصليبي وإبادته، وتحرك الوزير العثماني "برتو باشا" قائد الأسطول لتنفيذ تلك المهمة.

كان التحالف المسيحي القوي الذي تغذية مشاعر الكراهية للدولة العثمانية يتمتع بأسطول على قدر كبير من القوة والخبرة في القتال البحري والكثافة في عدد السفن ووجود عدد من كبار قادة البحر، فكان "الأرمادا" (الأسطول) يضم 295 سفينة و30 ألف جندي و16 ألف جداف و208 سفن حربية، وكان القائد العام للأسطول هو "دون جون" وهو ابن غير شرعي للإمبراطور الأسباني "كارلوس الثاني" وهو من كبار قادة البحر.

أما الأسطول العثماني في البحر المتوسط والبالغ حوالي 400 سفينة فقد توزعت سفنه عند حلول فصل الخريف إلى عدد من القواعد، وبقيت حوالي 184 سفينة تحت قيادة "برتو باشا" و"مؤذن باشا" وذهبت هذه السفن إلى ميناء "إينبختي" أو "ليبانتو Lepanto (وكان ميناء عثمانيا في اليونان على خليجي باتراس-كورنثوس).

وعندما حل فصل الشتاء على السفن التي يقودها "برتو باشا" بدأ الضباط في التسرب لقضاء الشتاء بعدما رأوا السفن العثمانية ألقت مراسيها في "إينبختي" ظنا منهم أنه لن يوجد قتال في هذا الموسم، ولم تظهر من "برتو" أو "مؤذن" قدرة على ضبط الأسطول، إضافة إلى أنه كان يوجد عدد من السفن في حاجة إلى إصلاح، كما أن جدافة الأسطول العثماني كانوا من المسيحيين.

وكانت النقطة المهمة في الأمر أن القائدين "برتو باشا" و"مؤذن-زاده علي باشا" لم يكونا من القادة البحريين ولكنهما من قادة الجيش البري وتوليا مهمة قيادة الأسطول منذ فترة وجيزة، وكان يوجد بعض القادة البحريين في الأسطول العثماني مثل "حسن باشا" الذي يبلغ من العمر 71 عاما، و"أولوج باشا" ويبلغ من العمر 64 عاما لكن لم تكن لهما السيطرة على القرار.

معركة فاصلة

عندما اقترب الأسطول الصليبي من ميناء إينبختي الذي يرسو فيه الأسطول العثماني اجتمع "برتو باشا" مع كبار قادة البحر لبحث الموقف، وانفض هذا الاجتماع دون أن يتوصل القادة إلى خطة لمواجهة المعركة القادمة التي لا يفصل بينها وبينهم إلا وقت قصير.

وكانت المؤشرات تؤكد أن هناك ميلا لما يطرحه "برتو باشا" و"مؤذن باشا" لمواجهة الموقف المتأزم على اعتبار أنهما المسئولين أمام الدولة في إستانبول.

وكان رأي القادة البحريين في الأسطول هو عدم الدخول في هذه المعركة -غير المتكافئة- إلا بعد أن تقصف مدافع القلاع العثمانية سفن العدو وتتلفها، وهو ما يعطي فرصة كبيرة لسفن الأسطول العثماني لتتبع ومطاردة الأسطول الصليبي، أو بمعنى آخر إنهاك الأسطول الصليبي قبل بدء المعركة ثم الانقضاض عليه بعد ذلك. ولكن "برتو باشا" و"مؤذن باشا" أعلنا أنهما تسلما أمرا بالهجوم على الأسطول الصليبي.

ولما رأى قادة البحر في الأسطول العثماني ذلك نصحوهما بأن يخرجا إلى القتال في البحار المفتوحة لأن ذلك يعطي الفرصة للسفن العثمانية بأن تقوم بالمناورة وأن تستخدم مدفعيتها القوية بكفاءة عالية ضد الأسطول الصليبي.

إلا أن "برتو" وغيره من القادة لم يستمعوا إلى هذه النصائح من أهل الخبرة في القتال البحري، وأعلن أنه سيقاتل بالقرب من الساحل، وقال: "أي كلب هو ذلك الكافر حتى نخافه؟" ثم قال: "إنني لا أخشى على منصبي ولا على رأسي، إن الأوامر الواردة تشير بالهجوم، لا ضير من نقص خمسة أو عشرة أشخاص من كل سفينة، ألا توجد غيرة على الإسلام؟ ألا يُصان شرف البادشاه؟!".

وكانت هذه المقولة تعبر عن الجهل بالحقائق ولا تعبر عن شجاعة أو حماسة دينية، إذ إنه من غير المعقول أن تدار حرب بحرية على الساحل، ومن ثم فقد كانت النتيجة في تلك المعركة محسومة لصالح الأسطول الصليبي قبل أن تبدأ.

وقائع وخسائر

كانت معركة "ليبانتو" في (17 من جمادى الأولى 979هـ=7 من أكتوبر 1571م) وهي تعد من أكبر الحروب البحرية في التاريخ في ذلك الوقت، واتسمت بالدموية والعنف الشديد، فاستشهد قائد القوة البحرية "مؤذن-علي باشا" وابنه مع بداية المعركة كما أسر ابنه الثاني، وغرقت سفينة القيادة في الأسطول العثماني التي فيها "برتو باشا" وتم سحبها إلى الشاطئ بتضحيات كبيرة.

أما القائد البحري العثماني "أولوج" الذي كان يقود الجناح الأيمن فإنه لم يخسر أيا من سفنه البالغة 42 سفينة واستطاع أن يقضي على الأسطول المالطي بالكامل الذي يتكون من ست سفن واغتنم رايته، وعندما رأى أن الهزيمة تقع بالأسطول العثماني وأن تدخله لإنقاذه هو انتحار مؤكد، رأى أن من الحكمة الابتعاد عن الميدان حفاظا على بقية الأسطول والاستعداد لمعركة قادمة.

كانت الخسائر في تلك المعركة ضخمة للغاية لكلا الطرفين؛ فقد خسر العثمانيون 142 سفينة بين غارقة وجانحة وأسر الصليبيون 60 سفينة عثمانية، واستولوا كذلك على 117 مدفعا كبيرا، و256 مدفعا صغيرا، كما تم تخليص 30 ألف جداف مسيحي كانوا في الأسر، وسقط من العثمانيين حوالي 20 ألف قتيل وأسير، من بينهم 3460 أسيرا، ومن بين الأسرى 3 برتبة لواء بحري، وحاز الصليبيون راية "مؤذن باشا" الحريرية المطرزة بالذهب، وقد أعادها بابا روما إلى تركيا سنة (1385هـ= 1965م) كتعبير عن الصداقة بين الجانبين.

وقتل من الصليبيين حوالي 8 آلاف وسقط 20 ألف جريح، وأصيبت غالبية السفن المسيحية، وكان من بين الأسرى المسيحيين "سيروفانتوس" الذي فقد ذراعه الأيسر وعاش أسيرا في الجزائر وألف روايته المشهورة "دون كيشوت".

والواقع أن خسائر العثمانيين المعنوية كانت أشد فداحة من خسائرهم المادية، حيث كانت تلك المعركة الكبيرة ذات مردود سلبي في علاقة الدولة العثمانية بالأوربيين؛ فزال من نفوس الأوربيين أن الدولة العثمانية دولة لا تقهر، وهو ما شجع التحالفات الأوربية ضدها بعد ذلك، وظهرت المراهنات على هزيمتها.

ورغم هذا الانتصار الباهر للأوربيين في معركة "ليبانتو" البحرية فإن الأوربيين لم يستطيعوا استغلال هذا الانتصار الكبير من الناحية الإستراتيجية، فقد استطاع العثمانيون بعد أقل من عام واحد على هذه الهزيمة بناء أسطول جديد كان أكثر قوة وعددا من الأسطول الذي تحطم في تلك المعركة، وهو ما أثبت أن الدولة العثمانية ما زالت تحتفظ بقوتها وأنها تستطيع في الوقت القليل تعويض الفاقد من قوتها وخسائرها نظرا لما تتمتع به الدولة من موارد وطاقات ضخمة.

هزيمة وعزيمة

ومن المفارقة أنه بينما كانت البندقية وغيرها من الدول التي شاركت في ليبانتو يشربون كئوس الانتصار وينحتون التماثيل تخليدا لذلك الانتصار الكبير، كان العثمانيون يعملون على قدم وساق في بناء أسطولهم الجديد، حتى إن السلطان العثماني نفسه خصص جزءا من حديقته الخاصة لإنشاء مصنع لبناء 8 سفن جديدة، واستطاع العثمانيون خلال الشتاء الذي أعقب "ليبانتو" أن يشيدوا ما يقرب من 153 سفينة حربية.

ولم ينس العثمانيون تقوية الروح المعنوية لشعبهم، وتذكيرهم بأن خسارة معركة لا تعني بحال من الأحوال خسارة الصراع، ولذا قام "أولوج علي باشا" القائد البحري بالدخول إلى إستانبول بعد الهزيمة بحوالي شهرين في أسطول كبير مكون من 87 سفينة وتمت ترقيته إلى قائد القوات البحرية.

ولم يلبث "أولوج علي باشا" أن غادر إستانبول مع 245 سفينة في (صفر 980هـ= يونيو 1572) للدفاع عن قبرص بعدما علم أن الأسطول الصليبي يسعى للاستيلاء عليها، وعندما رأى "دون جون" الأسطول العثماني متجها نحوه أدرك أنه ليس في استطاعته مقاتلته بعدما تمكن العثمانيون من تعويض خسائرهم. أما البابا "بيوس الخامس" فكتب إلى الشاه الصفوي وإلى إمام اليمن يطلب منهما التحالف لقتال الدولة العثمانية.

ولم تنس الدولة العثمانية القصاص لهزيمتها في ليبانتو فعقدت معاهدة مع البندقية في (7 من مارس 1573م) تكونت من سبعة بنود، منها: أن تسدد البندقية إلى الدولة العثمانية 300 ألف ليرة ذهبية كغرامة حرب، وأن تعترف بالسيادة العثمانية على قبرص، وبعد أقل من عام قامت 220 سفينة عثمانية بتدمير سواحل إيطاليا الجنوبية.

Matador
13-02-2008, 04:40 AM
بدايات الأسطول العثماني وتطوره


يعرف العثمانيون خوض البحر إلا بعد فترة من قيام دولتهم، وكان تعرفهم الأول على البحر عندما ضموا جزءا من ولايات الأناضول إلى سيادتهم حيث استفادوا من إمارة قارص التي كانت مشهورة بصناعة السفن، ثم استخدموا ترسانات بعض الإمارات مثل صاروخان ومنتشا في صناعة السفن.

إلا أن إدراك العثمانيين لأهمية البحر لم يكن على المستوى المطلوب، ولعل ذلك يرجع إلى أن أغلب حركات العثمانيين كانت في البر ولم يشكل الأسطول القوي أهمية كبرى في عملياتهم العسكرية في تلك الفترة.

وجاء الاهتمام بالأسطول مع السلطان "بايزيد الصاعقة" الذي أدرك أهمية مضيق الدردنيل فأقام ترسانة وقاعدة بحرية في "غاليبولي" سنة ( 792هـ= 1390م) وأنشأ وحدات من المقاتلين البحريين أُطلق عليهم "قوات العزاب" وكان هؤلاء البحارة من غير المتزوجين.

ورغم ذلك لم تكن البحرية العثمانية تقارن بالبحرية في البندقية أو جنوة إذ كانوا يتفوقون على العثمانيين في الأسطول وخبرة البحارة القتالية، واتضحت هذه الفروقات عندما اصطدم العثمانيون بحريا مع جنوة والبندقية في أولى معاركهم البحرية ولم يكن النصر فيها حليف العثمانيين.

ثم جاء السلطان "مراد الثاني" فزاد من عدد السفن، إلا أن الدفعة الحقيقية لحركة بناء الأسطول جاءت مع فتح العثمانيين لإستانبول في عهد السلطان محمد الفاتح حيث قاموا بفتح جزء كبير من جزر بحر إيجة حتى يعززوا أمن سواحلهم في غرب الأناضول، واستطاعوا أن يحققوا انتصارات على البندقية.

وقد قام السلطان "محمد الفاتح" ببناء ترسانة "القرن الذهبي" لبناء السفن وتدعيم قوة الأسطول، كما قام "الفاتح" بحملة سلطانية بحرية على إيطاليا وفتح خلالها ميناء "أورترنتو" Ortanto سنة (885هـ=1480م) وعند وفاة الفاتح كان الأسطول العثماني هو الأسطول الثاني في العالم بعد أسطول البندقية، وكانت قوة الأسطول العثماني في تلك الفترة تزيد على نصف قوة الأسطول البندقي.

وفي عهد السلطان "بايزيد الثاني" أنشئت السفن الحربية الضخمة، والتحق بالخدمة في الأسطول بحارة أتراك مشهورون كانوا يقومون بأعمال الجهاد في البحر والتي كان يطلق عليها الغرب "أعمال القرصنة"، كذلك اهتم السلطان سليم الأول بالأسطول وقام بتوسيع ترسانة "القرن الذهبي" التي أنشئت في عهد محمد الفاتح.

وفي عهد السلطان "سليمان القانوني" كانت ذروة الاهتمام بالتقدم البحري، والمعروف أن النظام العثماني كان لا يسمح للبادشاه (السلطان) بالخروج للقتال عبر البحار حتى جاء السلطان "القانوني" وخرج بحملة بحرية همايونية عبر البحار النادرة –على حد التعبير العثماني- في ( ربيع أول 929هـ= يناير 1523م) لفتح رودس، وتسبب هذا الفتح في وفاة البابا "أندريانوس الثاني" كمدا على سقوطها.

وعظم أمر الأسطول حتى كان في مقدوره القيام بحركتين متزامنتين عبر البحار وعلى نطاق واسع، وتدعمت قوة الأسطول العثماني عندما دخل في خدمة الدولة بعض كبار القادة البحريين وعلى رأسهم الأخوان "برباروسا" حيث تحول البحر المتوسط إبان قيادة باربروسا للأسطول إلى بحيرة إسلامية، وقام بعدد من العمليات البحرية الناجحة حتى إنه قدم مساعدات كبيرة للفرنسيين ضد الأسطول الأسباني الذي كان يعد أكبر أسطول في العالم ذلك الوقت.

وقد استطاع الأسطول العثماني أن يحقق بعض الانتصارات على الأسطول الأسباني "الأرمادا"، بل إن "برباروسا" نظرا لقوة الأسطول العثماني في تلك الفترة اقترح إرسال الأسطول العثماني إلى أمريكا التي كانت تسمى بالعالم الجديد للحصول على مستعمرات فيها، لكن الصدر الأعظم "إبراهيم باشا" اعتذر عن ذلك؛ نظرا لأنه كان يرى أن مهمة الأسطول العثماني في تلك الفترة هي حماية سواحل شمال إفريقيا من غارات الأسبان والحيلولة دون "كثلكة" المغرب العربي على غرار ما جرى في مأساة الأندلس.

وكان من أعظم انتصارات العثمانيين البحرية في تلك الفترة انتصارهم الكبير على الأسبان في تونس في معركة "بروزة" في (ربيع آخر 945هـ= سبتمبر 1538م) بعد خمس ساعات من القتال، ثم انتصارهم على أسبانيا أيضا في معركة "جربة" البحرية في (شعبان 967هـ= مايو 1560م) .

وقد ازدادت عناية العثمانيين بالأسطول لدوافع دينية وتجارية خاصة مع فتح العثمانيين للمشرق الإسلامي، فكانت هناك مخاوف على الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة من أن تتعرض لغارات البرتغاليين.

كما أن تواجد البرتغاليين في طريق التجارة بالمحيط الهندي كان يزعج المصالح التجارية للعثمانيين؛ لذا حرصوا على أن يكون البحر الأحمر بحيرة إسلامية خالصة وأن تكون لهم السيطرة الكاملة على المحيط الهندي خاصة طريق تجارة التوابل والحج، ولذا أسسوا العديد من القواعد البحرية في تلك المناطق وأنشئوا ترسانات لصناعة السفن الحربية.

Matador
13-02-2008, 04:42 AM
"الجزيرة الخضراء".. في أحضان العثمانيين


أدرك المسلمون منذ الخلافة الراشدة الأهمية الإستراتيجية لجزيرة قبرص تلك الجزيرة التي تقع في أقصى شرق البحر المتوسط وتعد من كبرى جزره، ومن الجزر التي تشكل خطرا على الوجود الإسلامي في منطقة البحر المتوسط سواء في الشام مصر وبلاد المغرب أو الأناضول بعد ذلك، فقد كانت الجزيرة من الناحية الإستراتيجية عقبة في طريق التجارة الإسلامية في البحر المتوسط، وخطرا على الوجود الإسلامي في شواطئ المتوسط، وخطرا على قوافل الحجيج، وخطرا على الدولة الإسلامية عند قيام أي حلف صليبي لمحاربة المسلمين، فهي لا تبعد عن الشواطئ التركية إلا أميالا قليلة، ولا تبعد عن سواحل الإسكندرية إلا بأقل من أربعمائة كيلو متر، كما أنها قريبة من سواحل الشام بحوالي مائة كيلو متر.

ولذا كانت المحاولات الإسلامية متكررة لإخضاع قبرص، وكانت أول هذه المحاولات في عهد الخليفة الراشد "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، حيث استأذنه والي الشام آنذاك "معاوية بن أبي سفيان" رضي الله عنه في القيام بغزوة بحرية إلى قبرص، فوافق "عثمان" واشترط عليه ألا ينتخب للغزو في البحر أحدا من الناس وألا يجبر أحدا على الخروج، وأن من يخرج معه للغزو يكون برغبته الحرة، ولعل ذلك يرجع إلى قلق المسلمين من البحر والقتال فيه؛ لأنهم أهل بادية وصحراء ولم يكن لهم سابق خبرة بالبحر.

وفي عام (28هـ= 649م) -على اختلاف في الروايات التاريخية- تمكن الأسطول الإسلامي الذي انطلق من الشام بقيادة "عبد الله بن قيس"، والأسطول الذي انطلق من مصر بقيادة "عبد الله بن سعد" من فتح قبرص التي كانت تحت سيطرة البيزنطيين، وكان في هذه الغزوة عدد من كبار الصحابة منهم "عبادة بن الصامت" و "أم حرام بنت ملحان" رضي الله عنهما، وتوفيت أم حرام في تلك الجزيرة ودفنت بها، وعقد المسلمون مع أهل قبرص معاهدة كان من أهم بنودها: ألا يقوم أهل قبرص بغزو المسلمين، وأن يخبروا المسلمين إذا قام الروم بالسير لقتال أهل الإسلام، وأن يدفعوا جزية سنوية قدرها سبعة آلاف دينار.

وعندما وقعت الفتنة الكبرى بين المسلمين في عهد الإمام "على بن أبي طالب" رضي الله عنه، استغل القبارصة هذه الظروف السياسية التي تمر بها الدولة الإسلامية وامتنعوا عن دفع الجزية، فقام "معاوية" بغزوهم مرة أخرى واستولى على الجزيرة وأسكن فيها عدة آلاف من جند المسلمين، ونقل إليها عددا من سكان مدينة بعلبك، لكن الظروف السياسية التي عاصرت القتال بين "عبد الله بن الزبير" و"عبد الملك بن مروان" شجعت البيزنطيين على السيطرة على الجزيرة.

وتكررت المحاولات الإسلامية لإعادة السيطرة على الجزيرة أعوام (130هـ= 748م) و(158هـ= 775م) و(184هـ= 800م) و(190هـ= 806م).

وقد لعبت قبرص دورا معاديا للمسلمين إبان الحروب الصليبية؛ فقد استولى عليها ملك بريطانيا ريتشارد قلب الأسد سنة (587هـ= 1191م) وجعلها قاعدة حربية للإمداد والتموين، وبعد رحيل الصليبيين عند بلاد الشام كانت قبرص هي المكان التي تجمعت فيه تلك القوى والفلول الصليبية للإغارة على السفن والشواطئ الإسلامية، وكان من أشد تلك الغارات عملية القرصنة التي قاموا بها على مدينة الإسكندرية سنة (767هـ= 1366م) بقيادة بطرس الأكبر حيث احتلوا الإسكندرية 3 أيام وقتلوا الكثير من سكانها واغتصبوا الكثيرات، وحملوا معهم الكثير من الأسرى. وقد خلد المؤرخ السكندري "النويري" في كتابه "الإلمام" هذه الوقائع.

وأمام هذا القلق الإستراتيجي قام السلطان المملوكي "الأشرف برسباي" بفتح قبرص وضمها إلى دولته سنة (829هـ=1426م)، لكن البنادقة قاموا بالسيطرة وإخضاعها لسيطرتهم في عام (895هـ= 1490م).

العثمانيون بعد القانوني

عندما توفي السلطان العثماني "سليمان القانوني" في (13 من صفر 974 هـ= 7 من سبتمبر 1566م) أثناء حملته الهمايونية الثالثة عشرة عن عمر تجاوز الـ71 عاما بعد فترة من الحكم دامت أكثر من 46 عاما، خلفه في الحكم ابنه "سليم الثاني" وكان من أم روسية تسمى "روكسلان" ولم يكن ذلك الابن على مستوى أبيه من القوة والحزم والهيبة، ولم يكن مؤهلا لحفظ الفتوحات التي تركها والده.

وأغرى ضعف سليم الثاني الكثير من القوى العالمية للتحرش بالدولة العثمانية، لكن وجود بعض الرجال العظام في مراكز الدولة القيادية المختلفة مثل الصدر الأعظم صوقللو باشا منع الدولة من الضعف، كما أن روح الجهاد والقوة العسكرية كانت ما تزال كامنة في أوصال العثمانيين رغم غياب "سليمان القانوني".

واجه سليم الثاني تمردا في اليمن قام به الزيديون سنة (هـ= 1567م) أدى إلى انحصار العثمانيين في الشريط الساحلي، ولم يتمكن العثمانيون من استرداد سيادتهم على اليمن إلا بعد قرابة العامين.

ومن ناحية أخرى قام السلطان "سليم الثاني" بتجديد الهدنة مع شارل التاسع ملك فرنسا في عام (980هـ=1596م) وتم منح الفرنسيين عددا من الامتيازات التجارية في البحر المتوسط؛ بل إن فرنسا أرسلت بعض البعثات إلى المناطق التي يقطنها النصارى في بلاد الشام.

الفتح.. لعلاج الانكماش

وأمام حالة التراجع التي دخلت فيها الدولة العثمانية بعد رحيل القانوني فكر عدد من كبار رجال الدولة في التصدي لهذا التراجع ووقفه، ولذا ركزوا التفكير في قبرص باعتبارها العقبة الباقية في طريق التجارة البحرية المنتعشة بين مصر وإستانبول، حيث كانت تلك الجزيرة ذات الموقع الإستراتيجي المهم تخضع لسيطرة البنادقة في ذلك الوقت، وكان هؤلاء يعتدون على سفن الحج والتجارة في البحر المتوسط، كما أن العلاقات كانت قلقة بين العثمانيين والبنادقة في ذلك الوقت رغم وجود بعض الاتفاقيات، ويرجع ذلك إلى طبيعة التنافس التجاري بين الجانبين.

وكان البنادقة يسيطرون على قبرص رغم أن القبارصة ينتمون في غالبيتهم إلى الروم، ولذا تعرضوا لمعاملة قاسية من البنادقة.

وكانت خطورة قبرص الإستراتيجية على الدولة العثمانية إذا دخلت الدولة العثمانية في حرب ضد البندقية، فقرب قبرص من الأراضي والشواطئ العثمانية بدرجة كبيرة يجعلها رأس حربة ضد أماكن متعددة في الدولة العثمانية في الأناضول ومصر والشام وشمال إفريقيا، خاصة أن هناك تاريخا من العلاقات الدامية بين الدولة العثمانية والبندقية في البحر المتوسط.

وقد نشأت فكرة فتح قبرص عند السلطان سليم الثاني بمشورة عدد من كبار رجال الدولة، ورغم ذلك فإن بعض الشخصيات العثمانية الكبيرة كانت تخشى من فتح قبرص وترى أن الممالك النصرانية لن تمرر هذا الفتح بسهولة للدولة العثمانية، خاصة أن الدولة العثمانية كانت تعاني من حالة من التراجع بعد وفاة القانوني، وأن الحرب إذا قامت فلن تقتصر على الدولة العثمانية والبندقية فقط، بل لا بد أن تمتد لتصبح حربا بين أوربا والعثمانيين في وقت حرج بالنسبة للعثمانيين، وأن الحرب مع البندقية لا بد أن تقود إلى تكوين تحالف مسيحي ضخم ضد العثمانيين.

ولكن السلطان حزم الأمر في المسألة وتم استصدار فتوى شرعية تقول بأن قبرص كانت بلدا إسلاميا، وأن البنادقة استولوا عليها، وأن الواجب إخراجهم من تلك الأراضي التي كانت خاضعة في وقت سابق للمسلمين، وهو ما يعطي العثمانيين شرعية في الحرب.

الفتح.. وأحداثه

وقد رتب العثمانيون لعملية فتح قبرص استعدادات كبيرة خاصة في الجانب البحري نظرا لما يتمتع به البنادقة من شهرة في القتال البحري، وامتلاكهم لأسطول بحري قوي، والتوقعات العثمانية تؤكد أنهم لا بد أن يحصلوا على معونات وإمدادات من الممالك المسيحية، ولذا جمعت الدولة العثمانية أكبر عدد من السفن في تاريخها حتى ذلك الوقت، حيث خصصت حوالي 400 سفينة لهذه المهمة، وظهر أسطول الاستطلاع العثماني أمام سواحل قبرص في ( رمضان 977 هـ= مارس 1570م).

أما الأسطول السلطاني بقيادة "داماد بيالة باشا" فقد أقلع من إستانبول في (1 من ذي الحجة 977 هـ= 15 من مايو 1570)، وتولى قيادة الجيش البري الوزير "لالا مصطفى باشا"، وكان الجيش العثماني مكونا من 60 ألف مقاتل بري، والبقية من مقاتلي البحر العثمانيين، وشارك في هذا الفتح عدد من مشاهير القادة العثمانيين مثل "خير الدين باربروسا باشا" و"عروج باشا" أكبر قادة البحر في ذلك الوقت.

وقد استطاع الأسطول العثماني أن يدخل ميناء "ليماسول" في (18 من المحرم 978 هـ=1 من يوليو 1570م) ولم تمض إلا أسابيع قليلة حتى بدأ العثمانيون في عملياتهم العسكرية والبحرية في قبرص التي استمرت ثلاثة عشر شهرا، وبدأ العثمانيون في محاصرة مدينة "لفكوشة" التي كان بداخلها عشرة آلاف جندي بندقي، وبها 15 مدفعا وتمكن العثمانيون من فتحها بعد حصار ومعارك استمرت 49 يوما في (29 من ربيع الأول 978 هـ= 9 من سبتمبر 1570م).

وبدأت المدن في قبرص تسقط تباعا، حيث انتقل العثمانيون إلى حصار مدينة "ماغوسا" الشديدة التحصين التي كان بها أكثر من 7 آلاف مقاتل و75 مدفعا و5 من كبار قادة البندقية الأكفاء، إضافة إلى أنها تسلمت كميات كبيرة من المؤن والذخائر، ودخلها 1600 جندي بندقي آخرون، وهو ما جعل عملية حصارها وقتال من فيها عملية مرهقة للغاية، خاصة أن العثمانيين علموا بالتحالف المسيحي الذي عقده بابا روما "بيوس الخامس" في (21 من ذي الحجة 978 هـ= 25 من مايو 1571م) وضم غالبية الممالك والكيانات المسيحية في أوربا.

وأمام هذا الموقف المتأزم من الناحية الإستراتيجية والعسكرية أرسلت إستانبول إلى المقاتلين العثمانيين في قبرص إمدادات أخرى، وأبحرت "عمارة" (مجموعة إمدادات بحرية) بحرية عثمانية كبيرة إلى إيطاليا بهدف الحيلولة دون تقديم أي مساعدات للبنادقة المُحاصرين في قبرص، ونجحت هذه العمارة التي كانت مكونة من 400 سفينة في القيام بمهمتها.

أما القائد العثماني "لالا مصطفى" فقد أبقى معه 40 سفينة فقط واستمر في حصار "ماغوسا" حتى سقطت في (10 من ربيع الأول 979هـ=1 من أغسطس 1571م) بعد 13 شهرا من القتال والحصار، وقام العثمانيون بإسكان عدد كبير من سكان الأناضول في قبرص، وهو ما أدى إلى زيادة سكان قبرص بنسبة كبيرة، فقد كان عدد سكانها عند الفتح العثماني حوالي 120 ألف نسمة فارتفع إلى حوالي 360 ألف نسمة، وكان العثمانيون يطلقون على قبرص "يشيل أدة" أي الجزيرة الخضراء.

واستمرت السيطرة العثمانية على قبرص حوالي 307 أعوام، حتى تنازلت عنها الدولة العثمانية لبريطانيا سنة (1296هـ=1878م) مقابل مبلغ مالي يُقدر بحوالي 92 ألف جنيه إسترليني.

Matador
13-02-2008, 04:45 AM
معركة كوسوفا.. حملة صليبية سادسة على العثمانيين


كانت بدايات الدولة العثمانية قوية، انتقلت من طور الإمارة إلى طور الدولة في أوربا بفضل سلاطينها الأقوياء الذين ألفوا الحياة الجادة، وانشغلوا بعظائم الأمور، وعنوا ببناء الدولة ومؤسساتها العسكرية والمدنية، ولم يكد ينقضي الثلث الأول من القرن العاشر الهجري حتى صارت الدولة العثمانية أكبر إمبراطورية في العالم، تمتد أراضيها عبر قارات آسيا وأوربا وأفريقيا.

وكان من أعظم سلاطين الدولة العثمانية الذين شاركوا في مرحلة البناء والتأسيس مراد الثاني، تولى السلطنة في سنة (824 هـ = 1421م) بعد وفاة أبيه محمد جلبي، ولم يزد عمره حين اعتلى عرش الدولة العثمانية عن ثمانية عشر عاما، شابا فتيا، يفيض حماسا وطموحا، ويتطلع إلى المزيد من القوة والنفوذ.

في وجه العواصف والأعاصير

وما كاد مراد الثاني يعتلي السلطنة حتى كان على موعد مع القلاقل والثورات التي كادت تطيح به لولا أنه كان صلب العود قوي الإرادة، واثق النفس، لا تهزه العواصف والأعاصير، فقضى على ثورة عمه مصطفى جلبي الذي كان طامعا في السلطنة يرى نفسه جديرا بها أهلا لتولي مسئولياتها، وكان يقف وراءه الدولة البيزنطية التي كانت ترى في تزايد قوة العثمانيين خطرا داهما يهدد وجودها، ولذا لجأت إلى شغل الدولة العثمانية بالفتن والثورات حتى لا تلتفت إلى فتح القسطنطينية التي كان يحلم بها سلاطين آل عثمان.

وقضى مراد الثاني عدة سنوات يوجه ضربات موجعة لحركات التمرد في بلاد البلقان، ويعمل على توطيد أركان الحكم العثماني بها، وأجبر ملك الصرب "جورج رنكوفيتش" على دفع جزية سنوية، وأن يقدم فرقة من جنوده لمساعدة الدولة العثمانية وقت الحرب، ويزوجه ابنته "مارا"، ويقطع علاقاته مع ملك المجر، كما نجح السلطان مراد الثاني في فتح مدينة سلافيك اليونانية بعد أن حاصرها خمسة عشر يوما.

على جبهة المجر

اشتبك السلطان مراد الثاني مع المجر بسبب ضلوعها في تحريض الصرب على الثورة على الدولة العثمانية، فتحرك إليها في سنة (842هـ= 1438م)، وأحدث بها خسائر فادحة، وعاد منها بسبعين ألف أسير على ما يقال.

وفي السنة التالية خرج جورج برنكوفتش أمير الصرب على طاعة الدولة العثمانية فخرج السلطان مراد في قواته وحاصر "بلجراد" عاصمة الصرب لمدة ستة أشهر لكنه لم ينجح في فتحها لبسالة المدافعين عنها، ثم اتجه إلى ترانسلفانيا بالنمسا وأغار عليها. وكان من شأن ذلك أن أعلن البابا أوجينيوس الرابع في سنة (843هـ = 1439م) قيام حملة صليبية ضد الدولة العثمانية، وسرعان ما تكون من وراء دعوة البابا حلف من المجر وبولندا والصرب، وبلاد الأفلاق وجنود البندقية، وقاد هذا الحلف القائد المجري "يوحنا هونياد"، وكان كاثوليكيا متعصبا هدفه في الحياة إخراج العثمانيين من البلقان ومن أوربا.

وقد نجح هذا القائد المجري في إلحاق هزيمة ساحقة بالعثمانيين سنة (846 هـ = 1442م) بعد أن قتل منهم عشرين ألفا بما فيهم قائد الجيش، وألزم من نجا منهم بالتقهقر إلى خلف نهر الدانوب. ولما بلغ السلطان خبر هذه الهزيمة أرسل جيشا من ثمانين ألف جندي تحت قيادة شهاب الدين باشا، للأخذ بالثأر وإعادة الاعتبار للدولة العثمانية، لكنه لقي هزيمة هو الآخر من " هونياد المجري" في معركة هائلة بالقرب من بلجراد.

وتوالت الهزائم بالسلطان؛ الأمر الذي جعله يعقد معاهدة للصلح لمدة عشر سنوات مع المجر في (26 من ربيع الأول 848 هـ= 13 من يوليو 1444م) بمقتضاها تنازل السلطان عن الصرب، واعترف بجورج برانكوفتش أميرا عليها، وتنازل عن الأفلاق (رومانيا) للمجر. وبعد عودة السلطان إلى بلاده فجع بموت ابنه "علاء الدين" أكبر أولاده، فحزن عليه وسئم الحياة فتنازل عن الحكم لابنه محمد الذي عرف فيما بعد بـمحمد الفاتح وكان في الرابعة عشرة من عمره، وتوجه مراد الثاني إلى "مغنيسيا" في آسيا الصغرى ليقضي بقية حياته في عزلة وطمأنينة ويتفرغ للعبادة والتأمل.

المجر تنقض معاهدة الصلح

أنعش تخلي السلطان مراد الثاني عن الحكم آمال الأوربيين في الانقضاض على الدولة العثمانية، ولم يكن مثل السلطان الصغير محمد الثاني أهلا لأن يتحمل أعباء مواجهة الحلف الصليبي، وبالفعل نقض ملك المجر المعاهدة بتحريض من مندوب البابا، الذي أقنعه بأنه في حل من القسم الذي تعهد به، وكان ملك المجر قد أقسم بالإنجيل وأقسم مراد الثاني بالقرآن على عدم مخالفتهما شروط معاهدة الصلح ما داما على قيد الحياة.

وعلى أنقاض المعاهدة قام حلف صليبي تكون من المجر وبولونيا وألمانيا وفرنسا والبندقية والدولة البيزنطية، وحشدوا جيشا ضخما.

مراد الثاني يعود إلى السلطنة

تحركت هذه الحشود الضخمة نحو الدولة العثمانية، ونزلت إلى ساحل البحر الأسود واقتربت من "فادنا" البلغارية الواقعة على ساحل البحر، وفي الوقت الذي كان تجري فيه هذه التحركات كان القلق والفزع يسيطر على كبار القادة في "أدرنة" عاصمة الدولة العثمانية، ولم يكن السلطان الصغير قادرا على تبديد هذه المخاوف والسيطرة على الموقف وانتزاع النصر من أعداء الدولة؛ من أجل ذلك اجتمع مجلس شورى السلطنة في "أدرنة"، واتخذ قرارا أبلغه إلى السلطان محمد الثاني، نصه: "لا يمكننا مقاومة العدو، إلا إذا اعتلى والدك السلطان مكانك.. أرسلوا إلى والدكم ليجابه العدو وتمتعوا براحتكم، تعود السلطنة إليكم بعد إتمام هذه المهنة".

وعلى الفور أرسل محمد الثاني في دعوة أبيه مراد الثاني الموجود في مغنيسيا، غير أن السلطان مراد أراد أن يبعث الثقة في نفس ولده، فبعث إليه قائلا: إن الدفاع عن دولته من واجبات السلطان.. فرد عليه ابنه بالعبارات التالية: "إن كنا نحن السلطان فإننا نأمرك: تعالوا على رأس جيشكم، وإن كنتم أنتم السلطان فتعالوا ودافعوا عن دولتكم".

اللقاء المرتقب في "فادنا"

أسرع السلطان مراد الثاني في السير إلى "فارنا" في اليوم الذي وصل فيه الجيش الصليبي، وفي اليوم التالي نشبت معركة هائلة، وقد وضع السلطان مراد المعاهدة التي نقضها أعداؤه على رأس رمح ليشهدهم ويشهد السماء على غدر العدو، وفي الوقت نفسه يزيد من حماس جنده.

وبدأت المعركة بهجوم من "هونياد" قائد الجيش الصليبي على ميمنة الجيش العثماني وجناحه الأيسر، وترك السلطان مراد العدو يتوغل إلى عمق صفوف جيشه، ثم أعطى أمره بالهجوم الكاسح، فنجحت قواته في تطويق العدو، واستطاعت قتل ملك المجر "لاديسلاس" ورفعت رأسه على رمح وكان لهذا أثر مفزع في نفوس العدو حين رأوا رأس ملكهم مرفوعة على أحد الرماح، فاضطربت صفوفهم وتهاوت قواهم وخارت عزائمهم، ولم يلبث أن هرب القائد المجري "هونياد" تاركا جنوده تقع في الأسر، وقد بلغ عددهم ما بين ثمانين إلى تسعين ألف جندي، وتم هذا النصر في (28 من رجب 848هـ= 10 من نوفمبر 1444م)، وفرح المسلمون بهذا النصر، ولم يقتصر الاحتفال به على تركيا وحدها، بل امتد إلى العالم الإسلامي.

معركة كوسوفا.. حملة صليبية

مضت أربع سنوات على انتصار العثمانيين في "فارنا" لكن الألم كان يعتصر قلب "هونياد"، ورغبة الثأر تأكل قلبه، يريد الانتقام ومحو آثار هزيمته وهروبه من ساحة القتال، فقام بتجهيز الحملة الصليبية السادسة ضد العثمانيين، اشترك فيها مائة ألف جندي من المجر وألمانيا وبولونيا وصقلية، ونابولي، وتألف الجيش من 38 كتيبة، معظمها لا تعرف لغة الأخرى.

تقدم هذا الجيش الجرار حتى صحراء كوسوفا والتقى بالجيش العثماني الذي كان يقوده مراد الثاني، واستمر اللقاء ثلاثة أيام، بدءا من (18 من شعبان 852 هـ = 17 من أكتوبر 1448م)، وفي اليوم الثالث نجح السلطان مراد في محاصرة العدو الذي أنهكه التعب وضربات القوات العثمانية المتتالية، وأغلق أمامه طريق العودة.

عجز "هونياد" عن المقاومة، حتى إذا حل الظلام تمكن من الهرب، تاركا خلفه 17 ألف قتيل وعشرات الآلاف من الأسرى، وأعاد هذا النصر ذكرى انتصار السلطان مراد الأول على "لازار" ملك الصرب في هذا المكان سنة (791 هـ = 1389م) أي قبل 59 عاما من النصر الثاني، كما قضى على آمال الأوربيين في إخراج العثمانيين من بلاد البلقان لعصور طويلة.

Matador
13-02-2008, 04:48 AM
معاهدة باريس.. المصالح وصناعة التاريخ


كان لمعاهدة باريس التي عقدتها الدولة العثمانية بعد حرب القرم التي استمرت حوالي 3 سنوات أهمية خاصة في التوازن على الساحة الدولية بين الدول الكبرى، فهي من المعاهدات التي صاغت الوجه السياسي لأوربا خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وكانت مدخلا مهما لتطوير القانون الدولي؛ حيث كانت بداية الفصل بين العقائد الدينية والعلاقات الخارجية، وانتقلت بالقانون الدولي من الحيز الأوربي الذي كان يعبر في الأساس عن مجموعة من الأعراف غير الملزمة لغير الأوربيين إلى إشراك الدولة العثمانية في هذا القانون الدولي.

وتكمن أهمية هذه المعاهدة في أنها كشفت بجلاء أن المصالح هي التي تصنع الأحداث ومن ثم تصنع التاريخ، فالتحالفات لا تصاغ وفق العقائد الدينية بقدر ما تصاغ وفق المصالح التي تحققها تلك العقائد، ولذا كانت أطر التحالفات واسعة ومرنة وقابلة للتحرك مع تغير المصلحة، وتلك قصة طويلة دامية كشفتها بجلاء معاهدة باريس.

الدولة العثمانية وأطماع روسيا

اتسمت العلاقات بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية بقدر كبير من العداء والدموية، فمنذ سيطرة القياصرة على الحكم في روسيا، امتلك الروس حزمة من الأطماع التوسعية في أن تكون روسيا دولة كبرى على مسرح السياسة الأوربية والدولية، واختلطت هذه الأطماع في بعض الأحيان بعواطف دينية متعصبة، متمثلة في حماية الأرثوذكس في العالم، والسيطرة على القسطنطينية التي فتحها السلطان محمد الفاتح، وكذلك السيطرة على الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين.

وأدرك الروس أن تحقيق هذه الأطماع المتشابكة لن يتم إلا بالقضاء على الدولة العثمانية، خاصة في منطقتي آسيا الوسطى والبلقان، والسعي إلى تقسيم الأملاك العثمانية بين الدول الكبرى، تمهيدا لوصول روسيا إلى المياه الدافئة، وهو الحلم الذي ظل يراود الروس فترة طويلة من الزمن، وأدرك الروس أن ذلك لن يتحقق إلا بوجود قدر من التوافق بين روسيا والدول الأوربية الكبرى.

وبسبب هذه الأطماع الروسية -فضلا عن حالة الضعف العثمانية التي كانت تغري الدول الكبرى بالتدخل في شئونها- وقعت أكثر من 150 حربا بين العثمانيين والروس، استغرقت حوالي 150 عاما.

ورأت فرنسا وبريطانيا في هذه الحروب الطويلة والعنيفة بين الجانبين تحقيقا لمصالحهما، من حيث إضعاف روسيا وردعها عن التدخل الفاعل والنشط في السياسة الأوربية، وإبعادها عن المنافسة في المجال الاستعماري، وكذلك إضعاف الدولة العثمانية التي تتمدد أملاكها في 3 قارات؛ تمهيدا لتقسيمها بطريقة لا تؤثر على التوازن في السياسة الدولية.

والمعروف أن الدولة التي كانت تقف حائلا دون تقسيم الدولة العثمانية والقضاء عليها في ذلك الوقت هي بريطانيا، التي رأت أن القضاء على "رجل أوربا المريض" (المصطلح الذي كان يطلق على الدولة العثمانية آنذاك) فيه تهديد لمصالحها وأمن مستعمراتها في الهند، ويعني أيضا هدم دولة تقف سدا منيعا أمام الأطماع الروسية، والحيلولة دون وصول الروس إلى المياه الدافئة ومن ثم مزاحمة بريطانيا في أماكن نفوذها.

أما فرنسا فقد كانت ذات سياسة متغيرة، ولم تكن يتملكها نفس الخوف من الدور الروسي مثلما هو الحال في بريطانيا، ولعل هذا ما حصر النفوذ الفرنسي -نسبيا- في الحصول على بعض الامتيازات من العثمانيين لحماية مصالحها ورعاياها.

حلقات الصراع

كان القيصر الروسي نيقولا الأول متعصبا دينيا، ويدرك أن حركة التجديدات والإصلاحات داخل الدولة العثمانية سوف تنعكس بصورة أو بأخرى على الأطماع والنفوذ الروسي؛ خاصة في منطقة البلقان، لأن تقوية الدولة العثمانية تعني ألا تصل روسيا إلى المياه الدافئة. ورأى نيقولا أن نجاح العثمانيين في توطيد علاقتهم ببريطانيا سياسة شريرة تتبعها الدولة العثمانية للإضرار بالمصالح الروسية، ولذا قرر أن يختم حياته بتأديب الدولة العثمانية، لكنه أدرك أن قيامه بهذا السلوك المعادي ضد العثمانيين لن يتم بدون موافقة بريطانيا، ولذا عقد القيصر لقاء مع السفير البريطاني في مدينة بطرسبرغ الروسية، وتناول اللقاء عرضا روسيا باقتسام الدولة العثمانية أو على الأقل تقليم أطرافها.

أرادت بريطانيا أن تنصب مصيدة بعناية لإيقاع روسيا في حرب ضد الدول العثمانية؛ لاستغلال هذه الحرب في توجيه ضربة عنيفة لروسيا تدفعها للارتداد خلف حدودها مرة أخرى، وتحجبها عن الظهور على مسرح السياسة الأوربية؛ ولذا أطلعت بريطانيا العثمانيين على حقيقة النوايا الروسية السرية.

لم يستوعب نيقولا الأول المتعصب دينيا حقيقة أن تقف دولة مسيحية مثل بريطانيا مع العثمانيين ضد روسيا المسيحية، وكان تقديره للموقف أنه سيقاتل الدولة العثمانية بمفردها، وأنه سيحقق انتصارا سهلا عليها، يمكنه من انتزاع ولو بعضا من المكاسب كالتي حققتها روسيا في معاهدة "أونكيار سكلسي" التي وقعتها روسيا مع الدولة العثمانية في (21 من صفر 1249هـ= 8 من يوليو 1833م)، ونصت على إغلاق المضايق التركية أمام جميع السفن الحربية، بينما سمحت للأسطول الروسي بدخول مضيق البوسفور للدفاع عن الأستانة، وبذا تحررت روسيا من كثير من التهديدات البريطانية والفرنسية في البحر الأسود.

ولم تغب فرنسا عما يجري؛ حيث كانت تعتبر بريطانيا أكبر منافس استعماري لها في العالم، وتحالف لندن مع الدولة العثمانية دونها يعني تمكن بريطانيا من تحقيق كثير من الأطماع الاستعمارية في الدولة العثمانية على حساب المطامع الفرنسية؛ ولذا قررت باريس أن تبني موقفها بالتحالف مع بريطانيا. وأدرك الفرنسيون أن دخول بريطانيا الحرب لمساندة العثمانيين يحتم على باريس أن تدخل هي الأخرى إلى تلك الحرب، حتى لا تستحوذ بريطانيا على الموقف الأقوى في السياسة العالمية.

الطريق للحرب

حين رأت الدولة العثمانية التنافس بين الدول الكبرى على إدارة الأماكن المقدسة للمسيحيين في فلسطين؛ عملت على حفظ التوازن بين هذه الدول، لكن ضغوط بعض الدول الكبرى، جعلت العثمانيين يمنحون بعض الدول امتيازات خاصة، فقام السلطان العثماني بمنح امتيازات جديدة عام (1268هـ= 1852م) للكاثوليك (الذين كانت فرنسا تمثلهم)، وهو ما يعني أنه خضع للضغوط الفرنسية.

تسبب هذا الموقف في استياء روسي من السلطان العثماني، ووجدت روسيا فيه ذريعة ومبررا يتيح لها حرب الدولة العثمانية، معتمدة على البعد الديني وحماية المسيحيين الأرثوذكس.

أرسل القيصر الروسي بعثة دبلوماسية إلى إستانبول رأسها السفير الروسي فوق العادة "منشكوف" الذي كان يشغل منصب وزير البحرية، للتفاوض مع السلطان العثماني في قضية الأماكن المقدسة، والحصول على امتيازات للرعايا الأرثوذكس في الدولة العثمانية، إلا أن مسعى هذه السفارة الحقيقي كان السعي إلى إيجاد المبرر لحرب الدولة العثمانية.

طلب منشكوف من العثمانيين تنحية الرهبان الكاثوليك، وأن يكون الرهبان الأرثوذكس هم أصحاب الكلمة العليا في الأماكن المقدسة المسيحية بالقدس، وطالب أيضا بتنحية وزير الخارجية العثماني فؤاد أفندي من منصبه بسبب علاقاته الوثيقة مع الدول الغربية.

أدركت بريطانيا أن تجاوب الباب العالي مع المطالب الروسية معناه زيادة النفوذ الروسي على حسابها، ولذا استدعت بريطانيا أبرز دبلوماسيها وهو السير ستراتفورد لإحباط هذه المساعي الروسية.

كما أرسلت فرنسا بعض وحدات من أسطولها إلى المياه العثمانية، وبدأت باريس ولندن تعملان على تحويل مهمة منشكوف من كونها خلافا مذهبيا بين الكاثوليك والأرثوذكس إلى كونها خلافا سياسيا بين العثمانيين والروس، ولهذا شجع السفير البريطاني في الآستانة الدولة العثمانية على الوقوف في وجه الأطماع الروسية، مؤكدا للآستانة وقوف فرنسا وبريطانيا إلى جانب العثمانية في أي حرب قادمة مع الروس.

نجحت الدبلوماسية البريطانية في إقناع السلطان العثماني باستصدار فرمان للتجاوب مع المطالب الروسية فيما يتعلق بالأماكن المقدسة في القدس، وبذلك ضيعت بريطانيا على روسيا حجة الخلاف المذهبي لتصعيد لهجة العداء مع الدولة العثمانية.

أغرى قبول السلطان العثماني للمطالب الروسية منشكوف على أن يعلن بصلف واضح عن طبيعة مهمته في الآستانة، وتقدم بمطالب جديدة منها ضرورة إعلان استقلال الجبل الأسود.

ناقشت البريطانيون مع السلطان العثماني مطالب منشكوف الجديدة، وحثته على رفضها، فأرسل الباب العالي العثماني إلى منشكوف يعلمه بأن مطالبه ما هي إلا اعتداء صريح على حقوق السلطان العثماني، وتدخل في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية، وخروج على مهمته التي انتهت بصدور فرمان بخصوص الرهبان الكاثوليك في القدس، ورفض الباب العالي تغيير الأوضاع في البلقان إلا بعد التباحث وموافقة الدول الكبرى.

أثار الرفض العثماني غضب منشكوف، وأرسل بدوره رسالة تحمل صفة الإنذار إلى حكومة الآستانة، طلب فيها أن يعترف السلطان العثماني لروسيا بحق حماية الأرثوذكس حماية مطلقة وغير مقيدة (وكان عددهم في الدولة العثمانية حوالي 10 ملايين نسمة)، وأعطى الدولة العثمانية مهلة للرد على مذكرته تنتهي في (2 من شعبان 1269هـ = 10 من مايو 1853م)، وأمام الرفض العثماني رحل منشكوف من الدولة العثمانية مستصحبا معه جميع العاملين في السفارة الروسية في إستانبول، وبذلك قُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين استعدادا للحرب.

حرب القرم

بدأت الحرب العثمانية الروسية في (4 من شوال 1269هـ = 3 من يوليو 1853م)، وكان مسرحها الأول في أوربا بمنطقة البلقان، حيث قام حوالي 35 ألف جندي روسي باحتلال رومانيا التي كانت تابعة آنذاك للدولة العثمانية، وأبلغت روسيا الدول الأوربية أنها لن تدخل في حرب شاملة ضد الدولة العثمانية، وأن ما فعلته إجراء وقائي لحين اعتراف السلطان العثماني بحقوق الأرثوذكس في كنيسة القيامة في القدس، وأنها سوف تنسحب فور هذا الاعتراف.

قامت الدولة العثمانية وروسيا بحشد قوات ضخمة على جبهات القتال، وعلى جبهتي الدانوب وقفقاسيا، واستطاع القائد العثماني عمر باشا أن يلحق هزيمة كبيرة بالروس على نهر الدانوب، وأن يدخل رومانيا. وفي جبهة قفقاسيا ساند الزعيم الشيشاني الشيخ شامل القوات العثمانية أثناء القتال ضد الروس.

أرادت الدولة العثمانية دفع بريطانيا وفرنسا إلى دخول الحرب إلى جوارها، ودبرت إرسال مجموعة من قطع الأسطول البحري العثماني القديمة إلى ميناء سينوب على البحر الأسود، وهي تدرك أن هذه السفن لا بد أن يهاجمهما الروس، وبالفعل هاجم الروس هذه السفن وتم إغراقها جميعا، واستشهد حوالي ألفي جندي عثماني، وأثارت هذه المعركة قلقا في الأوساط في لندن وباريس، وحذرت الصحافة في العاصمتين من الخطر الروسي.

عرض الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث الوساطة لإنهاء القتال بين العثمانيين وروسيا، إلا أن القيصر الروسي رفض ذلك، خاصة بعد انتصارات عمر باشا في رومانيا، وقال نيقولا الأول: "أشعر أن يد السلطان على خدي"، فبادر نابليون الثالث بالاتفاق مع بريطانيا ضد القيصر، وقبلت لندن العرض الفرنسي بحماسة شديدة، وغادر سفيرا لندن وباريس مدينة بطرسبرغ الروسية في (8 من جمادى الأولى 1270هـ = 6 من فبراير 1854م)، وتم عقد معاهدة إستانبول في (13 من جمادى الآخرة 1270هـ= 12 من مارس 1854م) بين الدولة العثمانية وبريطانيا وفرنسا، ونصت على ألا تعقد أي دولة من هذه الدول صلحا منفردا مع روسيا، وأن يتفاهم قواد الدول الثلاث في الحرب ضد روسيا، وأن تكون الوحدات الإنجليزية والفرنسية والسفن التابعة لهما في إستانبول خاضعة للقوانين العثمانية.

أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب على روسيا في (28 من جمادى الآخرة 1270 هـ = 27 من مارس 1854م)، ونشبت معارك ضخمة في عدة جبهات أثناء حرب القرم، إلا أن أهم هذه المعارك كانت معركة "سيواستوبول" التي خاضتها الدول الثلاث للقضاء على القوة البحرية الروسية في البحر الأسود، حيث كان القاعدة البحرية لروسيا في شبه جزيرة القرم (حاليا في أوكرانيا) واستمرت المعركة قرابة العام، قُتل خلالها حوالي 35 ألف قتيل، وعدد من القواد الكبار من كلا الجانبين، حتى انتهى الأمر بسيطرة الدول الثلاث على الميناء في (22 من شعبان 1271هـ = 9 من مايو 1855م).

في هذه الأثناء توفي القيصر الروسي نيقولا الأول، وخلفه في الحكم ابنه ألكسندر الثاني الذي شعر بعدم قدرة بلاده على مواصلة الحرب، فقرر التفاوض للسلام، خاصة بعد المذكرة التي تقدمت بها النمسا لروسيا وحذرتها فيها من أن دولا أوربية أخرى قد تدخل الحرب ضدها.

استمرت الحرب أكثر من عامين ونصف، حاربت فيها الدولة العثمانية منفردة في السنة الأولى منها، وتميزت هذه الحرب بمتابعة الصحافة لها، من خلال إرسال مراسلين عسكريين على جبهات القتال.

معاهدة باريس 1856

بعد توقف حرب القرم نشر السلطان العثماني عبد المجيد في (12 من جمادى الآخرة 1272هـ = 18 فبراير 1856م) فرمانا عُرف باسم المرسوم الهمايوني للإصلاحات، والذي اعترف بمجموعة من الحقوق للأقليات الدينية في الدولة العثمانية، وكان هدفه الحقيقي محاولة الدولة العثمانية كسب الرأي العام الأوربي إلى جانبها أثناء المفاوضات لتوقيع معاهدة باريس.

اعترف الفرمان بالمساواة بين جميع رعايا الدولة العثمانية من مسلمين ومسيحيين، وجرّم استخدام تعبيرات تحقر المسيحيين، ونصّ على تجنيد المسيحيين في الجيش العثماني، وإلغاء الجزية، على أن يدفع المسيحيون غير الراغبين في الخدمة العسكرية بدلا نقديا، وأن يمثل المسيحيون في الولايات والأقضية تبعا لأعدادهم في تلك المناطق.

وافتتح مؤتمر باريس في (19 من جمادى الآخرة 1272هـ = 25 من فبراير 1856) وتم توقيع معاهدة باريس بعد 34 يوما من افتتاح المؤتمر في (23 رجب 1272هـ= 30 من مارس 1856م)، وتضمنت عدة نقاط مهمة، منها: حرية الملاحة في نهر الدانوب، وتشكيل لجنة دولية للإشراف على ذلك، وإعلان حياد البحر الأسود، وكانت هذه المادة كارثة بالنسبة لروسيا؛ حيث أجبر هذا النص روسيا على سحب سفنها الحربية من هذا البحر ونقلها إلى بحر البلطيق، وبالتالي أصبح البحر الأسود بحيرة عثمانية من الناحية الفعلية وليس القانونية.

واعترفت المعاهدة بالاستقلال الذاتي لكل من ولايتي الأفلاق وبغدان (رومانيا حاليا) ضمن الدولة العثمانية، وأن يتم احترام استقلال الدولة العثمانية وعدم التدخل في شئونها الداخلية مقابل تعهدها بتحسين أحوال الرعايا المسيحيين في البلقان، واعترف السلطان العثماني بالمساواة التامة بين جميع رعاياه على اختلاف مذاهبهم وأديانهم. وأعلنت الدولة العثمانية قبول مبدأ التحكيم في حالة وقوع خلاف بينها وبين غيرها من الدول، وكان هذا النص مهما في القانون الدولي الناشئ.

وقررت المعاهدة إعادة ميناء سيواستوبول لروسيا، كما احتفظ العثمانيون بحق حماية الأراضي الصربية، ووعدت الدول الكبرى بالعمل على حل أي خلاف ينشأ بين الصرب والعثمانيين.

وثبتت معاهدة باريس امتيازات فرنسا في الأماكن المقدسة المسيحية دون غيرها من الدول، وأضفت عليها الطابع الحقوقي الدولي، حيث إن الامتيازات في السابق كانت نابعة من التعاقد الثنائي بين الدولة العثمانية ذات السيادة على هذه الأماكن وبين فرنسا منفردة.

كان لهذه المعاهدة آثارها على الدولة العثمانية، حيث وقعت بعض المصادمات الطائفية في بعض المناطق في الدولة؛ كما أن هذه المعاهدة عطلت الوجود الروسي في البحر الأسود قرابة 15 عاما، حتى تمكن القيصر ألكسندر الثاني من إنهاء معاهدة باريس سنة (1287هـ= 1870م) أثناء الحرب البروسية- الفرنسية.

Matador
13-02-2008, 04:50 AM
نصر العثمانيين بالدردنيل.. صحوة ما قبل السقوط


مارست الدولة العثمانية سيادتها على مضيقي البوسفور والدردنيل، وبحر مرمرة، وكانت هذه المضايق تصل بين البحر الأسود وبحر إيجه الذي هو جزء من البحر المتوسط، ولم يكن للبحر الأسود مخرج يتصل عن طريقه بالبحار العامة إلا عبر هذه المضايق.

وقد نجحت الدولة العثمانية في فرض سيادتها على هذه المضايق إذ كانت قوية شامخة وكان لها حرية التصرف كاملة بخصوص الملاحة في البحر الأسود والمرور منه وإليه.

وبلغ من هيبة الدولة العثمانية في فترة قوتها أن الرعايا الروس إذا أرادوا ممارسة التجارة بين مواني البحر الأسود كان عليهم أن ينقلوا بضائعهم على سفن عثمانية تحمل العلم العثماني. وكان حرص الدولة العثمانية على بسط سيادتها في منطقة المضايق والبحر الأسود لا يقبل التفريط أو المهادنة باعتبار هذه السيادة عنصرا جوهريا من عناصر السياسة العليا للدولة.

روسيا تسعى لاحتلال المضايق

ولم يكن لروسيا طريق إلى المياه الدافئة إلا عبر المضايق التي تسيطر الدولة العثمانية عليها، وظل حلم السيطرة على هذه المضايق يراود روسيا أزمانا طويلة، لكن هذا الحلم لم يتحقق أبدا؛ بسبب يقظة الدولة العثمانية واستماتتها في المحافظة على أمنها القومي، أو لوقوف الدولة الأوربية أمام مطامع الدب الروسي.

وقبل اشتعال الحرب العالمية الأولى ببضعة أشهر حاولت روسيا أن تحتل البوسفور والدردنيل، ولم يكن أمامها سوى افتعال أزمة سياسية مع الدولة العثمانية، ثم تصعيدها حتى تنقلب إلى حرب أوربية تتخذها روسيا ذريعة لإرسال قواتها المسلحة لاحتلال البوسفور والدردنيل في وقت مبكر، ولوضع العثمانيين والأوربيين أمام الأمر الواقع، لكن هذا المخطط لم يكتب له التنفيذ؛ لمعارضة بريطانيا له ورغبتها آنذاك في حل المشكلات الأوربية بالدبلوماسية لا بالحروب.

العثمانيون والحرب العالمية الأولى

ولما نشبت الحرب العالمية الأولى (في رمضان 13332هـ = أغسطس 1914)، انضمت الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر في مواجهة إنجلترا وفرنسا وروسيا وإيطاليا، وكان رجال حزب الاتحاد والترقي هم الذين يحكمون فعليا الدولة العثمانية، ولم يكن للخليفة العثماني محمد رشاد معهم حول ولا قوة، وكانت النكبات العثمانية قد بدأت تتوالى منذ أن تولى هؤلاء مقاليد الحكم، وخلعوا السلطان عبد الحميد الثاني من عرش الخلافة العثمانية، ولم يكن لهم من حصافة الرأي ودهاء السياسة ما يجعلهم يدفعون بالدولة العثمانية إلى بر الأمان، فخسرت الدولة على أيديهم في سنوات قليلة ما بنته في قرون مديدة، وكان قرار دخول الحرب إلى جانب ألمانيا دون بصر بالعواقب أحد المآسي الكبرى التي لحقت بالدولة العثمانية.

ترتب على دخول الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا أن قامت بريطانيا وحليفاتها بهجوم على الدردنيل والبوسفور، وسعت لاحتلال مدينة إستانبول مقر الخلافة، واستعد العثمانيون لمثل هذا، وقاموا ببث حقول خفية من الألغام البحرية في مياه المضايق.

أسباب الحملة البحرية على الدردنيل

كان موقف روسيا في بدايات الحرب حرجا للغاية بعد الهزائم المنكرة التي أنزلتها بها القوات الألمانية، وأرادت بريطانيا أن تفتح الطريق أمام الأساطيل البريطانية والفرنسية إلى البحر الأسود، وكانت منطقة المضايق هي التي تفصل بريطانيا وفرنسا عن روسيا وتحول دون إمدادها بالذخائر والأسلحة التي كانت في أشد الحاجة إليها بعد أن استنفدت احتياطيها من الذخائر، وانعدمت قدرة مصانعها على تلبية أكثر من ثلث حاجتها من الذخائر.

وكانت بريطانيا غير راغبة في خروج روسيا من الحرب وتخشى ذلك، ولم يكن أمامها هي وحلفائها سوى بسط السيطرة العسكرية على منطقة المضايق، ضمانا لإرسال الذخائر والأسلحة إلى روسيا وحثها على مواصلة الحرب.

وفي الوقت نفسه كان الاستيلاء على المضايق يشد من أزر الدب الروسي ويرفع من معنوياته التي انهارت أمام شجاعة القوات الألمانية وانتصاراتها المتتالية.

وفوق ذلك وعدت بريطانيا روسيا في حالة سيطرتها على منطقة المضايق بأنها ستهدي إليها مدينة إستانبول؛ لحثها على الثبات والصمود، ولم تكن هناك هدية أعظم من أن تكون المدينة التاريخية بين أنياب الدب الروسي، وهو الذي دام عقودا طويلة يحلم بعروس البوسفور.

ويضاف إلى هذه الاعتبارات أن نجاح حملة الدردنيل يجعل في متناول بريطانيا وحلفائها المحاصيل الوافرة من القمح التي تنتجها أقاليم روسيا الجنوبية، وأن رُسُو الأسطول البريطاني أمام إستانبول يشطر الجيش العثماني شطرين، ويفتح الطريق إلى نهر الدانوب.

إخفاق الأسطول البريطاني في اقتحام الدردنيل

وفي (ذي الحجة 1332 هـ=نوفمبر 1914م) اقترب الأسطول البريطاني من مياه الدردنيل وهو يمني نفسه بانتصار حاسم وسريع، والمعروف أن مضيق الدردنيل هو أول ما تقابله السفن القادمة من البحر المتوسط والمتجهة نحو البحر الأسود، وخلال ذلك تمر بالدردنيل ثم بحر مرمرة ثم البوسفور ثم مدخل البحر الأسود.

وقبل أن تتوغل بعض السفن البريطانية في مياه مضيق الدردنيل، ألقت بعض المدمرات قنابلها على الاستحكامات العسكرية العثمانية، ولم تتحرك هذه القوات للرد على هذا الهجوم ووقفت دون مقاومة، الأمر الذي بث الثقة في رجال الأسطول البريطاني، وأيقنوا بضعف القوات العثمانية وعجزها عن التصدي لهم، وتهيئوا لاستكمال حملتهم البحرية.

وبعد مضي شهرين أو أكثر من هذه العملية توجهت قطع عظيمة من الأسطول البريطاني إلى الدردنيل، وهي لا تشك لحظة في سهولة مهمتها، واستأنفت ضرب الاستحكامات العسكرية الأمامية مرة أخرى، ثم اقتحم الأسطول البريطاني المضيق في جسارة، وكم كانت المفاجأة مروعة له، حين اصطدم بحقل خفي من الألغام في مياه الدردنيل، وأصيب بأضرار بالغة بسبب ذلك، وكان لهذا الإخفاق دوي هائل وصدى واسع في جميع أنحاء العالم، ولم تحاول بريطانيا اقتحام الدردنيل بحريا مرة ثانية.

معاودة اقتحام المضيق من ناحية البر

لم تسكت بريطانيا وحلفاؤها على هذا النصر العثماني الذي قام على استدراج وحدات الأسطول البريطاني إلى مياه المضيق واصطيادها بسهولة وسط حقل الألغام البحرية، فرأت تعزيز الهجوم البحري على الدردنيل بهجوم بري، على أن يكون دور القوات البرية هو الدور الأساسي، في حين يقتصر دور القوات البحرية على إمداد القوات البرية بما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر ومواد تموينية، ومساعدتها على النزول إلى البر، وحماية المواقع البرية التي تنزل بها.

وكانت القوات البريطانية البرية تتألف في معظمها من جنود أستراليين ونيوزلنديين، وهم معروفون بالبأس الشديد في القتال، ويقود هذه القوات سير إيان هاملتون، وكانت القوات الفرنسية بقيادة الجنرال جورو تعزز البريطانيين.

بدأت هذه القوات تصل إلى بعض المناطق في شبه جزيرة غاليبولي في شهر (جمادى الآخرة 1333هـ = أبريل 1915م)، حتى إذا اكتمل عددها بدأت هجومها على منطقة المضايق، ونزلت بعض قواتها في بعض المناطق، لكن خانها التوفيق في اختيار الأماكن الصالحة، إذ نزلت في أراض تنحدر تدريجيا نحو ساحل البحر، واشتركت في الإنزال كتيبة يهودية وأخرى يونانية.

وقد انتهز الأتراك العثمانيون هذه الفرصة واصطادوا القوات البريطانية والفرنسية المهاجمة، وكانوا قد أكملوا استعدادهم لمواجهة هذا النزول المتوقع، وأظهروا بسالة فائقة وشجاعة نادرة أعادت إلى الأذهان أمجاد العسكرية العثمانية.

وبينما كان القتال يدور في ضراوة بالغة أحرز الجنود المهاجمون نصرا على الأتراك (في 25 من رمضان 1333 هـ = 6 من أغسطس 1915م) بعد أن وصلت إليهم إمدادات كثيرة، ونجحوا في أخذ الأتراك على غرة، غير أن قائد القوات المهاجمة لم يستثمر هذا النصر الخاطف بأن يبدأ في التوغل نحو شبه جزيرة غاليبولي، وظل متباطئا دون تطوير هجومه، الأمر الذي جعل القوات العثمانية تنجح في صد المهاجمين، واسترداد ما تحت أيديهم وتكبيلهم خسائر فادحة بعدما وصلتهم إمدادات سريعة.

نصر عثماني وانسحاب بريطاني

وقد أدى هذا النصر العثماني إلى إنقاذ إستانبول عاصمة الخلافة من السقوط في أيدي قوات الاحتلال الأجنبي، وفي الوقت نفسه جعل القوات البريطانية والفرنسية تفكر في الانسحاب من شبه جزيرة غاليبولي بعد أن فقدت الأمل في الاستيلاء على منطقة المضايق، وبدأت بالفعل الانسحاب في (10 من صفر 1334 هـ = 18 من ديسمبر 1915م) بعد أن كلفت الحملة بريطانيا وحليفاتها مائة وعشرين ألفا من القتلى والجرحى، وأخفقت في تحقيق هدفها الرئيسي وهو الاستيلاء على المضايق، وكان الفشل مزدوجا في البر والبحر.

وانتهت الحرب العالمية الأولى دون أن تنجح القوات البريطانية والفرنسية أو غيرهما في اقتحام المضايق، وإن كان ذلك لم يمنع هزيمة الدولة العثمانية في تلك الحرب.

Matador
13-02-2008, 04:53 AM
تبوك.. الرسول مقاطعًا


في ظل الظروف التي تعيشها أمتنا العربية والإسلامية بدأ طرح المقاطعة يأخذ أبعادًا مختلفة، فلم يعد مفهوم المقاطعة مقصورًا على المقاطعة الاقتصادية فحسب، إنما تعداه إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية... وهذا الموضوع الذي بين أيدينا يطرح جانبًا مهمًّا من جوانب المقاطعة، وهو المقاطعة الهَجْرية، وذلك من خلال وقائع غزوة تبوك.

وتبدأ وقائع غزوة تبوك عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتجهز والخروج إلى الروم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا أظهر أنه يريد غيرها، إلا غزوة تبوك فإنه قال: "أيها الناس إني أريد الروم".

وكانت هناك عقبات في طريق الخروج إلى الغزوة تتمثل في:

1- الجهد والمشقة لإتمام التمويل اللازم لتجهيز الجيش، وقد انتدب الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين للتبرع لتجهيز الجيش وحضهم على ذلك، وتسابق المسلمون في الجهاد بأموالهم، فها هو أبو بكر الصديق يأتي بكل ماله، وعمر بن الخطاب يأتي بنصف ماله، وتبارى القوم في التبرع في صورة تُظهر ما في قلوبهم من إيمان راسخ ونفوس سخية، ولم ينفق أحد أعظم نفقة من ذي النورين عثمان بن عفان الذي جهز ثلث الجيش وحده، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" قالها مرارًا.

2- الحر الشديد حيث الصحراء اللاهبة والشمس المحرقة وقلة الماء؛ وهو ما يؤدي إلى عسر المسير ومشقة الرحيل، حيث يصور لنا القرآن هذا الأمر: {وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا}.

3- ثمارهم قد أينعت وحان وقت قطافها.

4- طول المسافة، حيث تبلغ المسافة من المدينة -عاصمة الإسلام آنذاك- إلى تبوك على تخوم الروم أكثر من تسعمائة كيلومتر، والرحلة تستغرق شهرًا ذهابًا وإيابًا.

5- شدة بأس العدو، فالعدو هو الروم إحدى القوتين العظميين في العالم آنذاك، وإحدى طبقي الرحى التي تطبق على العالم احتلالاً واستغلالاً؛ فأعدادهم عظيمة، وأسلحتهم كثيرة، وجيوشهم جرارة.

ومع هذه العقبات سارع المسلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز والخروج والتبرع بأموالهم لسد العجز في التمويل؛ إيمانًا منهم بقدسية الغاية وربانية الهدف.

ولطول المسافة تحتم أن يكون الجيش من الفرسان وراكبي الإبل، وبعد التجهز خرج الرسول صلى الله عليه وسلم يقود جيشًا قوامه أكثر من 30 ألفًا من المسلمين ما بين 10 آلاف فارس وبقية الجيش يتعاقب كل ثلاثة على بعير واحد.

وعانى الصف الإسلامي قبل الخروج من إرجاف المنافقين ومحاولتهم الدنيئة تثبيط همة المسلمين وشق صفهم وبذر الوهن في قلوبهم، ولكن هيهات أن يتحقق ذلك في صف ارتبط بخالقه وارتضى برسوله وآمن بعقيدته؛ ففشِلت كل محاولات الطابور الخامس -أهل النفاق والزيغ- وكانت الغزوة فرصة عظيمة لتميز الأمة في مبادئها ولتمايزها في صفها، فأصبح المجتمع كالآتي:

1- أهل السبق والإيمان من المهاجرين والأنصار الذين تباروا في الخروج للغزو والتبرع لتجهيز إخوانهم الذين لا يملكون النفقة.

2- أهل الإيمان الذين قصرت بهم النفقة لفقرهم فلم يستطيعوا الخروج وهم البكاؤون "... الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ".

3- أهل إيمان، ولكن أبطأت بهم النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تخلفوا عن الخروج من غير شك ولا ارتياب منهم.

4- المنافقون أهل الزيغ والضلال الذين تعاونوا مع العدو وتجسسوا على أهل الإيمان، وقد رجع أكثرهم من الغزو واعتذر بعضهم عن الخروج مخافة الفتنة كما زعم. وخروج البعض منهم محاولين استغلال الفرص لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم.

الطريق إلى تبوك

خرج الرسول صلى الله عليه وسلم وبدأ التحرك بالجيش الإسلامي نحو تبوك يوم الخميس قبل منتصف شهر رجب سنة 9هـ حيث وصل إلى تبوك في شعبان سنة 9هـ وأقام فيها مدة عشرين يومًا ولم يلاق حشود الروم الذين جبنوا عن التقدم للقاء الجيش الإسلامي.

فظل الرسول صلى الله عليه وسلم مدة إقامته يعقد معاهدات مع أمراء المناطق وقبائلها، وأرسل سرية بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى دومة الجندل فأسرت أكيدر ملك دومة الجندل وقدم به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليعاهده.

وحققت الغزوة أهدافها سواء من تحدي الروم وإظهار جبنهم وإثارة الرعب في القبائل النصرانية التي تساعد الروم، ثم -وهو الأهم- إعلان ظهور دولة الإسلام كدولة قوية تستطيع تحدي الروم ومهاجمة أراضيهم.

عاد الرسول صلى الله عليه وسلم بالجيش الإسلامي قافلاً نحو المدينة حيث وصلها في شهر رمضان سنة 9هـ.

تحقيق وحساب للمخلفين

وهنا حان وقت التحقيق والحساب مع الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي كما يحكيها أحد المخلفين، وهو كعب بن مالك رضي الله عنه "...غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حيث طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه. فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا؛ فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئًا. ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا. فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو(فات وقته وتقدم)، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم - أحزنني أنني لا أرى إلا رجلاً مغموصًا (محتقرا) عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء...

فلما بلغني أنه توجه قافلاً حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا زاح عني الباطل وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، فجئت فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال: "تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قلت بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أُعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عقبى الله، لا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. وثار رجال من بني سلمة.. ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي.

ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة. فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها(نحن) الثلاثة من بين من تخلف عنه".

المقاطعة.. مطلب شرعي

وحين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بمقاطعة الثلاثة الذين صدقوا حديثهم، وعدم الكلام معهم، بدأت قصة تربيتهم وصقلهم وفرض العزل الاجتماعي عليهم، فالمقاطعة التربوية التي وقعت على هؤلاء الثلاثة: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية لها منافع عظيمة وجسيمة في تربية المجتمع الإسلامي على الاستقامة وقوة الإرادة والوفاء الثابت ولمنع أفراد هذا المجتمع من التورط في المخالفات سواء كان ذلك بترك شيء من الواجبات، أو فعل شيء من المحرمات، أو كان بالتسويف في الأمر إلى حد التفريط، حيث يتوقع الذي يفعل ذلك أنه سيكون مهجورًا من جميع أفراد المجتمع؛ فلا يفكر في الفعل المخالف لأوامر القيادة قط.

فالمقاطعة التربوية هنا نوع من الهجر الديني الذي هو مطلب شرعي يثاب فاعله، وهو غير الهجر الدنيوي فهو مكروه، وإذا زاد عن ثلاثة أيام فإنه يكون محرمًا. ويحدثنا كعب بن مالك عن الآلام النفسية المبرحة التي عاناها وصاحبيه نتيجة المقاطعة التربوية التي فرضها الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم وبلغت من المدة خمسين يومًا فيقول: "... فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أَشبّ القوم وأجلدهم فكنت أخرج. فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة مع المسلمين فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي. فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت. فعدت فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال لا بل اعتزلها لا تقربنها. أرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: ألحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر".

المقاطعة.. ابتلاء وتمحيص

تمت المقاطعة التربوية لهؤلاء الثلاثة ابتلاء للصف الإسلامي ليثبت مدى استجابته للأمر والتحامه مع قيادته ومفاصله الثلاثة في أروع ما يحمل التاريخ من صور الاستجابة لدرجة أن أبا قتادة وهو ابن عم كعب وصديقه وأحب الناس إليه لا يرد عليه السلام ولا يبادله الكلام، كأننا نلحظ صراعا نفسيا داخل أبي قتادة بين قربه وحبه لكعب وصلته الإنسانية به وبين التزامه بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، وسرعان ما ينتصر الالتزام الديني على الصلة والصداقة فلا يرد عليه سلام.

وأعظم ما في هذه المفاضلة الأمر الأخير لزوجاتهم بالمقاطعة فتسرع الزوجات بالاستجابة في علو إيمان وشدة التزام تهزم صلة الزوجية والرابطة القوية بينهم، وقد نجحت الخطة، وتحققت المقاطعة الكاملة لهم في صورة غير مسبوقة لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، وقد عاش المجتمع الإسلامي مأساة إخوته الثلاثة في أشد ما يكون يقظة والتزامًا وألمًا وتأثرًا، ولك أن تتخيل أثر المقاطعة النفسي على الثلاثة الذين خلفوا وعلى المجتمع حولهم بما فيه من صلات قربى وصداقة ومودة، خاصة أن المقاطعة كانت في رمضان شهر زيادة الصلة والرابطة بين المسلمين، ويمر عليهم عيد الفطر مناسبة الود والتزاور بينهم. والمقاطعة التي تأبى على المسلمين أن يذكروا اسم كعب للنبطي، بل يكتفون بالإشارة إليه عن سؤالهم عنه؛ مما يعطينا صورة واضحة عن القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي ومتانة بنائها وصفاء عناصرها ونصاعة تصورها لمعنى الجماعة ولتكاليف الدعوة ولقيمة الأوامر الصادرة ولضرورة الطاعة؛ حتى إن التوبة لما نزلت ما تمالك صارخ أن يصرخ من الفجر بأعلى صوته على قمة الجبل مبشرًا كعب، فأروع ما في الأمر تمام الانضباط مع تمام العاطفة.

وظل المخلفون يحفهم هذا الجو المكروب بالكربة واليأس والضيق لا مخرج منه إلا بالالتجاء إلى الله مفرج الكروب ثم يجيء الفرج بعد خمسين يومًا من الضيق فينزل الوحي بآيات بينات: "وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم" [التوبة: 118].

كيف تلقى المخلفون الثلاثة أمر نزول توبتهم؟

يحكي كعب بن مالك عن ذلك فيقول: "... فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، وذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسًا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه والله! ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة".

إن توبة كعب وصاحبيه وما حملت في آفاقها من معاني السمو والاعتراف بالخطأ -الذي هو من أعظم الشجاعة- وتعاليهم عن الدنيا التي تتراقص لهم بدعوة ملك غسان لكعب، بل الصبر على عقوبة الله تعالى -علامة على الوفاء منهم لدعوتهم ووفاء لا يعدو عليه تلون ولا غدر- والصبر هنا ليس يومًا أو يومين، بل خمسين ليلة على هذا الحال، منها عشر ليال بمقاطعة زوجاتهم لهم إلى أن جاءهم الفرج.

ضوابط المقاطعة التربوية

فإذا علمنا أن المخلفين الثلاثة من الطبقة الثالثة في المجتمع؛ حيث يسبقهم:

أ- السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.

ب- البكاؤون الذين لا يجدون ما يحملهم.

فإذا كان هذا هو مستوى الطبقة الثالثة في الصدق والولاء لله ولرسوله والالتزام في تنفيذ أشد العقوبات عليهم واستعدادهم لطلاق زوجاتهم أدركنا ذلك المستوى الإيماني التربوي الرفيع للمجتمع المسلم آنذاك.

وقد خرج المخلفون من محنتهم أقوى إيمانًا وأصفى روحًا وأكرم أخلاقًا، وصفة أخرى في المخلفين أثناء محنتهم أن الله حاضر في ضمائرهم مع خطئهم، ومراقبة الله أقوى، وتقوى الله أعمق، والرجاء في الله أوثق.

مع وجوب ملاحظة أن تطبيق هذه المقاطعة التربوية، وهذا الهجر التقويمي يجب أن يكون مع:

1- مجتمع قوي مترابط راسخ الإيمان شديد الانضباط.

2- أفراد مؤمنين ملتزمين يؤمن عليهم من الوقوع في الفتنة.

3- قيادة حكيمة في أسلوبها بصيرة بهدفها حازمة في تطبيق قراراتها.

وتمضي قصة المخلفين عبرة للمجتمع الإسلامي عبر الزمان والمكان تحكي أسلوبًا من أساليب الإسلام -هو المقاطعة التربوية- تجاه الأخطاء التي تقع؛ فتقوِّم المعوج، وتصحح للمخطئ، فنتعلم منها كيف نتربى ونربي.

Matador
13-02-2008, 04:56 AM
معركة فخ.. ميلاد الأدارسة


لم تنقطع ثورات آل البيت منذ أن استشهد الحسين بن علي في معركة كربلاء، في العاشر من المحرم سنة 61هـ، وكانت نتيجة هذه المعركة مأساة أدمَتْ قلوب المسلمين حزنًا على الحسين، ريحانة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وبعد أكثر من نصف قرن من مقتل الحسين أعلن حفيده زيد بن علي بن الحسين الثورة على الخليفة الأموي سنة 121هـ، وتكررت المأساة نفسها؛ فلم يكن معه من القوة والرجال ما يضمن له النجاح والظفر، لكنه انخدع ببيعة أهل الكوفة، حتى إذا جدّ الجدَّ وظهرت معادن الرجال انفضوا عنه وتركوه يلقى مصيره المحتوم أمام يوسف بن عمر الثقفي والي الكوفة الذي نجح في القضاء على تلك الثورة، وقتل مفجرها زيد بن علي.

ولم تنقطع ثورات العلويين بعد تولي أبناء عمومتهم العباسيين الخلافة، وإعلانهم أنهم أحق بها منهم، وقابل العباسيون ثورات أبناء العمومة بكل شدة وقسوة، ونجح أبو جعفر المنصور في القضاء على ثورة "محمد النفس الزكية"، الذي كان معروفًا بالتقوى والفضل وفي مقدمة سادات بني هاشم خلقًا وعلمًا وورعًا، وانتهت ثورته باستشهاده سنة (145هـ = 762م)، ولم تكن ثورة أخيه إبراهيم أفضل حالاً من ثورته، فلقي مصرعه في السنة نفسها، واطمأن أبو جعفر المنصور على سلطانه، واستتب له الأمر.

معركة فخ بالقرب من مكة

وبعد فشل هاتين الثورتين قامت حركات لبعض العلويين في اليمن وخراسان، لكنها لم تلقَ نجاحًا، وأصابها مثل ما أصاب ما قبلها من ثورات، وعاش من بقي من آل البيت العلوي في هدوء، وربما استخفوا حتى يتمكنوا من إعداد العدة للخروج وهم مكتملو القوة والعدد، وظلت الأمور على هذا النحو من التربص والانتظار حتى حدث نزاع صغير بين والي المدينة المنورة وبعض رجال من آل البيت أساء التعامل معهم، وأهانهم وأغلظ القول لهم، فحرك ذلك مكامن الثورة في نفوسهم، وأشعل الحمية في قلوبهم، فثار العلويون في المدينة بقيادة الحسين بن علي بن الحسن، وانتقلت الثورة إلى مكة بعد أن أعلن الحسين البيعة لنفسه، وأقبل الناس عليه يبايعونه.

ولما انتهى خبر هذه الثورة إلى الخليفة العباسي موسى الهادي، أرسل جيشًا على وجه السرعة للقضاء على الثورة، قبل أن يمتد لهيبها إلى مناطق أخرى؛ فيعجز عن إيقافها، فتحرك الجيش العباسي إلى مكة، والتقى بالثائرين في (8 من ذي الحجة 169هـ = 11 من يونيو 786م) في معركة عند مكان يسمى "فخ" يبعد عن مكة بثلاثة أميال، وانتهت المعركة بهزيمة جيش الحسين، ومقتله هو وجماعة من أصحابه.

نجاة إدريس بن عبد الله

وكان ممن نجا من قادة الثائرين في هذه المعركة "إدريس بن عبد الله بن الحسن"، واتجه إلى مصر ومعه خادمه راشد، وكان شجاعًا عاقلاً وفيًا لسيده، وظل أمرهما مجهولاً حتى بلغا مصر مستخفيْن في موكب الحجيج، ولم يكن اختفاؤهما أمرًا سهلاً؛ فعيون الخلافة العباسية تتبعهما وتقتفي أثرهما، ولم تكن لتهدأ وتطمئن قبل أن تعثر على إدريس بن عبد الله حيًا أو ميتًا، لكنهما نجحا في التحرك والتخفي؛ لا لمهارتهما في ذلك، ولكن لحب الناس آل البيت، وتقديم يد العون والمساعدة لهما.

ومن مصر خرج إدريس وخادمه "راشد" إلى بلاد المغرب، ويقال: إن هذا الخادم كان بربريَّ الأصل، وساعدهما على الخروج من مصر عامل البريد بها؛ فقد كان متشيعًا لآل البيت، فلما علم بوجودهما في مصر قدم إليهما في الموضع الذي يستخفيان به، وحملهما على البريد المتجه إلى المغرب. وتذهب روايات تاريخية إلى أن الذي أعان إدريس على الفرار من مصر هو "علي بن سليمان الهاشمي" والي مصر، وأيًا ما كان الأمر فإن إدريس لقي دعمًا ومساعدة لتمكينه من الخروج من مصر، سواءً كان ذلك بعون من والي مصر أو من عامل البريد.

رحلة شاقة

وبعد أن وصل إدريس بن عبد الله إلى برقة تخفى في زي خشن، يظهر فيه بمظهر غلام يخدم سيده "راشد"، ثم سلكا طريقًا بعيدًا عن طريق إفريقية إمعانًا في التخفِّي، وخوفًا من أن يلتقي بهما أحد من عيون الدولة العباسية التي اشتدت في طلبهما، حتى وصلا إلى تلمسان سنة (170هـ = 786م)، وأقاما بها عدة أيام طلبًا للراحة، ثم استأنفا سيرهما نحو الغرب، فعبرا "وادي ملوية"، ودخلا بلاد السوس الأدنى، حيث أقاما بعض الوقت في "طنجة" التي كانت يومئذ أعظم مدن المغرب الأقصى، ثم واصلا سيرهما إلى مدينة "وليلى"، وهي بالقرب من مدينة مكناس المغربية، واستقرا بها بعد رحلة شاقة استغرقت حوالي عامين.

في وليلى

وبعد أن استقر إدريس في وليلى (قصر فرعون حاليًا) اتصل بإسحاق بن محمد بن عبد الحميد زعيم قبيلة "أوربة" البربرية، صاحبة النفوذ والسيطرة في "وليلى"، فلما اطمأن إليه إدريس عرفه بنسبه، وأعلمه بسبب فراره من موطنه؛ نجاة بنفسه من بطش العباسيين، وقد رحب إسحاق بضيفه الكبير، وأنزله معه داره، وتولى خدمته والقيام بشأنه شهورًا عديدة، حتى إذا حل شهر رمضان من السنة نفسها جمع إسحاق بن محمد إخوته وزعماء قبيلة أوربة، وعرفهم بنسب إدريس وبفضله وقرابته من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكرمه وأخلاقه وعلمه؛ فرحبوا جميعًا به، وأعربوا عن تقديرهم له، وبايعوه بالخلافة في (14 من رمضان 172هـ = 15 من فبراير 788م)، وبعد ذلك خلع "إسحاق بن عبد الحميد" طاعة بني العباس حيث كان من ولاتهم، وتنازل لإدريس عن الحكم.

وتبع ذلك دعوة لإدريس بين القبائل المحيطة، فدخلت في دعوته قبائل: زناتة، وزواغة، وزوارة، ولماية، وسراته، وغياشة، ومكناسة، وغمارة، وباعيته على السمع والطاعة، واعترفت بسلطانه، وقصده الناس من كل مكان.

استقرت الأمور لإدريس بن عبد الله، ورسخت أقدامه بانضمام كل هذه القبائل إلى دعوته، ودانت له معظم قبائل البربر، وبدأ يطمح في مدّ نفوذه وسلطانه إلى القبائل التي تعترف بحكمه، ونشر الإسلام بين القبائل التي لا تزال على المجوسية أو اليهودية أو المسيحية، فأعد جيشًا كبيرًا زحف به نحو مدينة "شالة" قبالة مدينة الرباط، ففتحها، ثم تحول في كل بلاد "تامسنا" فأخضعها، وأتبع ذلك بإخضاع إقليم "تاولا"، وفتح حصونه وقلاعه، وأدخل كثير من أهل هذه البلاد الإسلام، ثم عاد إلى "وليلى" للراحة والاستجمام في (آخر ذي الحجة 172هـ = مايو 789م)، ثم عاود حملته الظافرة عازمًا على دعوة من بقي من قبائل البربر إلى الإسلام، ونجح في إخضاع قبائل: قندلاوة ومديونة وبهلولة وغيرها من القبائل البربرية التي كانت متحصنة بالجبال والحصون المنيعة، ثم رجع إلى وليلى في (15 من جمادى الآخرة 173هـ = 10 من أكتوبر 789م).

فتح تلمسان.. وبناء مسجدها

أقام إدريس بن عبد الله شهرًا في وليلى، ثم عاود الفتح، واتجه ناحية الشرق هذه المرة، عازمًا على توسيع ملكه في المغرب الأوسط على حساب الدولة العباسية، فخرج في منتصف رجب 173هـ = نوفمبر 789م متجهًا نحو تلمسان، وفي أثناء زحفه استولى على مدينة "سبتة"، ولم يكد يصل إلى "تلمسان" حتى خرج إليه صاحبها "محمد بن خرز"، وأعلن خضوعه له دون قتال، وبايع إدريس بن عبد الله، وتبعته قبائل: مغراوة وبني يفرده.

ولما دخل الإمام إدريس تلمسان أقام بها مسجدًا للمدينة جامعًا، وصنع منبرًا جميلاً كان يحمل نقشًا يحدد تاريخ إنشائه، ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا ما أمر به إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وذلك في شهر صفر 174هـ، وهذا يعني أن إدريس أقام في تلمسان حتى هذا التاريخ، ثم كرَّ راجعًا إلى عاصمة ملكه.

نهاية الإمام إدريس

ولم تكد تصل هذه الفتوحات إلى عاصمة الخلافة العباسية حتى فزع الخليفة هارون الرشيد، وشعر بالقلق والذعر من النجاح الذي يحققه إدريس بن عبد الله، الذي نجح فيما فشل فيه غيره من أبناء البيت العلوي؛ فلأول مرة ينجحون في إقامة دولة لهم بعد إخفاقات عديدة ومآسٍ دامية، ثم اشتد خوف الخليفة العباسي حين جاءته الأخبار بعزم إدريس بن عبد الله على غزو أفريقية (تونس)، ففكر في إرسال جيش لمحاربة هذا العلوي المظفر، وبينما الرشيد على هذه الحال من القلق والاضطراب تدخلت الأقدار، وأراحته مما كان يفكر فيه، فتوفي إدريس بن عبد الله في (سنة 177هـ = 793م) على أرجح الروايات، بعد أن نجح في تحدي الصعوبات، وأقام دولة عُرفت باسمه "دولة الأدارسة" بعيدًا عن وطنه بين قبائل متطاحنة تعتز بعنصريتها، وتتخذ من قوتها وسيلة لفرض سيطرتها على من حولها، وهذه تُحسب له، وتجعله واحدًا من كبار رجال التاريخ. ويضاف إليه أن المغرب مدين له في نشر الإسلام في أماكن لم يكن قد وصل إليها من قبل.

Matador
13-02-2008, 05:01 AM
الدب الروسي يحلم بإستانبول


لما بدأت في الأفق تلوح نذر اضمحلال الدولة العثمانية في القرن 12 هـ = 18م، وتظهر على ملامحها وقسمات وجهها آيات الضعف والوهن؛ تطلعت روسيا إلى التوسع على حساب العثمانيين، وإقامة وجود عسكري بحري لها على الساحل الشمالي للبحر الأسود، ثم بسط نفوذها وسيطرتها العسكرية على منطقة المضايق، وتمكين سفنها من عبور البوسفور والدردنيل وقت السلم والحرب، دون أية شروط إلى البحار الدافئة.

ولتحقيق هذه الأهداف اشتبكت روسيا في سلسلة من الحروب المتصلة ضد الدولة العثمانية، إما بمفردها وإما بالتحالف مع دول معادية للعثمانيين؛ بقصد إنهاكها، ومنعها من أن تجدد قوتها أو تلتقط أنفاسها اللاهثة؛ حتى تسقط فاقدة الوعي والإدراك، مستنفدة الجهد والموارد، فيسهل اقتسام جسدها المنهك بين الدول المتصارعة لالتهامها.

معاهدة كتشك كينجاري

دخلت الدولة العثمانية في حرب طاحنة دامت ست سنوات مع روسيا (1181 – 1187 هـ = 1768 – 1774م)، مُنيت فيها الدولة العثمانية بهزائم أليمة، أجبرتها على عقد معاهدة مخزية في ( 13 من جمادى الأولى 1188هـ = 21 من يوليو 1774م)، وهي المعروفة باسم معاهدة "كتشك كينجاري" وتحققت فيها آمال الروس بأن تحوّل البحر الأسود من بحرية عثمانية خالصة إلى بحيرة عثمانية روسية، وأصبحت الملاحة الروسية تتمتع بحُرّية التنقل في البحر الأسود دون قيد أو شرط.

وتضمنت المعاهدة أن تدفع الدولة العثمانية غرامة لروسيا قدرها 1500 كيس من الذهب، وأن يحصل الروس على حق رعاية السكان الأرثوذكس في البلاد العثمانية، وكان من شأن هذا البند أن تتدخل روسيا في شئون الدولة العثمانية بصورة مستمرة.

لقاء قيصر روسيا والسفير الإنجليزي

لم تكتف روسيا بما حصلت عليه من مكاسب من الدولة العثمانية، وإنما امتد بصرها إلى تمزيق الدولة، وتوزيع ممتلكاتها، وارتفع صوتها بشن حروب صليبية عليها، وكان ساستها يتعجبون من عدم مشاركة الدول الأوروبية لروسيا في حربها الصليبية ضد العثمانيين.. وتكشف المحادثة التي دارت بين "نيقولا" قيصر روسيا، والسير "هاملتون سيمور" سفير إنجلترا في القسطنطينية عن سياسة روسيا التوسعية.

وقد وصف القيصر الدولة العثمانية بأنها بلد آخذ في الانهيار، وأنها "رجل مريض" للغاية قد يموت فجأة، ومن الضروري أن يُتّفق على كيفية التصرف في أراضيه قبل وقوعه صريعا، وأشار إلى تسوية الأمر بين إنجلترا وروسيا دون قيام حرب بينهما، وأوضح بصراحة رغبته في استقلال دول البلقان تحت حماية روسيا، وفي الاستيلاء على العاصمة العثمانية، وفي مقابل ذلك تستولي بريطانيا على مصر، لكن هذا المشروع لم يلق نجاحًا أو يجد تجاوبًا من بريطانيا التي كانت ترفض وصول روسيا إلى المضايق.

شرارة الحرب

دأبت الدولة العثمانية على حفظ التوازن بين الروم الكاثوليك والأرثوذكس في أحقية كل منهما في إدارة أماكن الحج في القدس، ولا سيما كنيسة الميلاد في بيت لحم، وكان النزاع بينهما بسيطًا، لكنه اكتسب أهميته من تعضيد قيصر روسيا للمطالب الأرثوذكسية، في حين أن "نابليون الثالث" ملك فرنسا كان يؤيد مطالب الكنيسة الكاثوليكية فيما يتعلق بالأماكن المقدسة، وكانت فرنسا تُعد نفسها حامية للمسيحيين في الشرق منذ زمن الحروب الصليبية، وانتهى هذا النزاع بأن أصدر السلطان "عبد المجيد" فرمانًا لصالح الكنيسة الكاثوليكية سنة (1268هـ= 1852م).

وقد أثار هذا القرار حنق القيصر الشديد، فأمر بتعبئة جيش روسي وإنفاذه إلى نهر "بروث"، وفي الوقت نفسه أوفد بعثة متغطرسة إلى إستانبول برئاسة الأمير متشيكوف، لا لتطلب ترضية عاجلة فيما يتعلق بالأماكن المقدسة، بل تطالب بعقد معاهدة بين الدولتين، تفوق في إجحافها بحقوق الدولة العثمانية كل المعاهدات السابقة مع روسيا؛ حيث تضمن للقيصر حق حماية جميع الرعايا الأرثوذكس الذين يعيشون تحت كنف الدولة العثمانية، فرفض السلطان هذه المطالب.

الجيش المصري في حرب القرم

عبرت الجيوش الروسية نهر بروث في (شوال 1269 هـ = 1853م)، واحتلت ولايتي ولاشيا، ومولدافيا (رومانيا حالياً) وفشلت الجهود السلمية في حل الموقف المتداعي؛ فأرسل السلطان عبد الحميد يطلب نجدة من مصر، فامتثل "عباس باشا الأول" والي مصر وأمر بتجهيز أسطول من اثنتي عشرة سفينة، مزودة بنحو 6850 جنديًا بحريًا و642 مدفعًا تحت قيادة "حسن باشا الإسكندراني" أمير البحر المصري، بالإضافة إلى جيش بري بقيادة "سليم فتحي باشا"، يضم نحو 20 ألف جندي، مزودين بالآلات والسلاح.

وقد سجل المؤرخ المصري "عمر طوسون" أخبار هذه النجدة مفصلة تمامًا في كتابه القيم: "الجيش المصري في الحرب الروسية المعروفة بحرب القرم".

مأساة سينوب

أعلنت الدولة العثمانية الحرب على روسيا في (1 من المحرم 1270هـ = 4 من أكتوبر 1853م)، وأرسلت قسمًا من أسطولها البحري إلى ميناء "سينوب" على البحر الأسود، وكان يتألف من ثلاث عشرة قطعة بحَرية بقيادة "عثمان باشا"، ثم وصل إلى الميناء بعض القطع البحرية الروسية في (18 من المحرم 1270هـ = 21 من أكتوبر 1853م) بقيادة "ناخيموف" قائد الأسطول الروسي، لتكشف مواقع الأسطول العثماني، وتعرف مدى قوته، وظلت رابضة خارج الميناء، محاصرة للسفن العثمانية، وأرسل ناخيموف إلى دولته لإمداده بمزيد من القطع البحرية، فلما حضرت جعل أربعًا من سفنه الحربية خارج الميناء؛ لتقطع خط الرجعة على السفن العثمانية إذا هي حاولت الهرب.

ولما توقع "عثمان باشا" غدر الأسطول الروسي، أمر قواده وجنوده بالاستعداد والصبر عند القتال، على الرغم من تعهُّد نيقولا قيصر روسيا ووعده بعدم ضرب القوات العثمانية إلا إذا بدأت هي بالقتال، لكن القيصر حنث في وعده؛ إذ أطلقت السفن الروسية النيران على القطع البحرية العثمانية التي كانت قليلة العدد وضئيلة الحجم إذا ما قورنت بالسفن الروسية، وذلك في (28 من صفر 1270هـ = 30 من نوفمبر 1853م)، وأسفرت المعركة عن تدمير سفن الدولة العثمانية، واستشهاد أكثر بحارتها.

وقد أثار هذا العمل غضب فرنسا وإنجلترا، فقررتا الدخول في حرب ضد القيصر الروسي إلى جانب السلطان العثماني، واستمرت نحو عامين، وهي الحرب المعروفة بحرب القرم.

امانى احمد
13-02-2008, 04:55 PM
موضوع متميز جدا
وكل جزء يستحق ان يكون موضوع منفصل بذاته ومعلوماتك عن التاريخ رائعة حقا يا رونلد
جزاك الله كل خير

Matador
13-02-2008, 05:29 PM
الفتنة الكبرى.. بداية سياسية ونهاية عقائدية


رُوِّعت مدينة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان (رضي الله عنه) في واحدة من المآسي الكبرى في التاريخ، ولم يكن مقتله عن ذنب اقترفه أو جرم ارتكبه أو سياسية باطشة التزمها أو ظلم أوقعه على أمته، وإنما استشهد في فتنة عمياء شهدتها المدينة المنورة، دبّر لها من دبّر، وأعد لها مخططوها لتفريق الأمة، وشغلها في حرب طاحنة تلتهم ثرواتها وزهرة شبابها، وتستنفد ثرواتها ومقومات حياتها.

وكان وراء إثارة هذه الفتنة اليهودي "عبد الله بن سبأ"، الذي ادعى الإسلام في عهد عثمان، وبث أفكاره الخبيثة بالناس، وأخذ بنشرها في البلاد، وراح يخطط للنَّيل من عثمان بن عفان وولاته؛ فاستجاب له بعض ضعاف النفوس وأهل الأهواء.

سيطر الثائرون وأهل الفتنة على المدينة المنورة، وكانوا نحو عشرة آلاف من البصرة والكوفة ومصر، وبقيت الأمة بغير خليفة يدبر لها أمورها، وظل "الغافقي بن حرب" وهو من زعماء الفتنة يصلي بالناس إماما في مسجد النبي (صلي الله عليه وسلم) عدة أيام قبل أن يختار الناس خليفتهم، وأصبح الناس في حيرة من أمرهم.

وفي هذا الموقف العصيب لم يكن هناك من الصحابة من هو أجدر لمنصب الخلافة الراشدة من علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)؛ فهو أقدمهم سابقة في الإسلام، وأشدهم بأسا وشجاعة، وأكثرهم علما وفقها، وأبلغهم لسانا وبيانا؛ فاتجهت إليه الأنظار، وتعلقت به القلوب والآمال ليحمل مسئولية الأمة وقيادة الركب في هذه الفتنة الهوجاء والمحنة القاسية التي ألمت بالمسلمين، فقبل المنصب، وتحمل تبعاته بشجاعة واحتساب صادق، وتمت البيعة المباركة في اليوم (25 من ذي الحجة 35هـ = 24 من يونيو 656م).

المهمة الصعبة

تولى علي بن أبي طالب الخلافة ودم سلفه العظيم عثمان بن عفان لم يجف بعد، وقاتِلوه لا يزالون بالمدينة، وعليه أن يقتص من قتلة عثمان ويعيد للخلافة هيبتها، وكان ذلك مطلبا عاما؛ فذهب إليه طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام يطلبان منه أن يقيم حد القصاص على قتلة عثمان، فأجابهما بأن الأمر يحتاج إلى تمهل وتأنٍ؛ فالذين قاموا بالقتل عدد قليل، ولكن وراءهم عشرة آلاف يملئون المدينة قد خدعوا بهم، وهم مستعدون للدفاع عنهم؛ ولذلك عندما كانوا يسمعون قائلا يقول: من قتل عثمان؟ كانوا يجيبون في صيحة واحدة نحن جميعا قتلناه، فاقتنع الصحابيان الجليلان بما قاله علي بن أبي طالب لهما.

وكانت الخطوة التي أقدم عليها أمير المؤمنين "علي" هي عزل كل الولاة الكبار الذين كانوا على عهد عثمان (رضي الله عنه) حتى تهدأ الفتنة وتستقر الأمور، وكان هؤلاء الولاة قد اتخذهم أهل الفتنة والثورة ذريعة للطعن على عثمان بن عفان، والخروج عليه، واتهامه ظلما وبهتانا بمحاباتهم ومجاملتهم؛ فعزل "معاوية بن أبي سفيان" عن ولاية الشام، و"عبد الله بن سعد بن أبي السرح" عن ولاية مصر، و"عبد الله بن عامر" عن ولاية البصرة، و"أبا موسى الأشعري" عن ولاية الكوفة.

أصداء القرارات الصعبة

وهذا القرار الأخير راجعه فيه ابن عمه عبد الله بن عباس؛ لا اعتراضا على القرار الذي هو من حق الخليفة في أن يعين من يراه جديرا بتحمل المسئولية، والقيام بأمر الولاية التي يتولاها على خير وجه، وأن يكون هناك تنسيق بين الخليفة وأمرائه في الولايات، ولكن لأن الأوضاع العامة لا تزال مضطربة، والنفوس مشتعلة، والفتنة قائمة تحتاج إلى وقت حتى تهدأ.

ولذا اقترح عليه ابن عباس أن يرجئ تنفيذ هذا القرار فترة ولو لمدة سنة، أو يعزل من يشاء من الولاة، ويبقي معاوية على ولاية الشام؛ لأن معاوية لم يكن محل شكوى الثائرين، ولم يشترك أهل الشام في الفتنة، ولكن الإمام علي أصر على تنفيذ القرار؛ محتجا بأن الثائرين إنما ثاروا غضبا من ولاة عثمان، ولن تهدأ ثورتهم ما لم يُعزلوا، وكان من أثر ذلك أن الولاة الجدد تسلموا مهامهم خلفا لولاة عثمان، في الوقت الذي رفض معاوية بن أبي سفيان أن ينفذ القرار، ومنع دخول "سهل بن حنيف" الوالي الجديد إلى الشام من قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

دارت رسائل ومخاطبات بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان حول هذا الشأن؛ الأول يطلب من الآخر أن يبايعه بالخلافة، وأن يذعن لأوامره باعتباره الخليفة الشرعي المبايَع من كبار الصحابة. على حين يطالب معاوية من الخليفة أن يقتص من قتلة عثمان باعتباره ولي دمه؛ لأنه ابن عمه قبل أن يبايعه بالخلافة.

وقد ظل الأمر على هذا النحو شهرين من خلافة علي، والرسائل تدور بينهما دون أن تحقق نتيجة مرضية؛ حتى فوجئ الإمام علي بن أبي طالب برسالة من معاوية تتضمن عبارة واحدة "من معاوية إلى علي"؛ وهو ما يعني أن معاوية لم يقر بخلافة علي بن أبي طالب، وأنه مُصر على موقفه؛ إذ لم يصفه بأمير المؤمنين، وأدرك علي (رضي الله عنه) أن حمل معاوية على البيعة لن يكون إلا بالقوة؛ فاستعد لذلك، وإن كانت هذه الخطوة نصحه في عدم الإقدام عليها بعض الصحابة، ومنهم ابنه "الحسن بن علي" (رضي الله عنه).

موقعة الجمل

وفي الوقت الذي أخذ فيه الإمام علي بن أبي طالب يجهز للخروج إلى الشام، جاءه ما لم يكن يتوقع؛ فقد كانت أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) قد أدت فريضة الحج، فسمعت وهي في طريقها إلى المدينة بنبأ مقتل عثمان، فغضبت لهذه الجريمة البشعة، وقفلت راجعة إلى مكة، وأخذت تردد: "قتل والله عثمان مظلوما، لأطلبن بدمه".

وفي مكة التقت بطلحة والزبير وبعض بني أمية من قوم عثمان، واتفقوا جميعا على تجهيز جيش للأخذ بالقصاص من قتلة عثمان، واتجهوا إلى البصرة؛ باعتبارها أقرب بلد من البلاد التي اشترك أهلها في الفتنة والخروج على عثمان (رضي الله عنه).

وصلت هذه الأنباء إلى علي بن أبي طالب؛ فاضطر إلى تغيير خطته بالذهاب إلى البصرة لا إلى الشام قبل أن يصل جيش عائشة ومن معها إلى البصرة، لكنها كانت أسبق منه في الوصول إليها، غير أن والي البصرة "عثمان بن حنيف" أصر على منعهم من دخول البصرة، ودارت معركة صغيرة قتل فيها نحو 600 من الفريقين؛ فارتاعوا من كثرة القتلى، وتنادوا إلى السلم وعقد الصلح وانتظار قدوم الإمام علي إلى البصرة.

وصل الإمام علي إلى البصرة، وعلم بما حدث من سفك الدماء؛ فأرسل رسولا إلى معسكر السيدة عائشة لبحث الأمر، وكانت النيات حسنة تبغي الإصلاح؛ فاتفقوا على الصلح، وتجديد البيعة للإمام علي بن أبي طالب.

غير أن أنصار الفتنة ساءهم هذا الاتجاه، وأدركوا أن الصلح بين الفريقين لا يتفق وأهدافهم، وسيجعل علي يقوى بانضمام الفريق الآخر إليه، ويجعله قادرا على إقامة الحد عليهم باعتبارهم قتلة عثمان؛ ولذا سارع زعيم الفتنة "عبد الله بن سبأ" و"الأشتر النخعي" ولم يكن لعلي حيلة في وجودهم في معسكره، ولا يقدر على منعهم؛ لكونهم قوة كبيرة تساندهم عصبيات قبلية؛ مما ضعف من صلابة جيش علي ووحدته، وأثار الفُرقة والانقسام فيه فيما بعد.

وتلخص اقتراح ابن سبأ في أن يشنوا غارة بدون علم الإمام علي في جنح الليل على جيش عائشة، وهم نائمون؛ فقام أتباعه بتنفيذ اقتراحه، وكان هذا مقدمة لحرب "الجمل" التي راح ضحيتها اثنان من خيرة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- هما طلحة والزبير (رضي الله عنهما)، ونحو 20 ألفا من المسلمين.

والحقيقة أن الصحابة الكرام لم يكونوا راغبين في إراقة الدماء، ولا يمكن أن يقع ذلك منهم، وقد رأينا رغبتهم في الصلح وحقن الدماء لولا أن أتباع ابن سبأ أفسدوا كل شيء، وأشعلوا الحرب بعد أن قتلوا عثمان بن عفان.

وبعد المعركة أسند علي ولاية البصرة إلى عبد الله بن عباس، وانصرف إلى الكوفة ليستعد لإخضاع معاوية بن أبي سفيان أمير الشام الذي أعلن المعارضة من دون الولاة، وحاول الخليفة أن يحسم الأمر بالحسنى والسلم، لكن المفاوضة بينهما لم تصل إلى حل يحقن الدماء لإصرار معاوية على مطلبه بتسليم قتلة عثمان ليقتلوا به، ثم يكون الأمر للأمة إن شاءت اختارت عليا وإن شاءت رفضت بيعته.

معركة صفين

بعد وقعة الجمل استعد على بن أبي طالب لمحاربة معاوية، وتحرك بجيشه الكبير الذي يبلغ عدده 100 ألف إلى صفين، وهو سهل يقع على الجانب الغربي لنهر الفرات شمال بلدة الرقة، وفي الوقت نفسه استعد معاوية لهذه المعركة الحاسمة بجيش يقترب من جيش علي، وقبل المعركة دارت مراسلات بينهما بلغت أكثر من شهر ما بين أواخر شهر ذي الحجة سنة 36 هـ إلى بداية شهر المحرم 37هـ، لكنها لم تؤدِّ إلى نتيجة، وفي غرة صفر من عام 37هـ اشتعلت الحرب بين الفريقين، وظلت 10 أيام متصلة قتل خلالها الآلاف من المسلمين، واشتد الخطب على الفريقين، ووقعت الخسائر الضخمة في جانب جيش معاوية، وأصبحت هزيمتهم قاب قوسين أو أدنى، وعند ذلك رأى معاوية أن يضع حدا لهذا الأمر، فطلب من "عمرو بن العاص" الرأي والمشورة؛ حتى يمكن الإبقاء على البقية من أبطال الإسلام الذين هزموا فارس والروم فأشار عمرو بطلب التحكيم.

رفع المصاحف

أصدر معاوية إلى كبار رجاله بأن يرفع كل منهم مصحفا على رمحه، إشارة إلى الاحتكام إليه، وارتفعت صيحة في جيشه تقول: كتاب الله بيننا وبينكم، مَن لثغور الشام بعد أهل الشام؟ ومَن لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفار؟ ورُفع في جيش معاوية نحو 500 مصحف.

توقفت الحرب، وارتضى الطرفان أن يعودا إلى الحكمة وتحكيم القرآن بينهما، وأناب كل واحد منهما شخصا ينيب عنه، ويتفاوض باسمه في القضايا محل الخلاف؛ فأناب "علي" أبا موسى الأشعري، وأناب "معاوية" عمرو بن العاص، وعقد لذلك وثيقة كُتبت في يوم الأربعاء الموافق (13 من صفر سنة 37هـ = 1من أغسطس 657م) عُرفت بوثيقة التحكيم.

وجعلت الوثيقة شهر رمضان من سنة 37هـ أقصى مدة لإعلان قرار التحكيم، إلا إذا رأى الحكمان مد المدة، وفي "دومة الجندل" اجتمع الحكمان، وبعد مباحثات طويلة وصلا إلى نتيجة ظنا أنها أفضل الحلول، وهي عزل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) من الخلافة، ورد الأمر إلى الأمة تختار من تشاء على أن تبقى البلاد تحت المتخاصمين في يديهما؛ فتبقى البلاد التي تحت حكم علي، وهي الدولة الإسلامية عدا الشام في يده، ويتصرف معاوية في حكم الشام التي تحت يديه.

رفض الإمام علي بن أبي طالب هذه النتيجة؛ لأن الخلاف لم يكن قائما على منصب الخلافة، وإنما على إقامة الحد على قتلة عثمان، وعلى بيعة معاوية لعلي بن أبي طالب.. وتطورت الأحداث بعد ذلك، وانقسم جيش "علي" على نفسه، وظهرت فرقة "الخوارج" الذين انشقوا عليه، واضطر علي لمحاربتهم؛ مما أضعف جبهته، واستنفد كثيرا من جهده، وشاءت الأقدار أن تكون نهايته على يد واحد من الخوارج؛ فاستشهد في (17 من رمضان سنة 40 هـ = 26 من يناير سنة 661)..

Matador
13-02-2008, 05:34 PM
الحملة الصليبية السابعة.. مقاومة شعبية وهزيمة مخزية


كانت الفكرة السائدة في أوروبا منذ أواسط القرن الثاني عشر الميلادي أن مصر ما دامت على قوتها وبأسها فلا سبيل إلى نجاح الحملات الصليبية واسترداد بيت المقدس من المسلمين الذين نجحوا في استعادته من الصليبين مرة ثانية سنة (642هـ= 1244م) على يد الملك الصالح أيوب.

كان هذا هو السبب الذي أدى إلى قيام الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع على مصر، تلك الحملة التي استعد لها الغرب المسيحي بالتنسيق بين البابا أنوسنت الرابع والملك الفرنسي لويس التاسع، وشهد مجمع ليون الديني الدعوة لها سنة (646هـ= 1248م).

تحالف لم يتم

ولم يكن هدف تلك الحلمة إعادة الاستيلاء على بيت المقدس، أو ضرب مصر باعتبارها قاعدة حربية هامة فحسب، وإنما استهدفت أيضا هدفا بعيد المنال، يتمثل في تكوين حلف مسيحي وثني بين الصليبيين والمغول، يهدم الدولة الأيوبية في مصر والشام من ناحية، ويطوق العالم الإسلامي ويحيط به من الشرق والغرب من ناحية أخرى.

وكانت الخطة البابوية تقوم على أساس أن تهاجم الحملة الصليبية المنطقة العربية من سواحل البحر المتوسط، وأن تبدأ برنامجها العسكري باحتلال دمياط أهم موانئ الحوض الشرقي للبحر المتوسط آنذاك، وفي الوقت نفسه تتقدم القوات المغولية من ناحية الشرق لتشن هجومها على المنطقة، وكانت القوات المغولية البربرية قد نجحت في اجتياح الجانب الشرقي من العالم الإسلامي.

أرسل البابا أنوسنت الرابع سفارتين إلى المغول لتحقيق هذا الغرض، غير أنهما لم يكللا بالنجاح، فقد كان لخان المغول الأعظم رأي آخر، إذ أرسل إلى البابا يطلب منه أن يعترف له بالسيادة، ويعلن خضوعه له هو وملوك أوروبا، بل طالبه بأن يأتي إلى بلاطه جميع ملوك أوروبا لتقديم الجزية باعتباره الخان الأعظم للتتر وسيد العالم بأسره.

لم يغير فشل مشروع التحالف الصليبي المغولي من الأمر شيئا، فأبحرت الحملة الصليبية في خريف سنة (646هـ= 1248م) من ميناء مرسيليا الفرنسي إلى جزيرة قبرص، وظلت هناك فترة من الوقت، ثم أقلعت منها في ربيع العام التالي (647هـ= 1249م) وأبحرت تجاه الشواطئ المصرية بعد أن استعدت جيدا، وبلغ عدد رجالها نحو خمسين ألف جندي، في مقدمتهم أخوا الملك الفرنسي: شارل دي أنجو، وروبرت دي أرتو.

استعداد وتجهيزات

علم الصالح أيوب بأنباء تلك الحملة وهو في بلاد الشام، وترامى إليه تجمع الحشود الصليبية في قبرص، واستعدادها لغزو مصر والاستيلاء عليها؛ فرجع إلى مصر على الرغم من مرضه، وبدأ في ترتيب أوضاعه العسكرية.

وتحكي المصادر التاريخية الإسلامية أن أخبار تلك الحملة بلغت السلطان الصالح أيوب عن طريق إمبراطور ألمانيا "فردريك الثاني"، وكانت تربطه صداقة بالأيوبيين، فأرسل رسولا من قبله تنكّر في زي تاجر ليحذر الملك الصالح من تلك الحملة.

ولما علم الصالح أيوب أن مدينة دمياط سوف تكون طريق الصليبيين المفضل لغزو مصر عسكر بجيوشه جنوبها في بلدي "أشموم طناح" التي تسمى الآن "أشمون الرمان" بمركز دكرنس التابع لمحافظة الدقهلية -شمال مصر- وأمر بتحصين المدينة وأرسل إليها جيشا بقيادة الأمير "فخر الدين يوسف"، وأمره أن يعسكر بساحلها الغربي، ليحول دون نزول العدو إلى الشاطئ، فنزل هناك تجاه المدينة وأصبح النيل بينه وبينها.

وصل الأسطول الصليبي إلى المياه المصرية أمام دمياط (20 من صفر 647هـ= من يونيو 1249م) وفي اليوم التالي نزل الصليبيون إلى البر الغربي للنيل، ووقعت بينهم وبين المسلمين مناوشات انسحب بعدها الأمير فخر الدين وقواته المكلفة بحماية المدينة إلى المعسكر السلطاني بأشموم طناح.

ولما رأى أهالي دمياط انسحاب الحامية فروا خائفين مذعورين، تاركين الجسر الذي يصل بين البر الغربي ودمياط قائما، فعبر عليه الصليبيون واحتلوا المدينة بسهولة، وهكذا سقطت دمياط في أيدي القوات الحملة الصليبية السابعة دون قتال.

استقبل الصالح أيوب أنباء سقوط دمياط بمزيج من الألم والغضب، فأمر بنقل عدد من الفرسان الهاربين، وأنّب الأمير فخر الدين على تهاونه وضعفه، واضطر إلى نقل معسكره إلى مدينة المنصورة، ورابطت السفن الحربية في النيل تجاه المدينة، وتوافد على المدينة أفواج من المجاهدين الذين نزحوا من بلاد الشام والمغرب الإسلامي.

واقتصر الأمر على الغارات التي يشنها الفدائيون المسلمون على معسكر الصليبيين واختطاف كل من تصل إليه أيديهم، وابتكروا لذلك وسائل تثير الدهشة والإعجاب، من ذلك أن مجاهدا من المسلمين قوّر بطيخة خضراء، وأدخل رأسه فيها ثم غطس في الماء إلى أن اقترب من معسكر الصليبيين فظنه بعضهم بطيخة عائمة في الماء، فلما نزل لأخذها خطفه الفدائي المسلم وأتى به أسيرا. وتعددت مواكب أسرى الصليبيين في شوارع القاهرة على نحو زاد من حماسة الناس، ورفع معنويات المقاتلين إلى السماء.

وفي الوقت نفسه قامت البحرية المصرية بحصار قوات الحملة وقطع خطوط إمدادها في فرع دمياط. استمر هذا الوضع ستة أشهر منذ قدوم الحملة، ولويس التاسع ينتظر في دمياط قدوم أخيه الثالث كونت دي بواتيه، فلما حضر عقد الملك مجلسا للحرب لوضع خطة الزحف، واستقروا فيه على الزحف صوب القاهرة؛ فخرجت قواتهم من دمياط في يوم السبت الموافق (12 من شعبان 647هـ= 20 من نوفمبر 1249م) وسارت سفنهم بحذائهم في فرع النيل، وبقيت في دمياط حامية صليبية.

وفاة الملك الصالح

وفي الوقت الذي تحركت فيه الحملة الصليبية توفي الملك الصالح أيوب في ليلة (النصف من شعبان سنة 647هـ= 22 من نوفمبر 1249م) فقامت زوجته شجرة الدر بتدبير شئون الدولة بعد أن أخفت خبر موته؛ خوفا من حدوث فتنة بين صفوف المسلمين. وفي الوقت نفسه أرسلت إلى توران شاه ابن زوجها وولي عهده تحثه على مغادرة حصن كيفا، بالقرب من حدود العراق، وعلى سرعة القدوم إلى مصر ليعتلي عرش البلاد خلفا لأبيه.

تسربت أنباء وفاة الملك الصالح أيوب إلى الصليبيين فبدءوا في التحرك، وتركوا دمياط، وزحفوا جنوبا على شاطئ النيل الشرقي لفرع دمياط، وسفنهم تسير حذاءهم في النيل، حتى وصلوا إلى بحر أو قناة أشموم المعروف اليوم باسم "البحر الصغير"، فصار على يمينهم فرع النيل، وأمامهم قناة أشموم التي تفصلهم عن معسكرات المسلمين القائمة عند مدينة المنصورة.

وتعين على الصليبيين لمواصلة الزحف أن يعبروا فرع دمياط أو قناة أشموم فاختار لويس التاسع القناة، فعبرها بمساعدة بعض الخونة، ولم يشعر المسلمون إلا والصليبيون يقتحمون معسكرهم، فانتشر الذعر بين الجند المصريين، واقتحم الصليبيون بقيادة "روبرت أرتوا" أحد أبواب المنصورة، ونجحوا في دخول المدينة وأخذوا يقتلون المصريين يمينا وشمالا حتى وصلت طلائعهم إلى أبواب قصر السلطان نفسه، وانتشروا في أزقة المدينة، حيث أخذ الناس يرمونهم بالأحجار والطوب والأسهم.

وبينما هم على هذا الحال ظانين أن النصر صار بين أيديهم حقيقة لا خيالا واطمأنت نفوسهم إلى هذا النجاح والظفر، انقض المماليك البحرية بقيادة "بيبرس البندقداري" على الصليبيين وهم في نشوتهم وغرورهم وذلك في (4 من ذي القعدة 647هـ= 8 من فبراير 1250م)، فانقلب نصرهم إلى هزيمة، وأوسعهم المماليك قتلا حتى أهلكوهم عن آخرهم تقريبا بما في ذلك الكونت أرتوا نفسه.

وفي اليوم التالي لمعركة المنصورة عقد الأمير فارس الدين أقطاي القائد العام للجيش المصري مجلس الحرب، عرض فيه على ضباطه معطف الكونت أرتوا ظنا منه أنها سترة الملك، وأعلن أن مقتل الملك يتطلب مهاجمة الصليبيين على الفور، مبررا ذلك بقوله: "إن شعبا بدون ملك جسم بلا رأس، لا يُخشى منه خطر، وعلى ذلك أعلن أنه سيهاجم الجيش الصليبي بلا تردد".

وفي فجر يوم الجمعة (8 من ذي القعدة 647هـ= 11 من فبراير 1250م) بدأ الجيش المصري هجومه على معسكر الفرنج، لكن الملك لويس تمكن من الثبات بعد أن تكبد خسائر فادحة، وبذلك انتهت معركة المنصورة الثانية، وهي المعركة التي أيقن الصليبيون بعدها أنهم لن يستطيعوا البقاء في مراكزهم، وأن عليهم الانسحاب إلى دمياط قبل فوات الأوان.

توران شاه وخطته

لم تمض أيام بعد هذه المعركة حتى وصل توران شاه في (23 من ذي القعدة 674هـ= 27 من فبراير 1250م) وتولى قيادة الجيش، وأخذ في إعداد خطة لإجبار الملك لويس التاسع على التسليم، بقطع خط الرجعة على الفرنسيين، فأمر بنقل عدة سفن مفككة على ظهور الجمال وإنزالها خلف الخطوط الصليبية في النيل.

بهذه الوسيلة تمكنت الأساطيل المصرية من مهاجمة السفن الصليبية المحملة بالمؤن والأقوات، والاستيلاء عليها وأسر من فيها، وأدى هذا إلى سوء الحال بالفرنسيين، وحلول المجاعة بمعسكرهم وتفشي الأمراض والأوبئة بين الجنود، فطلب لويس التاسع الهدنة وتسليم دمياط مقابل أن يأخذ الصليبيون بيت المقدس وبعض بلاد ساحل الشام ، فرفض المصريون ذلك وأصروا على مواصلة الجهاد.

لم يجد الصليبيون بدًا من الانسحاب إلى دمياط تحت جنح الظلام، وأمر الملك بإزالة جسر قناة أشموم، غير أنهم تعجلوا أمرهم، فسهوا عن قطع الجسر، فعبره المصريون في الحال، وتعقبوا الصليبيين، وطاردوهم حتى فارسكور، وأحدقوا بهم من كل جانب، وانقضوا عليهم انقضاض الصاعقة، وذلك في يوم (الأربعاء الموافق 3 من المحرم سنة 648هـ= إبريل 1250م) وقتلوا منهم أكثر من عشرة آلاف، وأُسر عشرات الألوف، وكان من بين الأسرى أنفسهم الملك لويس التاسع نفسه، حيث تم أسره في قرية "منية عبد الله" شمال مدينة المنصورة، وتم نقله إلى دار القاضي فخر الدين بن لقمان، حيث بقي سجينا فترة من الزمان.

ومهد هذا الانتصار للمماليك البحرية الذين أبلوا بلاء حسنا في مقاومة تلك الحملة أن يقيموا دولتهم على أنقاض دولة الأيوبيين في مصر؛ فلم يكد يمضي شهر من تحقيق هذا النصر حتى تخلص المماليك من توران شاه بالقتل، وأقاموا شجرة الدر سلطانة على مصر، وكان ذلك إيذانا ببزوغ عصر دولة سلاطين المماليك في مصر والشام.

Matador
13-02-2008, 05:38 PM
الصالح أيوب.. وحطين الثانية


بعد وفاة السلطان الكامل محمد سنة (635هـ= 1238م) تعرضت الدولة الأيوبية في مصر والشام لخطر الانقسام والفوضى، فاستولى الصالح نجم الدين أيوب على دمشق سنة (636هـ = 1239م)، وكان هذا إيذانًا بدخوله في صراع مع أخيه السلطان العادل الصغير بن الكامل الذي خلف أباه على حكم مصر والشام، واستعان كل منهما بأنصار من البيت الأيوبي للوقوف في وجه الآخر، وفي غمرة الصراع قفز عمهما الصالح إسماعيل على "دمشق" واستولى عليها، وطرد الصالح أيوب منها، الذي شاء له القدر أن يقع في قبضة الناصر داود صاحب الأردن والكرك، ثم لم يلبث أن أفرج عنه، واتفقا معًا على القيام بحملة عسكرية على مصر والاستيلاء عليها من قبضة العادل الصغير.

ولاية الصالح أيوب

كانت الظروف مهيأة تمامًا لنجاح حملة الصالح أيوب؛ فكبار أمراء العادل الصغير مستاءون منه لاحتجابه عنهم، وانشغاله باللهو واللعب عن تدبر شئون الدولة؛ فقبضوا على سلطانهم اللاهي واستدعوا أخاه الصالح أيوب لتولي مقاليد البلاد الذي دخل القاهرة في (25 ذي الحجة 637هـ= 17 يوليو 1238م) وجلس على عرشها، واستأثر بها دون الناصر داود.

ولم يرض هذا الموقف الصالح إسماعيل صاحب دمشق، واستشعر الخطر بعد أن نمى إليه أن الصالح أيوب أراد أن يرضي حليفه الناصر داود صاحب الكرك، فاتفق معه على أن يساعده في الحصول على دمشق من الصالح إسماعيل الذي لم يجد قوة تقف إلى جانبه، فسارع إلى التحالف مع الصليبيين ضد الصالح أيوب في مصر والناصر داود في الأردن، وكان ثمن هذا التحالف غاليًا، تعهد فيه بأن يعيد بيت المقدس إلى الصليبيين، ورجوع مملكة بيت المقدس إلى ما كانت عليه قديمًا قبل صلاح الدين.

ولم يضع الصالح إسماعيل وقتًا وقرن عرض الخيانة بالعمل، فبادر إلى تسليم بيت المقدس إلى الصليبيين ومعها طبرية وعسقلان وعدد من قلاع الشام التي كانت بأيدي المسلمين، وأثار هذا التصرف الأحمق غضب المسلمين ونقمتهم في مصر والشام وسائر أنحاء العالم الإسلامي ورفضت حاميات بعض القلاع تسليم الحصون والقلاع، وهو ما دفع الصالح إسماعيل إلى القيام بحملات لتأديب تلك الحاميات لرفضها تنفيذ أوامره، وكانت فرحة الصليبيين طاغية من هذا العمل الذي جاءهم دون أن يضربوا فيه سيفًا أو يخسروا نفسًا، وحصنوا قلعتي طبرية وعسقلان، ورابطوا ما بين يافا وعسقلان.

ضرب تحالف الخيانة

ولكي يغري الصالح إسماعيل جموع الصليبيين على الاستمرار في التحالف وعدهم أن يعطيهم جزءًا من مصر إن ملكها؛ فانطلقوا إلى غزة عازمين غزو مصر، وحضر لمعاونتهم في غزو مصر جيش الصالح إسماعيل، وجيش الملك المنصور إبراهيم الأيوبي صاحب حمص، غير أن القوات الإسلامية كان لها رأي آخر غير رأي قادتها السفهاء، فانضمت إلى الجيش المصري وأبت أن تقاتل إخوانها المسلمين، وكان لهذه الخطوة أثرها؛ فحلت الهزيمة بالصليبين حين تقابل الفريقان، وقتل منهم أعداد كبيرة وسيق الأسرى إلى القاهرة. واضطر الصليبيون إلى عقد الصلح مع سلطان مصر، وإن ظلت بأيديهم بيت المقدس وبعض القلاع التي تنازل عنها الصالح إسماعيل.

استرداد بيت المقدس

ثم لم يلبث أن نشب النزاع مرة أخرى بين الصالحين إسماعيل ونجم الدين أيوب، ووقف الناصر داود هذه المرة مع الصالح إسماعيل، واتفقا على الاستعانة بالصليبيين ضد إخوانهم المسلمين، ولم يجد الصالح أيوب قوة تقف إلى جواره غير "الخوارزمية" الذين تفرقت بهم السبل بعد انهيار دولتهم ومقتل سلطانهم جلال الدين خوارزم شاه، فاستجابوا لدعوته، وقدموا بأعداد كبيرة إلى الشام، واتجهوا إلى دمشق فوجدوها قوية التحصين فتركوها، واستولوا على طبرية ونابلس، وواصلوا سيرهم حتى دخلوا مدينة بيت المقدس في (3 صفر 642هـ= 11 يوليو 1244م) واستولوا عليها دون مقاومة، وكانت هذه آخر مرة يسترد فيها المسلمون بيت المقدس في عصر الحروب الصليبية، وظلت بأيدي المسلمين حتى سقطت في قبضة اليهود في عصرنا الحديث، وهي تنتظر الآن من يفك أسرها ويعيدها إلى حظيرة المسلمين، وندعو الله ألا يطول الانتظار ويعين من يعمل على عودتها.

حطين الثانية

وبعد أن استرد الخوارزميون بيت المقدس واصلوا سيرهم إلى "غزة" واجتمعوا مع الجيش المصري الذي أرسله الصالح أيوب لمحاربة قوات الشام ومن ناصرها من القوات الصليبية، وتقابل الفريقان في معركة غزة في (جمادى الأولى 642هـ = أكتوبر 1244م)، وكان اللقاء رهيبًا، حلت الهزيمة بالصليبيين، وقدرت خسائرهم بثلاثين ألف قتيل وثمانمائة أسير، وكانت هذه الهزيمة أضخم كارثة حلت بالصليبيين بعد معركة حطين سنة (583هـ= 1187م)، وبلغ من أثرها أن أطلق عليها "حطين الثانية".

ولم يلبث أن انفصل الجيش المصري عن الخوارزميين الذين سمح لهم "الصالح أيوب" بالاستقرار في الشام على حساب الصليبيين، وواصل سيره، فأخذ القدس والخليل ودمشق وغيرها، ثم نازل الصليبيين، ونجح في استرداد قلعة طبرية (645هـ= 1247م)، ثم استولى على عسقلان في العام نفسه، وبذلك نجح الصالح أيوب في توحيد مصر والشام تحت سلطانه بعد أن أصبحت القاهرة ودمشق وبيت المقدس في قبضة يده، ووفد عليه في دمشق ملوك البيت الأيوبي الشام لتقديم فروض الولاء والطاعة.

الحملة الصليبية السابعة

أثار استرداد المسلمين بيت المقدس حفيظة الغرب الأوروبي، وارتفعت الأصوات هناك تدعو إلى ضرورة إرسال حملة صليبية جديدة إلى مصر بعد أن ساد الاعتقاد هناك أن مصر ما دامت على قوتها وبأسها فلا سبيل إلى نجاح الحملات الصليبية واستعادة بيت المقدس من أيدي المسلمين، واستجاب لهذه الصيحات الغاضبة "لويس التاسع" ملك فرنسا؛ تحقيقًا لرغبة البابا "أنوسنت الرابع" واستجابة لندائه.

وعلم الصالح أيوب بأنباء تلك الحملة وهو في بلاد الشام، وترامى إليه تجمع الحشود الصليبية في قبرص التي تضم خمسين ألف جندي، وتذكر المصادر التاريخية أن فردريك الثاني إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة، وكانت تربطه صداقة وطيدة بالأيوبيين، هو الذي أرسل رسولاً من قبله تنكر في زي تاجر ليحذر الصالح أيوب من تلك الحملة.

وكان السلطان الصالح أيوب حين ترامت إليه هذه الأنباء مريضًا، فحُمل في محفة إلى مصر، وعسكر بجيوشه جنوبي دمياط عند بلدة أشموم طناح التي تسمى الآن أشمون الرمان بمركز دكرنس التابع لمحافظة الدقهلية، وأمر بتحصين دمياط، وأرسل إليها قوة كبيرة بقيادة الأمير فخر الدين يوسف، وأمره أن يعسكر بالبر الغربي لفرع دمياط، ليحول دون نزول العدو إلى الشاطئ، فنزل هناك تجاه المدينة، وأصبح النيل بينه وبينها.

وصل الأسطول الفرنسي إلى المياه المصرية أمام دمياط في (20 صفر 647هـ= 4 يونيو 1249م)، وفي اليوم التالي نشبت معركة حامية على شاطئ البحر؛ لمنع الصليبيين من النزول إلى البر على الضفة الغربية من النهر، غير أن الأمير فخر الدين انسحب بجنوده المكلفين بحماية المدينة إلى المعسكر السلطاني بأشموم طناح، ولما رأى أهالي دمياط انسحاب الحامية فروا مذعورين تاركين الجسر الذي يصل بين البر الغربي ودمياط قائمًا، فعبر عليه الصليبيون واحتلوا المدينة بسهولة، وهكذا سقطت دمياط في أيدي الصليبيين.

ولما استقبل الصالح أيوب هذه الأنباء غضب غضبًا شديدًا، وأنب الأمير فخر الدين على تهاونه وضعفه، واضطر إلى نقل معسكره إلى مدينة المنصورة، واستمر وهو على فراش المرض ينظم شئون جيشه، في الوقت الذي مكث فيها لويس التاسع في دمياط دون أن يواصل زحفه إلى القاهرة، ولما تحركت قواتهم من دمياط توفي الصالح أيوب في يوم السبت الموافق (12 شعبان 647هـ= 20 نوفمبر 1249م)، وواصلت سيرها في فرع النيل توفي الصالح أيوب في ليلة النصف من شعبان (647هـ=23 من نوفمبر 1249م) فقامت زوجته شجرة الدر بتدبير شئون الدولة بعد أن أخفت خبر وفاته حتى لا تحدث فتنة بين صفوف المسلمين، حتى قدم ابنه توران شاه وتولى قيادة الجيش، وتمكن من تحقيق النصر بمعاونة مماليك أبيه.

شخصية الصالح أيوب

اشتهر الصالح أيوب بأنه كان مهيبًا عزيز النفس، كثير الصمت، شديد الميل إلى العزلة، على قدر من الكفاية والتدبير والهمة العالية، غير أنه كان ذا سطوة على أصحابه من أمراء دولته متعاظمًا عليهم، ويعده بعد المؤرخين أنه أعظم سلاطين الأيوبيين بعد صلاح الدين.

والصالح أيوب هو أول من أكثر شراء المماليك الترك، وجعلهم أمراء دولته وأهم عناصر جيشه، وألف منهم حرسه والمحيطين به، ومن أجلهم شيد قلعة الروضة على النيل، فاستمدوا منه اسمهم الذي عرفوا به "المماليك البحرية" الذين أقاموا دولتهم بعد مقتل ابنه توران شاه.

ويذكر المؤرخون أنه كان يميل إلى تشييد العمائر والمباني؛ فأقام في مصر مدينة عسكرية أطلق عليها اسم الصالحية، تقع على طرف الصحراء التي تفصل مصر عن الشام، وصارت مركزًا لحشد الجند، وشيد قصورًا عديدة، لكن لم يبق منها شيء.

على أن أثرًا واحدًا من آثار هذا السلطان لا يزال جانب منه قائمًا، هو مدرسته المعروفة بالصالحية، وهي أول مدرسة تجمع بين مذاهب السنة الأربعة، وشيد بها مقبرته.

Matador
13-02-2008, 05:48 PM
معركة تولوز.. أمل لم يتحقق


توفي سليمان بن عبد الملك في (العاشر من صفر سنة 99هـ = 22 من سبتمبر 717م) وخلفه ابن عمه عمر بن عبد العزيز، فبدأت بلاد الأندلس في خلافته عهدا جديدا؛ حيث جعلها تابعة له مباشرة، شأنها في ذلك شأن بعض الولايات الإسلامية الأخرى، وكانت الأندلس من قبل تابعة لولاية إفريقية، واختار لها واحدا من الرجال الصالحين الأكْفاء القادرين على النهوض بمسئولياتهم في إيمان ونزاهة. وكان الخليفة العادل حريصا على ذلك أيما حرص؛ فكانت أمور المسلمين شغله الشاغل.

وكان ذلك الوالي الكفء الذي اختاره الخليفة لولاية الأندلس هو "السمح بن مالك الخولاني"، تخيّره الخليفة لأمانته وكفاءته وإخلاصه. وتذكر الروايات التاريخية أن من عادة خلفاء بني أمية أنهم كانوا لا يدخلون خزائن بيت المال شيئا مما يرسله ولاتهم من أموال الخراج إلا إذا شهد 10 من عُدُول الجند في الولاية بأن هذا المال هو المستصفى الحلال لبيت المال، بعد دفع أعطيات الجند والإنفاق على مصالح الولاية وشئونها؛ فلما أقبلت أموال ولاية إفريقية في أحد أعوام خلافة سليمان، كان يصحبها 10 من العدول الذين اختارهم الوالي، وكان فيهم إسماعيل بن عبيد الله، والسمح بن مالك، فلما طلب الخليفة شهادتهم حلف 8 بصحة هذا المال، ورفض الرجلان أن يحلفا على ذلك. وكان عمر بن عبد العزيز حاضرا هذه الجلسة، فأعجب بنزاهة الرجلين وشجاعتهما، فلما ولي الخلافة استعان بهما في إدارة ولايات دولته.

ولاية السمح بن مالك

ولم يقدم الخليفة عمر بن عبد العزيز على النظر في شئون المغرب والأندلس إلا بعد مضي أكثر من عام من خلافته؛ فقد شغلته أمور الدولة الأخرى عن متابعة ما يجري في الأندلس، وكان يفكّر في إرجاع المسلمين من الأندلس وإخلائهم منها؛ فكان يخشى تغلّب العدو عليهم لانقطاعهم من وراء البحر عن المسلمين.

غير أن هذه الفكرة تبددت لديه، وعزم على إصلاح أمور الأندلس حديثة العهد بالإسلام، فاختار لولايتها السمح بن مالك، وأمره أن يحمل الناس على طريق الحق، ولا بعدل بهم عن منهج الرفق، وطلب منه أن يكتب له بصفة الأندلس، وأنهارها وبحرها، فلما استقر السمح هناك كتب إليه يعرفه بقوة الإسلام وكثرة مدائنهم، وشرف معاقلهم؛ فلما استوثق الخليفة عمر من أهمية الأندلس، وثبات أقدام المسلمين فيها أولاها من عانيته ما هي جديرة به. ولم يكد السمح بن مالك يتولى أمر الأندلس حتى ظهر أثر كفايته وصلاحه في البلاد، فانتظمت أمورها، ونعم الناس بالأمن والسلام، وتحسنت موارد الدولة، واجتمع له من المال مبلغ كبير منه، استغله في إصلاح مرافق الولاية.

وحدث أن قنطرة "قرطبة" الرومانية التي كانت مقامة على نهر الوادي الكبير للاتصال بنواحي جنوبي الأندلس قد تهدمت، واستعان الناس بالسفن للعبور، وكان في ذلك مشقة عليهم، وأصبح المسلمون في حاجة إلى بناء قنطرة متينة يستطيعون العبور عليها من الجنوب إلى قرطبة عاصمتهم الجديدة، ووجد السمح بن مالك أن خير ما ينفق فيه هذا المال هو بناء تلك القنطرة، فكتب إلى الخليفة عمر في دمشق يستأذنه في بناء القنطرة فأذن له، فقام السمح ببنائها على أتم وأعظم ما يكون البناء. وكان لهذه القنطرة أهميتها في تاريخ الأندلس السياسي والفكري، فربطت بين قرطبة بجنوبي الأندلس وشمالي أفريقيا، وكانت من الجمال والبهاء بحيث أصبحت متنزه أهل قرطبة ومدار خيال شعراء الأندلس.

الاتجاه إلى الفتح

وبعد أن اطمأن السمح بن مالك إلى أحوال أمور الأندلس، ووثق الخليفة عمر باستقرار المسلمين بها، بدأ السمح يفكر في معاودة الفتح، ورد المتربصين بولايته من أمراء ما وراء جبال ألبرت، فأعد العدة لذلك، وجهز جيوشه لهذه المهمة.

واخترقت جيوش السمح جبال ألبرت من الشرق، وسيطر على عدد من القواعد هناك، واستولى على "سبتمانيا" في جنوبي فرنسا، وأقام بها حكومة إسلامية، ووزع الأراضي بين الفاتحين والسكان، وفرض الجزية على النصارى، وترك لهم حرية الاحتكام إلى شرائعهم، ثم زحف نحو الغرب ليغزو "أكوتين".

وكانت مملكة الفرنج حينما عبر المسلمون إلى غاليا –فرنسا- تفتك بها الخلافات والحروب بين أمرائها، غير أن الأمير "أدو" دوق أكوتين كان أقوى أمراء الفرنج في غاليا وأشدهم بأسا، نجح في غمرة الاضطراب الذي ساد المملكة أن يستقل بأكوتين، ويبسط نفوذه وسلطانه على جميع أنحائها في الجنوب من اللوار إلى البرنية.

فلما زحف السمح بن مالك إلى الغرب ليغزو أكوتين قاومه البشكنس -سكان هذه المناطق- أشد مقاومة، لكنه نجح في تمزيق صفوفهم، وقصد إلى تولوشة تولوز. وفي أثناء سيره جاءت الأخبار بأن الدوق "أدو" أمير أكوتين جمع جيشا كبيرا لرد المسلمين، وإخراجهم من فرنسا، فآثر السمح بن مالك ملاقاة عدوه على كثرة عددهم عن مهاجمة تولوشة، والتقى الفريقان بالقرب منها، ونشبت بينهما معركة هائلة في 9 من ذي الحجة 102هـ = 9 من يونيو 721م، سالت فيها الدماء غزيرة، وكثر القتل بين الفريقين، وأبدى المسلمون رغم قلتهم شجاعة خارقة وبسالة وصبرًا، وتأرجح النصر بين الفريقين دون أن يحسم لصالح أحد من الفريقين، حتى سقط "السمح" شهيدًا من على جواده، فاختلت صفوف المسلمين، ووقع الاضطراب في الجيش كله، وعجز قادة الجيش أن يعيدوا النظام إلى الصفوف، وارتد المسلمون إلى "سبتمانيا" بعد أن فقدوا زهرة جندهم، وسقط عدد من كبار قادتهم.

العودة إلى الأندلس

وعلى إثر استشهاد السمح بن مالك اختار الجيش أحد زعمائه "عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي"، فبذل جهدًا خارقًا ومهارة فائقة في جمع شتات الجيش، والتقهقر به إلى الأندلس، وأقام نفسه واليًا على الأندلس عدة أشهر قليلة حتى يأتي الوالي الجديد، وفي هذه المدة القليلة نجح عبد الرحمن الغافقي في ضبط أمور الولاية، والقضاء على الفتن التي ظهرت في الولايات الجبلية الشمالية.

ثم تولى عنبسة بن سحيم الكلبي أمر الأندلس في (صفر 103هـ = أغسطس 722م)، وكان من طراز السمح بن مالك كفاءة وقدرة وورعًا وصلاحًا، له شغف بالجهاد وحرص على نشر الإسلام وتوسيع دولته، وما إن استقرت الأمور في الأندلس بعد اضطراب واختلال حتى عاود الفتح، وخرج على رأس جيشه من قرطبة، وسار نحو سبتمانيا التي فقد المسلمون كثيرًا من قواعدها، وتابع زحفه شمالاً في وادي الرون، ولم تقف هذه الجملة الظافرة إلا قرب بلدة "سانس" على بعد ثلاثين كيلومترًا جنوبي باريس، وخشي "أدو" دوق أكوتين أن يهاجمه المسلمون مرة أخرى، فسعى إلى مفاوضتهم ومهادنتهم، وبذلك بسط المسلمون نفوذهم في شرق جنوبي فرنسا.

ولما لم يكن في نية عنبسة الاستقرار في تلك المناطق، فقد عاد إلى بلاده بعد أن أعاد نفوذ المسلمين في مملكة غالة، قاطعًا نحو ألف ميل شمالي قرطبة، وفي طريق العودة داهمته جموع من الفرنجة، فالتحم معها في معركة أصيب أثناءها بجراح بالغة توفي على إثرها في (شعبان 107هـ = ديسمبر 725م)، بعد أن انفرد بين الفاتحين المسلمين بفخر الوصول برايات الإسلام إلى قلب أوروبا الغربية، ولم يدرك هذا الشأو بعد ذلك فاتح مسلم آخر.

وقد تكررت محاولات المسلمين لفتح مملكة غالة والاستقرار بها ثم التوسع في قلب أوروبا لنشر الإسلام بها، لكنها لم تلقَ نجاحًا، وكانت آخر تلك المحاولات ما قام به القائد العظيم عبد الرحمن الغافقي، لكن استشهاده في معركة بلاط الشهداء (رمضان 114هـ = أكتوبر 732م) قضى على أحلام المسلمين في الفتح والتوسع.

Matador
13-02-2008, 06:01 PM
ملاذكرد.. الطريق إلى القسطنطينية


تعد معركة "ملاذكرد" من أيام المسلمين الخالدة، مثلها مثل بدر، واليرموك، والقادسية، وحطين، وعين جالوت، والزلاقة، وغيرها من المعارك الكبرى التي غيّرت وجه التاريخ، وأثّرت في مسيرته، وكان انتصار المسلمين في ملاذكرد نقطة فاصلة؛ حيث قضت على سيطرة دولة الروم على أكثر مناطق آسيا الصغرى وأضعفت قوتها، ولم تعد كما كانت من قبل شوكة في حلق المسلمين، حتى سقطت في النهاية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح.

كما أنها مهدت للحروب الصليبية بعد ازدياد قوة السلاجقة المسلمين وعجز دولة الروم عن الوقوف في وجه الدولة الفتية، وترتب على ذلك أن الغرب الأوروبي لم يعد يعتمد عليها في حراسة الباب الشرقي لأوروبا ضد هجمات المسلمين، وبدأ يفكر هو في الغزو بنفسه، وأثمر ذلك عن الحملة الصليبية الأولى.

ألب أرسلان

تولى ألب أرسلان حكم دولة السلاجقة سنة (455 هـ= 1063م) خلفًا لعمه طغرل بك الذي أسس الدولة ومد سلطانها تحت بصره حتى غدت أكبر قوة في العالم الإسلامي، وقضى ألب أرسلان السنوات الأولى من حكمه في المحافظة على ممتلكات دولته وتوسيع رقعتها، وتأمين حدودها من غارات الروم.

ثم تطلع إلى ضم المناطق المسيحية المجاورة لدولته؛ فاتجه صوب الغرب لفتح بلاد الأرمن وجورجيا والأجزاء المجاورة لها من بلاد الروم، وكان أهل هذه البلاد يكثرون من الإغارة على إقليم أذربيجان حتى صاروا مصدر إزعاج وقلق لسكانه، وهو ما دفع بالسلطان السلجوقي إلى ضرورة كبح جماح هؤلاء الغزاة.


وأزعج ذلك إمبراطور الروم رومانوس ديوجينس، وأدرك أن التوسع السلجوقي لا يقف عند هذا الحد، وأن خطره سيهدد بلاده، فعزم على تحويل أنظار السلاجقة عن بلاده بالإغارة على بلاد الشام الشمالية، فهاجم مدينة "منبج" ونهبها وقتل أهلها، غير أن ذلك لم يكن كافيًا لدفع خطر السلاجقة على بلاده، فأعد جيشًا كبيرًا لضرب السلاجقة، وتحجيم قوتها وإضعافها.

غرور القوة

جهّز الإمبراطور البيزنطي رومانوس جيشًا ضخمًا يتكون من مائتي ألف مقاتل من الروم والفرنجة والروس والبلغاريين واليونانيين والفرنسيين وغيرهم، وتحرك بهم من القسطنطينية عاصمة دولته، ممنيًا نفسه بنصر حاسم يقضي على خطر السلاجقة، فقد أطمعته قواته الغفيرة وعتاده الكثيف بأن النصر آتٍ لا ريب فيه، واتجه إلى ملاذكرد حيث يعسكر الجيش السلجوقي.

أدرك ألب أرسلان حرج موقفه؛ فهو أمام جيش بالغ الضخامة كثير العتاد، في حين أن قواته لا تتجاوز أربعين ألفا، فبادر بالهجوم على مقدمة جيش الروم، ونجح في تحقيق نصر خاطف يحقق له التفاوض العادل مع إمبراطور الروم؛ لأنه كان يدرك صعوبة أن يدخل معركة ضد جيش الروم؛ فقواته الصغيرة لا قبل لها بمواجهة غير مضمونة العواقب، فأرسل إلى الإمبراطور مبعوثًا من قبله ليعرض عليه الصلح والهدنة؛ فأساء الإمبراطور استقبال المبعوث ورفض عرض السلطان، وأشاح بوجهه في غطرسة وكبرياء مطمئنًا من الفوز والظفر، ولم ينتظر سماع كلام مبعوث السلطان، وطالبه أن يبلغه بأن الصلح لن يتم إلا في مدينة الري عاصمة السلاجقة.

الاستعداد للقاء

أيقن السلطان ألا مفر من القتال بعد أن فشل الصلح والمهادنة في دفع شبح الحرب؛ فعمد إلى جنوده يشعل في نفوسهم روح الجهاد وحب الاستشهاد، وأوقد في قلوبهم جذوة الصبر والثبات، ووقف فقيه السلطان وإمامه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري يقول للسلطان مقويًا من عزمه: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال، في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة.

وحين دانت ساعة اللقاء في (آخر ذي القعدة 463 هـ= أغسطس 1071م) صلّى بهم الإمام أبو نصر البخاري، وبكى السلطان فبكى الناس لبكائه، ودعا ودعوا معه، ولبس البياض وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني.

ساعة اللقاء في ملاذكرد

أحسن السلطان ألب أرسلان خطة المعركة، وأوقد الحماسة والحمية في نفوس جنوده، حتى إذا بدأت المعركة أقدموا كالأسود الضواري تفتك بما يقابلها، وهاجموا أعداءهم في جرأة وشجاعة، وأمعنوا فيهم قتلا وتجريحًا، وما هي إلا ساعة من نهار حتى تحقق النصر، وانقشع غبار المعركة عن جثث الروم تملأ ساحة القتال.

ووقع الإمبراطور البيزنطي أسيرًا في أيدي السلاجقة، وسيق إلى معسكر السلطان ألب أرسلان الذي قال له: ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني، فقال: أفعل القبيح. فقال له السلطان: فما تظن أنني أفعل بك، قال: إما أن تقتلني وإما أن تشهر بي في بلاد الشام، والأخرى بعيدة وهي العفو وقبول الأموال واصطناعي نائبا عنك. فقال السلطان: ما عزمت على غير هذا.

إطلاق سراح الإمبراطور

أطلق السلطان ألب أرسلان سراح الإمبراطور البيزنطي بعد أن تعهد بدفع فدية كبيرة قدرها مليون ونصف دينار، وأن يطلق كل أسير مسلم في أرض الروم، وأن تعقد معاهدة صلح مدتها خمسون عامًا، يلتزم الروم خلالها بدفع الجزية السنوية، وأن يعترف الروم بسيطرة السلاجقة على المناطق التي فتحوها من بلادهم، وأن يتعهدوا بعدم الاعتداء على ممتلكات السلاجقة.

ثم أعاد السلطان غريمه وأسيره الإمبراطور البيزنطي إلى بلاده، وخلع عليه خلعه جليلة، وخصص له سرادقًا كبيرًا، وأعطاه قدرًا كبيرًا من المال لينفق منه في سفره ثم أفرج عن عدد من ضباطه ليقوموا بخدمته، وأمر عددا من رجاله بصحبته حتى يصل إلى دياره سالمًا.

ولم تكد تصل أخبار الهزيمة إلى القسطنطينية حتى أزال رعاياه "اسمه من سجلات الملك"، وقالوا إنه سقط من عداد الملوك، وعُيِّن ميخائيل السابع إمبراطورا؛ فألقى القبض على رومانوس الرابع الإمبراطور السابق، وسمل عينيه.

نتائج معركة ملاذكرد

بعد انتصار المسلمين في هذه المعركة تغيّرت صورة الحياة والحضارة في هذه المنطقة؛ فاصطبغت بالصبغة الإسلامية بعد انحسار النفوذ البيزنطي تدريجيًا عن هذه المنطقة، ودخول سكانها في الإسلام، والتزامهم به في حياتهم وسلوكهم.

وواصل الأتراك السلاجقة، غزوهم لمناطق أخرى بعد ملاذكرد، حتى توغلوا في قلب آسيا الصغرى، ففتحوا قونية وآق، ووصلوا إلى كوتاهية، وأسسوا فرعًا لدولة السلاجقة في هذه المنطقة عرف باسم سلاجقة الروم، ظل حكامه يتناوبون الحكم أكثر من قرنين من الزمان بعد انتصار السلاجقة في ملاذكرد، وأصبحت هذه المنطقة جزءًا من بلاد المسلمين إلى يومنا هذا.

وكان من ثمار دخول هذه المنطقة في حوزة السلاجقة انتشار اللغتين العربية والفارسية، وهو ما كان له أثره في مظاهر الحضارة منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، غير أن هزيمة الروم في موقعة ملاذكرد جعلتهم ينصرفون عن هذا الجزء من آسيا الصغرى، ثم عجزوا عن الاحتفاظ ببقية الأجزاء الأخرى أمام غزوات المسلمين الأتراك من السلاجقة والعثمانيين، وقد توالت هذه الغزوات في القرون الثلاثة التالية لموقعة ملاذكرد، وانتهت بالإطاحة بدولة الروم، والاستيلاء على القسطنطينية عاصمتها، واتخاذها عاصمة للدولة العثمانية، وتسميتها بإسلامبول أو إستانبول.

Matador
13-02-2008, 06:14 PM
موهاكس.. أبادت جيشا وحققت حلما


ظهرت قوة إسبانيا كأعظم ما تكون في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني؛ فهي تملك أقوى الجيوش الأوربية وأكثرها كفاءة وقدرة على القتال، وأصبحت ماردًا يهدد الدولة العثمانية في البحر المتوسط حيث تهدد بلاد المغرب العربي، وفي وسط أوروبا حيث امتد نفوذها إلى ألمانيا بعد أن دخلت تحت تاج ملكها "شارل كوينت" الذي زاد من نفوذه زواج أخواته من ملوك البرتغال وفرنسا والدانمارك والنرويج والسويد والمجر؛ ولذلك أطلق على هذه الفترة من القرن السادس عشر الميلادي عهد شارل كوينت.

ولم يبق من ملوك أوربا خارج سيطرته وقبضته سوى إنجلترا، وفرنسا التي عزم ملكها على منازلة خصمه الإمبراطور شارل كوينت مهما كلفه الأمر، لكنه لم يقو على الصمود فخسر معه معركته، وسيق ذليلاً إلى مدريد حيث سجن في أحد قصورها، غير أن أم الملك الأسير "لويز سافوا" أرسلت إلى السلطان سليمان القانوني ترجوه تخليص ابنها من الأسر، فوجد السلطان في ذلك فرصة للانقضاض على شارل كوينت بعد أن صار معه حليف من الغرب الأوروبي، وامتلك مسوغًا للتحرك باسم الملف الفرنسي بصورة شرعية.

وكان ذلك أملاً يراود نفس السلطان لإعادة إسبانيا إلى سابق عهدها دولاً متفرقة لا دولة واحدة تهدد دولته، وكان السلطان قد عهد إلى خير الدين باربروسا بمهمة منازلة إسبانيا في البحر المتوسط ودفع خطرها فكفاه ذلك، وترك لنفسه مهمة منازلة إسبانيا في وسط أوروبا، وكان ينتظر الفرصة المناسبة للقيام بدوره، وما كادت تستنجد به أم الملك الفرنسي حتى استعد لتحقيق ما كان يصبو إليه.

ظروف مناسبة للحملة

ولما أفرج شارل كوينت عن الملك الفرنسي بعد شروط صعبة أجبره على قبولها في معاهدة مدريد في (29 من ربيع الأول 932هـ = 14 من يناير 1526م)، عمد الملك الفرنسي إلى تقوية روابطه مع السلطان العثماني، وألح في طلب العون والمساعدة؛ لأن قواته العسكرية لم تكن كافية لمجابهة الملك الإسباني الذي انفتحت جبهته لملاقاة خصوم أشداء، فكان عليه أن يواجه سليمان القانوني، وخير الدين باربروسا، وفرانسوا الأول ملك فرنسا، ومارتن لوثر الذي تفاقمت دعوته وازداد أتباعه، وانتشر مذهبه البروتستانتي، وتمزقت بسببه الوحدة الكاثوليكية، وعجز الملك الإسباني عن القضاء على دعوته بعد أن دانت أقطار كثيرة بمذهبه، وانفصلت عن نفوذ البابا في روما.

وهكذا تهيأت الظروف للسلطان العثماني للقيام بضربته وتقليص نفوذ الملك الإسباني في المجر، وكانت إسبانيا أكبر كثيرًا مما هي عليه الآن؛ إذ كانت تتكون من اتحاد المجر وتشيكوسلوفاكيا السابقة، بالإضافة إلى الأقطار الشمالية ليوغسلافيا، مثل: سلوفينيا، وترانسلفانيا التي هي الآن تابعة لرومانيا.

حملة سليمان القانوني

سار السلطان سليمان من إستانبول في (11 من رجب 932هـ= 23 من إبريل 1526م) على رأس جيشه، الذي كان مؤلفًا من نحو مائة ألف جندي، وثلاثمائة مدفع وثمانمائة سفينة، حتى بلغ "بلجراد"، ثم تمكن من عبور نهر الطونة بسهولة ويسر بفضل الجسور الكبيرة التي تم تشييدها، وبعد أن افتتح الجيش العثماني عدة قلاع حربية على نهر الطونة وصل إلى "وادي موهاكس" بعد 128 يومًا من خروج الحملة، قاطعًا 1000 كيلو من السير، وهذا الوادي يقع الآن جنوبي بلاد المجر على مسافة 185 كم شمال غربي بلجراد، و170 كم جنوبي بودابست. وكان في انتظاره الجيش المجري البالغ نحو مائتي ألف جندي، من بينهم 38000 من الوحدات المساعدة التي جاءت من ألمانيا، ويقود هذه الجموع الجرارة الملك "لايوش الثاني".

اللقاء المرتقب

وفي صباح يوم اللقاء الموافق (21 من ذي القعدة 932هـ= 29 من أغسطس 1526م) دخل السلطان سليمان بين صفوف الجند بعد صلاة الفجر، وخطب فيهم خطبة حماسية بليغة، وحثهم على الصبر والثبات، ثم دخل بين صفوف فيلق الصاعقة وألقى فيهم كلمة حماسية استنهضت الهمم، وشحذت العزائم، وكان مما قاله لهم: "إن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظر إليكم"؛ فلم يتمالك الجند دموعهم التي انهمرت تأثرًا مما قاله السلطان.

وفي وقت العصر هجم المجريون على الجيش العثماني الذي اصطف على ثلاثة صفوف، وكان السلطان ومعه مدافعه الجبارة، وجنوده من الإنكشاريين في الصف الثالث، فلما هجم فرسان المجر وكانوا مشهورين بالبسالة والإقدام أمر السلطان صفوفه الأولى بالتقهقر حتى يندفع المجريون إلى الداخل، حتى إذا وصلوا قريبًا من المدافع، أمر السلطان بإطلاق نيرانها عليهم فحصدتهم حصدًا، واستمرت الحرب ساعة ونصف الساعة في نهايتها أصبح الجيش المجري في ذمة التاريخ، بعد أن غرق معظم جنوده في مستنقعات وادي موهاكس، ومعهم الملك لايوش الثاني وسبعة من الأساقفة، وجميع القادة الكبار، ووقع في الأسر خمسة وعشرون ألفًا، في حين كانت خسائر العثمانيين مائة وخمسين شهيدًا، وبضعة آلاف من الجرحى.

نتائج هذه المعركة

كانت معركة موهاكس من المعارك النادرة في التاريخ، حيث هُزم أحد أطرافها على هذا النحو من مصادمَة واحدة وفي وقت قليل لا يتجاوز ساعتين، وترتب عليها ضياع استقلال المجر بعد ضياع جيشها على هذه الصورة في هزيمة مروعة، وبعد اللقاء بيومين في (23 من ذي القعدة 932هـ= 31 من أغسطس 1526م) قام الجيش العثماني بعمل استعراض أمام السلطان سليمان، وقام بأداء التحية له وتهنئته، وقام القادة بدءًا من الصدر الأعظم بتقبيل يد السلطان.

ثم تحرك الجيش نحو الشمال بمحاذاة ساحل الطونة الغربي حتى بلغ بودابست عاصمة المجر، فدخلها في (3 من ذي الحجة 932هـ= 10 من سبتمبر 1526م)، وشاءت الأقدار أن يستقبل في هذه المدينة تهاني عيد الأضحى في سراي الملك، وكان قد احتفل بعيد الفطر في بلجراد في أثناء حملته الظافرة.

مكث السلطان في المدينة ثلاثة عشر يومًا ينظم شئونها، وعين جان "زابولي" أمير ترانسلفانيا ملكًا على المجر التي أصبحت تابعة للدولة العثمانية، وعاد السلطان إلى عاصمة بلاده بعد أن دخلت المجر للدولة العثمانية وتقلص نفوذ الملك الإسباني.

Matador
13-02-2008, 06:18 PM
جلولاء.. حنث مَن حلفوا بالنار


لما سار كسرى (يزدجرد بن شهريار) من المدائن هاربًا إلى حلوان(مدينة من مدن الجبل على مقربة من خانقين) شرع في أثناء الطريق في جمع رجال وأعوان وجنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلق كثير، وجم غفير من الفرس، وأمر على الجميع مهران، وسار كسرى إلى حلوان، وأقاموا في جلولاء واحتفروا خندقا عظيما حولها، واستعدوا لملاقاة المسلمين.

كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر يخبره بذلك، فكتب إليه عمر، أن يقيم هو بالمدائن، ويبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة أميرًا على الجيش الذي يبعثه إلى كسرى، ويكون على المقدمة القعقاع بن عمرو، وعلى الميمنة سعد بن مالك، وعلى الميسرة أخوه عمرو بن مالك، وعلى الساقة عمرو بن مرة الجهني.

ففعل سعد ذلك، وبعث مع ابن أخيه جيشًا كثيفًا يقارب اثني عشر ألفا، من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار، ورءوس العرب.

وبعد فراغهم من أمر المدائن ساروا حتى انتهوا إلى المجوس وهم بجلولاء قد أحاطوا أنفسهم بالخنادق، فحاصرهم هاشم بن عتبة، وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت، فيقاتلون قتالا لم يسمع بمثله. وجعل كسرى يبعث إليهم الأمداد، وكذلك سعد يبعث المدد إلى ابن أخيه، مرة بعد أخرى. وحمى القتال، واشتد النزال، واضطرمت نار الحرب، وقام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة، فحرضهم على القتال، والتوكل على الله.

وتعاقدت الفرس وتعاهدت، وحلفوا بالنار أن لا يفروا أبدا حتى يفنوا العرب. فلما كان الموقف الأخير، وهو يوم الفيصل والفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله، حتى فنى النشاب من الطرفين، وتقصفت الرماح من هؤلاء ومن هؤلاء، وصاروا إلى السيوف والطبرزنيات. وحانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماء، وذهبت فرقة المجوس وجاءت مكانها أخرى، فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون؟ قالوا: نعم إنا كالون وهم مريحون. فقال: بل إنا حاملون عليهم، ومجدون في طلبهم حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم. فحمل وحمل الناس.

لذلك سُميت جلولاء

فأما القعقاع فإنه صمم الحملة في جماعة من الفرسان والأبطال والشجعان، حتى انتهى إلى باب الخندق، وأقبل الليل بظلامه، وجالت بقية الأبطال بمن معهم في الناس، وجعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل، وفي الأبطال يومئذ طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، وقيس بن مكشوح، وحجر بن عدي، ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، ولم يشعروا بذلك، لولا مناديه ينادي: أين أيها المسلمون! هذا أميركم على باب خندقهم. فلما سمع ذلك المجوس فروا، وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو، فإذا هو على باب الخندق قد ملكه عليهم، وهربت الفرس كل مهرب، وأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مائة ألف، حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء . وغنموا من الأموال والسلاح والذهب والفضة قريبا مما غنموا من المدائن قبلها.

وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزم منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مهران منهزما، فقتله القعقاع بن عمرو، وأفلتهم الفيرزان فاستمر منهزما، وأسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، وغنموا دواب كثيرة جدا. ثم بعث هاشم بالغنائم والأموال إلى عمه سعد بن أبي وقاص، فنفل سعد ذوي النجدة، ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين.

الخطيب المصقع

وكان المال المتحصل من وقعة جلولاء ثلاثين ألف ألف(30 مليونا)، وكان الذي ولي قسم ذلك بين المسلمين وتحصيله سلمان بن ربيعة (رضي الله عنه). ثم بعث بالأخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن أبي سفيان، وقضاعي بن عمرو، وأبي مفزر الأسود. فلما قدموا على عمر سأل عمر زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة، فذكرها له، وكان زياد فصيحا، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وأحب أن يسمع المسلمون منه ذلك، فقال له: أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك؟ فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة، فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المصقع. يعني الفصيح. فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا.

جاءت الدنيا فبكى عمر

ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجن هذا المال الذي جاءوا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد الله بن أرقم وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس، بعدما صلى الغداة وطلعت الشمس، فأمر فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الأصفر وفضته البيضاء بكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموطن شكر. فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قومًا إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. ثم قسمه كما قسم أموال القادسية.

Matador
13-02-2008, 06:27 PM
ميسلون.. معركة الشرف العسكري والكرامة


اجتمع المؤتمر السوري في (16 من جمادى الآخرة 1338هـ= 8 من مارس 1920م)، واتخذ عدة قرارات تاريخية تنص على إعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية استقلالا تاما بما فيها فلسطين، ورفض ادعاء الصهيونية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وإنشاء حكومة مسئولة أمام المؤتمر الذي هو مجلس نيابي، وكان يضم ممثلين انتخبهم الشعب في سوريا ولبنان وفلسطين، وتنصيب الأمير فيصل ملكًا على البلاد. واستقبلت الجماهير المحتشدة في ساحة الشهداء هذه القرارات بكل حماس بالغ وفرحة طاغية باعتبارها محققة لآمالهم ونضالهم من أجل التحرر والاستقلال.

وتشكلت الحكومة برئاسة رضا باشا الركابي، وضمت سبعة من الوزراء من بينهم فارس الخوري وساطع الحصري، ولم يعد فيصل في هذا العهد الجديد المسئول الأول عن السياسة، بل أصبح ذلك منوطًا بوزارة مسئولة أمام المؤتمر السوري، وتشكلت لجنة لوضع الدستور برئاسة هاشم الأتاسي، فوضعت مشروع دستور من 148 مادة على غرار الدساتير العربية، وبدأت الأمور تجري في اتجاه يدعو إلى التفاؤل ويزيد من الثقة.

مؤتمر سان ريمو

غير أن هذه الخطوة الإصلاحية في تاريخ البلاد لم تجد قبولا واستحسانًا من الحلفاء، ورفضت الحكومتان: البريطانية والفرنسية قرارات المؤتمر في دمشق، واعتبرت فيصل أميرًا هاشميًا لا يزال يدير البلاد بصفته قائدًا للجيوش الحليفة لا ملكًا على دولة. ودعته إلى السفر إلى أوروبا لعرض قضية بلاده؛ لأن تقرير مصير الأجزاء العربية لا يزال بيد مؤتمر السلم.

وجاءت قرارات مؤتمر السلم المنعقد في "سان ريمو" الإيطالية في (6 من شعبان 1338هـ= 25 من إبريل 1920م) مخيبة لآمال العرب؛ فقد قرر الحلفاء استقلال سوريا تحت الانتداب الفرنسي، واستقلال العراق تحت الانتداب البريطاني، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وكان ذلك سعيًا لتحقيق وعد بلفور لليهود فيها. ولم يكن قرار الانتداب في سان ريمو إلا تطبيقًا لاتفاقية سايكس ـ بيكو المشهورة، وإصرارا قويا من فرنسا على احتلال سوريا.

وكان قرار المؤتمر ضربة شديدة لآمال الشعب في استقلال سوريا ووحدتها، فقامت المظاهرات والاحتجاجات، واشتعلت النفوس بالثورة، وأجمع الناس على رفض ما جاء بالمؤتمر من قرارات، وكثرت الاجتماعات بين زعماء الأمة والملك فيصل، وأبلغوه تصميم الشعب على مقاومة كل اعتداء على حدود البلاد واستقلالها.

رفض فيصل قرارات المؤتمر

وتحت تأثير الضغط الوطني وازدياد السخط الشعبي، رفض فيصل بدوره قرارات مؤتمر سان ريمو، وبعث إلى بريطانيا وفرنسا برفضه هذا؛ لأن هذه القرارات جاءت مخالفة لأماني الشعب في الوحدة السورية والاستقلال، ولفصلها فلسطين عن سوريا، ورفض الذهاب إلى أوروبا لعرض قضية بلاده أمام مؤتمر السلم ما لم تتحقق شروطه في الاعتراف باستقلال سوريا بما فيها فلسطين، ودارت مراسلات كثيرة بينه وبين الدولتين بخصوص هذا الشأن، لمحاولة الخروج من المأزق الصعب الذي وضعته فيه قرارات مؤتمر سان ريمو، غير أن محاولاته تكسرت أمام إصرار الدولتين على تطبيق ما جاء في المؤتمر.

وفي أثناء ذلك تشكلت حكومة جديدة برئاسة هاشم الأتاسي في (14 من شعبان 1338هـ= 3 من مايو 1920م) ودخلها وزيران جديدان من أشد الناس مطالبة بالمقاومة ضد الاحتلال، هما: يوسف العظمة، وعبد الرحمن الشهبندر، وقدمت الوزارة الجديدة بيانها الذي تضمن تأييد الاستقلال التام، والمطالبة بوحدة سوريا بحدودها الطبيعة، ورفض كل تدخل يمس السيادة القومية. واتخذت الوزارة إجراءات دفاعية لحماية البلاد، ووسعت نطاق التجنيد بين أبناء الشعب استعدادًا للدفاع عن الوطن.

الإنذار الفرنسي

كان من نتيجة إصرار القوى الوطنية السورية على رفض قرارات مؤتمر سان ريمو أن اتخذت فرنسا قرارًا بإعداد حملة عسكرية وإرسالها إلى بيروت؛ استعدادًا لبسط حكمها على سوريا الداخلية مهما كلفها الأمر، وساعدها على الإقدام أنها ضمنت عدم معارضة الحكومة البريطانية على أعمالها في سوريا، وكانت أخبار الحشود العسكرية على حدود المنطقة الشرقية في زحلة وقرب حلب تتوالى، ثم لم يلبث أن وجه الجنرال "غورو" قائد الحملة الفرنسية الإنذار الشهير إلى الحكومة العربية بدمشق في (27 من شوال 1338هـ= 14 من يوليو 1920م) يطلب فيه: قبول الانتداب الفرنسي، وتسريح الجيش السوري، والموافقة على احتلال القوات الفرنسية لمحطات سكك الحديد في رياق وحمص وحلب وحماه.

وطلب الجنرال قبول هذه الشروط جملة أو رفضها جملة، وحدد مهلة لإنذاره تنتهي بعد أربعة أيام، فإذا قبل فيصل بهذه الشروط فعليه أن ينتهي من تنفيذها كلها قبل (15 من ذي القعدة 1338هـ= 31 من يوليو 1920م) عند منتصف الليل، وإذا لم يقبل فإن العاقبة لن تقع على فرنسا، وتتحمل حكومة دمشق مسئولية ما سيقع عليها.

ولما سمع الناس بخبر هذا الإنذار، اشتعلت حماستهم وتفجرت غضبًا، وأقبلوا على التطوع، فامتلأت بهم الثكنات العسكرية، واشتد إقبال الناس على شراء الأسلحة والذخائر، وأسرعت الأحياء في تنظيم قوات محلية للحفاظ على الأمن.

قبول فيصل بالإنذار

اجتمع الملك فيصل بمجلس الوزراء في (29 من شوال 1338 هـ= 16 من يوليو 1920م) لبحث الإنذار، ووضع الخطة الواجب اتباعها قبل انقضاء مهلته، وكان رأي يوسف العظمة وزير الدفاع أنه يوجد لدى الجيش من العتاد والذخيرة ما يمكنه من مقاومة الفرنسيين لكنها لم تكن كافية للصمود طويلا أمام الجيش الفرنسي البالغ العدد والعتاد، واتجه رأي الأغلبية عدا العظمة إلى قبول الإنذار الفرنسي، وبقي أمام فيصل أخذ موافقة أعضاء المؤتمر السوري على قبول الإنذار؛ فاجتمع بهم في قصره، لكن الاجتماع لم يصل إلى قرار، فاجتمع الملك فيصل مع مجلس وزرائه ثانية وأعلنوا جميعًا قبولهم الإنذار، وبدأت الحكومة في تسريح الجيش دون خطة أو نظام، فخرج الجنود من ثكناتهم بعد أن تلقوا الأوامر بتسريحهم ومعهم أسلحتهم، واختلطوا بالجماهير المحتشدة الغاضبة من قبول الحكومة بالإنذار، فاشتدت المظاهرات وعلت صياحات الجماهير، وعجزت الشرطة عن الإمساك بزمام الأمور.

معركة ميسلون

وفي ظل هذه الأجواء المضطربة وصلت الأخبار إلى دمشق بتقدم الجيش الفرنسي، بقيادة غورو في (5 من ذي القعدة 1338هـ= 21 من يوليو 1920م) نحو دمشق بعد انسحاب الجيش العربي، محتجًا بأن البرقية التي أرسلها فيصل بقبوله الإنذار لم تصل بسبب انقطاع أسلاك البرق من قبل العصابات السورية، وإزاء هذه الأحداث وافق الملك فيصل على وقف تسريح الجيش، وأعيدت القوات المنسحبة إلى مراكز جديدة مقابل الجيش الفرنسي، وأرسل إلى غورو يطلب منه أن يوقف جيشه حتى يرسل له مندوبًا للتفاهم معه حقنًا للدماء، لكن هذه المحاولة فشلت في إقناع الجنرال المغرور الذي قدم شروطًا جديدة تمتهن الكرامة العربية والشرف الوطني حتى يبقى الجيش الفرنسي في مكانه دون تقدم، وكان من بين هذه الشروط تسليم الجنود المسرّحين أسلحتهم إلى المستودعات، وينزع السلاح من الأهالي.

رفضت الوزارة شروط غورو الجديدة، وتقدم يوسف العظمة لقيادة الجيش السوري دفاعًا عن الوطن، في الوقت الذي زحف فيه الجيش الفرنسي نحو خان ميسلون بحجة توفر الماء في المنطقة، وارتباطها بالسكك الحديدية بطريق صالح للعجلات، وأصبح على قرب 25 كم من دمشق.

وفي هذه الأثناء كانت المظاهرات لا تزال تملأ دمشق تنادي بإعلان الجهاد ضد الفرنسيين، وأصدر فيصل منشورا يحض الناس على الدفاع بعد أن فشلت كل المحاولات لإقناع الفرنسي عن التوقف بجيشه.

خرج يوسف العظمة بحوالي 4000 جندي يتبعهم مثلهم أو أقل قليلا من المتطوعين إلى ميسلون، ولم تضم قواته دبابات أو طائرات أو تجهيزات ثقيلة، واشتبك مع القوات الفرنسية في صباح يوم (8 من ذي القعدة 1338هـ=24 من يوليو 1920م) في معركة غير متكافئة، دامت ساعات، اشتركت فيها الطائرات الفرنسية والدبابات والمدافع الثقيلة.

وتمكن الفرنسيون من تحقيق النصر؛ نظرًا لكثرة عددهم وقوة تسليحهم، وفشلت الخطة التي وضعها العظمة، فلم تنفجر الألغام التي وضعها لتعطيل زحف القوات الفرنسية، وتأخرت عملية مباغتة الفرنسيين، ونفدت ذخائر الأسلحة.

وعلى الرغم من ذلك فقد استبسل المجاهدون في الدفاع واستشهد العظمة في معركة الكرامة التي كانت نتيجتها متوقعة خاضها دفاعًا عن شرفه العسكري وشرف بلاده، فانتهت حياته وحياة الدولة التي تولى الدفاع عنها.

ولم يبق أمام الجيش الفرنسي ما يحول دون احتلال دمشق في اليوم نفسه، لكنه القائد المعجب بنصره آثر أن يدخل دمشق في اليوم الثاني محيطًا نفسه بأكاليل النصر وسط جنوده وحشوده.

Matador
13-02-2008, 06:31 PM
شذونة.. الطريق إلى الأندلس


أتم المسلمون فتح بلاد المغرب، واستقرت الأوضاع بها بعد جهاد طويل من قبل الفاتحين، حتى كتب الله التمكين للمسلمين على يد موسى بن نصير، وأقبل سكان المغرب على الإسلام أفواجًا يذوقون حلاوته وينعمون بعدله، ولم يبق من شمال المغرب سوى "سبتة" التي استطاعت لمناعتها ويقظة حاكمها الكونت يوليان أن تقف أمام طموحات الفاتحين المسلمين.

وفي الوقت الذي كان يفكر فيه موسى بن نصير بمد الفتح إلى الأندلس وعبور المضيق إليها جاءته رسالة من الكونت يوليان يعرض فيها تسليم سبتة، ويغريه بفتح إسبانيا ويهون عليه الأمر، وكانت العلاقة بين يوليان ولذريق ملك إسبانيا سيئة جدا، فعزز ذلك ما كان يستعد من أجله موسى بن نصير، ويشاور الخلافة الأموية في سبيل تحقيقه، ولم يكتف موسى بن نصير بالمراسلة، بل اجتمع هو ويوليان في سفينة في عرض البحر للاتفاق والمفاوضة، وكان يوليان قد عرض على موسى بن نصير تقديم سفنه لنقل المسلمين إلى إسبانيا، ومعاونته بالجند والإرشاد، بالإضافة إلى تسليم سبتة، وباقي معاقلها إلى المسلمين.

وكان العرض مغريًا يدعو إلى الإقدام عليه، لكن موسى بن نصير لم يكن يملك الموافقة النهائية دون الرجوع إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك، فكتب إليه بأمر هذا العرض، فأجابه بأن يتأنى ويتمهل وأن يختبر الأمر بحملة صغيرة توقفه على حقيقة الأمر، قبل أن يخوض أهوال البحر.

حملة طريف

واستجابة لأمر الخليفة بدأ موسى بن نصير في تجهيز حملة صغيرة لعبور البحر إلى إسبانيا، وكان قوامها خمسمائة جندي يقودهم قائد من البربر يدعى "طريف بن مالك"؛ لاستكشاف الأمر واستجلاء أرض الأسبان، وقدم يوليان لهذه الحملة أربع سفن أقلتهم إلى إسبانيا، فعبرت البحر ونزلت هناك في منطقة سميت بجزيرة طريف، نسبة إلى قائد الحملة، وكان ذلك في (رمضان 91هـ= يوليو 710م) وجاست الحملة خلال الجزيرة الخضراء، وغنمت كثيرًا ودرست أحوال إسبانيا، ثم قفلت راجعة إلى المغرب، وقدم قائدها إلى موسى بن نصير نتائج حملته.

حملة طارق

بعد مرور أقل من عام من عودة حملة طريف بن الأندلس كان موسى بن نصير قد استعد للأمر، وحشد جنوده، وجهز سفنه، واختار قائدًا عظيمًا لهذه المهمة الجليلة هو طارق بن زياد والي طنجة، وهو من أصل بربري دخل آباؤه الإسلام فنشأ مسلمًا صالحًا، وتقدمت به مواهبه العسكرية إلى الصدارة، وهيأت له ملكاته أن يكون موضع ثقة الفاتح الكبير موسى بن نصير، فولاه قيادة حملته الجديدة على الأندلس.

خرج طارق بن زياد في سبعة آلاف جندي معظمهم من البربر المسلمين، وعبر مضيق البحر المتوسط إلى إسبانيا، وتجمع الجيش الإسلامي عند جبل صخري عرف فيما بعد باسم جبل طارق في (5 من رجب 92هـ= 27 من إبريل 711م).

سار الجيش الإسلامي مخترقًا المنطقة المجاورة غربًا بمعاونة يوليان وزحف على ولاية الجزيرة الخضراء؛ فاحتل قلاعها، وترامت أنباء هذا الفتح إلى أسماع لذريق، وكان مشغولا بمحاربة بعض الثائرين عليه في الشمال، فترك قتالهم وهرع إلى طليطلة عاصمته، واستعد لمواجهة هذا الخطر الداهم على عرشه، وبعث بأحد قادته لوقف الجيش الإسلامي، لكنه أخفق في مهمته.

وكان طارق بن زياد قد صعد بجيشه شمالا صوب طليطلة، وعسكرت قواته في منطقة واسعة يحدها من الشرق نهر وادي لكة، ومن الغرب نهر وادي البارباتي، وفي الوقت نفسه أكمل لذريق استعداداته، وجمع جيشًا هائلا بلغ مائة ألف، وأحسن تسليحه، وسار إلى الجنوب للقاء المسلمين، وهو واثق إلى النصر مطمئن إلى عدده وعتاده، ولما وقف طارق على خبر هذا الجيش كتب إلى موسى نصير يخبره بالأمر، ويطلب منه المدد؛ فوافاه على عجل بخمسة آلاف مقاتل من خيرة الرجال، فبلغ المسلمون بذلك اثني عشر ألفًا.

اللقاء المرتقب

وكان لا بد من الصدام، فالتقى الفريقان جنوبي بحيرة خندة المتصلة بنهر بارباتي الذي يصب في المحيط الأطلسي بالقرب من مدينة "شذونة"، وكان لقاء عاصفًا ابتدأ في (28 من رمضان 92هـ= 18 من يوليو 711م) وظل مشتعلا ثمانية أيام، أبلى المسلمون خلالها بلاء حسنًا، وثبتوا في أرض المعركة كالجبال الراسيات، ولم ترهبهم القوى النصرانية، ولا حشودهم الضخمة، واستعاضوا عن قلة عددهم ـ إذا ما قورنوا بضخامة جيش عدوهم ـ بحسن الإعداد والتنظيم، وبراعة الخطط والتنفيذ، وبشجاعة الأفئدة والقلوب، وبقوة الإيمان واليقين، والرغبة في الموت والشهادة.

نجح المسلمون في الصمود والثبات ثمانية أيام عصبية، حتى مالت كفة النصر إلى صالحهم، وتحول جيش لذريق العرمرم إلى غثاء كغثاء السيل، لا خير فيه ولا غناء، فقد كان على ضخامته متفرق الكلمة موزع الأهواء، تمزق صفوفه الخيانة؛ ولذلك لم يكن عجيبا أن يحقق المسلمون النصر على ضآلة عددهم؛ لأنهم التمسوا أسباب النصر وعوامل الفوز، فتحقق لهم في اليوم الثامن بعد جهاد شاق، وفر لذريق آخر ملوك القوط عقب الموقعة، ولم يُعثر له على أثر، ويبدو أنه فقد حياته في المعركة التي فقد فيها ملكه، أو مات غريقًا في أحد الأنهار عند فراره.

نتائج النصر

بعد هذا النصر تعقب طارق فلول الجيش المنهزم الذي لاذ بالفرار، وسار الجيش فاتحا بقية البلاد، ولم يلق مقاومة عنيفة في مسيرته نحو الشمال، وفي الطريق إلى طليطة بعث طارق بحملات صغيرة لفتح المدن، فأرسل مغيثًا الرومي إلى قرطبة في سبعمائة فارس، فاقتحم أسوارها الحصينة واستولى عليها دون مشقة، وأرسل حملات أخرى إلى غرناطة والبيرة ومالقة، فتمكنت من فتحها.

وسار طارق في بقية الجيش إلى طليطلة مخترقًا هضاب الأندلس، وكانت تبعد عن ميدان المعركة بما يزيد عن ستمائة كيلومتر، فلما وصلها كان أهلها من القوط قد فروا منها نحو الشمال بأموالهم، ولم يبق سوى قليل من السكان، فاستولى طارق عليها، وأبقى على من ظل بها من أهلها وترك لأهلها كنائسهم، وجعل لأحبارهم ورهبانهم حرية إقامة شعائرهم، وتابع طارق زحفه شمالا فاخترق قشتالة ثم ليون، وواصل سيره حتى أشرف على ثغر خيخون الواقع على خليج بسكونية، ولما عاد إلى طليطلة تلقى أوامر من موسى بن نصير بوقف الفتح حتى يأتي إليه بقوات كبيرة ليكمل معه الفتح.

عبور ابن نصير إلى الأندلس

كان موسى بن نصير يتابع سير الجيش الإسلامي في الأندلس، حتى إذا أدرك أنه في حاجة إلى مدد بعد أن استشهد منه في المعارك ما يقرب من نصفه، ألزم طارقًا بالتوقف؛ حرصًا على المسلمين من مغبة التوغل في أراض مجهولة، وحتى لا يكون بعيدًا عن مراكز الإمداد في المغرب، ثم عبر هو في عشرة آلاف من العرب وثمانية آلاف من البربر إلى الجزيرة الخضراء في (رمضان 93هـ= يونيه 712م)، وسار بجنوده في غير الطريق الذي سلكه طارق، ليكون له شرف فتح بلاد جديدة، فاستولى على شذونة، ثم اتجه إلى قرمونة وهي يومئذ من أمنع معاقل الأندلس ففتحها، ثم قصد إشبيلية وماردة فسقطتا في يده، واتجه بعد ذلك على مدينة طليطلة حيث التقي بطارق بن زياد في سنة (94هـ= 713م).

وبعد أن استراح القائدان قليلا في طليطلة عاودا الفتح مرة ثانية، وزحفا نحو الشمال الشرقي، واخترقا ولاية أراجون، وافتتحا سرقطة وطركونة وبرشلونة وغيرها من المدن، ثم افترق الفاتحان، فسار طارق ناحية الغرب، واتجه موسى شمالا، وبينما هما على هذا الحال من الفتح والتوغل، وصلتهما رسالة من الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي، يطلب عودتهما إلى دمشق، فتوقف الفتح عند النقطة التي انتهيا إليها، وعاد الفاتحان إلى دمشق، تاركين المسلمين في الأندلس تحت قيادة عبد العزيز بن موسى بن نصير، الذي شارك أيضا في الفتح، بضم منطقة الساحل الواقعة بين مالقة وبلنسبة، وأخمد الثورة في إشبيلية وباجة، وأبدى في معاملة البلاد المفتوحة كثيرًا من الرفق والتسامح.

وبدأت الأندلس منذ أن افتتحها طارق تاريخها الإسلامي، وأخذت في التحول إلى الدين الإسلامي واللغة العربية، وظلت وطنا للمسلمين طيلة ثمانية قرون، كانت خلالها مشعلا للحضارة ومركزًا للعلم والثقافة، حتى سقطت غرناطة آخر معاقلها في يدي الإسبان المسيحيين سنة (897هـ = 1492م).

Matador
13-02-2008, 06:34 PM
عين جالوت.. واإسلاماه!!


لم تتعرض دولة الإسلام لأوقات عصيبة وعواصف منذرة ورياح مرعبة مثلما تعرضت في القرن السابع الهجري؛ حيث دمّرت جيوش المغول بقيادة جنكيز خان حواضر الإسلام الكبرى في المشرق الإسلامي، وسفكت دماء المسلمين، وأتت على معالم الحضارة والمدنية، ولم تستطع قوة إسلامية أن توقف هذا الزحف الكاسح، وانهارت الجيوش الإسلامية وتوالت هزائمها، وتتابع سقوط الدول والمدن الإسلامية كأوراق الشجر في موسم الخريف.

وأطمع ضعف المسلمين وخور عزائمهم المغول في أن يتطلعوا إلى مواصلة الزحف تجاه الغرب، وإسقاط الخلافة العباسية وتقويض دعائمها، ولم تكن الخلافة في وقت من الأوقات أضعف مما كانت عليه وقت الغزو المغولي؛ فخرج هولاكو سنة (651هـ= 1253م) على رأس حملة جرارة، تضم مائة وعشرين ألف جندي من خيرة جنود المغول، المدربين تدريبًا عاليًا على فنون القتال والنزال، والمزودين بأسلحة الحرب وأدوات الحصار، تسبقهم شهرتهم المرعبة في القتل وسفك الدماء، ومهارتهم الفائقة في الحرب، وشجاعتهم وقوة بأسهم في ميادين القتال.

سقوط الخلافة العباسية

اجتاحت قوات المغول الأراضي الإيرانية، ولم تجد ما يعوق حركتها حتى وصلت إلى بغداد، فضربت حصارًا عليها، ولم يكن لها قدرة على رفع هذه الجيوش الجرارة؛ فاستسلمت في خنوع إلى الغازي الفاتك فدخلها في (4 من صفر 656 هـ = 10 من فبراير 1258م)، واستباح جنوده المدينة المنكوبة، وقتلوا السواد الأعظم من أهلها الذين قدروا بنحو مليون قتيل، ولم يكن خليفة المسلمين وأسرته بأسعد حال من أهالي المدينة، حيث لقوا حتفهم جميعًا، وأضرم التتار النار في أحياء المدينة، وهدموا مساجدها وقصورها، وخربوا مكتباتها، وأتلفوا ما بها من تراث إنساني، وأصبحت المدينة التي كانت عاصمة الدنيا وقبلة الحضارة أثرًا بعد عين.

أوضاع الشام قبل حملة هولاكو

كانت بلاد الشام في أثناء تلك المحنة يحكم الأيوبيون أجزاء كبيرة منها، ولم تكن العلاقات بينهم ودية على الرغم من انتسابهم إلى بيت واحد وأسرة كريمة هي أسرة صلاح الدين الأيوبي، وبدلا من أن توحدهم المحنة وتجمع بين قلوبهم ويقفوا صفًا واحدًا هرول بعضهم إلى هولاكو يعلن خضوعه له، مثلما فعل الناصر يوسف الأيوبي صاحب دمشق وحلب، وكان أقوى الأمراء الأيوبيين وأكثرهم قدرة على مواجهة هولاكو لو رغب، لكنه لم يفعل وأرسل ابنه العزيز إلى هولاكو يحمل إليه الهدايا، ويعلن خضوعه له، ويطلب منه أن يساعده على الاستيلاء على مصر وتخليصها من حكم دولة المماليك الناشئة التي انتزعت الملك من بيته.

لكن هولاكو رأى في عدم قدوم الناصر إليه بنفسه استهانة به، فكتب إليه رسالة غاضبة يأمره بالإسراع إليه وتقديم آيات الولاء والخضوع دون قيد أو شرط، فانزعج الناصر، وأدرك أن مسعاه قد خاب، واستعد استعداد الخائف لمواجهة المغول، وبعث بأسرته إلى مصر.

حملة هولاكو

خرج هولاكو في رمضان (657هـ= 1295م) من عاصمة دولته مراغة في أذربيحان، متجهًا إلى الشام، معه حلفاؤه من أمراء جورجيا وأرمينيا، يقود طلائعه قائده "كيتوبوقا"، متجهين إلى الشام، وكانت ميافارقين بديار بكر أول ما تبتدئ به الحملة الغازية، فصمدت المدينة للحصار مدة طويلة دون أن يفلح المغول في اقتحامها، غير أن طول الحصار ونفاد المؤن وانتشار الأوبئة وهلاك معظم السكان دفع إلى استسلام المدينة.

وفي أثناء الحصار كانت جيوش المغول تستولي على المدن المجاورة، فسقطت ماردين، وحران، والرها وسروج والبيرة، ثم واصل الجيش زحفه إلى حلب وحاصرها حصارًا شديدًا، حتى استسلمت في (9 من صفر 658هـ- 25 من يناير 1260م)، وأباح هولاكو المدينة لجنوده سبعة أيام فعاثوا فيها فسادًا، ونشروا الخراب في كل أرجائها، ولم تكد تصل هذه الأنباء المفجعة إلى دمشق حتى آثر أهلها السلامة بعد أن فر حاكمها الناصر يوسف الأيوبي، وسارعوا إلى تسليم المدينة، وشاءت الأقدار أن يغادر هولاكو الشام ويعود إلى بلاده تاركًا مهمة إكمال الغزو لقائده "كيتوبوقا" فدخل دمشق في (15 من ربيع الأول 658هـ= 1 من مارس 1260م).

الأوضاع في مصر

وكان من نتيجة هذا الغزو أن فر كثير من أهل الشام إلى مصر التي كانت تحت سلطان دولة المماليك، ويحكمها سلطان صبي هو الملك "المنصور نور الدين علي بن المعز أيبك"، وفي هذه الأثناء بعث الملك الناصر يوسف الذي أفاق بعد فوات الأوان برسول إلى مصر يستنجد بعساكرها للوقوف ضد الزحف المغولي، وكانت أخبار المغول قد انتشرت في مصر وأحدثت رعبًا وهلعًا.

ولما كان سلطان مصر غير جدير بتحمل مسئولية البلاد في مواجهة الخطر القادم، فقد أقدم نائبه "سيف الدين قطز" على خلعه، محتجًا بأنه لا بد من سلطان قاهر يقاتل هذا العدو، والملك الصبي صغير لا يعرف تدبير المملكة، ولم يجد قطز معارضة لما أقدم عليه؛ فالخطر محدق بالبلاد، والسلطان قد ازدادت مفاسده وانفض الجميع من حوله.

رسالة هولاكو

بدأ السلطان قطز يوطد أركان دولته ويثبت دعائم حكمه، فعين من يثق فيهم في مناصب الدولة الكبيرة، وقبض على أنصار السلطان السابق، وأخذ يستعد للجهاد وملاقاة المغول، وسمح برجوع بعض أمراء المماليك من خصومه وكانوا بالشام، وعلى رأسهم بيبرس البندقداري فرحب به، وأحسن معاملته، وأقطعه قليوب ومناطق الريف المجاورة لها، وأغرى قوات الناصر يوسف الأيوبي ـ الذي فر من دمشق وطلب نجدة المماليك بمصر ـ بالانضمام إلى جيشه وكانت بالقرب من غزة، فاستجابت لدعوته.

وفي تلك الأثناء وصلت رسل هولاكو إلى القاهرة تحمل خطابا تقطر كبرا وغطرسة، ويمتلئ بالتهديد والوعيد، ومما جاء فيه: ".. إنا جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه، فلكم بجميع الأمصار معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وسلموا إلينا أمركم.. فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرق لمن شكا.. فما لكم من سيوفنا خلاص ولا من أيدينا مناص، فخيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، ورماحنا خوارق...".

الاجتماع التاريخي

وأمام هذا الخطر الداهم عقد السلطان قطز مجلسًا من كبار الأمراء، واستقر الرأي على مقابلة وعيد المغول بالاستعداد للحرب، وعزز ذلك بقتل رسل المغول؛ ردًا على تهديد هولاكو وكان هذا التصرف إعلانًا للحرب وإصرارًا على الجهاد، وفي الوقت نفسه بدأ قطز يعمل على حشد الجيوش وجمع الأموال اللازمة للإنفاق على الاستعدادات والتجهيزات العسكرية، وقبل أن يفرض ضرائب جديدة على الأهالي جمع ما عنده وعند أمرائه من الحلي والجواهر، واستعان بها في تجهيز الجيش، استجابة لفتوى الشيخ "العز بن عبد السلام" أقوى علماء عصره.

ولم يقتصر الأمر على هذا، بل لقي صعوبة في إقناع كثير من الأمراء بالخروج معه لقتال التتار، فأخذ يستثير نخوتهم ويستنهض شجاعتهم بقوله: "يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته فإن الله مطلع عليه..."؛ فأثرت هذه الكلمة في نفوسهم، وقوت من روحهم، فخرجوا معه وتعاهدوا على القتال.

الخروج إلى القتال

وفي (رمضان 658هـ= أغسطس 1260م) خرج قطز من مصر على رأس الجيوش المصرية ومن انضم إليه من الجنود الشاميين وغيرهم، وترك نائبا عنه في مصر هو الأتابك فارس الدين أقطاي المستعرب، وأمر الأمير بيبرس البندقداري أن يتقدم بطليعة من الجنود ليكشف أخبار المغول، فسار حتى لقي طلائع لهم في غزة، فاشتبك معهم، وألحق بهم هزيمة كان لها أثر في نفوس جنوده، وأزالت الهيبة من نفوسهم، ثم تقدم السلطان قطز بجيوشه إلى غزة، فأقام بها يومًا واحدًا، ثم رحل عن طريق الساحل إلى عكا، وكانت لا تزال تحت سيطرة الصليبيين، فعرضوا عليه مساعدتهم، لكنه رفض واكتفى منهم بالوقوف على الحياد، وإلا قاتلهم قبل أن يقابل المغول، ثم وافى قطز الأمير بيبرس عند عين جالوت بين بيسان ونابلس.

وكان الجيش المغولي يقوده كيتوبوقا (كتبغا) بعد أن غادر هولاكو الشام إلى بلاده للاشتراك في اختيار خاقان جديد للمغول، وجمع القائد الجديد قواته التي كانت قد تفرقت ببلاد الشام في جيش موحد، وعسكر بهم في عين جالوت.

اللقاء المرتقب

اقتضت خطة السلطان قطز أن يخفي قواته الرئيسية في التلال والأحراش القريبة من عين جالوت، وألا يظهر للعدو المتربص سوى المقدمة التي كان يقودها الأمير بيبرس، وما كاد يشرق صباح يوم الجمعة (25 من رمضان 658هـ= 3 من سبتمبر 1260م) حتى اشتبك الفريقان، وانقضت قوات المغول كالموج الهائل على طلائع الجيوش المصرية؛ حتى تحقق نصرًا خاطفًا، وتمكنت بالفعل من تشتيت ميسرة الجيش، غير أن السلطان قطز ثبت كالجبال، وصرخ بأعلى صوته: "واإسلاماه!"، فعمت صرخته أرجاء المكان، وتوافدت حوله قواته، وانقضوا على الجيش المغولي الذي فوجئ بهذا الثبات والصبر في القتال وهو الذي اعتاد على النصر الخاطف، فانهارت عزائمه وارتد مذعورا لا يكاد يصدق ما يجري في ميدان القتال، وفروا هاربين إلى التلال المجاورة بعد أن رأوا قائدهم كيتوبوقا يسقط صريعًا في أرض المعركة.

ولم يكتفِ المسلمون بهذا النصر، بل تتبعوا الفلول الهاربة من جيش المغول التي تجمعت في بيسان القريبة من عين جالوت، واشتبكوا معها في لقاء حاسم، واشتدت وطأة القتال، وتأرجح النصر، وعاد السلطان قطز يصيح صيحة عظيمة سمعها معظم جيشه وهو يقول: "واإسلاماه!" ثلاث مرات ويضرع إلى الله قائلا: "... يا ألله!! انصر عبدك قطز".. وما هي إلا ساعة حتى مالت كفة النصر إلى المسلمين، وانتهى الأمر بهزيمة مدوية للمغول لأول مرة منذ جنكيز خان.. ثم نزل السلطان عن جواده، ومرغ وجهه على أرض المعركة وقبلها، وصلى ركعتين شكرًا لله.

نتائج المعركة

كانت معركة عين جالوت واحدة من أكثر المعارك حسمًا في التاريخ، أنقذت العالم الإسلامي من خطر داهم لم يواجه بمثله من قبل، وأنقذت حضارته من الضياع والانهيار، وحمت العالم الأوروبي أيضًا من شر لم يكن لأحد من ملوك أوروبا وقتئذ أن يدفعه.

وكان هذا النصر إيذانًا بخلاص الشام من أيدي المغول؛ إذ أسرع ولاة المغول في الشام بالهرب، فدخل قطز دمشق على رأس جيوشه الظافرة في (27 من رمضان 658 هـ)، وبدأ في إعادة الأمن إلى نصابه في جميع المدن الشامية، وترتيب أحوالها، وتعيين ولاة لها، وأثبتت هذه المعركة أن الأمن المصري يبدأ من بلاد الشام عامة، وفي فلسطين خاصة، وهو أمر أثبتته التجارب التاريخية التي مرت على المنطقة طوال تاريخها، وكانت النتيجة النهائية لهذه المعركة هي توحيد مصر وبلاد الشام تحت حكم سلطان المماليك على مدى ما يزيد عن نحو مائتين وسبعين سنة.

Matador
13-02-2008, 06:36 PM
غزوة بدر.. يوم الفرقان


في هذا الشهر المُبارَك - شهر رمضان المُعَظَّم - تطالعنا ذكرى غزوة بدر الكبرى؛ ففي اليوم السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة الشريفة، وقعت هذه الغزوة، وكانت فيها قوة المسلمين ثلاثمائة وثلاثةَ عشرَ مقاتلاً؛ ليس معهم إلا سلاح خفيف: سبعون بعيرًا، وفَرَسَان، وقد خرجوا لا للقتال، وإنَّما للاستيلاء على عِير قريش القادمة من الشام،

وكان جيش المشركين تسعمائة وخمسين، وعِيرهم سبعمائة بعير، ومائة فرس، وسلاح كثير.. فالتقت القوتان بماء بدر، ورأى المسلمون جيش عدوهم فلجئوا إلى الله-عز وجل- واستغاثوا، وألقوا بأمرهم إليه؛ فاستجاب لهم، وأمدهم بالملائكة؛ ثبَّتوهم؛ وقاتلوا معهم؛ ونصرهم الله على عدوهم نصرًا عزيزًا ) إِذْ تَستَغِيثونَ ربَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لكم أنِّي مُمِدُّكُمْ بألفٍ منَ الملائكةِ مُرْدِفِينَ وما جَعَلَهُ اللهُ إلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ( .

موقعه بدر وخطورتها

والذي يطالع أنباء موقعة بدر، ويستعرض مقدماتها ونتائجها؛ ليحس لها بمنزلة خاصة، ويدرك أن التاريخ أودع في فصولها سرًّا تكتنفه الهيبة، وجعل من أدوار القتال فيها موعظةً خالدةً لا تفتأ تتجدد ذكراها ما بقي في الدنيا قتال بين الحق والباطل، وصراع بين الظلام والنور.

وما ظنك بموقعة يكون مصيرها الفاصل في عبادة الله على هذه الأرض هل ستبقى أم ستفنى؟! ويشعر قائد المعركة بهذه الحقيقة الحاسمة فيلجأ إلى الله مستنجزًا وعده، ولما كان يوم بدر نظر الرسول إلى المشركين وهم نحو الألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ثم استقبل القبلة، ومد يده وجعل يهتف :"اللهُمَّ آتني ما وعدتني، اللهُمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تَهلِكَ هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تُعبَد في الأرض، وما يزال يهتف بربِّه مادًّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وحتى نزل الوحي مطمئنًا؛ سيُهزَم الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُر.

وما ظنُّك بموقعة تكون الخصومة فيها في الله، ويكون القتال فيها بدايةً لسلسلة من المعارك، يحتدم النزاع فيها بين الحق والباطل، هذه السلسلة من المعارك التي خاضها المسلمون – من بعد- في فارس والروم لا تحسب الصلة بينها وبين بدر مقطوعة؛ إنها صلة النسب بين الأصل ونتائجه؛ فكان أول سيف شُهِرَ في بدر إيذانًا بابتداء النضال المسلح بين الحق والباطل، كلما انتهت معركة قامت أختها.

القَدَر يُمهِّد للموقعة ويفرضها

لقد فُرِضَت الموقعة على المسلمين فرضًا، وفُوجِئوا على غير استعداد بتحدي صناديد قريش وأبطالها لهم؛ ولم يكن بُدٌّ من قَبول هذا التحدي، وواجه النبي- صلى الله عليه وسلم- الموقف بما يتطلبه من إيمان وثقة، غير أن كثيرًا من المسلمين تساءل..؛ إذ كيف يواجه هذا العدو الذي لم يستعد له؟! "كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤمِنينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ". (الأنفال: 5-6)

ولكنَّ القَدَر كان يدفع الأمور إلى مجراها الذي أعده إعدادًا مُحكمًا؛ فها هو ذا قد جمع بين الفريقين على غير موعد ) وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ ولكن ليقضيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً..( . (الأنفال: 42)، وهاهو ذا يغري كليهما بالآخر، ويجعله يرى عدده ضئيلاً قليلاً ) وَإِذْ يُريكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرجَعُ الأمُورُ( . (الأنفال: 44) وهاهو ذا يبعث الشيطان لينفخ الغرور في أتباعه، وليصيح بينهم ) لا غَالِبَ لَكُمُ اليومَ مِنَ النَّاسِ وإنِّي جَارٌ لَكُمْ( (الأنفال: 48)، وهاهي الأمور تتطور بسرعة عجيبة في معسكر الإيمان؛ فيتتابع المهاجرون على الموت: لا نقول لكَ كما قال قوم موسى: ) فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ( (المائدة: 24)؛ ولكن نقاتل عن يمينك، وشمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، وكان في وُسْع الأنصار أن يتحللوا من هذه المعركة؛ فإنهم إنما عاهدوا الرسول على حمايته في بلدهم، ومنعته ما دام بينهم؛ فإذا خرج في حرب هجومية فليس له عليهم سبيل، ولكن الأنصار لم يتحللوا، وإذا زعيمهم سعد بن معاذ يقول: يا رسول الله، قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا على السمع والطاعة، فامضِ لما أَرَدْتَ فوالذي بَعَثَكَ بالحق لو استعرضْتَ بنا هذا البحر؛ فخضتَه لخضناه معك، ما يتخلف منا أحد. وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا وعدوك، إنَّا لَصُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، ولعل الله- عز وجل- أن يُريَكَ منا ما تَقَرُّ به عينُكَ؛ فَسِرْ بنا على بركة الله.

سلاح الإيمان

فما الذي حمل هؤلاء الأصحاب على أن يقفوا هذا الموقف مع أن جذوة المعركة وجوانبها المادية؛ لتجعل أشدَّ الناس تفاؤلاً ينظر إلى آثارها من خلال غيوم سُود؟

إنه الإيمان بالله الذي يضع أمر الله ورسوله في جانب، والدنيا كلها في جانب آخر، وإنه التسليم لله ورسوله مهما حذَّر العقل، ونهت ظواهر الأشياء، وإنها الثقة التي لا تُجادل في أن الموت في الله شرف، لا يقل عن شرف النصر على الناس، وهيهات لمن يحمل هذه المبادئ أن يَذِلَّ أو يُهزَم، أو يكون بعيدًا عن تأييد الله ونصره.

وهكذا جرفت موجة الإيمان كافة عوامل التردد، وجاءت الساعة الرهيبة ودار القتال، ومشى مَلَك الموت يقطع رقاب الكفار، وتنجست الرمال بدماء الطائفة التي آذت الله ورسوله، وَوَطِئَت أقدام المسلمين حدودًا وجباهًا طالما استنكرت أن تسجد لله رب العالمين.

يقول شاهد عيان لأبي لهب يصف له ما كان: ولا تسيء يا عماه ما كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافَنَا يقتلونَنَا؛ ويأمرونَنَا كيف شاءوا.. لقينا رجالاً لا يتلقاهم شيء، ولا يقوم لهم شيء، وصدق الله العظيم إذ يقول: ) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ المُؤمِنينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَليمٌ* ذَلِكُم وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ( (الأنفال: 17ـ18).

أسباب النصر

وللنصر في كل حرب أسباب فعالة مثل: الإعداد والتدريب وتوفير السلاح وتوفير عنصر المفأجاة إلى غير ذلك من الأسباب، ولا بد للمسلمين أن يأخذوا بهذه الأسباب جميعًا؛ لأنها سنة الله في كونه، وناموس من نواميس الحياة والأخذ بالأسباب من صميم التوكل على الله.

وهناك أسباب للنصر لا يد للبشر فيها، فللحالة الجوية دخل عميق في تصريف المعارك، وقد شاهدنا كيف يوقف البرد والثلج زحف الجيوش، وكيف توقف السحب هجوم الطائرات، وكيف يؤثر هذا وذاك في النهاية الحاسمة، وكذلك الإيمان الذي يملا القلوب بالله والثقة في وعده، والإصرار والعناد من أسباب النصر وحالة الجو بيد الله وحده وحالة القلوب كذلك بين أصابع الرحمن، وأخيرًا قدرته ومشيئته "وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم".

كان موقف المسلمين في المدينة بحاجة إلى تدعيم بعدما تكاثرت فتن اليهود ودسائس المنافقين، وماذا عسى يصنع المهاجرون الغرباء عن وطنهم، والأنصار الغرباء بعقيدتهم بين جماهير المشركين المتآلية عليهم؟ لذلك جاءت موقعة بدر وجاء النصر فيها، مكأفاة رائعة لقوم ظلوا بضعة عشر عامًا مؤمنين صابرين، وعقابًا مريرًا أبطرهم الطغيان وأغراهم بالعدوان "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعللكم تشكرون". آل عمران.

إن الإيمان هو السلاح الوحيد الذي لا يوجد في ترسانة الغرب أو الشرق والإسلام هو الإسلام يخرج الرجال ويصنع الأبطال في كل زمان ومكان، وما على المسلمين إلا أن يلجئوا إلى الله ويملئوا قلوبهم بالإيمان به والثقة في وعده، ويحكموا شريعته في كل أمورهم ويعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا ولهم عندئذ أن ينتظروا نصره وتأييده فلن يخلف الله وعده ومن أوفى بعهده من الله (وكان حقا علينا نصر المؤمنين).

Matador
13-02-2008, 06:37 PM
فتح عمورية.. السيف أصدق إنباء


كانت وصية الخليفة المأمون لأخيه المعتصم وهو على فراش المرض أن يقضي على فتنة بابك الخُرَّمي، وكان زعيم فرقة ضالة، تؤمن بالحلول وتناسخ الأرواح، وتدعو إلى الإباحية الجنسية. وبدأت تلك الفتنة تطل برأسها في أذربيجان، ثم اتسع نطاقها لتشمل همدان وأصبهان، وبلاد الأكراد وجرحان. وحاول المأمون أن يقضي عليها فأرسل الحملات تترى لقمع تلك الفتنة، لكنه توفي دون أن يحقق نجاحًا، تاركًا للمعتصم مهمة القضاء عليها.

وما إن تولى المعتصم الخلافة حتى انصرف بكليته للقضاء على فتنة بابك الخرمي مهما كلفه الأمر، وخاصة بعد أن شغلت الخلافة سنوات طويلة، وأنهكت ميزانية الدولة، وأهلكت الرجال والأبطال. واستغلت الدولية البيزنطية انشغال الخليفة المعتصم بالقضاء على تلك الفتنة الهوجاء وراحت تعتدي على حدود الدولة العباسية، وجهزت لذلك جيشًا ضخمًا قادة إمبراطور الدولة، حيث هاجم شمال الشام والجزيرة.

وكان بابك الخرمي -حين ضاق عليه الحصار، واشتد الخناق عليه، وأيقن ألا مفر من الاستسلام- قد اتصل بإمبراطور الروم يحرضه على غزو الدولة العباسية؛ ليخف الحصار عليه، وزين له أمر الهجوم بأن معظم جيوش الدولة مشغول بالقضاء عليه، ولم يبق في العاصمة قوة تدافع عنها، ووعده باعتناق المسيحية هو وأتباعه.

عزز ذلك الأمر من رغبة الإمبراطور في الهجوم على الدولة العباسية، ودخل بقواته مدينة "زبطرة" التي تقع على الثغور وكانت تخرج منها الغزوات ضد الروم. وقتل الجيش البيزنطي من بداخل المدينة من الرجال، ثم انتقل إلى "ملطية" المجاورة، فأغار عليها وعلى كثير من الحصون، ومثّل الجيش الرومي بمن وقع في يده من المسلمين، وسمل أعينهم، وقطع آذانهم وأنوفهم، وسبى أكثر من ألف امرأة مسلمة، ورجع الجيش البيزنطي إلى القسطنطينية فرحًا بما حقق، واستُقبل من أهلها استقبالا رائعًا.

النفير

وصلت هذه الأنباء المروعة إلى أسماع الخليفة المعتصم وكان قد أوشك على قمع فتنة بابك الخرمي. وحكى الهاربون الفظائع التي ارتكبها الروم مع المسلمين، فاستعظم الخليفة ما حدث، وأمر بعمامة الغزاة فاعتمّ بها، ونادى لساعته بالنفير والاستعداد للحرب، وبعث بنجدة إلى أهل زبطرة بقيادة "عجيف بن عنبسة"، استطاعت أن ترد إليها الهاربين من أهلها تطمئنهم، وفي هذه الأثناء تمكن "الأفشين" أبرع قادة المعتصم من القضاء على الفتنة وألقى القبض على بابك الخرمي في (10 من شوال 222هـ = 16 من سبتمبر 837 م).

وكان المعتصم قد سأل: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية؛ لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كان الإسلام وهي عين النصرانية، فسارع بتعبئة الحملة وتجهيز الجيش بكل ما يحتاجه، حتى قيل: إنه لم يتجهز قبله مثله، وخرج إلى عمورية في (جمادى الأولى 223هـ= إبريل 838م) ولم تكن من عادة الحملات الكبرى الخروج في ذلك الوقت، غير أن الخليفة كان متلهفا للقاء، ورفض قبول توقيت المنجّمين الذين تنبئوا بفشل الحملة إذا خرجت في هذا التوقيت، وهذا ما عبر عنه الشاعر الكبير "أبو تمام" في بائيته الخالدة التي استهلها بقوله:

السيف أصدق أنباءً من الكتب ** في حدّه الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف في ** متونهن جلاء الشك والريب

والعلم في شهب الأرماح لامعةً ** بين الخميسين لا في السبعة الشهب

أين الرواية؟ أم أين النجوم؟ وما ** صاغوه من زخرف فيها ومن كذب

تخرصًا وأحاديثا ملفقة ** ليست بنبع إذا عُدّت ولا غرب

عجائبا زعموا الأيام مجفلة ** عنهن في صفر الأصفار أو رجب

فتح أنقرة

وعند "سروج" قسم المعتصم جيشه الجرار إلى فرقتين: الأولى بقيادة الأفشين، ووجهتها أنقرة، وسار هو بالفرقة الثانية، وبعث "أشناس" بقسم منها إلى أنقرة ولكن من طريق آخر، وسار هو في إثره، على أن يلتقي الجميع عند أنقرة.

علم المعتصم من عيونه المنتشرين في المنطقة أن الإمبراطور البيزنطي قد كمن شهرًا لملاقاة الجيش الإسلامي على غرّة، وأنه ذهب لمفاجأة الأفشين، وحاول الخليفة أن يحذر قائده، لكنه لم يستطع، واصطدم الأفشين بقوات الإمبراطور عند "دزمون" وألحق الأفشين بالإمبراطور البيزنطي هزيمة مدوية في (25 من شعبان 223 هـ= 838م) ولم يحل دون النصر الضباب الكثيف الذي أحاط بأرض المعركة أو المطر الغزير الذي انهمر دون انقطاع، وهرب الإمبراطور إلى القسطنطينية، وبقي قسم من جيشه في عمورية بقيادة خاله "ياطس" حاكم "أناتوليا".

دخلت جيوش المعتصم أنقرة التي كانت قد أخليت بعد هزيمة الإمبراطور، وتوجهت إلى عمورية فوافتها بعد عشرة أيام، وضربت عليها حصارًا شديدًا.

حصار عمورية

بدأ الحصار في (6 من رمضان 223هـ= 1 من أغسطس 838م)، وأحاطت الأبراج الحربية بأسوار المدينة، في الوقت نفسه بعث الإمبراطور البيزنطي برسوله يطلب الصلح، ويعتذر عما فعله جيشه بزبطرة، وتعهد بأن يبنيها ويردّ ما أخذه منها، ويفرج عن أسرى المسلمين الذين عنده، لكن الخليفة رفض الصلح، ولم يأذن للرسول بالعودة حتى أنجز فتح عمورية.

ابتدأت المناوشات بتبادل قذف الحجارة ورمي السهام فقُتل كثيرون. وكان يمكن أن يستمر هذا الحصار مدة طويلة، لولا أن أسيرًا عربيًا قد أسره الروم دلّ الخليفة المعتصم على جانب ضعيف في السور، فأمر المعتصم بتكثيف الهجوم عليه حتى انهار، وانهارت معه قوى المدافعين عنه بعد أن يئسوا من المقاومة، واضطر قائد الحامية "ياطس" إلى التسليم، فدخل المعتصم وجنده مدينة عمورية في (17 من رمضان 223هـ= 12 من أغسطس 838م). وقد سجل أبو تمام هذا النصر العظيم وخلّد ذكرى المعركة، فقال:

فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ** نظمٌ من الشعر أو نثر من الخطب

فتح تفتّح أبواب السماء له ** وتبرز الأرض في أثوابها القشب

يا يوم وقعة عمورية انصرفت ** عنك المنى حُفّلا معسولة الحلب

ثم يصور الأهوال التي نزلت بالمدينة حتى اضطرت إلى التسليم تصويرا رائعًا، فيقول:

لقد تركتَ أمير المؤمنين بها ** للنار يوما ذليل الصخب والخشب

غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى ** يشلّه وسطها صبح من اللهب

حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ** عن لونها وكأن الشمس لم تغب

ثم يهنّأ الخليفة بهذا النصر الذي ناله بعد تعب ومشقة، فيقول:

خليفة الله جازى الله سعيك عن ** جرثومة الدين والإسلام والحسَب

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ** تُنال إلا على جسر من التعب

إن كان بين صروف الدهر من رحم ** موصولة أو زمام غير منقضب

فبين أيامك اللاتي نُصرت بها ** وبين أيام بدرٍ أقرب النسب

أبقت بني الأصفر الممراض كما سْمهم ** صُفْرَ الوجوه وجلّت أوجه العرب

وبعد هذا النصر قرر المعتصم المسير إلى القسطنطينية، لكن هذا المشروع لم يقيض له أن ينفذ، بعد أن اكتشف المعتصم مؤامرة للتخلص منه دبرها بعض أقربائه، كما أن فتح القسطنطينية يحتاج إلى قوى بحرية كبيرة لم يكن يملكها ساعتها، فتوقف المشروع إلى حين.

Matador
13-02-2008, 06:41 PM
الحرب العالمية الأولى.. أحداث ونتائج


برزت على الساحة الأوروبية ألمانيا وإيطاليا كدولتين قويتين بعد تحقيق وحدتيهما سنة (1287هـ= 1870م)، وأخذتا تطالبان بنصيبهما في المستعمرات، وتشاركان الدول الكبرى في التنافس الاستعماري، وفي الوقت نفسه ازدادت التناقضات الأوروبية، وازداد معها الشك وفقدان الثقة بين الدول الأوروبية، وكان مبدأ تحكيم القوة بشكل مطلق في النزاع يسود ذلك العصر؛ فظهرت سياسة الأحلاف الأوروبية الكبرى القائمة على مبدأ توازن القوى، وعرفت أوروبا سباق التسلح بين هذه التحالفات.

وكان الزعيم الألماني "بسمارك" قد ربط ألمانيا بمعاهدات تحالف ودفاع ضد كل من روسيا وفرنسا، فأدى ذلك إلى حدوث تقارب روسي ـ فرنسي رغم اختلاف أنظمة الحكم بهما، ووقِّع ميثاق عسكري بينهما سنة (1311هـ= 1893م) ضد ألمانيا عرف بالحلف الثنائي، ليقف في مواجهة التحالف الثلاثي بزعامة ألمانيا، وهكذا انقسمت أوروبا إلى معسكرين. وفي السنوات التالية لذلك بدأت الدول الأوروبية في تحالفات أخرى، منها معاهدة التحالف البريطانية- اليابانية سنة (1320هـ= 1902م)، والاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا سنة (1322هـ= 1904م).

والمعروف أن بريطانيا بدأت في تسوية خلافاتها مع فرنسا بسبب قلقها من تنامي القوة الألمانية البحرية، وتقدمها الصناعي ونزعتها إلى الفتح والاستعمار، وبذلك تخلت بريطانيا عن سياسة "العزلة المجيدة" عن دول أوروبا، ونتج عن التقارب بين لندن وباريس تقارب مع موسكو، تحول سنة (1325هـ= 1907م) إلى وفاق ثلاثي، وبهذا انقسمت أوروبا بين دول الوفاق الثلاثي -الذي يضم إنجلترا وفرنسا وروسيا-، ودول الحلف الثلاثي الذي يضم ألمانيا والنمسا وإيطاليا، غير أن روابط إيطاليا بالحلف الثلاثي كانت واهية، وأخذ الصراع في أوروبا يتخذ شكل تكتلات بعد أن كان في الماضي يتخذ شكلا انفراديًا، وأصبح التهديد بين دولتين بالحرب يتخذ شكل تهديد بالحرب بين كتلتين، أي حربا عالمية.

الأزمات

وقعت منذ عام (1324هـ= 1906م) أزمات في أوروبا بين دول الوفاق ودول الحلف، وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى، وكان أخطر هذه الأزمات في المغرب والبلقان، ففي المغرب كانت سيطرة الفرنسيين الاقتصادية قد استفزت الإمبراطور الألماني "وليم الثاني"؛ فدعت ألمانيا إلى عقد مؤتمر دولي في الجزيرة الخضراء (1324هـ= 1906م) تحول إلى صراع دبلوماسي بين فرنسا وألمانيا، لقيت كل دولة منهما التأييد من حليفاتها. وفي هذا المؤتمر ظهر احتمال قيام حرب بين ألمانيا وكل من: فرنسا وبريطانيا وروسيا، وبحث العسكريون في هذه الدول الخطط المحتملة لهذه الحرب.

وكانت الخطة الألمانية تقضي بأن يسحق الجيش الألماني فرنسا ويخرجها من ميدان القتال بحركة التفاف واسعة النطاق عبر الأراضي البلجيكية، وحين ينتهي من ذلك يقذف بكل قواته ضد الروس، وكان القيصر الألماني قد أصدر تعليمات بأن تقضي الخطة العسكرية بدخول الألمان باريس خلال أسبوعين من الحرب.

أما الأزمة الثانية فقد وقعت في البلقان سنة (1326هـ= 1908م)، وكانت المشروعات القومية في البلقان تمثل قنبلة موقوتة في قلب أوروبا؛ لأن كل دولة بلقانية لها أحلامها القومية التي تتعارض مع الدول البلقانية الأخرى ومع مصالح الدول الكبرى، وكانت إمبراطورية النمسا والمجر تقف في وجه كل الأماني القومية للصرب والبلغار والرومانيين وغيرهم.

وقد انفجر الصراع عندما قررت النمسا ضم البوسنة والهرسك إليها، وكان هذا الأمر يعني إبعاد مليون صربي عن وطنهم الأم إبعادًا أبديًا، وضمهم إلى الملايين الخمسة من الصربيين الخاضعين لإمبراطورية النمسا، فأعلنت روسيا التي تعتبر نفسها الأم لشعوب البلقان التعبئة العامة في (ذي الحجة 1326هـ= ديسمبر 1908م)؛ لكي تحتفظ بهيبتها.

فبدت الحرب وشيكة الوقوع، غير أن فرنسا لم تبد حماسًا لتأييد روسيا، ونصحت بريطانيا النمسا بإعادة النظر في موقفها؛ فعرضت النمسا تقديم تعويض مالي للسلطان العثماني عن ممتلكاته في البوسنة والهرسك، على أن تقبل الدول الأوروبية الاعتراف بما حدث، إلا أن الروس راوغوا في قبول هذا الاقتراح، فهددت ألمانيا روسيا التي رضخت لهذا التهديد.

وبالتالي لم يكن في وسع الصرب مواجهة النمسا، خاصة أن دعاة الحرب في النمسا كان يروجون لفكرة ضرورة مواجهة الأفعى الصربية، وأن الحرب مع الصرب آتية لا محالة ومن الأفضل التعجيل بها؛ فأقر الصرب بضم النمسا للبوسنة والهرسك، وبذلك انتهت الأزمة التي هزت النظام القائم في أوروبا هزًا عنيفًا بانتصار التحالف الألماني النمساوي، غير أن الطريقة التي هزم بها الوفاق الثلاثي (الروسي- الفرنسي- الإنجليزي) قربت ساحة الحرب بدرجة كبيرة، فقد هزمت روسيا تحت تهديد السلاح الألماني، وكان على دول الوفاق ألا تسمح بحدوث ذلك مرة أخرى.

أزمة أغادير

وجاءت أزمة أغادير في (شعبان 1336هـ= يوليو 1911) لتقرب الطريق إلى الحرب، فقد انتهزت فرنسا الوضع الداخلي في المغرب، وأرسلت حملة بحرية لمساعدة سلطانها، فأثار هذا العمل ألمانيا التي أرسلت إحدى مدمراتها إلى ميناء أغادير المغربي بحجة حماية المصالح والرعايا الألمان؛ فأعلن رئيس الوزراء البريطاني "مانش هاوس" أن بلاده لن تقف ساكنة إذا فُرضت الحرب على فرنسا، وأدرك الجميع بعد خطاب هاوس أن ألمانيا أمام خيارين إما أن تقاتل أو تتراجع، إلا أن هذه الأزمة انتهت باتفاقية أصبحت بمقتضاها المغرب فرنسية، مع احتفاظ ألمانيا بالحق في التجارة بها، وتعويضها بشريطين كبيرين في الكونغو الفرنسي.

وقد تغيرت السياسة الفرنسية تغيرًا جذريًا بعد أزمة أغادير، فقد تولت السلطة في باريس حكومة ذات نزعة وطنية متطرفة بزعامة بوانكاريه، حيث تبنت إستراتيجية الدفاع الهجومي لمواجهة ألمانيا أو ما يعرف بالحرب الوقائية بدلا من إستراتيجية الدفاع فقط، وأدى ذلك إلى قيام فرنسا بحمل روسيا على التخلص من جميع ارتباطاتها مع ألمانيا، في مقابل حصولها على مساندة فرنسية للادعاءات الروسية في البلقان، وأعلنت فرنسا أنه إذا تدخلت ألمانيا في حرب تنشب في البلقان، فستدخل تلك الحرب إلى جانب روسيا في كل الأحوال.

أما إيطاليا فاستغلت أزمة أغادير لتحقيق أطماعها في شواطئ ليبيا وبحر إيجه، وأعلنت الحرب على الدولة العثمانية، فوقفت ألمانيا إلى جانب الدولة العثمانية، وهو الأمر الذي ساعد على خروج إيطاليا من الحلف الثلاثي وإعلانها الحرب على ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى.

سباق التسلح

كان برنامج التسلح الألماني البحري يقوم على أن يكون لألمانيا أسطول بحري مقاتل يكون أقوى من أي قوة بحرية تملكها أعظم دولة بحرية معادية، وقد أقنعت أزمة أغادير بريطانيا وألمانيا بأن الحرب ستكون السبيل الوحيد لحل أي خلاف بينهما في المستقبل؛ لذلك تسابقت الدولتان في التسلح البحري، وكان المبدأ الذي تتمسك به بريطانيا لامتلاكها ناصية البحار هو أن تكون قوة الأسطول الإنجليزي مساوية لجموع قوات أقوى دولتين بحريتين في العالم؛ لذلك قلقت لندن من برنامج التسلح البحري الألماني.

أزمة البلقان

كان الصرب والبلغار يأملون أن تساعدهم روسيا في المستقبل؛ لذلك تنصلوا من وعودهم للنمسا في عدم القيام بدعاية للجامعة الصربية والدولة السلافية الكبرى في داخل النمسا والمجر، وانتهى الأمر بتكوين العصبة البلقانية التي تضم بلغاريا واليونان والصرب، وحذرت الدول الكبرى هذه العصبة من أي محاولة لتمزيق ممتلكات الدولة العثمانية في البلقان، غير أن الصرب أعلنوا الحرب على العثمانيين في (ذي القعدة 1330هـ= أكتوبر 1912م) فاشتعلت الحرب في البلقان، وفي ستة أسابيع انتزعت العصبة البلقانية جميع أراضي العثمانيين في أوروبا ما عدا القسطنطينية.

وأثارت هذه الانتصارات النمسا التي دعت إلى عقد مؤتمر دولي، وكان أهم غرض للنمسا هو حرمان الصرب من منفذ بحري مباشر على بحر الأدرياتيك، وأصبحت ألبانيا مركزًا للصراع الدبلوماسي الشديد بين النمسا وروسيا، لكن المشكلة سويت بإقامة دولة مستقلة في ألبانيا يحكمها ألماني، ووقعت معاهدة لندن التي حصرت الأملاك العثمانية في أوروبا في القسطنطينية وشبه جزيرة غاليبولي.

ولم يكد مداد معاهدة لندن يجف حتى نشبت الحرب بين دول العصبة البلقانية الثلاث على مغانم الحرب، وتدخلت الدولة العثمانية ورومانيا في تلك الحرب، وتدخلت الدول الكبرى لتحقيق مصالحها خاصة روسيا والنمسا، وانتهت الحرب البلقانية الثانية بهزيمة بلغاريا وضعفها، وتنامي قوة صربيا، وتزعزع مكانة النمسا الدولية؛ لذلك فكرت النمسا في سحق صربيا عسكريًا لتفادي خطر تكوين دولة صربيا الكبرى، وبالتالي تسببت الحروب البلقانية في زيادة التوتر داخل الكتلتين الأوروبيتين المتصارعتين: الحلف الثلاثي، والوفاق الثلاثي، والاستعداد لمواجهة عسكرية كبرى.

الحرب العالمية الأولى

وقد تهيأت الظروف لنشوب حرب عالمية كبرى بين الدول الأوربية عقب اغتيال طالب صربي متطرف لولي عهد النمسا الأرشيدق "فرانز فيرديناد" وزوجته في سراييفو يوم (4 شعبان 1332 هـ= 28 يونيه 1914م)، فانتهزت النمسا هذا الحادث وأعلنت الحرب ضد صربيا، وسرعان ما انتشرت هذه الحرب المحلية لتشمل القارة الأوروبية كلها، فقد شعرت روسيا بمسئوليتها عن حماية الصرب فأعلنت التعبئة العامة، ورفضت الإنذار الألماني بوقف هذه التعبئة، فأعلنت ألمانيا الحرب على روسيا.

ولما كانت فرنسا مرتبطة بتحالف مع روسيا، أعلنت ألمانيا عليها الحرب، وأخذت في تنفيذ مشروعها الحربي في غزو فرنسا عن طريق اختراق بلجيكا ولوكسمبورج في (14 من رمضان 1332هـ= 14 من أغسطس 1914م)، وكانت تلك بداية الحرب العالمية الأولى، التي شارك فيها ثلاثون دولة، واستمرت أربع سنوات ونصف السنة.

كان الحلفاء يتفوقون على ألمانيا والنمسا والمجر في القوة العسكرية، فقد كان لديهم (30) مليون مقاتل، في مقابل (22) مليون مقاتل، وكان للبحرية الإنجليزية السيطرة على البحار. أما الجيش الألماني فكان أفضل الجيوش الأوروبية وأقواها، وبلغت قوته أربعة ملايين وثلاثمائة ألف مقاتل مدربين تدريبًا كاملا، ومليون مقاتل مدربين تدريبًا جزئيًا.

وبدأت ألمانيا في تنفيذ خطتها لغزو فرنسا التي وضعت قبل تسع سنوات، غير أن روسيا انتهزت فرصة انشغال القوات الألمانية في فرنسا، وأرسلت جيشين كبيرين لتطويق القوات الألمانية في روسيا الشرقية، الأمر الذي اضطر ألمانيا إلى سحب ثلثي القوات الألمانية بعد أن كانت على بعد (12) ميلا من باريس، وانتصر الألمان على الروس في معارك تاننبرج الشهيرة، وفقدت روسيا ربع مليون من جنودها، إلا أن هذا الانتصار أدى إلى هزيمة الألمان أمام الفرنسيين في معركة المارن الأولى، وكتب الخلاص لباريس من السيطرة الألمانية، وتقهقر الألمان وأقاموا المتاريس والخنادق، وتحولت الحرب منذ ذلك الحين إلى حرب خنادق احتفظ خلالها الألمان بتفوق نسبي فكانوا على بعد (55) ميلا من باريس.

لم تمنع هزيمة روسيا أمام الألمان من قتال النمسا والانتصار عليها حيث أجبرتها على الارتداد إلى مدينة كراكاو البولندية القديمة، وأصبح الروس في وضع يهددون فيه ألمانيا تهديد خطيرًا؛ لأنهم لو تمكنوا من احتلال كراكاو لأمكنهم تدمير خط الدفاع على الحدود الألمانية بأسره، ولم يجد الألمان وسيلة غير تهديد وارسو في بولندا الخاضعة للسيادة الروسية، واشتبك الطرفان في معارك "لودز" التي انتهت بحماية الحدود الألمانية.

الدولة العثمانية والحرب العالمية الأولى

وفي نهاية (ذي الحجة 1332هـ= أكتوبر 1914م) دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا ضد روسيا، فقام الحلفاء بحملة عسكرية ضخمة على شبه جزيرة غاليبولي بهدف إنشاء ممر بين البحرين الأبيض والأسود، والاستيلاء على القسطنطينية لإنقاذ روسيا من عزلتها، وتطويق ألمانيا، غير أن هذه الحملة فشلت وانهزم الأسطول الإنجليزي وكانت كارثة كبيرة للحلفاء، فعمدوا إلى مهاجمة الدولة العثمانية في ممتلكاتها في الشرق الأوسط فاستولوا على الممتلكات الألمانية في الشرق الأقصى والمحيط الهادي.

إيطاليا والحرب العالمية الأولى

وفي (رجب 1333هـ= مايو 1915م) أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا بعد أن كانت أعلنت حيادها عند نشوب الحرب، فقد أغراها الحلفاء بدخول الحرب لتخفيف الضغط عن روسيا مقابل الحصول على أراض في أوروبا وإفريقيا، واستطاع الإيطاليون رغم هامشية دورهم وضع الإمبراطورية النمساوية في أحرج المواقف؛ لذلك قامت الدول المركزية بحملة عليها بقيادة القائد الألماني بيلوف، وألحقوا بإيطاليا هزيمة ساحقة في كابوريتو في (المحرم 1336هـ= أكتوبر 1917م)، وأصبح ضعف إيطاليا هو الشغل الشاغل للحلفاء طوال ذلك العام.

الحرب عام 1915

استطاع الألمان عام (1334هـ= 1915م) تحقيق مزيد من الانتصارات على الحلفاء، فألحقوا الهزيمة بالروس في معركة "جورليس تارناو" في (رجب 1333هـ= مايو 1915م)، واحتلوا بولندا ومعظم مدن لتوانيا، وحاولوا قطع خطوط الاتصال بين الجيوش الروسية وقواعدها للقضاء عليها، إلا أن الروس حققوا بعض الانتصارات الجزئية على الألمان، كلفتهم (325) ألف أسير روسي، الأمر الذي لم يتمكن بعده الجيش الروسي من استرداد قواه.

وأدى النجاح الألماني على الروس إلى إخضاع البلقان، وعبرت القوات النمساوية والألمانية نهر الدانوب لقتال الصرب وألحقوا بهم هزيمة قاسية.

واستطاع الألمان في ذلك العام أن يحققوا انتصارات رائعة على بعض الجبهات، في حين وقفت الجبهة الألمانية ثابتة القدم أمام هجمات الجيشين الفرنسي والبريطاني، رغم ظهور انزعاج في الرأي العام الإنجليزي من نقص ذخائر الجيش البريطاني ومطالبته بتكوين وزارة ائتلافية، وحدثت تغييرات في القيادة العسكرية الروسية.

الحرب عام 1916

تميز ذلك العام بمعركتين كبيرتين نشبتا على أرض فرنسا دامت إحداهما سبعة أشهر، والأخرى أربعة أشهر، وهما معركة "فردان" و"السوم"، خسر الألمان في المعركة الأولى (240) ألف قتيل وجريح، أما الفرنسيون فخسروا (275) ألفا. أما معركة السوم فقد استطاع خلالها الحلفاء إجبار الألمان على التقهقر مائة ميل مربع، وقضت هذه المعركة على الجيش الألماني القديم، وأصبح الاعتماد على المجندين من صغار السن، وخسر الجيش البريطاني في هذه المعركة ستين ألف قتيل وجريح في اليوم الأول.

وظهرت في هذه المعارك الدبابة لأول مرة في ميادين القتال، وقد استطاع الروس خلال ذلك العام القيام بحملة على النمسا بقيادة الجنرال بروسيلوف، وأسروا (450) ألف أسير من القوات النمساوية والمجرية؛ فشجع هذا الانتصار رومانيا على إعلان الحرب على النمسا والمجر، فردت ألمانيا بإعلان الحرب عليها، واكتسح الألمان الرومانيين في ستة أسابيع ودخلوا بوخارست.

حرب الغواصات والولايات المتحدة

وجرت في ذلك العام حرب بحرية بين الألمان والإنجليز عرفت باسم "جاتلاند"، خرج خلالها الأسطول الألماني من موانيه لمقاتلة الأسطول الإنجليزي على أمل رفع الحصار البحري المفروض على ألمانيا، وانتصر الألمان على الإنجليز وألحقوا بالأسطول الإنجليزي خسائر فادحة، ولجأ الألمان في تلك الفترة إلى "حرب الغواصات" بهدف إغراق أية سفينة تجارية دون سابق إنذار، لتجويع بريطانيا وإجبارها على الاستسلام، غير أن هذه الحرب استفزت الولايات المتحدة، ودفعتها لدخول الحرب في (رجب 1335هـ= إبريل 1917م)، خصوصًا بعد أن علمت أن الألمان قاموا بمحاولة لإغراء المكسيك لكي تهاجم الولايات المتحدة في مقابل ضم ثلاث ولايات أمريكية إليها.

وكانت الولايات المتحدة قبل دخولها الحرب تعتنق مذهب مونرو الذي يقوم على عزلة أمريكا في سياستها الخارجية عن أوروبا، وعدم السماح لأية دولة أوروبية بالتدخل في الشؤون الأمريكية، غير أن القادة الأمريكيين رأوا أن من مصلحة بلادهم الاستفادة من الحرب عن طريق دخولها.

وقد استفاد الحلفاء من الإمكانات والإمدادات الأمريكية الهائلة في تقوية مجهودهم الحربي، واستطاعوا تضييق الحصار على ألمانيا على نحو أدى إلى إضعافها.

الحرب عام 1917

ومن الأحداث الهامة التي شهدها عام (1336 هـ= 1917م) قيام ونجاح الثورة البلشفية في روسيا، وتوقيع البلاشفة صلح برست ليتوفسك مع الألمان في (جمادى الآخرة 1336هـ= 1918م)، وخروج روسيا من الحرب. وشهد ذلك العام ـ أيضًا ـ قيام الفرنسيين بهجوم كبير على القوات الألمانية بمساعدة القوات الإنجليزية، غير أن هذا الهجوم فشل وتكبد الفرنسيون خسائر مروعة سببت تمردًا في صفوفهم، فأجريت تغييرات في صفوف القيادة الفرنسية.

ورأى البريطانيون تحويل اهتمام الألمان إلى الجبهة البريطانية، فجرت معركة "باشنديل" التي خسر فيها البريطانيون (300) ألف جندي بين قتيل وجريح، ونزلت نكبات متعددة في صفوف الحلفاء في الجبهات الروسية والفرنسية والإيطالية، رغم ما حققه الحلفاء من انتصارات على الأتراك ودخولهم العراق وفلسطين.

الحرب عام 1918 ونهاية المأساة

شجع خروج روسيا من الحرب القيادة الألمانية على الاستفادة من (400) ألف جندي ألماني كانوا على الجبهة الروسية وتوجيههم لقتال الإنجليز والفرنسيين، واستطاع الألمان تحطيم الجيش البريطاني الخامس في (جمادى الأولى 1336هـ= مارس 1918م)، وتوالت معارك الجانبين العنيفة التي تسببت في خسائر فادحة في الأرواح، والأموال، وقدرت كلفة الحرب في ذلك العام بحوالي عشرة ملايين دولار كل ساعة.

وبدأ الحلفاء يستعيدون قوتهم وشن هجمات عظيمة على الألمان أنهت الحرب، وقد عرفت باسم "معركة المارن الثانية" (شوال 1336هـ= يوليه 1918م) وكان يوم (1 من ذي القعدة 1336 هـ = 8 أغسطس 1918 م) يومًا أسود في تاريخ الألمان؛ إذ تعرضوا لهزائم شنيعة أمام البريطانيين والحلفاء، وبدأت ألمانيا في الانهيار وأُسر حوالي ربع مليون ألماني في ثلاثة شهور، ودخلت القوات البريطانية كل خطوط الألمان، ووصلت إلى شمال فرنسا، ووصلت بقية قوات الحلفاء إلى فرنسا.

واجتاحت ألمانيا أزمة سياسية عنيفة تصاعدت مع توالي الهزائم العسكرية في ساحات القتال، فطلبت ألمانيا إبرام هدنة دون قيد أو شرط، فرفض الحلفاء التفاوض مع الحكومة الإمبراطورية القائمة، وتسبب ذلك في قيام الجمهورية في ألمانيا بعد استقالة الإمبراطور الألماني، ووقعت الهدنة التي أنهت الحرب في (6 من صفر 1337هـ= 11 نوفمبر 1918م) بعد أربع سنوات ونصف من القتال الذي راح ضحيته عشرة ملايين من العسكريين، وجرح (21) مليون آخرين.

Matador
13-02-2008, 06:46 PM
بلاط الشهداء.. وتوقف المد الإسلامي بأوروبا


فتح المسلمون الأندلس سنة (92 هـ = 711م) في عهد الخليفة الأموي "الوليد بن عبد الملك"، وغنموا ملك القوط على يد الفاتحين العظيمين طارق بن زياد وموسى بن نصير، وأصبحت الأندلس منذ ذلك الوقت ولاية إسلامية تابعة لدولة الخلافة الأموية، وتعاقب عليها الولاة والحكام ينظمون شئونها ويدبرون أحوالها، ويواصلون الفتح الإسلامي إلى ما وراء جبال ألبرت في فرنسا.

ولم يكد يمضي على فتح الأندلس سنوات قليلة حتى نجح المسلمون في فتح جنوبي فرنسا واجتياح ولاياتها، وكانت تعرف في ذلك الحين بالأرض الكبيرة أو بلاد الغال، وكان بطل هذه الفتوحات هو "السمح بن مالك" والي الأندلس، وكان حاكما وافر الخبرة، راجح العقل، نجح في ولايته للأندلس؛ فقبض على زمام الأمور، وقمع الفتن والثورات، وأصلح الإدارة والجيش.

وفي إحدى غزواته التقى السمح بن مالك بقوات الفرنجة في تولوشة (تولوز)، ونشبت معركة هائلة ثبت فيها المسلمون ثباتا عظيما على قلة عددهم وأبدوا شجاعة نادرة، وفي الوقت الذي تأرجح فيه النصر بين الفريقين سقط السمح بن مالك شهيدًا من فوق جواده في (9 من ذي الحجة 102 هـ = 9 من يونيو 721م)، فاضطربت صفوف الجيش واختل نظامه وارتد المسلمون إلى "سبتمانيا" بعد أن فقدوا زهرة جندهم.

مواصلة الفتح

وعلى إثر استشهاد السمح بن مالك تولّى عبد الرحمن الغافقي القيادة العامة للجيش وولاية الأندلس، حتى تنظر الخلافة الأموية وترى رأيها، فقضى الغافقي بضعة أشهر في تنظيم أحوال البلاد وإصلاح الأمور حتى تولّى "عنبسة بن سحيم الكلبي" ولاية الأندلس في (صفر سنة 103 هـ = أغسطس من 721م)، فاستكمل ما بدأه الغافقي من خطط الإصلاح وتنظيم شئون ولايته والاستعداد لمواصلة الفتح، حتى إذا تهيأ له ذلك سار بجيشه في أواخر سنة (105 هـ = 724م) فأتم فتح إقليم سبتمانيا، وواصل سيره حتى بلغ مدينة "أوتون" في أعالي نهر الرون، وبسط سلطانه في شرق جنوبي فرنسا، وفي أثناء عودته إلى الجنوب داهمته جموع كبيرة من الفرنج، وكان في جمع من جيشه؛ فأصيب في هذه المعركة قبل أن ينجده باقي جيشه، ثم لم يلبث أن تُوفِّي على إثرها في (شعبان 107 هـ = ديسمبر 725م).

وبعد وفاته توقف الفتح وانشغلت الأندلس بالفتن والثورات، ولم ينجح الولاة الستة الذين تعاقبوا على الأندلس في إعادة الهدوء والنظام إليها والسيطرة على مقاليد الأمور، حتى تولى عبد الرحمن الغافقي أمور الأندلس في سنة (112 هـ = 730م).

عبد الرحمن الغافقي

لم تكن أحوال البلاد جديدة عليه فقد سبق أن تولى أمورها عقب استشهاد السمح بن مالك، وعرف أحوالها وخبر شئونها، ولا تمدنا المصادر التاريخية بشيء كثير عن سيرته الأولى، وجل ما يعرف عنه أنه من التابعين الذين دخلوا الأندلس ومكنته شجاعته وقدراته العسكرية من أن يكون من كبار قادة الأندلس، وجمع إلى قيادته حسن السياسة وتصريف الأمور؛ ولذا اختاره المسلمون لقيادة الجيش وإمارة الأندلس عقب موقعه "تولوشة".

كان الغافقي حاكما عادلا قديرا على إدارة شئون دولته، وتجمع الروايات التاريخية على كريم صفاته، وتشيد بعدله، فرحبت الأندلس بتعيينه لسابق معرفتها به وبسياسته، ولم يكن غريبا أن يحبه الجند لرفقه ولينه، وتتراضى القبائل العربية فتكف عن ثوراتها، ويسود الوئام إدارة الدولة والجيش.

غير أن هذا الاستقرار والنظام الذي حل بالأندلس نغصه تحركات من الفرنج والقوط واستعداد لمهاجمة المواقع الإسلامية في الشمال، ولم يكن لمثل الغافقي أن يسكت وهو رجل مجاهد عظيم الإيمان، لا تزال ذكريات هزيمة تولوشة تؤرق نفسه، وينتظر الفرصة السانحة لمحو آثارها، أما وقد جاءت فلا بد أن ينتهزها ويستعد لها أحسن استعداد، فأعلن عزمه على الفتح، وتدفق إليه المجاهدون من كل جهة حتى بلغوا ما بين سبعين ومائة ألف رجل.

خط سير الحملة

جمع عبد الرحمن جنده في "بنبلونة" شمال الأندلس، وعبر بهم في أوائل سنة (114 هـ = 732م) جبال ألبرت ودخل فرنسا (بلاد الغال)، واتجه إلى الجنوب إلى مدينة "آرال" الواقعة على نهر الرون؛ لامتناعها عن دفع الجزية وخروجها عن طاعته، ففتحها بعد معركة هائلة، ثم توجه غربا إلى دوقية أقطاينا "أكويتين"، وحقق عليها نصرا حاسما على ضفاف نمهر الدوردوني ومزّق جيشها شر ممزق، واضطر الدوق "أودو" أن يتقهقر بقواته نحو الشمال تاركا عاصمته "بردال" (بوردو) ليدخلها المسلمون فاتحين، وأصبحت ولاية أكويتين في قبضة المسلمين تماما، ومضى الغافقي نحو نهر اللوار وتوجه إلى مدينة "تور" ثانية مدائن الدوقية، وفيها كنيسة "سان مارتان"، وكانت ذات شهرة فائقة آنذاك؛ فاقتحم المسلمون المدينة واستولوا عليها.

ولم يجد الدوق "أودو" بدا من الاستنجاد بالدولة الميروفنجية، وكانت أمورها في يد شارتل مارتل، فلبى النداء وأسرع بنجدته، وكان من قبل لا يُعنى بتحركات المسلمين في جنوب فرنسا؛ نظرا للخلاف الذي كان بينه وبين أودو دوق أقطانيا

استعداد الفرنجة

وجد شارل مارتل في طلب نجدته فرصة لبسط نفوذه على أقطانيا التي كانت بيد غريمه، ووقف الفتح الإسلامي بعد أن بات يهدده، فتحرك على الفور ولم يدخر جهدا في الاستعداد، فبعث يستقدم الجند من كل مكان فوافته جنود أجلاف أقوياء يحاربون شبه عراة، بالإضافة إلى جنده وكانوا أقوياء لهم خبرة بالحروب والنوازل، وبعد أن أتم شارل مارتل استعداده تحرك بجيشه الجرار الذي يزيد في عدده على جيش المسلمين يهز الأرض هزا، وتردد سهول فرنسا صدى أصوات الجنود وجلباتهم حتى وصل إلى مروج نهر اللوار الجنوبية.

اللقاء المرتقب

كان الجيش الإسلامي قد انتهى بعد زحفه إلى السهل الممتد بين مدينتي بواتييه وتور بعد أن استولى على المدينتين، وفي ذلك الوقت كان جيش شارل مارتل قد انتهى إلى اللوار دون أن ينتبه المسلمون بقدوم طلائعه، وحين أراد الغافقي أن يقتحم نهر اللوار لملاقاة خصمه على ضفته اليمنى قبل أن يكمل استعداده فاجأه مارتل بقواته الجرارة التي تفوق جيش المسلمين في الكثرة، فاضطر عبد الرحمن إلى الرجوع والارتداد إلى السهل الواقع بين بواتييه وتور، وعبر شارل بقواته نهر اللوار وعسكر بجيشه على أميال قليلة من جيش الغافقي.

وفي ذلك السهل دارت المعركة بين الفريقين، ولا يُعرف على وجه الدقة موقع الميدان الذي دارت فيه أحداث المعركة، وإن رجحت بعض الروايات أنها وقعت على مقربة من طريق روماني يصل بين بواتييه وشاتلرو في مكان يبعد نحو عشرين كيلومترا من شمالي شرق بواتييه يسمّى بالبلاط، وهي كلمة تعني في الأندلس القصر أو الحصن الذي حوله حدائق؛ ولذا سميت المعركة في المصادر العربية ببلاط الشهداء لكثرة ما استشهد فيها من المسلمين، وتسمّى في المصادر الأوربية معركة "تور- بواتييه".

ونشب القتال بين الفريقين في (أواخر شعبان 114 هـ = أكتوبر 732م)، واستمر تسعة أيام حتى أوائل شهر رمضان، دون أن يحقق أحدهما نصرا حاسما لصالحه.

وفي اليوم العاشر نشبت معركة هائلة، وأبدى كلا الفريقين منتهى الشجاعة والجلد والثبات، حتى بدأ الإعياء على الفرنجة ولاحت تباشير النصر للمسلمين، ولكن حدث أن اخترقت فرقة من فرسان العدو إلى خلف صفوف المسلمين، حيث معسكر الغنائم، فارتدت فرقة كبيرة من الفرسان من قلب المعركة لرد الهجوم المباغت وحماية الغنائم، غير أن هذا أدى إلى خلل في النظام، واضطراب صفوف المسلمين، واتساع في الثغرة التي نفذ منها الفرنجة.

وحاول الغافقي أن يعيد النظام ويمسك بزمام الأمور ويرد الحماس إلى نفوس جنده، لكن الموت لم يسعفه بعد أن أصابه سهم غادر أودى بحياته فسقط شهيدا في الميدان، فازدادت صفوف المسلمين اضطرابا وعم الذعر في الجيش، ولولا بقية من ثبات راسخ وإيمان جياش، ورغبة في النصر لحدثت كارثة كبرى للمسلمين أمام جيش يفوقهم عددا. وصبر المسلمون حتى أقبل الليل فانتهزوا فرصة ظلام الليل وانسحبوا إلى سبتمانيا، تاركين أثقالهم ومعظم أسلابهم غنيمة للعدو.

ولما لاح الصباح نهض الفرنجة لمواصلة القتال فلم يجدوا أحدا من المسلمين، ولم يجدوا سوى السكون الذي يطبق على المكان، فتقدموا على حذر نحو الخيام لعل في الأمر خديعة فوجدوها خاوية إلا من الجرحى العاجزين عن الحركة؛ فذبحوهم على الفور، واكتفى شارل مارتل بانسحاب المسلمين، ولم يجرؤ على مطاردتهم، وعاد بجيشه إلى الشمال من حيث أتى.

تحليل المعركة

تضافرت عوامل كثيرة في هذه النتيجة المخزية، منها أن المسلمين قطعوا آلاف الأميال منذ خروجهم من الأندلس، وأنهكتهم الحروب المتصلة في فرنسا، وأرهقهم السير والحركة، وطوال هذا المسير لم يصلهم مدد يجدد حيوية الجيش ويعينه على مهمته، فالشقة بعيدة بينهم وبين مركز الخلافة في دمشق، فكانوا في سيرهم في نواحي فرنسا أقرب إلى قصص الأساطير منها إلى حوادث التاريخ، ولم تكن قرطبة عاصمة الأندلس يمكنها معاونة الجيش؛ لأن كثيرًا من العرب الفاتحين تفرقوا في نواحيها.

وتبالغ الروايات في قصة الغنائم وحرص المسلمين على حمايتها، فلم تكن الغنائم تشغلهم وهم الذين قطعوا هذه الفيافي لنشر الإسلام وإعلاء كلمته، ولم نألف في حروب المسلمين الحرص عليها وحملها معهم أينما ذهبوا، ولو كانوا حريصين عليها لحملوها معهم في أثناء انسحابهم في ظلمة الليل، في الوقت التي تذكر فيه الروايات أن الجيش الإسلامي ترك خيامه منصوبة والغنائم مطروحة في أماكنها.

نتائج المعركة

كثر الكلام حول هذه المعركة، وأحاطها المؤرخون الأوربيون باهتمام مبالغ، وجعلوها معركة فاصلة، ولا يخفى سر اهتمامهم بها؛ فمعظمهم يعدها إنقاذًا لأوروبا، فيقول "إدوارد جيبون" في كتاب "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية" عن هذه المعركة: "إنها أنقذت آباءنا البريطانيين وجيراننا الفرنسيين من نير القرآن المدني والديني، وحفظت جلال روما، وشدت بأزر النصرانية".

ويقول السير "إدوارد كريزي": "إن النصر العظيم الذي ناله شارل مارتل على العرب سنة 732م وضع حدا حاسما لفتوح العرب في غرب أوروبا، وأنقذ النصرانية من الإسلام".

ويرى فريق آخر من المؤرخين المعتدلين في هذا الانتصار نكبة كبيرة حلت بأوروبا، وحرمتها من المدنية والحضارة، فيقول "جوستاف لوبون" في كتابه المعروف "حضارة العرب"، الذي ترجمه "عادل زعيتر" إلى العربية في دقة وبلاغة:

"لو أن العرب استولوا على فرنسا، إذن لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا، مركزا للحضارة والعلم؛ حيث كان رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ بل ويقرض الشعر أحيانا، في الوقت الذي كان فيه ملوك أوروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم".

وبعد معركة بلاط الشهداء لم تسنح للمسلمين فرصة أخرى لينفذوا إلى قلب أوربا، فقد أصيبوا بتفرقة الكلمة، واشتعال المنازعات، في الوقت الذي توحدت قوة النصارى، وبدأت ما يُسمّى بحركة الاسترداد والاستيلاء على ما في يد المسلمين في الأندلس من مدن وقواعد.

Matador
14-02-2008, 06:24 AM
حصار نوهزل.. الطريق لوسط أوروبا


بلغت الدولة العثمانية في عهد السلطان "سليمان القانوني" (926-974هـ) أعلى درجات القوة والكمال؛ حيث امتدت رقعتها، وبسطت نفوذها في قارات العالم القديم: آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، ونعمت بالرخاء والطمأنينة، وازدهرت فيها العلوم والفنون، وارتقت العمارة والبناء، وتقدمت النظم الداخلية للدولة؛ نظرًا للقوانين التي سنَّها السلطان سليمان، الذي اشتهر بسليمان القانوني لأجلها.

ثم تعاقب بعده سلسلة من السلاطين، كان بعضهم قويَّ الهمة، عظيم الإرادة، شديد البأس، حريصا على الحفاظ على قوة الدولة وهيبتها، وكان بعضهم الآخر ضعيف النفس، خائر العزيمة، يميل للراحة والخلود إلى الدعة والسكينة، من هنا بدأ الوهن والضعف يتسربان إلى جسد الدولة رويدًا رويدًا، حتى كادا يعصفان بها، ويهددان مكانتها.

سلطان في السابعة

في وسط جو من العواصف والقلاقل التي أحاطت بالدولة من الداخل والخارج تولى "محمد خان الرابع" منصب السلطنة في (رجب 1058هـ = أغسطس 1648م) خلفًا لأبيه السلطان "إبراهيم"، الذي لقي مصرعه على يد الإنكشارية في ثورة من ثوراتهم العاصفة التي كانت تتجدد من حين إلى آخر.

كان السلطان "محمد الرابع" حين جلس على عرش الدولة في السابعة من عمره، لا يقوى على مباشرة سلطته وإدارة الدولة، فتولت مهمته جدته "كوسم مهبيكر"، وأصبحت نائبة السلطنة، واستمرت فترة نيابتها ثلاث سنوات، وأطلق المؤرخون على هذه الفترة من عهد السلطان محمد "سلطنة الأغوات" حيث سيطرت الإنكشارية على مقاليد الأمور في البلاد التي مرت بفترة عصيبة من حياتها، مخالفين بذلك أحكام الدولة، ومتجاوزين سلطة الحكومة.

لم يكن عمر السلطان "محمد الرابع" يمكنه من مباشرة سلطاته حتى بعد وفاة جدته، فتولت أمه "خديجة تارخان" نيابة السلطنة، وكانت صغيرة السن، في الرابعة والعشرين من عمرها حين تولت نيابة السلطنة، وتتمتع بذكاء شديد، وحرص على مصالح الدولة العليا؛ فاهتمت بالبحث عن الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) الذي يمكن أن تعتمد الدولة عليه؛ لكنها لم تجد بغيتها؛ فقد تعاقب على تولي هذا المنصب كثيرون من كبار رجال الدولة، عجزوا جميعًا عن الخروج بدولتهم من محنتها، حتى رشح لها مستشاروها الوزير "محمد باشا الشهير بكوبريللي"، وكان سياسيًّا ماهرًا، ورجل دولة يعتز بنفسه؛ فاشترط لقَبول هذا المنصب أن تُعطَى له الصلاحيات الكاملة لمباشرة منصبه، دون تدخل من أحد؛ فقبلت نائبة السلطنة، ولم يسبق في النظام العثماني أن يضع الوزير شروطًا لقَبول الصدارة العظمى، وباشر "كوبريللي" عمله في (1067هـ = 15 من سبتمبر 1656م)، وأعلن أن السلطان قد بلغ سن الرشد؛ فانتهت بذلك فترة نيابة أمه التي استمرت ثماني سنوات.

عائلة كوبريللي

نجح الصدر الأعظم في الفترة التي تولاها في ردع الإنكشارية، وألزمهم الهدوء والطاعة، والتفرغ لعملهم باعتبارهم جنود الدولة المكلفين بحمايتها والدفاع عنها، وليس لهم حق التدخل في إدارة شئون الدولة، واستطاع فك الحصار الذي ضربه "البنادقة" باحتلالهم بعض المواقع عند مدخل "الوردنيل"، وفرضهم الحصار على المواد التموينية الداخلة إلى الدولة؛ فارتفعت الأسعار، وتدهورت الحالة الاقتصادية، وتمكن من ردِّ اعتبار الدولة العثمانية في عَلاقتها مع بعض الدول الأوروبية.

وبعد وفاته في سنة (1072 = 1661م) خلفه ابنه "أحمد باشا كوبريللي"، وكان في السادسة والعشرين من عمره، وهو يُعَدُّ أصغر صدر أعظم في تاريخ الدولة العثمانية؛ لكنه كان على دراية كاملة بشئون أمور الدولة الداخلية والخارجية، نتيجة لتقلده عددًا من المناصب المهمة في الدولة، مثل إمارة الشام التي أصلح كثيرًا من أمورها بعد أن كانت مختلة النظام، كثيرة الفتن، وحين حلَّ المرض بوالده الصدر الأعظم ناب عنه في إدارة شئون الدولة.

كرس "أحمد كوبريللي" جهوده إلى الأمور الخارجية وخوض ميادين الجهاد، وترك متابعة الأمور الداخلية- وهو بها جدير- إلى "قرة مصطفى باشا"، وبدأ عهده بإعلان الدولة العثمانية الحرب على "النمسا"، بعد نقضها لمعاهدة "سيتفاتوروك" التي أُبرِمَت بين الدولتين، وبنائها قلعة حربية على الحدود بينهما، وعدم هدمها لها رغم إخطار الدولة العثمانية للنمسا بأن هذا العمل مخالف لبنود المعاهدة.

استسلام نوهزل

تحرك الصدر الأعظم "أحمد باشا كوبريللي" من "أدرنة"، ووصل إلى "المجر" على رأس جيش كبير، يبلغ نحو مائة وعشرين ألف جندي، ومزود بالمدافع والذخائر المحملة على ستين ألف جمل وعشرة آلاف بغل، ودخل "سلوفاكيا" ضاربًا كل الاستحكامات العسكرية التي كانت في طريقه، متجهًا إلى قلعة "نوهزل"، وهي تقع شمال غرب "بودابست"، على الشرق من "فيينا" بنحو 110كم، ومن "براتسلافيا" بنحو 80كم، وقد حصّنها الألمان، وجعلوها فائقة الاستحكام لكي تصبح أقوى قلاع أوروبا، وبدأ الجيش العثماني في حصارها في (13 من المحرم 1074هـ = 17 من أغسطس 1663م).

واستمر حصار العثمانيين للقلعة (37) يومًا؛ ما اضطر قائد حامية القلعة إلى طلب الاستسلام، ووافق الصدر الأعظم على ذلك؛ بشرط جلاء الحامية عن القلعة بغير سلاح ولا ذخائر، وقد أحدثت هذه الحملة دويًّا هائلاً في أوروبا، وأدخلت الرعب والهلع في قلوب ملوكها عامة. وبعد استسلام هذه القلعة العظيمة استسلمت حوالي (30) قلعة نمساوية.

وترتب على هذا الفتح العظيم أن تقدم "أحمد كوبريللي" بجيوشه فاتحًا إقليمي "مورافيا" (في تشيكوسلوفاكيا)، و"سيليزيا" في وسط أوروبا، وباتت "فيينا" عاصمة النمسا مهددة بالسقوط في أيدي المسلمين؛ ما دعا إمبراطور النمسا إلى طلب وساطة البابا "إسكندر الرابع" لدى "لويس الرابع عشر"، ملك فرنسا بقصد مساعدته، وكانت فرنسا أكبر أعداء إمبراطور النمسا؛ فأرسل له ملك فرنسا فرقة ممتازة مؤلفة من 5000 جندي.

غير أن هذا التحالف لم يثنِ الصدر الأعظم عن عزمه؛ فواصل تقدمه بجيوشه، ودارت بينهما عدة معارك، انتهت بتوقيع معاهدة صلح بين الدولتين، كان من أهم بنودها أن تدفع النمسا للعثمانيين غرامات حرب رمزية، قدرها 200000 سكة ذهبية، وأن تبقى كافة القلاع التي فتحتها الجيوش العثمانية تحت سيادته..‏‏

Matador
14-02-2008, 06:26 AM
نابليون في القاهرة


تعرضت مصر لحملتين صليبيتين في عهد الدولة الأيوبية، وكانت الحملتان تقودهما فرنسا، أما الأولى فقد عرفت بالحملة الصليبية الخامسة، وكانت بقيادة "جان دي برس". وأما الأخرى فقد عرفت بالحملة الصليبية السابعة، وكانت بقيادة الملك لويس التاسع ومنيت الحملتان بهزيمة مدوية عامي (618هـ= 1221م) و(648هـ=1250م) وخرجتا من مصر تجران أذيال الخيبة والعار.

غير أن رغبة فرنسا في احتلال مصر ظلت متقدة لم يطفئ جذوتها توالي السنين والقرون، وبقيت أملا لساستها وقادتها ينتظرون الفرصة السانحة لتحقيقه، ويبثون رجالهم في مصر يجوبونها في زي التجار أو السياح أو طلاب العلم، ويكتبون دقائق حياتها في تقارير يرسلونها إلى قادتهم هناك.

ولما بدأ الضعف يتسرب إلى الدول العثمانية ويدب في أوصالها أخذت فرنسا تتطلع إلى المشرق العربي من جديد، وراح الأمل القديم يحيا في النفوس، وبدأ الساسة الجدد ينتظرون لحظة الثأر من العار الذي لحقهم في معركة المنصورة خالدة الذكر في سنة (648هـ = 1250م)، وكانت تقارير رجالهم تحرضهم بأن اللحظة المناسبة قد حان أوانها ولا بد من انتهازها.

وكشفت تقارير "سانت بريست" سفير فرنسا في الآستانة منذ سنة (1768م) و"البارون دي توت" والمسيو "مور" قنصل فرنسا في الإسكندرية ضعف الدولة العثمانية، وأنها في سبيلها إلى الانحلال، ودعت تلك التقارير إلى ضرورة الإسراع باحتلال مصر، غير أن الحكومة الفرنسية ترددت ولم تأخذ بنصائحهم، احتفاظا بسياستها القائم ظاهرها على الود والصداقة للدولة العثمانية.

الشروع في إعداد الحملة

قبل قيام الحملة الفرنسية على مصر قدم "شارل مجالون" القنصل الفرنسي في مصر تقريره إلى حكومته في (22 من شعبان 1212هـ = 9 من فبراير 1798م) يحرضها على ضرورة احتلال مصر، ويبين أهمية استيلاء بلاده على منتجات مصر وتجارتها، ويعدد لها المزايا التي ينتظر أن تجنيها فرنسا من وراء ذلك.

وبعد أيام قليلة من تقديم تقرير مجالون تلقت حكومة فرنسا تقريرا آخر من "تاليران" وزير الخارجية، ويحتل هذا التقرير مكانة كبيرة في تاريخ الحملة الفرنسية على مصر؛ حيث عرض فيه للعلاقات التي قامت من قديم الزمن بين فرنسا ومصر وبسط الآراء التي تنادي بمزايا الاستيلاء على مصر، وقدم الحجج التي تبين أن الفرصة قد أصبحت سانحة لإرسال حملة على مصر وفتحها، كما تناول وسائل تنفيذ مشروع الغزو من حيث إعداد الرجال وتجهيز السفن اللازمة لحملهم وخطة الغزو العسكرية، ودعا إلى مراعاة تقاليد أهل مصر وعاداتهم وشعائرهم الدينية، وإلى استمالة المصريين وكسب مودتهم بتبجيل علمائهم وشيوخهم واحترام أهل الرأي منهم؛ لأن هؤلاء العلماء أصحاب مكانة كبيرة عند المصريين.

قرار الحملة

وكان من أثر التقريرين أن نال موضوع غزو مصر اهتمام حكومة الإدارة التي قامت بعد الثورة الفرنسية، وخرج من مرحلة النظر والتفكير إلى حيز العمل والتنفيذ، وأصدرت قرارها التاريخي بوضع جيش الشرق تحت قيادة نابليون بونابرت في (26 شوال 1212هـ = 12 من إبريل 1798م).

وتضمن القرار مقدمة وست مواد، اشتملت المقدمة على الأسباب التي دعت حكومة الإدارة إلى إرسال حملتها على مصر، وفي مقدمتها عقاب المماليك الذين أساءوا معاملة الفرنسيين واعتدوا على أموالهم وأرواحهم، والبحث عن طريق تجاري آخر بعد استيلاء الإنجليز على طريق رأس الرجاء الصالح وتضييقهم على السفن الفرنسية في الإبحار فيه، وشمل القرار تكليف نابليون بطرد الإنجليز من ممتلكاتهم في الشرق، وفي الجهات التي يستطيع الوصول إليها، وبالقضاء على مراكزهم التجارية في البحر الحمر والعمل على شق قناة برزخ السويس.

تجهيز الحملة

جرت الاستعدادات لتجهيز الحملة على خير وجه، وكان قائد الحملة الجنرال نابليون يشرف على التجهيز بكل عزم ونشاط ويتخير بنفسه القادة والضباط والعلماء والمهندسين والجغرافيين، وعني بتشكيل لجنة من العلماء عرفت باسم لجنة العلوم والفنون وجمع كل حروف الطباعة العربية الموجودة في باريس لكي يزود الحملة بمطبعة خاصة بها.

وأبحرت الحملة من ميناء طولون في (3 من ذي الحجة 1212 هـ = 19 من مايو 1798م) وتألفت من نحو 35 ألف جندي، تحملهم 300 سفينة ويحرسها أسطول حربي فرنسي مؤلف من 55 سفينة، وفي طريقها إلى الإسكندرية استولت الحملة على جزيرة مالطة من فرسان القديس يوحنا آخر فلول الصليبيين.

الأسطول الإنجليزي يراقب الحملة

وعلى الرغم من السرية التامة التي أحاطت بتحركات الحملة الفرنسية وبوجهتها فإن أخبارها تسربت إلى بريطانيا العدو اللدود لفرنسا، وبدأ الأسطول البريطاني يراقب الملاحة في البحر المتوسط، واستطاع نيلسون قائد الأسطول الوصول إلى ميناء الإسكندرية قبل وصول الحملة الفرنسية بثلاثة أيام، وأرسل بعثة صغيرة للتفاهم مع السيد "محمد كريم" حاكم المدينة وإخباره أنهم حضروا للتفتيش عن الفرنسيين الذين خرجوا بحملة كبيرة وقد يهاجمون الإسكندرية التي لن تتمكن من دفعها ومقاومتها، لكن السيد محمد كريم ظن أن الأمر خدعة من جانب الإنجليز لاحتلال المدينة تحت دعوى مساعدة المصريين لصد الفرنسيين، وأغلظ القول للبعثة؛ فعرضت أن يقف الأسطول البريطاني في عرض البحر لملاقاة الحملة الفرنسية وأنه ربما يحتاج للتموين بالماء والزاد في مقابل دفع الثمن، لكن السلطات رفضت هذا الطلب.

وتَوقُّع بريطانيا أن تكون وجهة الحملة الفرنسية إلى مصر العثمانية دليلٌ على عزمها على اقتسام مناطق النفوذ في العالم العربي وتسابقهما في اختيار أهم المناطق تأثيرا فيه، لتكون مركز ثقل السيادة والانطلاق منه إلى بقية المنطقة العربية، ولم يكن هناك دولة أفضل من مصر لتحقيق هذا الغرض الاستعماري.

وصول الحملة الإسكندرية

وصلت الحملة الفرنسية إلى الإسكندرية ونجحت في احتلال المدينة في (18 من المحرم 1212هـ= 2 من يوليو 1798م) بعد مقاومة من جانب أهلها وحاكمها السيد محمد كريم دامت ساعات، وراح نابليون يذيع منشورا على أهالي مصر تحدث فيه عن سبب قدومه لغزو بلادهم وهو تخليص مصر من طغيان البكوات المماليك الذين يتسلطون في البلاد المصرية، وأكد في منشوره على احترامه للإسلام والمسلمين، وبدأ المنشور بالشهادتين وحرص على إظهار إسلامه وإسلام جنده كذبا وزورا، وشرع يسوق الأدلة والبراهين على صحة دعواه، وأن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون، فقال: "إنهم قد نزلوا روما وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائما يحث النصارى على محاربة المسلمين،" وأنهم قد قصدوا مالطة وطردوا منها فرسان القديس يوحنا الذين كانوا يزعمون أن الله يطلب منهم مقاتلة المسلمين.

وأدرك نابليون قيمة الروابط التاريخية الدينية التي تجمع بين المصريين والعثمانيين تحت لواء الخلافة الإسلامية؛ فحرص ألا يبدو في صورة المعتدي على حقوق السلطان العثماني؛ فعمل على إقناع المصريين بأن الفرنسيين هم أصدقاء السلطان العثماني.. غير أن هذه السياسة المخادعة التي أراد نابليون أن يخدع بها المصريين ويكرس احتلاله للبلاد لم تَنْطلِ عليهم أو ينخدعوا بها؛ فقاوموا الاحتلال وضربوا أروع أمثلة الفداء.

الطريق إلى القاهرة

وفي مساء يوم (19 من المحرم 1212 هـ= 3 من يوليو 1798 م) زحفت الحملة على القاهرة، وسلكت طريقين أحدهما بري وسلكته الحملة الرئيسية؛ حيث تسير من الإسكندرية إلى دمنهور فالرحمانية، فشبراخيت، فأم دينار على مسافة 15 ميلا من الجيزة. وأما الطريق الآخر فبحري وتسلكه مراكب الأسطول الخفيفة في فرع رشيد لتقابل الحملة البرية قرب القاهرة.

ولم يكن طريق الحملة سهلا إلى القاهرة فقد لقي جندها ألوانا من المشقة والجهد، وقابلت مقاومة من قبل أهالي البلاد؛ فوقعت في (29 من المحرم 1213هـ = 13 من يوليو 1798م) أول موقعة بحرية بين مراكب المماليك والفرنسيين عند "شبراخيت"، وكان جموع الأهالي من الفلاحين يهاجمون الأسطول الفرنسي من الشاطئين غير أن الأسلحة الحديثة التي كان يمتلكها الأسطول الفرنسي حسمت المعركة لصالحه، واضطر مراد بك قائد المماليك إلى التقهقر صوب القاهرة.

ثم التقى مراد بك بالفرنسيين عند منطقة إمبابة في (7 من صفر 1213 هـ= 21 من يوليو 1798م) في معركة أطلق عليها الفرنسيون معركة الأهرام. وكانت القوات المصرية كبيرة غير أنها لم تكن معدة إعدادا جيدا؛ فلقيت هزيمة كبيرة وفر مراد بك ومن بقي معه من المماليك إلى الصعيد، وكذلك فعل إبراهيم بك شيخ البلد، وأصبحت القاهرة بدون حامية، وسرت في الناس موجة من الرعب والهلع خوفًا من الفرنسيين.

نابليون في القاهرة

دخل نابليون مدينة القاهرة تحوطه قواته من كل جانب، وفي عزمه توطيد احتلاله للبلاد بإظهار الود للمصريين وبإقامة علاقة صداقة مع الدولة العثمانية، وباحترام عقائد أهالي البلاد والمحافظة على تقاليدهم وعاداتهم؛ حتى يتمكن من إنشاء القاعدة العسكرية، وتحويل مصر إلى مستعمرة قوية يمكنه منها توجيه ضربات قوية إلى الإمبراطورية البريطانية.

وفي اليوم الثاني لدخوله القاهرة وهو الموافق (11 من صفر 1213هـ = 25 من يوليو 1798م) أنشأ نابليون ديوان القاهرة من تسعة من كبار المشايخ والعلماء لحكم مدينة القاهرة، وتعيين رؤساء الموظفين، غير أن هذا الديوان لم يتمتع بالسلطة النهائية في أي أمر من الأمور، وإنما كانت سلطة استشارية ومقيدة بتعهد الأعضاء بعدم القيام بأي عمل يكون موجها ضد مصلحة الجيش الفرنسي، ولم يكن الغرض من إنشاء هذا الديوان سوى تكريس الاحتلال الفرنسي والعمل تحت رقابة وأعين السلطات الفرنسية.

لقد كانت حملة نابليون على مصر حدثا خطيرا استهدف الأمة الإسلامية في الوقت الذي كانت فيه غافلة عما يجري في أوربا من تطور في فنون القتال وتحديث أنواع الأسلحة ونهضة شاملة، وكان نابليون يمنّي نفسه باحتلال إستانبول عاصمة الدولة العثمانية وتصفية كيانها باعتبارها دولة إسلامية كبرى وقفت أمام أطماع القارة الأوروبية، وذلك بعد أن يقيم إمبراطورية في الشرق، وقد عبر نابليون عن هذا الحلم بقوله: "إذا بلغت الآستانة خلعت سلطانها، واعتمرت عمامته، وقوضت أركان الدولة العثمانية، وأسست بدلا منها إمبراطورية تخلد اسمي على توالي الأيام…".

Matador
14-02-2008, 06:29 AM
خيبر.. اليهود غدر ونقض للعهود


أصبحت المدينة منذ أن حل بها النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد هجرته المباركة منزل الوحي، ومعقل الإسلام، وعاصمة الدولة الوليدة، واتخذ النبي من المسجد الذي بناه مقرًا لإدارة شئون المسلمين، فلم تقتصر وظيفته على أداء الصلوات، وإنما امتدت ليصبح مدرسة تخرج فيها الرعيل الأول من قادة المسلمين وحملة ألويته ودعاته المخلصين، ومكانًا تُعقد فيه الجلسات، وتُستقبل فيه الوفود والسفراء.

علاقة المسلمين بجيرانهم

وكان من الإجراءات التي اتخذها النبي (صلى الله عليه وسلم) لسلامة بناء مجتمع النبوة الناشئ، أن كتب وثيقة خالدة تحدد العلاقات والحقوق والواجبات بين سكانها جميعًا، مسلمين وغير مسلمين، فقررت الصحيفة حرية الدين لليهود ولقبائلهم وبطونهم التي سبق أن تحالفت معها بطون الأوس والخزرج، شريطة مراعاة حقوق المواطنة، والابتعاد عما يخل بالنظام، حيث جاء في الوثيقة: "وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم…".

غدر اليهود ونقضهم للعهود

غير أن اليهود لم يلتزموا بما تعاهدوا عليه، ولم يحترموا نصوص الوثيقة التي تنظم الحياة في المدينة، وإنما غدروا وخانوا، ونقضوا العهود، وهموا بقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) لولا أن عصمه الله منهم، وسعوا بالوقيعة بين الأوس والخزرج، وكادت تحدث فتنة بينهما لولا أن تداركتها حكمة النبي (صلى الله عليه وسلم) البالغة، ونقضوا عهدهم مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة الخندق، وكاد الأمر يتحول إلى كارثة تحل بالمسلمين بعد أن أصبحوا محاصرين من الأحزاب ويهود بني قريظة.

لكل هذا لم يجد النبي (صلى الله عليه وسلم) بدًا من إخراجهم من المدينة أو إنزال أقسى العقوبة بهم؛ حماية للدولة، وحفاظًا على أمن المسلمين وسلامتهم، وتوحيدًا للصف، فأجلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يهود بني قينقاع من المدينة في العام الثاني من الهجرة، ثم تبعهم يهود بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة، ثم قضى على يهود بني قريظة في العام الخامس من الهجرة لخيانتهم له (صلى الله عليه وسلم)، وتعريضهم المدينة للدمار وأهلها للفتك والقتل لو نجح المشركون في اقتحام المدينة في غزوة الأحزاب.

ولم يبق لليهود سوى خيبر، وهي قرية كبيرة تقع شمال شرقي المدينة بنحو 180كم، يسكنها بعض اليهود الذين لم تبد منهم بادرة سوء للمسلمين، أو يؤخذ عليهم أنهم حاربوا الله ورسوله، ولم يُسمع أنهم اشتركوا في مؤامرة من المؤامرات التي كانوا لا يتوانون في إعدادها للنبي (صلى الله عليه وسلم)؛ ولهذا احترم النبي (صلى الله عليه وسلم) موقفهم وحيادهم، غير أنهم تبدلوا وجعلوا من بلدهم مركزًا لتجمع اليهود، فنزل عندهم يهود بني قينقاع وبني النضير، وصاروا يهددون المسلمين بمؤامراتهم، وأصبحوا خطرًا على أمن الدولة الإسلامية، ولا سيما أن خيبر تقع على الطريق المؤدي إلى الشام، فلزم تطهير ذلك الطريق من خطر هؤلاء، والقيام بتصفية بقايا الوجود اليهودي في شبه الجزيرة العربية؛ لتسلم قاعدة الإسلام الأساسية ومنطلقه من عدو ماكر.

الخروج إلى خيبر

لم يكد النبي (صلى الله عليه وسلم) يعود من الحديبية ويستريح بالمدينة شهرًا أو نحوه، حتى خرج إلى خيبر، في المحرم من العام السابع للهجرة، في ألف وستمائة مقاتل، وكان يهود خيبر من أشد الطوائف اليهودية بأسًا وأكثرهم مالاً، وأمنعهم حصونًا، وأكثرهم سلاحًا، حتى إن قريش وعرب الجزيرة وقفوا ينتظرون ما يسفر عنه التقاء القوتين. وفي الوقت نفسه استعد المسلمون استعدادًا حسنًا، فاشترط النبي (صلى الله عليه وسلم) ألا يخرج معه إلا من شهد الحديبية، وهم صفوة المسلمين، وخلاصة فرسانهم وأبطالهم الشجعان، يغمرهم إيمان عامر، وحب للشهادة في سبيل الله، وثقة في نصر الله لهم.

وكانت خيبر مكونة من ثلاث مناطق تضم قلاعهم وحصونهم، وتمتلئ بنحو عشرة آلاف مقاتل، والمناطق الثلاث هي:

- منطقة النطاة، وبها حصن ناعم، وعليه "مرحب"، وهو واحد من أبرز زعماء خيبر وفرسانها، بالإضافة إلى حصنين آخرين، هما: حصن الصعب بن معاذ، وحصن قلعة الزبير.

- منطقة الشق، وبها حصنان.

- منطقة الكتيبة، وبها حصن "القموص" لبني الحقيق من يهود بني النضير، وحصنان آخران.

خطة الفتح

أعاد النبي (صلى الله عليه وسلم) توزيع جيشه، فقسمه أربع فرق: واحدة بقيادة أبي بكر الصديق، والثانية بقيادة عمر بن الخطاب، والثالثة بقيادة سعد بن عبادة، والرابعة بقيادة الحُبَاب بن المنذر، وأمّر على الجيش علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم جميعًا.

وكان حصن "ناعم" أول حصن يتعرض له المسلمون بالهجوم، وكان محصّنًا تحصينًا منيعًا، ودار أمامه قتال عنيف دون أن يتمكن المسلمون من اقتحامه؛ نظرًا لاستماتة المدافعين عنه، واستمر القتال طوال اليوم دون تحقيق نصر، وجُرح من المسلمين خمسون، واستشهد واحد منهم، وفي اليوم التالي خرج "مرحب" قائد الحصن مختالاً بقوته وسلاحه، ودعا المسلمين إلى المبارزة، فبرز إليه "محمد بن مسلمة" ونجح في قتله، وقيل قتله علي بن أبي طالب، وتمكن أبطال المسلمين من قتل إخوة "مرحب" وكانوا أبطالاً صناديد، وكان لقتلهم أثر في إضعاف معنويات المدافعين عن الحصن، وبعد قتال دام خمسة عشر يومًا تمكن المسلمون بقيادة علي بن أبي طالب من فتح الحصن، والاستيلاء عليه، وفر من بقي من اليهود إلى حصن "صعب"، وكان حصنًا منيعًا هو الآخر، وأوكل النبي (صلى الله عليه وسلم) مهمة فتح هذا الحصن إلى "الحباب بن المنذر" الذي نجح في اقتحامه بعدما أبلى المسلمون بلاءً حسنًا، واستولى على ما في الحصن من أسلحة وعتاد، وكانت كثيرة جدًا، حيث كان يُعد هذا الحصن مخزنًا لأسلحة يهود خيبر، ومعداتهم الحربية من سيوف ودروع ومجانيق.

وبسقوط هذين الحصنين علت كِفّة المسلمين في الحرب، وأيقن اليهود أنهم لا قبل لهم بالمواجهة العسكرية، فطلبوا الصلح، فأجابهم النبي (صلى الله عليه وسلم) عليه، وعقد معهم معاهدة كان من بنودها أن يجلوا عن خيبر إلى الشام، ويسلّموا قلاعهم وحصونهم إلى المسلمين بما فيها من أسلحة وعتاد، لكنهم طلبوا من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يظلوا يعملون في أرض خيبر مقابل نصف ما تنتجه، وأن يكونوا في حمى المسلمين وتحت حكمهم، فقبل النبي (صلى الله عليه وسلم) منهم ذلك.

وعلى الرغم من تحقيق هذا النصر العظيم، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) عامل اليهود معاملة حسنة، ولم يقابل إساءاتهم بإساءة، فرد عليهم صحفًا من توراتهم حين طلبوها منه، وكانت قد وقعت فيما وقع من غنائم للمسلمين، ولم يصنع النبي مثلما صنع الرومان حين فتحوا أورشليم؛ حيث أحرقوا الكتب المقدسة.

نتائج هذا الفتح

كان من نتائج هذا الفتح أن صالح يهود "فدك" النبي (صلى الله عليه وسلم) على أن يحقن دماءهم، وكذلك فعل يهود "تيماء" و"وادي القرى"، فصالحوه على دفع الجزية، وبقوا في بلادهم آمنين.. وبهذا النصر المبين دان اليهود كلهم للإسلام، وانتهى ما كان لهم من نفوذ وجاه، ولم تقم لهم قائمة بعدُ، وبهذا أصبحت الدولة الإسلامية بمأمن من ناحية الشمال إلى بلاد الشام.

Matador
14-02-2008, 06:32 AM
سقوط طليطلة وبداية الجرح الأليم


ظلت الأندلس نحو ثلاثة قرون دولة واحدة، تخضع لحكومة مركزية قوية منذ أن أشرقت عليها شمس الإسلام في عهد الخلافة الأموية، ومكثت طوال هذه المدة متحدة الأجزاء كأنها كتلة واحدة، لا تعرف عدوا لها سوى أسبانيا النصرانية في الشمال. وتعاقب على الأندلس حكام أقوياء من قِبل الأمويين قبل أن تستقل وتصير دولة ذات مجد وسؤدد، منذ أن أسس بها "عبد الرحمن الداخل" خلافة أموية عقب سقوط الأمويين في المشرق سنة (132 هـ= 749م) وقيام الخلافة العباسية.

سقوط الخلافة الأموية في الأندلس

غير أن الخلافة الأموية الزاهرة أصابها الوهن، ودب في أوصالها أعراض الضعف والانحلال، وصارت ألعوبة في أيدي الطامعين والمغامرين، ومطمعًا للظامئين إلى الملك والسلطان، حتى اختتمت سلطانها، ولفظت أنفاسها الأخيرة سنة (422 هـ= 1031م) بعد أن دامت مائتين وأربعة وثمانين عامًا منذ قيام عبد الرحمن الداخل بتأسيسها سنة (138هـ =756م).

ساد الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية حالة من الفوضى والارتباك، وتمزقت أشلاء متفرقة، وصارت إمارات صغيرة، ودويلات متعددة، عُرفت في التاريخ الأندلسي باسم عصر ملوك الطوائف، حيث استقل كل أمير بناحية، وجعل من نفسه ملكًا وسلطانًا.

قيام دولة بني ذي النون في طليطلة

كانت طليطلة من كبرى دول الطوائف رقعة ومساحة، وتحتل موقعًا حربيًا هامًا؛ حيث تقع على مشارف الأندلس الشمالية الوسطى، وعرفت منذ قيام الدولة الإسلامية بالأندلس بالثغر الأوسط؛ نظرًا لمتاخمتها حدود الممالك الأسبانية النصرانية، وعدت بذلك حاجز الدولة الإسلامية الشمالي الأوسط ضد عدوان النصارى.

وقامت في هذه المنطقة بعد سقوط الخلافة الأموية دولة "بني ذي نون" حيث تولى إسماعيل بن ذي نون حكم طليطلة سنة (427هـ= 1036م) لكنه لم يمكث في الحكم إلا قليلاً؛ إذ توفي في سنة (435هـ= 1043م) وخلفه ابنه يحيى بن إسماعيل، وتلقب بالمأمون.

الاستعانة بالقشتاليين

وقد استطال مدة حكم "المأمون بن ذي النون" ثلاثة وثلاثين عامًا، أنفق معظمها في حروب داخلية مع منافسيه من ملوك الطوائف، واستهل صراعه مع "ابن هود" صاحب مملكة "سرقسطة"، وهو جاره من الناحية الشمالية الشرقية، واستعان كل منهما في صراعه على توسيع رقعة مملكته ودولته بقشتالة ونافار الإمارتين المسيحيتين، بدلاً من أن يقفا معًا سدًا منيعًا في وجههما.

استباح النصارى أراضي المملكتين المسلمتين، بمساعي ابن هود وابن ذي النون الذميمة، وساءت أحوال المسلمين بعد أن عاث النصارى في أرضهم فسادًا، وتحركت مساعي الصلح بين الأميرين المسلمين، فتظاهرا بالرغبة في الصلح والمهادنة، ثم لم يلبثا أن عاودا القتال، كل واحد منهما يفسد أرض الآخر، وينزل بها الخراب والدمار بمساعدة حلفائه، واستمرت هذه الفتنة بين الأميرين ثلاثة أعوام من سنة (435 هـ= 1043م) إلى آخر سنة (438 هـ= 1046م)، ولم تتوقف هذه الحرب الوضعية إلا بوفاة ابن هود، وهدأت الأمور.

صراع في مملكة قشتالة

بعد أن استولى المأمون على إمارة بلنسية وضمها إلى دولته سنة (457هـ= 1065م) توفي في السنة نفسها فرناندو ملك قشتالة، وشب صراع بين أولاده الثلاثة: "سانشو" ملك قشتالة، و"ألفونسو" ملك ليون، و"غرسيه" ملك جليقية، واشتعلت حرب أهلية استمرت أعوامًا، انتهت بانتصار "سانشو" سنة (463هـ= 1071م) واغتصاب ملك أخويه، فلجأ "ألفونسو" إلى طليطلة طالبًا حماية المأمون بن ذي النون، فأكرم ضيافته، وعاش لمدة أشهر معززًا مكرمًا، حتى إذا توفي أخوه "سانشو" عاد إلى قشتالة ليتولى عرشها، وقد استغل هذا الأمير مدة إقامته في طليطلة في دراسة موقعها، ووضع الخطط التي تمكنه من الاستيلاء عليها إذا سنحت له الفرصة.. وهذا ما حدث بعد ذلك.

ولاية حفيد المأمون

توفي المأمون سنة (467هـ= 1075م) بعد أن نجح في بسط سلطانه على رقعة كبيرة من أرض الأندلس، وامتد حكمه ليشمل بلنسية وقرطبة، وقد خلفه حفيده "يحيى بن ذي النون" وكان فتى مترفًا قليل الخبرة والتجارب، يساعده وزير محنك له بصر بالأمور ودراية بالسياسة، لكن بطانة السوء زينت ليحيى ضرورة القضاء عليه، والتخلص منه، بدعوى استبداده بالأمر دونه، فمال إليهم، ونجحت مؤامرتهم في الفتك بالوزير الكفء في أوائل المحرم (468 هـ= 1076م).

جنى يحيى بن ذي النون نتائج سياسته الحمقاء، فتعرض لدسائس خصومه بالداخل، وغارات جيرانه بالخارج، فتعرضت طليطلة لغارات ابن هود صاحب سرقسطة، الذي كان يستعين بالجند النصارى، وخلعت بلنسية طاعتها، واستقل بها حاكمها، واسترد المعتمد بن عباد قرطبة حاضرة ملكه.

التجأ يحيى إلى قشتالة يلتمس منها الصون والحماية، نتيجة عجزه عن إدارة دولته، وضبط أمورها، وكان يحيى يعترف بطاعته لملك قشتالة ويدفع له الجزية، كما كان يفعل جده، ولكن ملك قشتالة غالى هذه المرة في طلباته، واشترط دفع مزيد من المال، وتسليم بعض الحصون القريبة من حدوده.. كل ذلك "ويحيى بن ذي النون" عاجز عن رده، حتى كادت خزائنه تنضب.

أدت هذه السياسة إلى اشتعال الثورة في طليطلة ضد حاكمها، فلاذ بالفرار هو وأهله إلى حصن "وبذة" سنة (473هـ= 1080م)، تاركًا طليطلة بلا حكومة، تضطرم بالفوضى، ولم يجد أهلها بدًا من استدعاء "المتوكل بن الأفطسي" أمير بطليوس ليتولى أمرهم، فقبل على كره منه، لكن يحيى عاود الاتصال مرة أخرى بملك قشتالة طالبًا عونه فأجابه إلى طلبه، وخرج معه في سرية من فرسانه، وساعده في الجلوس على عرشه المضطرب سنة (474 هـ= 1081م).

أطماع ملك قشتالة

كان ملك قشتالة قد أعد خطة ماكرة للاستيلاء على طليطلة، ساعده على تحقيقها تحالفات مخزية مع بعض ملوك الطوائف، مثل الحلف الذي عقده مع "المعتمد بن عباد" ملك إشبيلية، تعهد فيه بأن يعاون ابن عباد بالجند ضد أعدائه من الأمراء المسلمين، وفي مقابل ذلك يتعهد ابن عباد بأن يدفع لملك قشتالة جزية كبيرة، وأن يتركه حرًا طليقًا في أعماله ضد طليطلة، وألا يعترض سبيله في الاستيلاء عليها، وكان معظم ملوك الطوائف يؤدون في ذلة الجزية لملك قشتالة خوفًا من تهديداته، وطلبًا لعونه ضد بعضهم بعضا، ولم يسلم من هذا التصرف الشائن سوى الأمير المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس.

ومن جانب آخر اتبع ملك قشتالة سياسة إرهاق طليطلة بشن الغارات المتوالية عليها، وتخريب مزارعها واستنفاد مواردها، وظل يمارس تلك السياسة أربع سنوات كاملة، منذ أن أعاد يحيى بن ذي النون إلى عرشه سنة (474هـ= 1081م)، حتى يجد الفرصة السانحة للانقضاض على المدينة المنهكة، فلا تقدر على دفع الخطر الداهم عنها.

وضحت سياسة ملك قشتالة لكل ذي عينين، لكن ملوك الطوائف أصاب أعينهم العمى، فلم يروا الأخطار المحدقة بهم، وقيد خطوهم تحالفاتهم المخزية مع ملك قشتالة، وانشغالهم بمحاربة بعضهم بعضا، وبعد بعضهم عن مسرح الأحداث، ولم تُجْدِ الصرخة المنذرة التي أطلقها العلامة أبو الوليد الباجي الذي طاف عليهم ، يثير فيهم نخوتهم، ويحرك ضمائرهم، ويذكرهم بأخوة الإسلام، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، لكن صيحته ضاعت سدى، وغلبت الأهواء كل تفكير سليم.

سقوط طليطلة

وفي سنة (477هـ= 1084م) ضرب ألفونسو ملك قشتالة حصاره حول طليطلة، ولم يتقدم أحد لنجدتها، وكان يمكن لملك إشبيلية المعتمد بن عباد أن يكون أول من يقوم بالنجدة، لكنه لم يفعل هو ولا غيره، باستثناء المتوكل بن الأفطس، الذي أرسل ولده الفضل بجيش قوي لدفع ألفونسو عن طليطلة، لكنه لم يوفق لغلبة القوى النصرانية، على الرغم مما أبداه من حماسة بالغة وما خاصة من معارك دامية.

استمر الحصار نحو تسعة أشهر، واستبد بالناس الجوع والحرمان، واشتدت الحاجة دون أن تلوح في الأفق بادرة أمل أو إشراقة صباح، بعدما تخاذل الأخ، وانزوى الرفيق، وجبن الصديق، وفشلت محاولات الصلح مع ملك قشتالة الذي لم يقبل إلا بتسليم المدينة، فاضطر يحيى إلى تسليم المدينة، وغادرها إلى بلنسية. أما ألفونسو فقد دخل المدينة ظافرا في يوم الأحد الموافق غرة صفر 478 هـ= 25 مايو 1085م).

Matador
14-02-2008, 06:36 AM
سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية


نجح جنكيز خان في إقامة إمبراطورية كبيرة ضمن أقاليم الصين الشمالية، واستولت على العاصمة بكين، ثم اصطدم بالدولة الخوارزمية التي كانت تجاوره بسبب سوء تصرف حاكمها "محمد خوارزم شاه". وانتهى الحال بأن سقطت الدولة وحواضرها المعروفة مثل: "بخارى"، "وسمرقند"، و"نيسابور" في يد المغول بعد أن قتلوا كل من فيها من الأحياء، ودمروا كل معالمها الحضارية، وتوفي جنكيز خان سنة (624هـ = 1223م) بعد أن سيطرت دولته على كل المنطقة الشرقية من العالم الإسلامي.

الاستعداد لغزو الخلافة العباسية

بعد سلسلة من الصراعات على تولي السلطة بين أمراء البيت الحاكم تولى "منكوقآن بن تولوي بن جنكيز خان" عرش المغول في (ذي الحجة 648هـ = إبريل 1250م). وبعد أن نجح في إقرار الأمن وإعادة الاستقرار في بلاده اتجه إلى غزو البلاد التي لم يتيسر فتحها من قبل، فأرسل أخاه الأوسط "قوبيلاي" على رأس حملة كبيرة للسيطرة على جنوب الصين ومنطقة جنوب شرق آسيا، وأرسل أخاه الأصغر هولاكو لغزو إيران وبقية بلاد العالم الإسلامي، وعهد إليه بالقضاء على طائفة الإسماعيلية وإخضاع الخلافة العباسية.

خرج هولاكو على رأس جيش كبير يبلغ 120 ألف جندي من خيرة جنود المغول المدربين تدريبا عاليا في فنون القتال والنزال ومزودين بأسلحة الحرب وأدوات الحصار، وتحرك من "قراقورم" عاصمة المغول سنة (651هـ = 1253م) متجها نحو الغرب تسبقه سمعة جنوده في التوغل والاقتحام، وبأسهم الشديد في القتال، وفظائعهم في الحرب التي تزرع الهلع والخوف في النفوس، ووحشيتهم في إنزال الخراب والدمار في أي مكان يحلون به.

القضاء على الإسماعيلية

وعندما وصل هولاكو إلى الأراضي الإيرانية خرج أمراؤها لاستقباله وأمطروه بالهدايا الثمينة وأظهروا له الولاء والخضوع، ثم عبر هولاكو نهر جيحوم واتجه إلى قلاع طائفة الإسماعيلية، ودارت بينه وبينها معارك عديدة انتهت بهزيمة الطائفة ومقتل زعيمها "ركن الدين خورشاه".

وكان لقضاء المغول على طائفة الإسماعيلية وقع حسن عَمَّ العالم الإسلامي على الرغم مما عاناه من وحشية المغول وتدميرهم؛ وذلك لأن الإسماعيلية كانت تبث الرعب والفزع في النفوس، وأشاعت المفاسد والمنكرات، وأذاعت الأفكار المنحرفة، وكان يخشى بأسها الملوك والسلاطين.

رسائل متبادلة

نجح هولاكو في تحقيق هدفه الأول بالقضاء على الطائفة الإسماعيلية وتدمير قلاعها وإبادة أهلها، وبدأ في الاستعداد لتحقيق هدفه الآخر بالاستيلاء على بغداد والقضاء على الخلافة العباسية؛ فانتقل إلى مدينة "همدان" واتخذها مقرا لقيادته، وكان أول عمل قام به أن أرسل إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله رسالة في (رمضان 655 هـ = مارس 1257 م) يدعوه فيها إلى أن يهدم حصون بغداد وأسوارها ويردم خنادقها، وأن يأتي إليه بشخصه ويسلم المدينة له، وأوصاه بأن يستجيب حتى يحفظ مركزه ومكانته ويضمن حريته وكرامته، وإن أبى واستكبر فسيحل بأهله وبلاده الدمار والخراب، ولن يدع أحدا حيا في دولته.

جاء رد الخليفة العباسي على كتاب هولاكو شديدا ودعاه إلى الإقلاع عن غروره والعودة إلى بلاده، ثم أرسل هولاكو رسالة ثانية إلى الخليفة ذكر له فيها أنه سوف يبقيه في منصبه بعد أن يقر بالتبعية للدولة المغولية، ويقدم الجزية له؛ فاعتذر الخليفة العباسي بأن ذلك لا يجوز شرعا، وأنه على استعداد لدفع الأموال التي يطلبها هولاكو مقابل أن يعود من حيث أتى.

كان رد هولاكو على رسالة الخليفة أشد إنذارا وأكثر وعيدا وفي لهجة عنيفة وبيان غاضب وكلمات حاسمة؛ فحل الفزع في قلب الخليفة؛ فجمع حاشيته وأركان دولته واستشارهم فيما يفعل؛ فأشار عليه وزيره "ابن العلقمي" أن يبذل الأموال والنفائس في استرضاء هولاكو وأن يعتذر له، وأن يذكر اسمه في الخطبة، وينقش اسمه على السكة، فمال الخليفة إلى قبول هذا الرأي في بداية الأمر غير أن مجاهد الدين أيبك المعروف بـ"الدويدار الصغير" رفض هذا الاقتراح، وحمل الخليفة العباسي على معارضته متهما ابن العلقمي بالخيانة والتواطؤ مع هولاكو؛ فعدل الخليفة عن رأيه السابق ومال إلى المقاومة.

حصار بغداد

يئس هولاكو من إقناع الخليفة العباسي بالتسليم؛ فشرع في الزحف نحو بغداد وضرب حولها حصارا شديدا، واشتبك الجيش العباسي الذي جهزه الخليفة العباسي بقيادة مجاهد الدين أيبك بالقوات المغولية فكانت الهزيمة من نصيبه، وقتل عدد كبير من جنوده لقلة خبرتهم بالحروب وعدم انضباطهم، وفر قائد الجيش مع من نجا بنفسه إلى بغداد.

كان الجيش المغولي هائلا يبلغ حوالي 200 ألف مقاتل مزودين بآلات الحصار، ولم تكن عاصمة الخلافة العباسية تملك من القوات ما يمكنها من دفع الحصار ودفع المغول إلى الوراء، في الوقت الذي كان يظن فيه هولاكو أن ببغداد جيشا كبيرا، ثم تكشفت له الحقيقة حين اشتد الحصار، ونجحت قواته في اختراق سور بغداد من الجانب الشرقي، وأصبحت العاصمة تحت رحمتهم.

سقوط بغداد

أحس الخليفة بالخطر، وأن الأمر قد خرج من يديه؛ فسعى في التوصل إلى حل سلمي مع هولاكو، لكن جهوده باءت بالفشل؛ فاضطر إلى الخروج من بغداد وتسليم نفسه وعاصمة الخلافة إلى هولاكو دون قيد أو شرط، وذلك في يوم الأحد الموافق (4 من صفر 656 هـ= 10 فبراير 1258م) ومعه أهله وولده بعد أن وعده هولاكو بالأمان.

كان برفقه الخليفة حين خرج 3 آلاف شخص من أعيان بغداد وعلمائها وكبار رجالها، فلما وصلوا إلى معسكر المغول أمر هولاكو بوضعهم في مكان خاص، وأخذ يلاطف الخليفة العباسي، وطلب منه أن ينادي في الناس بإلقاء أسلحتهم والخروج من المدينة لإحصائهم، فأرسل الخليفة رسولا من قبله ينادي في الناس بأن يلقوا سلاحهم ويخرجوا من الأسوار، وما إن فعلوا ذلك حتى انقض عليهم المغول وقتلوهم جميعا.

ودخل الغزاة الهمج بغداد وفتكوا بأهلها دون تفرقة بين رجال ونساء وأطفال، ولم يسلم من الموت إلا قليل، ثم قاموا بتخريب المساجد ليحصلوا على ذهب قبابها، وهدموا القصور بعد أن سلبوا ما فيها من تحف ومشغولات قيمة، وأتلفوا عددا كبيرا من الكتب القيمة، وأهلكوا كثيرا من أهل العلم فيها، واستمر هذا الوضع نحو أربعين يوما، وكلما مشطوا منطقة أشعلوا فيها النيران، فكانت تلتهم كل ما يصادفها، وخربت أكثر الأبنية وجامع الخليفة، ومشهد الإمام موسى الكاظم، وغيرها من البنايات التي كانت آية من آيات الفن الإسلامي.

وبالغ المؤرخون في عدد ضحايا الغزو المغولي حين دخلوا بغداد، فقدرهم بعض المؤرخين بمليون وثمانمائة ألف نسمة، على حين قدرهم آخرون بمليون نسمة، وفي اليوم التاسع من صفر دخل هولاكو بغداد مع حاشيته يصحبهم الخليفة العباسي، واستولى على ما في قصر الخلافة من أموال وكنوز، وكانت الجيوش المغولية أبقت على قصر الخلافة دون أن تمسه بسوء، ولم يكتف هولاكو بما فعله جنوده من جرائم وفظائع في العاصمة التليدة التي كانت قبلة الدنيا وزهرة المدائن ومدينه النور، وإنما ختم أعماله الهمجية بقتل الخليفة المستعصم بالله ومعه ولده الأكبر وخمسه من رجاله المخلصين الذين بقوا معه ولم يتركوه في هذه المحنة الشديدة.

وبمقتل الخليفة العباسي في (14 من صفر 656 هـ = 20 من فبراير 1258م) تكون قد انتهت دولة الخلافة العباسية التي حكمت العالم الإسلامي خمسة قرون من العاصمة بغداد لتبدأ بعد قليل في القاهرة عندما أحيا الظاهر بيبرس الخلافة العباسية من جديد.

Matador
14-02-2008, 06:38 AM
بُهْرَسير.. الطريق إلى المدائن


كان المسلمون يرون فتح بلاد فارس أمرا صعب المنال، ومن ثم فقد كانوا يتهيبون غزوها، ولم يسعوا لقتالها.

فلما ولي عمر بن الخطاب الخلافة، ورأى أن بلاد فارس قد أصبحت مسرحًا للفوضى والاضطرابات صح عزمه على غزوها، وشجعه على ذلك تلك الهزيمة التي لحقت بالروم في "أجنادين" سنة (15هـ= 636م)، واطمئنانه أنهم لم يعودوا يمثلون خطرًا على المسلمين.

ووقع اختيار عمر بن الخطاب على واحد من أكفأ القادة المسلمين، وأكثرهم حماسًا واستعدادًا لمواجهة الفرس، وكان ذلك القائد هو "سعد بن أبي وقاص" فسيّره في جيش كبير إلى العراق وفارس (إيران).

انتصار القادسية

استطاع سعد في نحو عشرة آلاف فارس أن يحقق نصرًا ساحقًا على الفرس في القادسية، وكان قائد الفرس حينذاك "رستم" ذا الحاجب على رأس جيش بلغ مائة وعشرين ألف مقاتل، حيث دارت معركة عنيفة كانت من أهم المعارك في التاريخ بين المسلمين والفرس، واستمرت المعركة عدة أيام، حتى تحقق النصر للمسلمين، وفر رستم وجنوده، وغنم المسلمون فيها مغانم كثيرة.

كان انتصار المسلمين في القادسية دافعًا لهم للاستمرار في زحفهم نحو المدائن عاصمة الفرس، وسار سعد بجنوده حتى وصل إلى بهرسير وكانت إحدى حواضر فارس، فنزل سعد قريبًا منها، وأرسل مجموعة من جنوده لاستطلاع الموقف، وعاد هؤلاء الجنود وهم يسوقون أمامهم آلافًا من الفلاحين، من أهل تلك المدينة.

وحيثما علم "شيرزار" دهقان (أمير) "ساباط" بالأمر أرسل إلى سعد يطلب منه إطلاق سراح هؤلاء الفلاحين، ويخبره أنهم ليسوا مقاتلين، وإنما هم مجرد مزارعين أُجراء، وأنهم لم يقاتلوا جنوده؛ فكتب سعد إلى عمر يعرض عليه الموقف ويسأله المشورة: "إنا وردنا بهرسير بعد الذي لقينا فيما بين القادسية وبهرسير، فلم يأت أحد لقتال، فبثثت الخيول، فجمعت الفلاحين من القرى والآجام.. فرأيك".

فأجابه عمر: "إن من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يعينوا عليكم فهو أمانهم، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به".. فلما جاءه خطاب عمر خلى سعد سبيلهم.

حصار.. وفتح

وأرسل سعد إلى الدهاقين (رؤساء المدن والأقاليم) يدعوهم إلى الإسلام على أن يكون لهم ما هم عليه من الإمارة والحكم، أو الجزية ولهم الذمة والمنعة، فدخل كثير منهم الإسلام لما وجدوه من سماحة المسلمين وعدلهم -مع ما هم عليه من بأس وقوة- ولكن بهرسير امتنعت عنه، وظن أهلها أن حصونها تحول دون فتح المسلمين لها، فحاصرها سعد بجنوده طوال شهرين يرمونها بالمجانيق، ويدكونها بالدبابات التي صنعوها من الجلود والأخشاب؛ وكان الجنود يحتمون بها وهم يعاودون مهاجمة أسوار المدينة المرة بعد الأخرى، ويقاتلونهم بكل عدة.

ولكن المدينة كانت محصّنة فنصب سعد حولها عشرين منجنيقًا في أماكن متفرقة ليشغلهم ويصرفهم عن ملاحظة تقدم فرسانه نحو المدينة لاقتحامها.

وأحس الفرس بمحاولة المسلمين اقتحام المدينة؛ فخرج إليهم عدد كبير من الجنود الفرس ليقاتلوهم ويمنعوهم من دخول المدينة، وضرب المسلمون أروع الأمثلة في البطولة والفداء، وقوة التحمّل والحرص على الشهادة، وكان القائد "زُهْرة بن الجويّة" واحدا من أولئك الأبطال الشجعان الذين سطّروا بدمائهم ملحمة الانتصار، وكان عليه درع مفصومة، فأرادوا أن يصلحوها له قبل أن يخرج للقتال حتى لا يصيبه سهم من خلالها، ولكنه أبى، وقال: "إني لكريم على الله، إن ترك سهمُ فارس الجندَ كلَّه ثم أتاني من هذا الفصم حتى يثبت فيّ!".

وانطلق يقاتل في جرأة وشجاعة، حتى أصيب بسهم في ذلك الفصم، فتحامل على نفسه حتى استطاع أن يصل إلى قائد الفرس "شهْربَرَاز"، فضربه بسيفه فقتله.. وما إن رأى جنود الفرس قائدهم يسقط على الأرض مدرجًا في دمائه حتى تملكهم الهلع والذعر، وتفرق جمعهم، وتتشتت فرسانهم، وانطلقوا يفرون على غير هدى إلى الجبال.

وظل المسلمون يحاصرون بهرسير بعد أن فر الجنود والتحقوا بالفيافي والجبال، واشتد حصار المسلمين على المدينة؛ حتى اضطر أهلها إلى أكل الكلاب والقطط، فأرسل ملكهم إلى المسلمين يعرض الصلح على أن يكون للمسلمين ما فتحوه إلى دجلة، ولكن المسلمين رفضوا وظلوا يحاصرون المدينة، ويضربونها بالمجانيق، واستمر الحال على ذلك فترة من الوقت.

وبدت المدينة هادئة يخيم عليها الصمت والسكون، وكأنه لا أثر للحياة فيها، فحمل المسلمون عليها ليلاً، وتسلقوا أسوارها وفتحوها، ولكن أحدًا لم يعترضهم من الجنود، ولم يجدوا فيها إلا عددًا من السكان ساقوهم أسرى.. ودخل المسلمون بهرسير فاتحين بعد أن حاصروها زمنًا طويلاً.

الصلاة بإيوان كسرى

كان الظلام قد أرخى سدوله على المدينة، وكان ضوء القمر يرسم أشباح المنازل القابعة في أحضان سور المدينة العالي الحصين، وانتشر فرسان المسلمين ليحكموا سيطرتهم على المدينة، وفجأة لاح لهم قصر كسرى الشامخ بلونه الأبيض وبنائه السامق العجيب؛ فراحوا يكبرون.. وهم يتذكرون وعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعرش كسرى، وانطلق تكبيرهم يشق سكون الليل ويتردد في الفضاء.

ودخل سعد مع جنوده القصر الأبيض، وصلى في إيوان كسرى شكرًا لله على النصر.. فقد كان انتصار المسلمين وفتحهم لمدينة بهرسير الحصينة هو بداية الطريق إلى فتح "المدائن" عاصمة الفرس المنيعة القوية.

Matador
14-02-2008, 06:40 AM
هولاكو في بلاد الشام


دخل المغول الهمج بغداد حاضرة الخلافة العباسية، معلنين سقوط المدينة التليدة والعاصمة المتلألئة بنجوم العلم والأدب والثقافة، في واحدة من كبرى المآسي التاريخية التي حلّت بتاريخ المسلمين والبشرية، وذلك في الرابع من صفر سنة 656م.

ولم يكن دخولهم المدينة دخول الفاتحين الذين يعرفون قيمة المدينة والحضارة، ويقدّرون حقوق الإنسان، وإنما كان دخول العواصف الهائجة التي تدمر في طريقها كل شيء، فاستباحوا المدينة، وقتلوا السواد الأعظم من أهلها الذين قُدّروا بنحو مليون قتيل، وأضرموا النار في أحياء المدينة، وهدموا المساجد والقصور، وخربوا المكتبات وأتلفوا ما بها من تراث إنساني، وأصبحت المدينة التي كانت قِبْلَة العلم ومركز الحضارة أثرًا بعد عين.

الهلع يصيب العالم الإسلامي

لم يتحرك قادة البلاد المجاورة لنجدة بغداد ونصرة خليفتهم، وإنما تركوا المدينة تلقى مصيرها المحتوم، دون أن تثور في نفوسهم الشجاعة والفداء، أو تتحرك في أفئدتهم أخلاق المروءة والنصرة، فاكتفوا بالمشاهدة ورؤية المآسي والنكبات التي حلّت بالمدينة البائسة، يقيد الخوفُ خَطْوهم وتحركهم، ويعصب الهلع أعينهم، ويملأ الخوف قلوبهم؛ فتوقفت عقولهم عن التفكير، وانكفأ كل واحد منهم حول ذاته لا يدري ما مصيره.

وليت الأمر اقتصر على الهلع والفزع الذي ملأ قلوب هؤلاء القادة، وإنما هرولوا إلى هولاكو، يقدمون له فروض الطاعة والولاء، ويعلنون خضوعهم لسلطانه وجاهه، ويهنئونه بما ناله من "فتح"، وما أحرزه من نصر، ولو كان على أشلاء مليون مسلم لقوا حتفهم في بغداد.

وكان ممن حضر لتهنئة هولاكو في بغداد "بدر الدين لؤلؤ" أتابك الموصل، وكان شيخًا في الثمانين من عمره فشكره هولاكو على تعاونه معه بما قدمه من جند وعتاد وخيول.

كما وفد عليه اثنان من سلاجقة الروم، بلغت الذلة وهوان النفس بأحدهما أن رسم صورته على زوج من الأحذية، وقدمه إلى هولاكو قائلا له: "عبدك يأمل أن يتفضل الملك فيُشرّف رأس عبده بوضع قدمه المباركة عليها"!!.

أوضاع الشام قبل حملة هولاكو

كانت بلاد الشام في أثناء تلك المحنة يحكم الأيوبيون أجزاء كبيرة منها، فهم يسيطرون على ميافاريقين، وماردين، وحصن كيفا، والكرك، ودمشق، وحماة، وحمص، ولم تكن العلاقات بين حكام تلك البلاد ودية، على الرغم من انتسابهم إلى بيت واحد وأسرة واحدة كريمة، هي أسرة صلاح الدين الأيوبي.

وبدلاً من أن توحّد المحنة التي حلت بالمسلمين بينهم، وتنظم صفوفهم في وجه الخطر الداهم ظلوا على عنادهم وخلافاتهم المستمرة دون تقدير للمسئولية، أو إحساس بالخطر القادم؛ فتساقطوا كأوراق الشجر على يد المغول، وسارع بعضهم بإعلان الخضوع قبل مجيء هولاكو.

موقف الناصر يوسف الأيوبي

كان الملك "الناصر يوسف الأيوبي" صاحب حلب ودمشق أقوى الأمراء الأيوبيين، وأكثر قدرة واستعدادًا لمواجهة هولاكو لو رغب، لكنه لم يفعل، وأطارت محنة بغداد قدرته على التصرف بحكمة، فأعلن مبكرًا خضوعه للمغول، وأرسل ابنه "العزيز" وكان صغير السن إلى هولاكو، يحمل إليه الهدايا والتحف ويهنئه بالنصر، ويعلن خضوعه لسلطانه، ويطلب منه أن يمده بنجدة تساعده على الاستيلاء على مصر، وتخليصها من حكم دولة المماليك الذين انتزعوا الملك من بيته.

لم يكتف الملك الناصر بالخضوع لحكم المغول الوثني، بل استنصره ضد إخوانه المسلمين، غير أن هولاكو رأى أن وفد الملك الناصر لا يناسب مقامه، ولا يرضي غروره، فكتب إليه رسالة غاضبة يأمره بالإسراع إليه بنفسه، وتقديم آيات الخضوع دون قيد أو شرط، فانزعج السلطان الأيوبي، وحل الفزع والهلع قلبه، وفقد رباطه جأشه، وأدرك أنه هالك لا محالة؛ فاستعد استعداد اليائس لمواجهة المغول، وبعث بأسرته إلى مصر، وجلس ينتظر ما تسفر عنه الأحداث.

خروج حملة هولاكو

خرج هولاكو في شهر رمضان (657 هـ= 1259م) مع حلفائه من أمراء جورجيا وأرمينيا من عاصمة دولته "مراغة" في أذربيجان، متجهًا إلى الشام، يهز الأرض بجيشه البالغ مائة وخمسين ألف جندي، فاستولى على مدينة " ميافاريقين" عاصمة ديار بكر، وكانت تحت سيطرة الملك "الكامل محمد الأيوبي" الذي أبلى هو وجيشه بلاء حسنًا، وأظهروا فنونا من الشجاعة والفداء تثير الإعجاب والتقدير.

ولم تسقط المدينة إلا بعد أن عجزت عن المقاومة لقلة المؤن وانتشار الأوبئة، وهلاك أكثر الناس، واضطر الملك الكامل إلى التسليم، بعدما استنفد كل أسباب المقاومة ولم يعد للتصدي لزحف المغول جدوى.. وبعد التسليم قتل المغول الملك الشجاع شرّ قِتْلَة، وحملوا رأسه على رمح؛ انتقامًا منه لشجاعته ويقظته وشدة بأسه، وإشاعةً للفزع والهلع في نفوس المسلمين، ليقتنعوا بعدم جدوى الدفاع والصمود في وجه الطوفان المغولي.

الطريق إلى حلب

وبعد استيلاء هولاكو على ميافاريقين اتجه إلى ماردين، وكانت في قبضة الملك "السعيد" فوقف في وجه المغول موقفًا شجاعًا، فعجزوا عن اقتحام المدينة رغم الحصار المفروض عليها لمدة ثمانية أشهر، وحاول أحد أبناء الملك السعيد أن يدفع أباه إلى التسليم، فلما رفض قتله ذلك الولد العاق، وسلم المدينة لـ"هولاكو" فكافأه بأن جعله واليًا عليها بدلاً من أبيه.

وفي أثناء حصار هولاكو لماردين كانت جيوشه تستولي على مدن الشام، فاستولى على نصيبين، وحران، والرها.

سقوط حلب

استعدت حلب بقيادة حاكمها الأيوبي الملك "المعظم توران شاه" لمواجهة المغول الغزاة، واتفقت كلمة أهلها على الجهاد، ومواجهة هؤلاء الهمج، مهما كانت التضحيات، فلما وصل جيش الغزاة ضرب حصارا على المدينة، وبعث هولاكو برسالة إلى الملك المعظم يطلب فيها أن يسلمه المدينة، وأن يلقي بسلاحه ويهدم أسوار قلعة حلب وتحصينات المدينة.. وفي نظير ذلك سيعطيه الأمان لنفسه وشعبه، لكن توران شاه لم يجبه إلى ما طلب، وعزم على المقاومة، وأصرّ على الجهاد.

اشتعل القتال بين الجانبين، وعجز المغول عن اقتحام أسوار حلب، وأبدى المدافعون عن المدينة ضروبًا من الشجاعة البالغة والإقدام، وقدّموا تضحيات كثيرة؛ فاضطر هولاكو إلى رفع الحصار عن المدينة، لكنه عاد إليها مرة أخرى؛ خوفًا على هيبة جيوشه من الضياع، وإصرارًا على إخضاع أي مدينة مهما كان ثمن الحصار، وفي هذه المرة عاود الاتصال مرة أخرى بتوران شاه، مكررًا ما طلبه في المرة الأولى، وكان جواب السلطان الرفض لإنذار هولاكو ووعيده.

أمام إصرار أهل حلب على الدفاع اشتد حصار المغول للمدينة، ولجئوا إلى إقامة حائط مرتفع تجاه المدينة، ونصبوا عليه المجانيق التي راحت تضرب سور المدينة، حتى نجحوا في نقب السور.

وفي التاسع من صفر سنة 658 هـ الموافق 25 من يناير 1260م نجح المغول في اقتحام المدينة الصامدة، وأباحها هولاكو لجنوده سبعة أيام، فقتلوا أهلها وسبوا نساءها وأطفالها، ونهبوا قصورها وبيوتها ومتاجرها، ونشروا الخراب في كل أرجائها، وقبل أن يغادروا المدينة تركوها شعلة من اللهب والدخان.

Matador
14-02-2008, 06:45 AM
معركة العقاب.. ونهاية دولة الموحدين


قامت دولة الموحدين في المغرب في القرن السادس الهجري على أساس دعوة دينية خالصة، تلتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتستهدف إقامة خلافة إسلامية تعود بالمسلمين إلى عهد الخلفاء الراشدين، وكان يقود هذه الدعوة الإصلاحية الشيخ "محمد بن تومرت"، وجمع حوله الأتباع إليه، ثم قام تلميذه "عبد المؤمن بن علي الكومي" بمتابعة دعوته، وتنظيم الأعوان، ودخل في صراع مع دولة المرابطين دام أكثر من خمسة عشر عامًا، إلى أن نجح في إحكام قبضته على المغرب الأقصى، ودخول مراكش عاصمة المرابطين في سنة (541هـ= 1146)، معلنًا شروق دولة جديدة، هي دولة الموحدين.

الموحدون بالأندلس

وبعد نجاح "عبد المؤمن بن علي" في إقامة دولته بالمغرب، وإرساء دعائمها، ووضع نظمها وقوانينها -اتجه إلى الأندلس لضمها إلى دولته، وتنظيم شئونها والدفاع عنها ضد هجمات النصارى، فنجح في ذلك، وأقام على قواعد الأندلس رجالاً من آل بيته.

وبعد وفاته سنة (558 هـ= 1163م) خلفه ابنه "يوسف" فاستكمل سياسة أبيه، ووطّد نفوذ دولته في الأندلس، وبعث إليها بالجيوش لتأمين ثغورها، وتقوية إماراتها. وفي إحدى غزواته فيها سنة (579 هـ= 1183م) أصيب بسهم عند أسوار "شنترين"، فرجع إلى مراكش مصابًا، وقضى نحبه بها سنة (580هـ=1184م).

بطل معركة الأرك

ولي "يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن" خلافة دولة الموحدين بعد أبيه، وتلقب بالمنصور، وكان قائدًا ماهرًا، وسياسيًا قديرًا، ورجل دولة من الطراز الأول، ويعد من أبطال المسلمين العظام في القرن السادس الهجري.

وقد أولى المنصور الموحدي عناية فائقة بالأندلس، وتأمينها ضد هجمات مملكتي قشتالة وليون المسيحيتين، واتخذ من عقد معاهدات الصلح معها سبيلاً إلى تحقيق الأمن في الأندلس، ثم اضطرته الأحداث إلى خوض المعارك ضدهما حين نقضا المعاهدات ونكثا بالعهود وهاجما أراضي المسلمين، وكانت معركة "الأرك" التي خلّدها التاريخ وكان هو بطلها الأول، ووقعت أحداثها في (التاسع من شعبان 591هـ= 18 من يوليو 1195م) عند حصن الأرك، وأسفرت عن نصر مؤزر للمسلمين، وانكسار حدة الهجمات النصرانية بعد أن خسرت القوات القشتالية نحو ثلاثين ألفا.

عناية بالأندلس

لم تقتصر عناية الموحدين بتوفير الأمن والحماية للأندلس وتقوية ثغورها وقواعدها، وإنما تعدى الاهتمام إلى الارتقاء بالأندلس والنهوض به، ورعاية مظاهر النهضة فيه، فأقام الخليفة "يوسف بن علي" بعض المشروعات في إشبيلية، لعل من أشهرها بناء القنطرة على نهر الوادي الكبير، وتأسيس جامع إشبيلية الأعظم سنة (567 هـ= 1172م)، ثم أتمّ ابنه المنصور مئذنته الكبيرة سنة (584هـ= 1188م)، ولا تزال هذه المئذنة قائمة حتى الآن، وتعرف باسم "لا خيرا لدا" ويبلغ ارتفاعها 96 مترًا.

ما قبل موقعة العقاب

بعد هزيمة "ألفونسو الثامن" ملك قشتالة وليون في معركة الأرك عقد هدنة بين المسلمين والنصارى سنة (594هـ= 1198م)، غير أن تلك الهزيمة كانت تقض مضجعه، وتثير في نفسه نوازع الانتقام؛ فانتهز فرصة الهدنة في تحصين قلاع بلاده الواقعة على الحدود، ونبذ الفُرقة والخصام مع خصومه من ملوك النصارى، حتى إذا وجد في نفسه القوة نقض المعاهدة، وأغار على بلاد المسلمين، فعاث فسادًا في أراضي جيان وبياسة وأجزاء من مرسية.

ولم يكن أمام سلطان الموحدين الناصر "محمد بن يعقوب" الذي خلف والده المنصور بد من التجهيز والإعداد، لأخذ ملك قشتالة على يده، فاستنفر المسلمين للغزو والجهاد، فجاءته الجيوش من سائر أقطار المغرب الإسلامي، وعبر البحر إلى الأندلس في (19 من ذي القعدة 607هـ= 4 من مايو 1211م) ووصل إلى إشبيلية، وأقام بها لإعداد جيشه وتنظيم قوته، ثم تحرك في مطلع سنة (608 هـ= 1211 م) صوب مملكة قشتالة، واستولى على قلعة "شلطبرة" إحدى قلاع مملكة قشتالة بعد حصار دام ثمانية أشهر، ثم عاد بجيشه إلى إشبيلية بعد دخول فصل الشتاء رغبة منه في إراحة جيشه.

المعسكر القشتالي

ترك ألفونسو الثامن قلعة شلطبرة تقع في قبضة المسلمين دون أن يتحرك لنجدتها وإنقاذها، وصرف همه إلى استنفار أوروبا كلها ضد المسلمين في الأندلس، وبعث الأساقفة إلى البابا "أنوسنت الثالث" بروما يناشده إعلان الحرب الصليبية في أوروبا، وحث أهلها وشعوبها على السير إلى إسبانيا لقتال المسلمين، وعقد مؤتمرًا لتوحيد جهود الإمارات المسيحية في أسبانيا لقتال الموحدين، وأطلق صيحته المشهورة: "كلنا صليبيون"، فتوافدت على طليطلة جموع النصارى المتطوعين من كافة أنحاء المدن الأسبانية، يقودهم القساوسة والأساقفة.

وقد أثمرت جهود "ألفونسو الثامن" في استنفار أوروبا كلها ضد المسلمين، حيث أنذرهم البابا بتوقيع عقوبة الحرمان الكنسي على كل ملك أو أمير يتأخر عن مساعدة ملك قشتالة، كما أعلن الحرب الصليبية، وتوافدت جحافل الصليبيين من كل أنحاء أوروبا استجابة لدعوة البابا، واجتمع منهم نحو سبعين ألف مقاتل، حتى إن طليطلة لم تتسع لهذه الجموع الجرارة، فأقام معظمهم خارج المدينة.

تحركت هذه الجيوش الجرارة التي تجاوزت مائة ألف مقاتل تحت قيادة "ألفونسو الثامن" من مدينة طليطلة في (17 من المحرم سنة 609هـ = 2 من يونيو 1212م)، فاخترقت حدود الأندلس، وضربت حصارًا حول قلعة رباح، وكانت حاميتها صغيرة نحو سبعين فارسًا، دافعوا عن موقعهم بكل شجاعة وبسالة، واستنجد قائد الحامية "أبو الحجاج يوسف بن فارس" بالخليفة الناصر الموحدي، لكن رسائله لم تكن تصل إلى الخليفة؛ فلما طال الحصار، ورأى "ابن قادس" استحالة المقاومة مع فناء الأقوات وقلة السلاح، ويئس من انتظار وصول المدد، صالح ألفونسو على تسليم الحصن له، على أن يخرج المسلمون آمنين على أنفسهم، واستمر زحف القوات الصليبية؛ فاستولت على حصن الأرك وبعض الحصون الأخرى.

الجبهة الإسلامية

ولما علم الناصر بخروج الجيوش المسيحية المجتمعة خرج للقائهم، واستنفر الناس من أقاصي البلاد، فاجتمعت إليه جيوش كثيفة من القبائل المغربية والمتطوعة وجند الموحدين النظاميين، وجند الأندلس، وتألف من تلك الجموع الجرارة جيش عظيم بلغ نحو ثلاثمائة ألف مقاتل، وكان ممن وفد عليه بإشبيلية "أبو الحجاج يوسف بن قادس" قائد حامية رباح، فأمر الناصر بقتله دون أن يسمع حجته أو يحاط علمًا بملابسات التسليم، وأثار قتله غضب الكتائب الأندلسية على الخليفة الناصر الموحدي.

استعد كل من الطرفين للقاء، والتقيا في أحد الوديان بين جبال سير مورينا، وهضبة لينارس، بالقرب من بلدة "تولوسا"، ويطلق الأسبان على هذه الوديان اسم "نافاس"؛ ولذا عرفت الموقعة عندهم باسم "لاس نافاس دي تولوسا"، ويسمي المؤرخون المسلمون هذا الموضع بـ"العقاب"، نسبة إلى حصن أموي قائم بالقرب من المكان الذي دارت فيه المعركة.

وفي (15 من صفر 609 هـ= 17 من يوليو 1212م) نشبت المعركة بين الفريقين، وأقبلت مقدمة جموع الصليبيين الضخمة، فاجتاحوا الجند المتطوعة وكانوا في مقدمة الجيش، فأبادوهم عن آخرهم، وتمكنوا من الوصول إلى قلب الجيش الموحدي واشتبكوا معه، لكن القلب صمد لهذا الهجوم الجامح، ولاح النصر للمسلمين.

فلما رأى ذلك ملك قشتالة اندفع بقواته وقوات مملكتي ليون والبرتغال وكانت تمثل قلب الجيش الصليبي، واندفع وراءه ملكا "أرغون" و"نبرة" بقواتهما وكانا يمثلان جناحي الجيش، فأطبقا على الجيش الموحدي من كل جانب، فاضطربت صفوف الجيش، ولاذ الجند بالفرار؛ مما أربك أوضاع الجيش الذي استسلم للهزيمة القاسية.

وفر الناصر من ساحة القتال مع مجموعة من رجاله، وخسر المسلمون الألوف من المجاهدين في الأندلس، وعددا كبيرا من خيرة العلماء والفقهاء والقضاء، واستولى النصارى على معسكر الموحدين بجميع محتوياته من العتاد والسلاح والخيام والبسط والأقمشة والدواب. ولا تزال بعض أعلام الموحدين وخيمهم في معركة العقاب محفوظة في إسبانيا.

وقد فجع الموحدون بهذه الهزيمة القاسية التي راح ضحيتها الألوف من زهرة جنود المسلمين؛ مما أضعف دولة الموحدين، وأفقدهم هيبتهم وقوتهم. وبعد وفاة الناصر سنة (610هـ = 1213م) بدأ الضعف يتسلل إلى الدولة، ويتطرق إليها الخلاف والفرقة؛ مما أضعف الأندلس، وشجع النصارى على تصفية ما بقي للمسلمين من أرض، واختزلت دولتهم في مملكة غرناطة في جنوب الأندلس.

Matador
14-02-2008, 07:18 AM
"دومة الجَنْدَل".. الخروج من الهزيمة إلى النصر


لم تهدأ ثائرة مشركي مكة بعد هزيمتهم في بدر على أيدي المسلمين، ومقتل عدد كبير من رجالات قريش وصناديد العرب وعتاة الكفر على أسنة رماح المسلمين وحد سيوفهم، فظلوا يتحينون الفرصة للانتقام من محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، وإنزال الهزيمة بهم، يريدون بذلك أن يمحوا عن أنفسهم عار هزيمتهم الكبرى في بدر.

وحانت لهم تلك الفرصة في أُحد، خاصة بعد أن خالف الرماة أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وتخلوا عن موقعهم أعلى الجبل، فوجدها خالد بن الوليد داهية العرب وكان على رأس فرسان قريش فرصة مواتية للالتفاف حول جيش المسلمين وإلحاق الهزيمة بهم.

واستطاع خالد صعود الجبل وقتل من بقي من رماة المسلمين، ثم فاجأ جيش المسلمين بمن معه من المشركين؛ فانكشف المسلمون، وكانت محنة قاسية ألحقت بهم هزيمة أليمة، برغم صمودهم واستبسالهم في القتال، ولكن وقع المفاجأة كان شديدا، وسرعة المباغتة حسمت المعركة لصالح المشركين.

وعاد المسلمون إلى المدينة يلملمون جراح الحرب وأتراح الهزيمة، ولم تكن آلام الجرحى ولهفات الثكالى تساوي شيئا أمام مرارة الهزيمة وإخفاق راية المسلمين في إحدى معاركهم ضد المشركين.

تسببت الهزيمة في حرج موقف المسلمين في المدينة -بالرغم من بقاء سلطانهم عليها- أمام اليهود والمشركين الشامتين والمترقبين زوال دولة المسلمين من المدينة، وإن كانوا حتى ذلك الحين وبالرغم مما مُني به المسلمون من الهزيمة لا يقوون على مجاهرة المسلمين بشعورهم أو مناصبتهم العداء.

وأدرك النبي (صلى الله عليه وسلم) ما يعمل في صدور المسلمين من الحزن والأسى، وما يشعرون به من مرارة الهزيمة وجرح الإخفاق، بالرغم من مواساة القرآن الكريم للمسلمين وعزائه لهم في قوله تعالى: "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين" آل عمران – 140.

فقد كانت قلوب المسلمين وهِمَهم تهفو إلى الخروج من دائرة الحزن وتجاوز الهزيمة إلى الإعلان عن قوتهم، وإظهار بأسهم لأعدائهم المتربصين بهم، سواء من الداخل (في المدينة) أو من الخارج (قريش وقبائل العرب من المشركين).

مؤامرات اليهود وخيانتهم عهد النبي

أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) كما أراد المسلمون أن يثبتوا لأعدائهم أنهم ما زالوا يملكون من القوة والبأس ما يستعيدون به مكانتهم وهيبتهم في نفوس العرب واليهود.

وكان بين المسلمين واليهود من سكان المدينة عهد وضعه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأقره الطرفان منذ اللحظة الأولى لدخول النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة، تُكفل بمقتضاه حرية العقيدة والعبادة للطرفين، كما كانت بينهما وثيقة دفاع مشترك عن المدينة ضد أي خطر يتهددها أو عدوان عليها من الخارج.

ولكن طمع اليهود في الاستئثار بالمدينة وما جُبلوا عليه من الغدر والمكر والخداع جعلهم يتآمرون على النبي (صلى الله عليه وسلم) ويخططون لاغتياله والتخلص منه ومن دعوته، وعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) بما حاكه يهود بني النضير ضده، بعد أن أطلعه الله على تدبيرهم ومؤامرتهم.

فأرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى بني النضير يأمرهم بالجلاء عن المدينة، ليعود الأمن والاستقرار يرفرف من جديد عليها، بعد أن تخلص المسلمون من غدرهم ومؤامراتهم، وتمتعوا بما أفاء الله عليهم به من أموال اليهود وحدائقهم.

وعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) بعزم مشركي مكة على الخروج لملاقاة المسلمين في جيش كبير؛ فاستعد لهم وخرج للقائهم في نحو ألف فارس، وجعل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وخرج المشركون من مكة بقيادة أبي سفيان بن حرب في نحو ألفي فارس، ولكن أبا سفيان قرر العودة إلى مكة بعد مسيرة يومين فرجع بأصحابه، وظل النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون ينتظرون 8 أيام قاموا خلالها ببعض العمليات التجارية مع قبائل المنطقة ربحوا فيها أموالا كثيرة، ثم عادوا إلى المدينة تسبقهم بشرى انسحاب قريش من مواجهتهم في بدر الآخرة وفرار المشركين من لقائهم؛ وهو ما أعاد إلى المسلمين المزيد من الثقة والطمأنينة، وأكسبهم المزيد من الهيبة والعزة في نفوس أعدائهم.

الخطر القادم من الشمال

ولكن ما لبث النبي (صلى الله عليه وسلم) أن علم باجتماع قبائل "دومة الجَنْدَل" وتجهزهم لحرب المسلمين وتهديد المدينة، وكانوا يعتدون على القوافل التي تمر بهم، ويتعرضون لمن يدنون من أراضيهم فينهبون التجارة ويسلبون الأموال ويقتلون كل من يعترضهم، حتى أصبحوا مصدر خطر على قوافل التجارة التي تأتي إلى المدينة والتي ينتظرها المسلمون ويعتمدون عليها.

فندب النبي (صلى الله عليه وسلم) المسلمين للخروج لقتال تلك القبائل وكف أذاها والقضاء على تهديدها المستمر للمدينة؛ فخرج معه ألف من المسلمين، واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة "سباع بن عُرْفُطة الغفاري" وانطلق المسلمون في طريقهم إلى دومة الجندل.

كانت المسافة طويلة والطرق موحشة والصحراء قاحلة شديدة القيظ، وكان على المسلمين أن يقطعوا نحو 300 كم ليصلوا إلى دومة الجندل في شمال الجزيرة العربية، ما بين الحجاز والشام على بعد نحو 10 مراحل من المدينة.

واختار النبي (صلى الله عليه وسلم) معه دليلا من بني عذرة يقال له "مذكور" كان شديد الذكاء، على قدر فائق من المهارة والخبرة والدراية بدروب الصحراء وطرقها الخفية ومضايقها.

وانطلق النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه يقطعون الفيافي والقفار، مستهينين بالمصاعب والمشاق، متحملين القيظ الشديد وجدب الصحراء وقلة الماء، لا يبالون بالموت، يدفعهم إيمانهم بالله ورسوله إلى اجتياز تلك الصحراء القاحلة والفيافي الموحشة؛ طاعة لله تعالى، واستجابة لنداء النبي صلى الله عليه وسلم، يحركهم إيمانهم القوي بالنصر والظفر.

وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يسير ليلا ويكمن نهارا؛ حتى لا يشعر به أحد من المشركين ولا تنتبه إلى قدومه قبائل دومة الجندل، فيصل إليها قبل أن تستعد للقائه؛ وهو ما يكفل له تحقيق عنصر المفاجأة ومباغتة العدو.

كما أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك أيضا أن يتقي وأصحابه قيظ الصحراء وحرها الشديد، ولفح شمسها ولهيب رمالها؛ فلا يقابل المسلمون أعداءهم وهم خائرو القوة، منهكون من أثر وعورة الطريق وحرارة الجو.

انتصار بلا قتال

فلما اقترب النبي (صلى الله عليه وسلم) من دومة الجندل أخبره الدليل بوجود قطعان من الإبل والماشية ترعى في الصحراء، وكانت لقوم من تميم فانطلق المسلمون ليستولوا عليها، واستطاعوا أن يجمعوا عددا منها، بينما فر الكثير منها وتفرقت في كل اتجاه.

وشعر أهل دومة الجندل بقدوم المسلمين فأسرعوا بالفرار تاركين ديارهم ومتاعهم لينجوا بأنفسهم من المسلمين.

ونزل النبي (صلى الله عليه وسلم) بساحتهم فلم يجد بها أحدا فأقام النبي بها أياما وبث السرايا تبحث في كل الأنحاء، ولكنهم لم يلقوا أحدا ولم يظفروا إلا برجل منهم أتى به محمد بن مسلمة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس، فعرض عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) الإسلام فأسلم.

وبقي النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون بها أياما، ثم رجعوا إلى المدينة في 20 من ربيع الآخر 5 هـ= 18 من سبتمبر 626 م.

كانت غزوة "دومة الجندل" -كما أطلق عليها بعض العسكريين المعاصرين – عملية عسكرية ذات طابع تعرّضي للدفاع عن قاعدة الإسلام في المدينة، إذ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم ينتظر حتى يفاجئه أعداؤه بشن هجومهم على المدينة، وإنما بادر بالإغارة عليهم فور علمه بما عزموا عليه.

وقد استهدفت تلك الغزوة تحقيق عدة أهداف تكتيكية وإستراتيجية؛ فقد ساهمت في القضاء على روح الضعف والتخاذل التي كادت تصيب المسلمين بعد هزيمتهم في أحد، وساعدت على التخلص من آثار تلك الهزيمة التي أصابتهم، كما عملت على رفع الروح المعنوية لديهم واستعادة الثقة بالنفس، وفي الوقت نفسه تدمير الروح المعنوية لجنود الأعداء.

كما أنها كانت بمثابة استعراض لقوة المسلمين لإرهاب أعدائهم وتبديد أطماعهم في المسلمين، بالإضافة إلى ما حققته من إحباط لخطط العدو الهجومية ووأدها في مهدها، وحرمان العدو من تحقيق عنصر المفاجأة وسرعة المبادأة.

العبقرية العسكرية للرسول القائد

قد تجلت العبقرية العسكرية للنبي (صلى الله عليه وسلم) في تلك الغزوة من عدة وجوه منها:

-استخدام ما يُعرف بالإنذار المبكر، ومعرفة تحركات العدو وخططه العسكرية مبكرا.

-عدم الاستهانة بالعدو، والاستعداد الجيد للمعركة، والاستعانة بأهل الخبرة والمتخصصين في فنون الحرب ودروب الصحراء.

-السرية التامة وإخفاء والتمويه المتقن، وذلك بسلك طرق غير مألوفة، والسير والتحرك ليلا، والكمون والراحة نهارا.

-الحرص على تأكيد السيطرة على الموقف، وإعلان السيادة وتحقيق النصر عند فرار الأعداء، وذلك بالبقاء في ديار الأعداء الهاربين لمدة طويلة.

-تحقيق عنصر المبادأة أو المبادرة ومفاجأة الأعداء بالهجوم عليهم في عقر دارهم، قبل أن يكملوا استعدادهم، وبذلك يتمكن من إحراز النصر.

Matador
14-02-2008, 07:21 AM
الحملة الصليبية الثانية.. نقطة التحول


كان لسقوط إمارة "الرها" في أيدي المسلمين دوي شديد لدى الصليبيين الذين أصيبوا بصدمة عنيفة نتيجة سقوط تلك المدينة التي كانت تتمتع بمكانة دينية خاصة في تاريخ المسيحية، بالإضافة إلى أنها كانت أول إمارة صليبية أسسها الصليبيون في الشرق، فجاء سقوطها إيذانًا ببداية انهيار الكيان الصليبي كله، وتداعي الحكم الصليبي بتكوين إمبراطورية صليبية كبرى في الشرق.

ومن ثم فقد تضافرت الجهود في (أوروبا) من أجل مساندة الوجود الصليبي في الشرق، ودعمه ومساعدته على الصمود والبقاء وعدم الانهيار.

وأسفرت تلك الجهود عن تبني فكرة "الحملة الصليبية الثانية" التي نبتت في بلاط "لويس السابع" ملك فرنسا سنة [540 = 1145م] ـ والذي كان معروفًا بتعصبه الشديد للمسيحية، وأقرها مجمع "فزلاي" (Vezely) في [ شوال 540 هـ= مارس 1146م]، ثم استجاب لها الإمبراطور "كونراد الثالث"، إمبراطور ألمانيا في [ رجب 541 هـ= ديسمبر 1146م].

وقد تألفت تلك الحملة من جيشين كبيرين على رأس أحدهما "لويس السابع" ملك "فرنسا"، ويقود الآخر "كونراد الثالث" إمبراطور "ألمانيا"، وقد عرض عليهما "روجر الثاني" ملك "صقلية" أن يقدم لهما المساعدة للوصول إلى الشرق عن طريق البحر، ولكنهما رفضا هذا العرض بسبب العداء بين "النورمان" في "صقلية" من ناحية، و"فرنسا" و"ألمانيا" من جهة أخرى؛ ولذلك فقد تقرر أن تسير الحملة برا إلى بلاد الشام، وتم الاتفاق على أن يسبق "كونراد" وجيشه إلى الشرق، ثم يلحق بهم "لويس" والفرنسيون إلى "القسطنطينية حتى لا يؤدي مسير الجيشين معًا إلى صعوبة في التموين.

ووصل جيش الصليبيين بقيادة "كونراد الثالث" إلى حدود "الدولة البيزنطية" في صيف [542هـ=1147م]، فأعلن الإمبراطور البيزنطي، مانويل كومنين عن استعداده للسماح للصليبيين بالمرور من أراضيه، وإمدادهم بالمؤن؛ بشرط أن يتعهدوا بالولاء له، وتسليمه كل ما يستولون عليه من البلاد في آسيا، وهو ما لم يقبله القائد الصليبي، وساءت العلاقات بين الصليبيين والبيزنطيين، فأسرع الإمبراطور البيزنطي إلى عقد الصلح مع السلطان "مسعود" سلطان السلاجقة.

هزيمة "كونراد الثالث" أمام السلاجقة

وعبّر كونراد الثالث خليج البوسفور إلى آسيا الصغرى على رأس قواته، وزحف بهم نحو الشرق، وبدلاً من أن يسلك طريق الشاطئ الجنوبي لآسيا الصغرى محتميا بالقلاع والمدن البيزنطية المنتشرة على الشاطئ، اختار "كونراد" أن يخترق أراضي السلاجقة.

وما لبث أن حدث نزاع بين الألمان ودليلهم البيزنطي، فتخلّى عنهم الدليل وتركهم في الطريق معرضين لأشد الأخطار؛ إذ سرعان ما أحس بهم السلاجقة، فانقضّوا عليهم وقتلوا عددًا كبيرًا منهم، وأسروا آخرين، وهو ما اضطر كونراد إلى التراجع بمن بقي من فلول جيشه المُمزَّق، حتى وصل إلى "نيقية" بعد أن كبده السلاجقة خسائر فادحة.

لويس السابع يقود الحملة

وفي تلك الأثناء كان "لويس السابع" ـ ملك فرنسا ـ قد وصل إلى أسوار "القسطنطينية" حينما بلغه نبأ الصلح الذي عقده الإمبراطور البيزنطي مع سلطان السلاجقة، وعرض عليه "مانويل" إمداده بالتموين اللازم للحملة على أن يقسم له جميع الفرنسيين المشتركين في الحملة يمين الولاء والتبعية عما يفتحونه من أراض آسيوية، فأذعن "لويس" مضطرًا.

وسار لويس بجنوده حتى وصل نيقية؛ حيث فوجئ بفلول كونراد الثالث، واختار لويس أن يسلك الطريق الجنوبي المحاذي لساحل البحر المتوسط، ليجنِّب جنوده المصير الذي تعرّض له الجنود الألمان.

وسار معه "كونراد" وجنوده، إلا أنه أحس بحرج موقفه بعد أن فقد معظم جيشه أمام السلاجقة، فآثر العودة مع جنوده إلى القسطنطينية، وما لبث أن اتجه وجنوده إلى فلسطين على بعض السفن البيزنطية.

واستمر "لويس" في تقدمه حتى وصل إلى "أنطاليا" ـ إحدى المدن البيزنطية الحصينة على الشاطئ الجنوبي لآسيا الصغرى ـ وأراد لويس العبور إلى الشام بحرًا؛ تجنبًا للتعرض لحظر السلاجقة إذا ما سلك طريق البر، ولكن البيزنطيين امتنعوا عن تقديم السفن اللازمة لهم، وهو ما اضطر "لويس السابع" إلى نقل جنوده على دفعات إلى (الشام) بالسفن القليلة المتاحة.

وصل "لويس السابع" إلى"إنطاكية" حيث استُقبل استقبالاً عظيمًا من الأمراء الصليبيين في "الشام"، وبالرغم من ذلك بدأت بوادر الشقاق تلوح بين هؤلاء الأمراء، حتى فقدت تلك الحملة الهدف الأساسي الذي جاءت من أجله، وسعى كل واحد منهم إلى توجيه الحملة لخدمة مصالحه الخاصة وأهوائه الشخصية.

أراد "ريموند دي بواتيه" أمير "إنطاقية" وعم الملكة (إليانور) زوجة لويس السابع ـ أن تتوجه الحملة للقضاء على قوة نور الدين في حلب، بينما أراد "ريموند" أمير "طرابلس" استرداد قلعة "بعرين" من المسلمين. أما جوسلين الثاني" أمير "الرها" فقد أراد استرداد إمارته التي استولى عليها "نور الدين"، لاعتقاده أن سقوط "الرها" إنما كان هو المحرك الأول لتلك الحملة. وأراد لويس ورجاله الاتجاه إلى بيت المقدس، وقد برر ذلك بأنه إنما قبل أن يحمل الصليب، ويأتي إلى الأراضي المقدسة للحج وزيارة بيت المقدس والدفاع عن تلك المدينة لا لغزو حلب!!.

الصليبيون على أبواب دمشق

وعندما وصل "لويس السابع" إلى "بيت المقدس" استقبل استقبالا حافلاً، وتم عقد مجلس صليبي كبير، ضم "لويس السابع" و"كونراد الثالث" ـ الذي سبقه إلى "بيت المقدس" ـ والملك "بلدوين الثالث"، وأمراء مملكة "بيت المقدس"، وعددا كبيرا من كبار رجال الدين والأمراء الصليبيين.

وقد أسفر هذا الاجتماع عن قرار بعيد كل البعد عن الغرض الذي خرجت من أجله الحملة الصليبية الثانية، فقد اتفق الجميع على مهاجمة "معين الدين أُنر" حاكم "دمشق" الفعلي، والحليف الوحيد للصليبيين بين أمراء المسلمين بالشام.
وتجمعت الجيوش الصليبية لمهاجمة "دمشق"، وسرعان ما زحف الصليبيون إلى دمشق [ ربيع الأول 542 هـ= يونيو 1148 م] فحاصروها، وبدءوا يهاجمون من الجهة الغربية، ولكن المسلمين تصدوا لهم محتمين بالأشجار الكثيفة في هذا الجانب، فسحب الصليبيون جيوشهم إلى الجهة الشرقية الخالية من الأشجار، ولكن ذلك جعلهم بعيدين عن مياه الشرب مما عرضهم لمتاعب كثيرة، خاصة وأن الوقت كان صيفًا والحرارة قاسية.

وتصدى لهم أهل "دمشق" وصبروا لهم، واشترك معهم الزهاد والفقهاء في القتال، وكان فيمن خرج للقتال الفقيه حجة الدين يوسف بن دي ناس الفندلاوي المغربي، وكان شيخًا كبيرًا، فقيها عالمًا، فلما رآه "معين الدين" وهو راجل، قصده وسلم عليه، وقال له: يا شيخ، أنت معذور لكبر سنك، ونحن نقوم بالذب عن المسلمين، وسأله أن يعود، فلم يفعل، وقال له: "قد بعت واشتُرى مني".

وبدأت قوات "معين الدين أنر" تتزايد وتدفقت النجدات إلى "دمشق" من الأبواب الشمالية، وهو ما جعل الصليبيين يتحولون من الهجوم إلى الدفاع.

وازداد موقف الصليبيين سوءًا بعد أن بدأ الشقاق يدب بينهم حول تبعية "دمشق" ومصيرها، وأحقية كل فريق منهم في ضمها إليه في حالة سقوطها والاستيلاء عليها.

فشل الحملة وانسحاب الصليبيين

وفي ذلك الوقت علم "أُنر" بخروج الأميرين الزنكيين "سيف الدين غازي" أتابك "الموصل" و"نور الدين محمود" أتابك "حلب" لنجدته، فأرسل إلى الصليبيين يهددهم وينذرهم بالخطر الذي سيحيق بهم إذا لم يتركوا "دمشق"، ويعرض عليهم ـ في الوقت نفسه ـ إعطاءهم حصن "بانياس" مقابل الجلاء عن "دمشق".

ولم يكن أمام الصليبيين خيار أمام هذا العرض المغري الذي يضمن لهم السلامة بعد أن أحاط بهم الهلاك والردى في كل مكان.

ورجع الصليبيون ـ بعد أربعة أيام من حصار "دمشق" يجرون أذيال الهزيمة والفشل، بعد أن عجزوا عن تحقيق أي هدف من وراء تلك الحملة التي حشدت لها أوروبا رجالها وإمكاناتها، فلم تجنِ من ورائها إلا المزيد من الهزائم والمزيد من القتلى والدماء، وضاعت هيبة الصليبيين في "الشام"، وانحطت مكانتهم وضعف سلطانهم.

وكان فشل هذه الحملة هو نقطة التحول نحو انهزام الصليبيين وزوال وجودهم من العالم الإسلامي، وأصبح المسلمون على قدر كبير من الثقة بأنفسهم خاصة بعد الانتصارات التي حققها "عماد الدين زنكي"، ومن بعده "نور الدين" على الصليبيين، وارتفاع راية الجهاد ضد الصليبيين، مما أوجد نوعًا من الوحدة والتآزر بين المسلمين، وجمعهم لواء الدين ورابطة الإسلام التي تتضاءل أمامها كل العصبيات والقوميات.

Matador
14-02-2008, 07:24 AM
الأشرف برسباي.. فاتح قبرص


اصطلح المؤرخون على تقسيم تاريخ دولة المماليك التي حكمت مصر والشام والحجاز إلى عصرين: عصر دولة المماليك البحرية (648- 784هـ = 1250- 1381م) نسبة إلى بحر النيل؛ حيث اختار السلطان الصالح "نجم الدين أيوب" جزيرة الروضة في وسط النيل لتكون مقرا لمماليكه، أما العصر الآخر؛ فأُطلق عليه "عصر دولة المماليك الجراكسة" أو المماليك البرجية (784- 922هـ = 1382- 1517م) نسبة إلى بلاد الجراكسة التي جُلبوا منها إلى مصر، أو نسبة إلى برج قلعة القاهرة، حيث كانوا يقيمون في ثكنات حوله.

وقد اتسمت الفترة الثانية بأن بلغت دولة المماليك أقصى اتساع لها في القرن التاسع الهجري، فأضافت إلى رقعتها جزيرة قبرص، وكانت تمثل خطرا داهما على نفوذها، وحاولت أن تضم "رودس" حتى تقضي على الحروب الصليبية تماما، بعد أن انتقل نشاطها من الشام إلى البحر المتوسط، لكنها لم تفلح في ضم رودس، كما بسطت نفوذها على أعالي الفرات، وأطراف آسيا الصغرى، وهو ما جعلها تتبوأ مكانة رفيعة في العالم الإسلامي.

ولاية برسباي

بدأ "برسباي" حياته مثل آلاف المماليك الذين يُجلبون إلى مصر، ويتلقون تعليما شرعيا وتربية خاصة في فنون الحرب والقتال، ثم يلتحقون بخدمة السلاطين، وكبار الأمراء، وترتقي ببعضهم مواهبهم وملكاتهم إلى المناصب القيادية في الدولة، وقد تسعدهم الأقدار فيصعدون إلى سدة الحكم والسلطنة، فيصبحون ملء الأسماع والأبصار، وتتطلع إليهم الأفئدة والقلوب، بعد أن كانوا مجهولي النسب، مغموري الأصل، ولكن رفعتهم همتهم أو ذكاؤهم وحيلتهم.

كان برسباي مملوكا للأمير "دقماق المحمدي" نائب "ملطية"، الذي اشتراه من أحد تجار الرقيق، ومكث في خدمته زمنا، ولقب بالدقماق نسبة إليه، فأصبح يعرف ببرسباي الدقماقي، ثم أهداه سيده إلى السلطان الظاهر "برقوق" سلطان مصر، فأعتقه، وجعله من جملة مماليكه وأمرائه، وبعد وفاة السلطان برقوق تقلّب في مناصب متعددة في عهد من خلفه من السلاطين، حتى نجح في اعتلاء عرش السلطنة في (8 من ربيع الآخر 825هـ = 1 من إبريل 1422م)، وهو السلطان الثامن في ترتيب سلاطين دولة المماليك الجركسية، والثاني والثلاثون في الترتيب العام لسلاطين دولة المماليك.

وقد نجح السلطان برسباي في الفترة التي قضاها في الحكم -وهي نحو سبعة عشر عاما- في إشاعة الأمن والاستقرار، والقضاء على الثورات والفتن، التي شبت في البلاد، والضرب على أيدي الخارجين على النظام، كما فعل مع ثورة طائفة المماليك الأجلاب، وهم الذين جاءوا إلى مصر كبارًا، وكانوا قد عاثوا في الأرض فسادًا لتأخر رواتبهم في عامي (835هـ = 1431م)، (838هـ = 1434م)، وقد مكّنه ذلك الاستقرار الذي نعمت به البلاد من القيام بغزو جزيرة قبرص.

فتح قبرص

اتخذ القبارصة من جزيرتهم مركزًا للوثوب على الموانئ الإسلامية في شرق البحر المتوسط وتهديد تجارة المسلمين، فقام "بطرس الأول لوزجنان" ملك قبرص بحملته الصليبية على الإسكندرية في سنة (767هـ = 1365م)، وأحرق الحوانيت والخانات والفنادق، ودنس المساجد وعلق القبارصة عليها الصلبان، واغتصبوا النساء، وقتلوا الأطفال والشيوخ، ومكثوا بالمدينة ثلاثة أيام يعيثون فيها فسادا، ثم غادروها إلى جزيرتهم، وتكررت مثل هذه الحملة على طرابلس الشام في سنة (796هـ = 1393م).

وظلت غارات القبارصة لا تنقطع على الموانئ الإسلامية، ولم تفلح محاولات سلاطين المماليك في دفع هذا الخطر والقضاء عليه، وبلغ استهانة القبارصة بهيبة دولة المماليك واغترارهم بقوتهم أن اعتدى بعض قراصنتهم على سفينة مصرية سنة (826هـ = 1423م)، وأسروا من فيها، ولم تفلح محاولات السلطان برسباي في عقد معاهدة مع "جانوس" ملك قبرص، تَضْمن عدم التعدي على تجار المسلمين.

وتمادى القبارصة في غرورهم، فاستولوا على سفينتين تجاريتين، قرب ميناء دمياط، وأسروا من فيهما، وكانوا يزيدون على مائة رجل، ثم تجاوزوا ذلك فاستولوا على سفينة محملة بالهدايا كان قد أرسلها السلطان برسباي إلى السلطان العثماني "مراد الثاني"، عند ذلك لم يكن أمام برسباي سوى التحرك لدفع هذا الخطر، والرد على هذه الإهانات التي يواظب القبارصة على توجيهها لدولة المماليك، واشتعلت في نفسه نوازع الجهاد، والشعور بالمسئولية، فأعد ثلاث حملات لغزو قبرص، وذلك في ثلاث سنوات متتالية.

الحملات الثلاث

خرجت الحملة الأولى في سنة (827هـ = 1424م)، وكانت حملة صغيرة نزلت قبرص، وهاجمت ميناء "ليماسول"، وأحرقت ثلاث سفن قبرصية كانت تستعد للقرصنة، وغنموا غنائم كثيرة، ثم عادت الحملة إلى القاهرة.

شجع هذا الظفر أن يبادر برسباي بإعداد حملة أعظم قوة من سابقتها لغزو قبرص، فخرجت الحملة الثانية في رجب (828هـ = مايو 1425م) مكونة من أربعين سفينة، واتجهت إلى الشام، ومنها إلى قبرص، حيث نجحت في تدمير قلعة ليماسول، وقُتل نحو خمسة آلاف قبرصي، وعادت إلى القاهرة تحمل بين يديها ألف أسير، فضلاً عن الغنائم التي حُملت على الجمال والبغال.

وفي الحملة الثالثة استهدف برسباي فتح الجزيرة وإخضاعها لسلطانه، فأعد حملة أعظم من سابقتيها وأكثر عددا وعُدة، فأبحرت مائة وثمانون سفينة من رشيد في (829هـ = 1426م)، واتجهت إلى ليماسول، فلم تلبث أن استسلمت للقوات المصرية في (26 من شعبان 829هـ = 2من يوليو 1426م)، وتحركت الحملة شمالا في جزيرة قبرص، وحاول ملك الجزيرة أن يدفع القوات المصرية، لكنه فشل وسقط أسيرا، واستولت القوات المصرية على العاصمة "نيقوسيا"، وبذا دخلت الجزيرة في طاعة دولة المماليك.

واحتفلت القاهرة برجوع الحملة الظافرة التي تحمل أكاليل النصر، وشقّت الحملة شوارع القاهرة التي احتشد أهلها لاستقبال الأبطال في (8 من شوال 829هـ = 14 من أغسطس 1426م)، وكانت جموع الأسرى البالغة 3700 أسير تسير خلف الموكب، وكان من بينها الملك جانوس وأمراؤه.

استقبل برسباي بالقلعة ملك قبرص، وكان بحضرته وفود من أماكن مختلفة، مثل: شريف مكة، ورسل من آل عثمان، وملك تونس، وبعض أمراء التركمان، فقبّل جانوس الأرض بين يدي برسباي، واستعطفه في أن يطلق سراحه، فوافق السلطان على أن يدفع مائتي ألف دينار فدية، مع التعهد بأن تظل قبرص تابعة لسلطان المماليك، وأن يكون هو نائبا عنه في حكمها، وأن يدفع جزية سنوية، واستمرت جزيرة قبرص منذ ذلك الوقت تابعة لمصر، حتى سنة (923هـ = 1517م) التي سقطت فيها دولة المماليك على يد السلطان العثماني "سليم الأول".

العلاقات مع الدول المجاورة

ارتبطت مصر في عهد برسباي بعلاقات ودية مع الدولة العثمانية، وتبادل التهنئة، فأرسل مراد الثاني بعثة في سنة (827هـ = 1423م) إلى القاهرة لتهنئة برسباي بالسلطنة، كما بعث إليه ببعثة مماثلة حين حقق برسباي انتصاره التاريخي على القبارصة، وقضى على خطرهم، وقد شهدت هذه البعثة الاحتفالات التي أقيمت في القاهرة ابتهاجا بعودة الجيش الظافر، وحضرت مقابلة السلطان برسباي في القلعة لجانوس وهو في أغلاله بعد هزيمته المنكرة وسقوط جزيرته.

وفي عهد السلطان برسباي تأزمت العلاقات بينه وبين الدولة التيمورية في فارس، وكان "شاه رخ" قد بعث إلى السلطان المملوكي يطلب منه إرسال بعض المؤلفات لعلماء مصر البارزين، مثل: فتح الباري لابن حجر، وتاريخ المقريزي، وأن يسمح له بكسوة الكعبة المعظمة، غير أن السلطان رفض، بل ولم يرسل له الكتب التي طلبها، ولم ييئس الشاه من الرفض فعاود الطلب والرجاء، وكان برسباي يرى أن كسوة الكعبة حق لسلاطين مصر لا يشاركهم في هذا الشرف أحد.

وكان من شأن هذا التوتر أن ساءت العلاقات بين السلطانين، واستعد كل منهما للآخر، وهنا يُذكر لعلماء مصر موقفهم الشجاع من برسباي حين أراد فرض ضرائب على الناس للإعداد للحملة الحربية؛ إذ رفضوا تصرفه، وانتقدوا إسرافه، وقالوا له: لا يجوز للسلطان أن يفرض الأموال على المسلمين، وزوجته تلبس في يوم ختان ابنها ثوبا يساوي ثلاثين ألف دينار.

الحياة الاقتصادية

اعتمدت الحياة الاقتصادية في العصر المملوكي على التجارة والصناعة والزراعة، غير أن التجارة استأثرت بالنصيب الأكبر في الاقتصاد المملوكي؛ حيث كانت التجارة العالمية تمر عبر حدود الدولة المملوكية، وقصد التجار الأوروبيون موانئها للشراء والبيع، الأمر الذي عاد على الدولة بالخير الوفير.

واتخذ السلطان برسباي عدة إجراءات لتنشيط حركة التجارة وترغيب التجار بشتى الطرق للنزول في الموانئ التابعة لدولته، فخفض الرسوم المفروضة على التجار في بعض الموانئ كميناء جدة، وأسبغ حمايته على التجار، وأمّن بضاعتهم من السلب والنهب، ودعّم علاقاته مع دول أوروبا ومدنها، فعقد معهم الاتفاقيات التجارية التي أسهمت في انتعاش حركة التجارة معهم.

وضرب السلطان الدينار الأشرفي ليكون أساس التعامل التجاري، وأبطل التعامل بالنقد البندقي والفلورنسي، وشجع الناس على استعمال نقوده التي سكّها بأن رفع سعرها ليكون لها قوة شرائية كبيرة تدفع إلى التعامل بها.

غير أن السلطان احتكر تجارة بعض السلع: كالسكر، والفلفل، والأقمشة الواردة من الموصل وبعلبك، وهو ما أدى إلى ارتفاع سعرها ومعاناة الناس في شرائها.

وامتدت همة السلطان برسباي إلى العناية بالزراعة، فأمر بحفر الخليج الناصري بعد أن كاد يطمر، وعُني ببناء الجسور، وإقامة القناطر، وإصلاح ما تهدم منها، ونظرا لهذه الرعاية، فلم تتعرض المحاصيل للهلاك بسبب نقصان المياه طوال المدة التي قضاها في الحكم.

النواحي الحضارية

لم يتلقَّ السلطان تعليما منظما مثل كثير من المماليك في القلعة، وإنما كان تعليمه محدودا، لكنه استكمل هذا النقص بأن اتخذ العالم الفقيه المؤرخ "بدر الدين العيني" مُعلما ومربيا، فكان يسامره ليقرأ له التاريخ، ثم يفسره له بالتركية، وكان الشيخ ضليعا فيها، كما كان يعلمه أمور الدين، حتى إن السلطان كان يقول: لولا العيني لكان في إسلامنا شيء.

وعُني السلطان ببناء ثلاث مدارس إحداها بالخانكة التابعة لمحافظة القليوبية، وقد بالغ في بنائها وزخرفتها، والثانية بالقاهرة بشارع "المعز لدين الله"، وهي المعروفة بالأشرفية نسبة إلى لقب صاحبها، وتمت عمارتها سنة (829هـ = 1425م)، وهي السنة التي فتح فيها قبرص، والثالثة بالصحراء خارج القاهرة، وهي التي دُفن فيها، كما عُني بشئون الحجاج، فأمر بحفر الآبار على طول الطريق من مصر إلى الحجاز.

لم يكتف السلطان بما شيد من مبانٍ ومنشآت، فشملت عنايته المدارس والخانقاوات التي بنيت قبله بعد أن أهملها مباشروها ونُظّار أوقافها، فشكل مجلسا من القضاة يتولون النظر في أوقاف هذه المدارس ومراجعة شروطها للتحقق من التزام النظار بهذه الشروط، وأسند رئاسة هذه المدارس إلى شيخ الإسلام "ابن حجر العسقلاني".

وكان من شأن هذه المدارس أن نشّطت الحركة العلمية، وازدهرت العلوم والفنون، وحسبك أن يكون من أعلام عصر السلطان برسباي الحافظ "ابن حجر العسقلاني" صاحب "فتح الباري" و"الدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، و"الإصابة"، والحافظ "بدر الدين العيني" صاحب "عمدة القاري شرح صحيح البخاري"، و"عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان"، والمؤرخ العظيم المقريزي صاحب كتاب "السلوك لمعرفة دول الملوك" و"اتعاظ الحنفا"، و"الخطط المقريزية".

وفاة السلطان

وبعد أن قضى السلطان برسباي في الحكم نحو سبعة عشر عاما، تُوفي في (ذي الحجة 841هـ = مايو 1437م)، بعد أن ارتبط اسمه بالجهاد ضد الصليبيين، وأضاف إلى دولته جزيرة قبرص، وهو ما أضفى على سلطنته رونقًا وشهرة.

Matador
14-02-2008, 07:27 AM
دمشق بوابة صلاح الدين إلى الوحدة


مرّت الأمة العربية والإسلامية بمرحلة شديدة من الضعف والانقسام قبيل ظهور "صلاح الدين الأيوبي" على مسرح الأحداث، وأصبح العرب والمسلمون مطمعًا لدول أوروبا، وصارت بلاد المسلمين نهبًا للصليبيين المتربصين بالأمة الإسلامية، فقد كانت الخلافة العباسية تؤذن بالزوال، وأصبح الخليفة العباسي بلا أي سلطان، بل لقد صار هو نفسه تحت وصاية القادة الأتراك الذين ازداد نفوذهم وأصبحت لهم السطوة والسلطة في الخلافة، وصارت وظيفة إمرة الأمراء يفوق سلطانها سلطان الخلافة، حتى أطلق المؤرخون على الخلفاء العباسيين في ذلك الوقت المستضعفين.

ظهور أسرة الأيوبيين

وفي ظل تلك الأجواء المشحونة بالتفكك والتخاذل ظهرت أسرة صلاح الدين، تلك الأسرة الكردية التي أسلمت منذ وقت مبكر، وكان لها من البأس والقوة ما مكّنها من السيطرة على عامة أرض فارس في عهد الدولة الأموية.

واشتدت قوتهم وازداد نفوذهم مع ضعف الخلافة العباسية، إلا أن ظهور السلاجقة في العراق قضى على تلك الدويلات الصغيرة التي أنشأها الأكراد، خاصة في الأجزاء الغربية من جبال إيران.

وتذكر المصادر التاريخية أن "شادي" جد صلاح الدين هاجر مع أسرته من أذربيجان إلى العراق التي كان يسيطر عليها السلاجقة، واستطاع أن يتصل ببعض رجال الدولة السلجوقية، وكان متميزا بالجرأة والشجاعة وشخصيته القوية فمنحوه حكم قلعة "تكريت"، فلما تُوفي شادي ورثه ابنه الأكبر "أيوب"، وأصبح حاكما عليها، وكان يعاونه أخوه الأصغر "شيركوه".
وفي تلك القلعة وُلِد "صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي" في سنة (532هـ=1137م).

في بلاط الأتابكة

واضطر أبناء شادي إلى ترك القلعة واللجوء إلى الأتابكة في الموصل فرارا من السلاجقة بعد أن قتل شيركوه قائدا سلجوقيا كاد يبطش بامرأة هناك، ولقي الأخوان أيوب وشيركوه الحفاوة والتكريم من "عماد الدين زنكي" حاكم الموصل الذي ألحقهما بالعمل معه، وجعل أيوب أميرًا على "بعلبك"، فلما قتل "عماد الدين" على يد غلمانه سنة (541هـ=1146م) ظل الأخوان إلى جانب ابنيه "نور الدين محمود" و"غازي"؛ فاتسع نفوذهما وقوى سلطانهما.

دمشق في حياة صلاح الدين

لعلَّ أولى ذكريات دمشق في وعي صلاح الدين ووجدانه ترجع إلى فترة مبكرة من صباه، وهو غلام صغير لم يتجاوز الحادية العشرة، عندما غزا الصليبيون دمشق في حملتهم الثانية إلى المشرق وحاصروها في (ربيع الأول 543هـ=يونيو 1148م)، فتصدى لهم أبوه "أيوب" مع "معين الدين أنر" حاكم دمشق ـ استمات أهل دمشق في الدفاع عنها في ملحمة بطولية رائعة حتى اضطر الصليبيون في النهاية إلى قبول العرض الذي طرحه "أنر" عليهم بتسليمهم حصن "بانياس" مقابل رفع الحصار عن دمشق، خاصة بعدما علموا بخروج الأميرين الزنكيين نور الدين وأخيه غازي لنجدة أنر، ولكن خروج الصليبيين من دمشق على هذا النحو بعد مصالحة "أنر" لهم دفع نور الدين إلى أن يفكر جديا في الاستيلاء عليها وضمها إلى أملاكه، وقوي هذا العزم في نفس نور الدين بعد أن توفي أخوه غازي وأصبحت مقاليد الأمور كلها في يده.

وقد ساهم الأخوان أيوب وشيركوه بقدر كبير في تحقيق أمنية نور الدين، فلما آلت إليه دمشق سنة 549هـ=1154م نقل إليها مركز حكمه، وعيّن أيوب حاكما عليها وجعل شيركوه نائبا عنه، واتخذ صلاح الدين رئيسا للشرطة، وكان في السابعة عشرة من عمره.

نور الدين والفاطميون

واتسعت دولة "نور الدين" لتمتد من حلب إلى دمشق، وكان لجهود الأخوين "أيوب" و"شيركوه" أكبر الأثر في توطيد أركان تلك الدولة الفتية، وفي الوقت الذي كان نجم دولة "نور الدين" في الشام آخذا في الصعود كانت أوضاع دولة الفاطميين في مصر في تدهور مستمر، خاصة بعدما تفاقم الصراع بين كل من "شاور" و"ضرغام" على الوزارة، والذي انتهى بانتصار "ضرغام" وطرد "شاور" من مصر سنة (558هـ=1163م).

ولجأ "شاور" بعد هزيمته إلى "نور الدين" في الشام فاستنجد به، وأطمعه في مصر، ووعده بثلث خراجها، وتعهد أن يكون تابعًا مخلصًا له.

فأرسل "نور الدين" حملة عسكرية كبيرة جعل على رأسها "شيركوه"، وخرج معه ابن أخيه "صلاح الدين" ـ وكان في الخامسة والعشرين من عمره ـ حتى دخلوا القاهرة، وألحقوا بضرغام وجنوده هزيمة منكرة، وقُتل مع من بقي من أتباعه.

ولكن "شارو" ما لبث أن نكث بعهوده، وأظهر الغدر، بعد أن استعاد الوزارة، واستعان بالصليبيين لمحاربة "شيركوه" و"صلاح الدين".

واستمر الصراع بين الجانبين عدة سنوات حتى استطاع "شيركوه" ومعه "صلاح الدين" دخول "مصر" في (ربيع الأول 564 هـ-ديسمبر 1168م)، وأراد "شاور" تدبير مؤامرة للخلاص من "شيركوه" ومن معه، وإخراج جيشه من مصر، ولكن شيركوه أسرع بالقبض عليه، فأمر الخليفة الفاطمي "العاضد" بإعدامه، فأعدم في (17 من ربيع الآخر 564هـ=19 من يناير 1169م)، وبموته استقرت الأمور في البلاد، وتقلّد شيركوه الوزارة إلا أنه تُوفي بعد نحو شهرين من تقلده الوزارة، فخلفه عليها صلاح الدين وكان عمره (31) عامًا.

صلاح الدين وزيرًا

وكان الخليفة الفاطمي يظن أن "صلاح الدين" سيكون أداة طيعة في يده لصغر سنه، ولكن الوزير الشاب خيب ظنَّ الخليفة، وعمل منذ الوهلة الأولى على استمالة قلوب الناس إليه، وأنفق في سبيل ذلك أموالاً طائلة، حتى سيطر سيطرة تامة على الجند، واستطاع القضاء على الجنود السودان الذين كان الخليفة الفاطمي يعتمد عليهم.
وما لبث الخليفة "العاضد" أن تُوفي في (المحرم 567هـ= سبتمبر 1171م)، فانتهت بوفاته الدولة الفاطمية، وقضى صلاح الدين على كل أثر لها في مصر.

بداية الوحدة الإسلامية

كان الخطر الصليبي لا يزال يحدق بالأمة العربية والإسلامية، وأدرك "صلاح الدين" أنه لا مجال لصد ذلك الغزو الصليبي إلا بالوحدة الإسلامية، ولمِّ شتات الإمارات المختلفة تحت لواء واحد قوي.

وقد لاحت له الفرصة حينما علم بوجود بعض القلاقل والاضطرابات في الشام، فاستخلف أخاه "العادل" على مصر، واتجه على رأس جيشه إلى الشام فدخل دمشق في (آخر ربيع الأول 572 هـ = 29 من أكتوبر 1174).

وبدخول صلاح الدين مدينة دمشق بدأت أولى خطواته نحو تحقيق الوحدة الإسلامية الكبرى التي عاش يحلم بها، وتمكن ـ بعد ذلك ـ من الاستيلاء على عدة مدن من أهمها "حمص"، و"حماة"، و"حلب"، واستطاع أن يحقق الأمن والاستقرار للبلاد، وأحسن تدبير أمور الدولة، حتى أصبحت بلاد الشام التي فتحها خاضعة له، واستطاع "صلاح الدين" أن يحظى باعتراف الخليفة العباسي "المستضيء" بسيادته على مصر والشام واليمن.

وعاد "صلاح الدين" إلى مصر، ليبدأ التخطيط والإعداد للقضاء على النفوذ الصليبي في المشرق، بعد أن حقق حلمه بقيام الواحدة الإسلامية الكبرى بين مصر والشام، والذي توجّه ـ بعد ذلك ـ بانتصاره الساحق على الصليبيين في حطين.

Matador
23-02-2008, 08:55 PM
فتح مصر.. أرض الكنانة


لم يمنع تأخر إسلام عمرو بن العاص من

أن يتبوأ مكانة رفيعة بين أبطال الإسلام، تقدمه مواهبه، وتزكيه أعماله، ولم يكن النبي (صلى الله عليه وسلم) ليغفل عن ذلك؛ فلم يجعل تأخر سابقته في الإسلام تحول دون النفع منه، وكان شأن عمرو بن العاص في ذلك شأن خالد بن الوليد ارتفعت بهما أقدارهما إلى ما يستحقان من تقدير وإعجاب.

وقدر النبي (صلى الله عليه وسلم) في عمرو كفايته وحزمة، فجعله قائدًا لبعض سراياه، مثل سرية ذات السلاسل لإخضاع قبيلة قضاعة، فتم له النصر، ورأى فيه عقلاً ومهارة، وسياسة وحكمة، فاختاره صلى الله عليه وسلم سفيرًا يحمل كتابه إلى ملكي عمان، يدعوهما إلى الإسلام، فنجح في مهمته، وأسلم الملكان وتبعهما خلق كثير، ثم ولاه النبي صلى الله عليه وسلم صدقة عمان، وظل في منصبه ما يقرب من سنتين حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فعاد إلى المدينة.

لقاء الجابية

لما تم للمسلمين فتح بلاد الشام وفلسطين اتجهت أنظارهم إلى مصر، وقد لمعت هذه الفكرة في ذهن عمرو بن العاص أحد قادة فتوح الشام، فعرضها على الخليفة عمر بن الخطاب حين قدم "الجابية" من أعمال دمشق سنة (18هـ = 639م) وكان الخليفة العادل قد غادر المدينة إلى بلاد الشام ليتسلم مدينة القدس صلحًا، بعد أن أصر بطريرك المدينة المقدسة على حضور الخليفة ليتسلمها بنفسه.

وكان فتح مصر ودخولها تحت سلطان المسلمين ضرورة ملحة، تفرضها دواعي الاستقرار واستتباب الأمن والسلام في الشام، بعد أن رأى عمرو أن سواحل سورية وفلسطين لن تكون في مأمن أبدًا ما دام أسطول الروم يعتمد في قواعده على مصر.

تردد الخليفة في قبول هذه الفكرة في بادئ الأمر، وكان عمر يكره أن يبتعد عنه جيشه أو يفصل بينه وبينهم بحار ومفاوز، فيصعب عليه أن يتابعهم، ويتتبع أخبارهم، كما أنه كان ضنينًا بجنوده حريصًا على حياتهم لا يوردهم مورد الهلاك، ولا يدفع بهم إلا حيثما تتحقق الثمرة وترجى الفائدة، غير أن عمرو لم يزل به يقنعه ويضمن له أسباب النجاح والظفر، والبعد عن مكامن الخطر، حتى رضي الخليفة العادل وأذن له بالفتح.

مقدمات الفتح

خرج عمرو بن العاص من "قيسارية" بالشام على رأس قوة صغيرة تبلغ نحو أربعة آلاف جندي في أواخر سنة (18هـ = 639م)، مخترقًا رمال سيناء حتى وصل العريش في (ذي الحجة 18هـ = ديسمبر 639م)، وقضى بها عيد الأضحى، بعد أن فتحها من غير مقاومة، فلم تكن بها حامية للدفاع عنها، ثم غادرها غربًا سالكًا طريقًا بعيدًا عن البحر، وهو طريق كان يسلكه الفاتحون والمهاجرون والسائحون منذ أقدم العصور، حتى وصل إلى مدينة "الفرما" وهي مدينة قديمة، ذات حصون قوية شرقي مدينة بورسعيد الحالية، وكان لها ميناء يطل على البحر، ويصل إليها جدول ماء من النيل. وقد اضطر المسلمون إلى حصارها شهرًا أو أقل من ذلك، أبلوا خلالها بلاءً حسنًا، حتى فتحت المدينة في (أول المحرم 19هـ = 2 من يناير 640م) وأجمع المؤرخون أن للقبط يدًا في هذا النصر، إذ كانوا أعوانًا للفاتح الشجاع.

الطريق إلى بابليون

تقدم عمرو حتى وصل إلى "بُلْبَيْس" في (15 من المحرم سنة 19هـ=16 من يناير 640م) فحاصرها شهرًا حتى تمكن من فتحها بعد قتال شديد مع الروم، واستشهد من المسلمين عدد غير قليل في حين خسر الروم ألف قتيل، ووقع في الأسر نحو ثلاثة آلاف، وأصبح الطريق ممهدًا لعمرو لكي يصل إلى رأس الدلتا وحصن بابليون.

وواصل عمرو سيره حتى بلغ قرية "أم دنين"، وهي قرية كانت تقع على النيل شمال حصن بابليون، وموقعها الحالي في قلب القاهرة عند الحديقة التي تشغلها حديقة الأزبكية وما حولها، وكان النيل يومئذ يمر بهذا المكان.

عمرو يطلب المدد

تنبه الروم على خطورة موقفهم، بعد أن أصبح المسلمون في وسط البلاد، فانحدر الروم إلى حصن بابليون لتنظيم الدفاع، ونشب قتال بين الفريقين، لكنه لم يكن حاسمًا، وكان الروم يستغلون اتصال حصن بابليون بحامية "أم دنين" عن طريق النيل فيشنون غارات سريعة على المسلمين، ولم تكن قواتهم من الضخامة بحيث تتحمل خسائر متلاحقة تصيبهم من الروم، فاضطر عمرو إلى طلب النجدة، حتى يكمل مسيرته، ويعوض ما فقده خلال غزوته، فبعث إليه عمر بن الخطاب بأربعة آلاف مقاتل، وبكتاب يقول فيه: "قد أمددتك بأربعة آلاف، فيهم أربعة رجال، الواحد منهم بألف رجل"، وكان هؤلاء الأربعة هم: الزبير بن العوام، وعباد بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، والمقداد بن الأسود، وكلهم من شجعان الرجال وأبطال الحرب.

معركة هليوبوليس

ولما وصل المدد إلى عمرو بن العاص في (جمادى الآخرة سنة 19هـ=يونيو سنة 640م) سار بجيشه إلى مدينة عين شمس (هليوبوليس)، وقامت خطته على أن يجتذب إليه جند الروم لينازلهم خارج الحصن، ولم تكن للعرب وقتئذ خبرة تامة باقتحام الحصون والاستيلاء عليها.

وخرجت جيوش الروم لملاقاة المسلمين في السهل الواقع بين الحصن ومدينة عين شمس وكانت عيون عمرو قد نقلت إليه أخبار هذا التحرك، فأعد خطة ماهرة، واستعد بقلب جيشه عند عين شمس، وأرسل في جنح الليل كمينًا من جيشه استقر غربًا في قرية أم دنين، وآخر اختبأ عند جبل المقطم.

ولما بدأت المعركة وكانت في (رجب سنة 19هـ = يوليو 640م)، واشتد القتال، انقضت الكتيبة المختبئة عند الجبل بقيادة خارجة بن خدافة على مؤخرة الروم، وأعملت فيهم السيف، فأخذتهم المفاجأة، وتملكهم الفزع والرعب، فولوا هاربين نحو قرية "أم دنين" وكان في انتظارهم الكتيبة الأخرى، فأحاطت بهم وأمعنت فيهم قتلاً وضربًا، وفر الباقون إلى حصن بابليون.

حصار حصن بابليون

مكن هذا النصر معسكرات المسلمين من أن تشرف على حصن بابليون مباشرة من جهته الشمالية والشرقية، ولا تزال بقايا هذا الحصن موجودة في حي مصر القديمة، وكانت أسوار هذا الحصن تضم مساحة تزيد عن الستين فدانًا.

ضرب المسلمون حصارًا قويًا على الحصن المنيع، غير عابئين بمجانيق الروم، تدفعهم حماستهم وحب الجهد ونيل الشهادة في مهاجمة الحصن، والقيام بسلسلة من المناوشات التي كانت نتائجها تضعف معنويات المحاصرين، ولم يكد يمضي على الحصار شهر حتى دب اليأس في نفس "المقوقس" حاكم مصر، فأرسل في طلب المفاوضة والصلح، فبعث عمرو بن العاص وفدًا من المفاوضين على رأسه عبادة بن الصامت الذي كلف بألا يتجاوز في مفاوضته أمورًا ثلاثة يختار الروم واحدة منها، وهي: الدخول في الإسلام، أو قبول دفع الجزية للمسلمين، أو الاحتكام إلى القتال، فلم يقبل الروم العرضين الأولين، وأصروا على مواصلة القتال.

وحاول المقوقس أن يعقد صلحًا مع عمرو بعد أن تيقن أنه لا قبل له بمواجهة المسلمين، وآثر الصلح وحقن الدماء، واختار أن يدفع الجزية للمسلمين، وكتب شروط الصلح، وأرسلها إلى هرقل إمبراطور الروم للموافقة عليها، وأسرع إلى الإسكندرية مغادرًا الحصن، وأردف شروط الصلح برسالة إلى هرقل يعتذر فيها لسيده عما أقدم عليه من الصلح مع السلمين، فما كان من هرقل إلا أن أرسل إليه وإلى قادة الروم يعنفهم على تخاذلهم وتهاونهم إزاء المسلمين، ولم يكن لهذا معنى سوى رفض شروط الصلح.

استأنف المسلمون القتال وشددوا الحصار بعد فشل الصلح، وفي أثناء ذلك جاءت الأنباء بوفاة هرقل ففتّ ذلك في عضد الجنود داخل الحصن، وزادهم يأسًا على يأس، في الوقت الذي صحت فيه عزائم المسلمين، وقويت معنوياتهم، وقدموا أروع أمثلة الشجاعة والفداء، وفي غمرة الحصار تطوَّع الزبير بن العوام بتسلق سور الحصن في ظلام الليل، وتمكن بواسطة سلم وضع له أن يصعد إلى أعلى السور، ولم يشعر الروم إلا بتكبيرة الزبير، تهزُّ سكون الليل، ولم يلبث أن تبعه المسلمون يتسابقون على الصعود، تسبقهم تكبيراتهم المدوية فتنخلع لها أفئدة الروم التي ملأها اليأس، فكانت تلك التكبيرات أمضى من كل سلاح قابلهم، ولم تكد تشرق شمس يوم (18 من ربيع الآخر سنة 20 هـ=16 من إبريل 641م) حتى كان قائد الحصن يعرض الصلاح على عمرو ومغادرة الحصن، فكان ذلك إيذانًا بعهد جديد تسلكه مصر، ولا تزال تحمل رايته حتى يومنا هذا.

Matador
23-02-2008, 10:22 PM
حطين أحداث ونتائج


هيأت الأقدار لصلاح الدين الأيوبي أن يسطع في القرن السادس الهجري سطوعا باهرًا، وأن تبرز مواهبه وملكاته على النحو الذي يثير الإعجاب والتقدير، وأن يتبوأ بأعماله العظيمة مكانا بارزًا بين قادة العالم، وصانعي التاريخ.

وكانت وفاة نور الدين محمود سنة (569هـ = 1174م) نقطة تحوّل في حياة صلاح الدين؛ إذ أصبحت الوحدة الإسلامية التي بناها نور الدين محمود-هذا البطل العظيم- معرّضة للضياع، ولم يكن هناك من يملأ الفراغ الذي خلا بوفاته، فتقدم صلاح الدين ليكمل المسيرة، ويقوّي البناء، ويعيد الوحدة، وكان الطريق شاقا لتحقيق هذا الهدف وإعادة الأمل.

بناء الوحدة الإسلامية

توفي نور الدين محمود، وترك ولدا صغيرا لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، فشب نزاع بين الأمراء على من يقوم بالوصاية على الأمير الصغير، وانفرط عقد الدولة النورية، وكان صلاح الدين في مصر يراقب ما يحدث في الشام عن كثب، ينتظر الفرصة المواتية لتوحيد الجبهة الإسلامية، ولم يطل انتظاره حيث جاءته دعوة من أمراء دمشق لتسلّمها، فهب إليها على الفور، واستقبله أهلها استقبالا حسنا، وتسلم المدينة وقلعتها في سنة (570هـ = 1174م) ثم اتجه إلى حمص فاستولى عليها، ثم عرج على حماة فضمها أيضا إلى دولته، وأصبح على مشارف حلب نفسها، وحاول أن يفتحها لكنها استعصت عليه، بعد أن استنجد قادتها بالصليبيين؛ فتركها وفي أعماقه أنه سيأتي إليها مرة أخرى، ولكن تأخرت عودته ثماني سنوات، حتى تمكن من فتحها وضمها في (18 من صفر 579هـ = 12 من يونيه 1183م) وكان استيلاء صلاح الدين على حلب وما حولها خطوة هائلة في بناء الجبهة الإسلامية المتحدة، التي امتدت تحت زعامته من جبال طوروس شمالا حتى بلاد النوبة جنوبا.

لم يعد أمام صلاح الدين لاستكمال الوحدة سوى مدينة الموصل، فحاصرها أكثر من مرة، إلى أن تم الصلح، بعد أن سعى إليه والي الموصل "عز الدين مسعود"، قبل أن يكون تابعا لصلاح الدين، واتفق على ذلك في صفر سنة (582هـ = 1186م).

جبهة الصليبيين

في أثناء الفترة التي عمل فيها صلاح الدين على إحياء الدولة الإسلامية المتحدة؛ استعدادا لخطة الجهاد التي رسمها لطرد الصليبيين، ارتبط بعقد هدنة مع هؤلاء الصليبيين مدتها أربع سنوات؛ حتى يتفرغ تماما لتنظيم دولته وترتيب أوضاعها الداخلية.

غير أن أرناط حاكم الكرك شاء بحماقته ألا يترك الصليبيين ينعمون بتلك الهدنة؛ حيث أقدم على عمل طائش نقض الهدنة وأشعل الحرب، فاستولى على قافلة تجارية متجهة من مصر إلى دمشق، وأسر حاميتها ورجالها، وألقى بهم أسرى في حصن الكرك.

حاول صلاح الدين أن يتذرع بالصبر فبعث إلى أرناط مقبحًا فعله، وتهدده إذا لم يرد أموال القافلة ويطلق سراح الأسرى. وبدلا من أن يستجيب أرناط أساء الرد، واغتر بقوته، ورد على رسل صلاح الدين بقوله: "قولوا لمحمد يخلصكم".

ولما حاول ملك بيت المقدس أن يتدارك الموقف أصرّ أرناط على رأيه، ورفض إعادة أموال القافلة وإطلاق الأسرى، فزاد الأمر تعقيدا، ولم يبق أمام صلاح الدين سوى الحرب والقصاص.

مقدمات حطين

عبّأ صلاح الدين قواه واستعد لمنازلة الصليبيين وخوض معركة الجهاد الكبرى التي ظل يعد لها عشر سنوات منتظرا الفرصة المواتية لإقدامه على مثل هذا العمل، ولم تكن سياسة أرناط الرعناء سوى سبب ظاهري لإشعال حماس صلاح الدين، وإعلان الحرب على الصليبيين.

غادرت قوات صلاح الدين التي تجمعت من مصر وحلب والجزيرة وديار بكر مدينة دمشق في المحرم (583هـ = مارس 1187م) واتجهت إلى حصن الكرك فحاصرته ودمرت زروعه، ثم اتجهت إلى الشوبك، ففعلت به مثل ذلك، ثم قصدت بانياس بالقرب من طبرية لمراقبة الموقف.

وفي أثناء ذلك تجمعت القوات الصليبية تحت قيادة ملك بيت المقدس في مدينة صفورية، وانضمت إليها قوات ريموند الثالث أمير طرابلس، ناقضا الهدنة التي كانت تربطه بصلاح الدين، مفضلا مناصرة قومه، على الرغم من الخصومة المتأججة بينه وبين ملك بيت المقدس.

كان صلاح الدين يرغب في إجبار الصليبيين على المسير إليه، ليلقاهم وهم متعبون في الوقت الذي يكون هو فيه مدخرًا قواه، وجهد رجاله، ولم يكن من وسيلة لتحقيق هذا سوى مهاجمة طبرية، حيث كانت تحتمي بقلعتها زوجة ريموند الثالث، فثارت ثائرة الصليبيين وعقدوا مجلسًا لبحث الأمر، وافترق الحاضرون إلى فريقين: أحدهما يرى ضرورة الزحف إلى طبرية لضرب صلاح الدين، على حين يرى الفريق الآخر خطورة هذا العمل لصعوبة الطريق وقلة الماء، وكان يتزعم هذا الرأي ريموند الثالث الذي كانت زوجته تحت الحصار، لكن أرناط اتهم ريموند بالجبن والخوف من لقاء المسلمين، وحمل الملك على الاقتناع بضرورة الزحف على طبرية.

موقعة حطين

بدأت القوات الصليبية الزحف في ظروف بالغة الصعوبة في (21 من ربيع الآخر 583هـ = 1 من يوليو 1187م) تلفح وجوهها حرارة الشمس، وتعاني قلة الماء ووعورة الطريق الذي يبلغ طوله نحو 27 كيلومترا، في الوقت الذي كان ينعم فيه صلاح الدين وجنوده بالماء الوفير والظل المديد، مدخرين قواهم لساعة الفصل، وعندما سمع صلاح الدين بشروع الصليبيين في الزحف، تقدم بجنده نحو تسعة كيلومترات، ورابط غربي طبرية عند قرية حطين.

أدرك الصليبيون سطح جبل طبرية المشرف على سهل حطين في (23 من ربيع الآخر 583هـ = 3 من يوليو 1187م) وهي منطقة على شكل هضبة ترتفع عن سطح البحر أكثر من 300 متر، ولها قمتان تشبهان القرنين، وهو ما جعل العرب يطلقون عليها اسم "قرون حطين".

وقد حرص صلاح الدين على أن يحول بين الصليبيين والوصول إلى الماء في الوقت الذي اشتد فيه ظمؤهم، كما أشعل المسلمون النار في الأعشاب والأشواك التي تغطي الهضبة، وكانت الريح على الصليبيين فحملت حر النار والدخان إليهم، فقضى الصليبيون ليلة سيئة يعانون العطش والإنهاك، وهم يسمعون تكبيرات المسلمين وتهليلهم الذي يقطع سكون الليل، ويهز أرجاء المكان، ويثير الفزع في قلوبهم.

صباح المعركة

وعندما أشرقت شمس يوم السبت الموافق (24 من ربيع الآخر 583هـ = 4 من يوليو 1187م) اكتشف الصليبيون أن صلاح الدين استغل ستر الليل ليضرب نطاقا حولهم، وبدأ صلاح الدين هجومه الكاسح، وعملت سيوف جنوده في الصليبيين، فاختلت صفوفهم، وحاولت البقية الباقية أن تحتمي بجبل حطين، فأحاط بهم المسلمون، وكلما تراجعوا إلى قمة الجبل، شدد المسلمون عليهم، حتى بقي منهم ملك بيت المقدس ومعه مائة وخمسون من الفرسان، فسيق إلى خيمة صلاح الدين، ومعه أرناط صاحب حصن الكرك وغيره من أكابر الصليبيين، فاستقبلهم صلاح الدين أحسن استقبال، وأمر لهم بالماء المثلّج، ولم يعط أرناط، فلما شرب ملك بيت المقدس أعطى ما تبقّى منه إلى أرناط، فغضب صلاح الدين وقال: "إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني"، ثم كلمه وذكّره بجرائمه وقرّعه بذنوبه، ثم قام إليه فضرب عنقه، وقال: "كنت نذرت مرتين أن أقتله إن ظفرت به: إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة، والأخرى لما نهب القافلة واستولى عليها غدرًا".

نتائج حطين

لم تكن هزيمة الصليبين في حطين هزيمة طبيعية، وإنما كانت كارثة حلت بهم؛ حيث فقدوا زهرة فرسانهم، وقُتلت منهم أعداد هائلة، ووقع في الأسر مثلها، حتى قيل: إن من شاهد القتلى قال: ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل.

وغدت فلسطين عقب حطين في متناول قبضة صلاح الدين، فشرع يفتح البلاد والمدن والثغور الصليبية واحدة بعد الأخرى، حتى توج جهوده بتحرير بيت المقدس في (27 من رجب 583هـ = 12 من أكتوبر 1187م) ولهذا الفتح العظيم حديث آخر.

Matador
23-02-2008, 10:26 PM
جيوش محمد على أبواب إستانبول


اجتاحت جيوش "إبراهيم باشا بن محمد علي" بلاد الشام عام (1247هـ=1931م)، وتساقطت مدنه واحدة تلو الأخرى دون مقاومة تُذكر، حتى مدينة عكا التي استعصت على نابليون بونابرت ولم يفلح في اقتحامها، نجح إبراهيم باشا في فتحها، وكان لسقوطها دوي عظيم، ونال فاتحها ما يستحقه من تقدير وإعجاب.

ومضى الفاتح في طريقه حتى بلغ "قونيه"، وكان العثمانيون قد هجروها حين ترامت الأنباء بقدوم إبراهيم باشا وجنوده، ولم يبق بها سوى الجيش العثماني بقيادة رشيد باشا، وكان قائدًا ماهرًا يثق فيه السلطان العثماني ويطمئن إلى قدرته وكفاءته، ولم يكن هناك مفر من القتال، فدارت رحى الحرب بين الفريقين في (27 من جمادى الآخرة 1248هـ= 21 من نوفمبر 1832م) عند قونيه، ولقي العثمانيون هزيمة كبيرة، وأُسر القائد العثماني، وأصبح الطريق مفتوحًا إلى القسطنطينية.

أسباب الحملة على الشام

كان السبب المعلن لقيام محمد علي بحملته الظافرة على الشام هو اشتعال النزاع بينه وبين عبد الله باشا والي عكا، الذي رفض إمداد محمد علي بالأخشاب اللازمة لبناء أسطوله، وآوى عنده بعض المصريين الفارين من الخدمة العسكرية ودفع الضرائب، ورفض إعادتهم إلى مصر، وكان الخليفة العثماني "محمود الثاني" يقف وراء النزاع، ويُعضِّد والي عكا في معارضته محمد علي، ولم تكن العلاقة بين الخليفة العثماني وواليه في مصر على ما يرام.

غير أن الذي جعل محمد علي يقدم على هذه الخطوة هو أنه كان يرى أن سوريا جزء متمّم لمصر، ولا يتحقق الأمن بمصر ويأمن غائلة العدو إلا إذا كانت سوريا تحت سيطرته وسلطانه، وأن حدود مصر الطبيعية في جهة الشرق هي جبال طوروس، وليست صحراء العرب، ومن ثم كان يتحين الفرصة لتحقيق هدفه، حتى إذا ما لاحت انتهزها، وجرّد حملته إلى الشام.

اتفاقية كوتاهية

فزع السلطان محمود الثاني من الانتصارات التي حققها إبراهيم باشا فلجأ إلى الدول الأوروبية لمساعدته والوقوف إلى جانبه، لكنها لم تُجبه؛ لانشغالها بأحوالها الداخلية، ورأت في النزاع القائم مسألة داخلية يحلها السلطان وواليه، عند ذلك لجأ السلطان إلى روسيا –العدو اللدود للدولة العثمانية- لتسانده وتساعده، فاستجابت على الفور، ولم تتلكأ، ووجدت في محنة الدولة فرصة لزيادة نفوذها في منطقة المضايق، فأرسلت قوة بحرية رست في البسفور، وهو ما أقلق فرنسا وإنجلترا، وتوجستا من تدخل روسيا وانفرادها بالعمل، والتظاهر بحماية الدولة العثمانية، وكانت الدولتان تتمسكان بالمحافظة على كيان الدولة العثمانية؛ خشية من روسيا التي لم تكن تُخفي أطماعها في جارتها المسلمة.

تحركت الدولتان لفض النزاع وإعادة الأمن بين الخليفة وواليه الطموح، ولم يكن أمام السلطان العثماني سوى الرضوخ لشروط محمد علي في الصلح، فلا فائدة من حرب نتائجها غير مضمونة لصالحه، في الوقت الذي يسيطر فيه إبراهيم باشا على الشام، ويلقى ترحيبًا وتأييدًا من أهله.

عُقد الصلح في كوتاهية في (18 من ذي القعدة 1249هـ= 8 من إبريل 1833م)، واتفق الطرفان على أن تتخلى الدولة العثمانية لمحمد علي عن سوريا وإقليم أدنة مع تثبيته على مصر وجزيرة كريت والحجاز، في مقابل جلاء الجيش المصري عن باقي بلاد الأناضول.

اشتعال الثورة في الشام

لم يكن صلح كوتاهية بين الطرفين سوى هدنة مسلحة قبلته الدولة العثمانية على مضض، وأُكرهت على قبوله؛ ولذا كانت تعد العدة لنقض الصلح وتنتظر الفرصة السانحة لاسترداد ما أخذه محمد علي منها قسرا وكرها دون رضى واتفاق، وإنما أملاه السيف وفرضته آلة الحرب.

وسنحت الفرصة للسلطان العثماني في سنة (1250هـ=1834م) حين قامت الثورة في سوريا على إثر ما أدخله إبراهيم باشا من النظم الجديدة في إدارة شئون البلاد للنهوض بها ولم يكن للناس عهد بها، وزاد من ثورة الناس ضد الحكم المصري ما فرضه على الناس من ضرائب، وإجبار الناس على الالتحاق بالجيش ونزع السلاح من أيدي الأهالي.

وعلى الرغم من أن سوريا شهدت نشاطًا في التجارة، وازدهارًا في الصناعة واستتبابًا في الأمن بفضل المشروعات التي أدخلها إبراهيم باشا في البلاد، فإن ذلك لم يكن كافيا لنَيل رضى الناس؛ إذ صاحبه استبداد وقهر.

لم تكن أصابع السلطان العثماني بعيدة عن إشعال الثورة، وتأجيج الغضب في القلوب، فشبّت الفتنة في أماكن عديدة، وبذل إبراهيم باشا جهودًا خارقة في إخماد الفتنة وقمع الثورة، واستنفد ذلك أموالاً طائلة ونفوسًا كثيرة.

الحملة الثانية على الشام

فشلت المفاوضات بين الدولة العثمانية ومصر في تسوية النزاع بينهما بطريقة ودية، فأعلن محمد علي عن عزمه في قطع العلائق التي تربط مصر بدولة الخلافة العثمانية، وقد كان يعينه على ذلك تنامي قوته وازدياد نفوذه، وعجزت الدول الأوروبية أن تثنيه عن عزمه، ولم يكن يرضيها ظهور قوة إسلامية فتية، ربما يشاء لها القدر أن تبثّ الحياة في جسد الخلافة الواهن، فيهب من رقدته، ويسترد بعضا من عافيته، فيعيد إلى الأذهان جلال هيبته، وعظمة قوته.

كان السلطان العثماني قد أعد العدة لاسترداد سوريا من محمد علي، فحشد قواته على الحدود، ولما أتم العثمانيون استعدادهم بدءوا في زحفهم، فعبروا نهر الفرات وواصلوا زحفهم حتى اجتازت طلائعهم الحدود المرسومة السورية - التركية التي حددتها اتفاقية كوتاهية، فأرسل إبراهيم باشا إلى أبيه يخبره بالأمر، وفي الوقت نفسه لم ينتظر رد أبيه، بل تحرك بجيشه الذي كان يقيم بحلب؛ حيث أجلى العثمانيين عن مواقعهم، وفي أثناء ذلك جاء الرد من محمد علي إلى ابنه بألا يكتفي بصد هجوم العثمانيين وأن يعبر الحدود إذا اقتضى الأمر ذلك لسحق الجيش العثماني.

معركة نزيب (نصيبين)

اتجه إبراهيم باشا بجيشه الذي يبلغ أربعين ألف مقاتل إلى حيث يعسكر الجيش العثماني، ويحتل مواقعه الحصينة في بلدة نزيب التي تقع بالقرب من الحدود التركية - السورية، وكان الجيش العثماني يبلغ تعداده أربعين ألف مقاتل، وقد أُعِدّ إعدادًا حسنا، وعلى كفاءة عالية في فنون القتال.

وفي (11 من ربيع الآخر 1255هـ = 24 من نوفمبر 1839م) التقى الفريقان عند قرية نزيب في معركة هائلة حسمها إبراهيم باشا لصالحه، وألحق بالعثمانيين هزيمة مدوية، وكان ثمن النصر باهظا؛ حيث سقط أربعة آلاف جندي مصري بين قتيل وجريح.

وقبل أن تصل أنباء هذه الكارثة إلى عاصمة الخلافة العثمانية كان السلطان محمود الثاني قد قضى نحبه في (17 من ربيع الآخر 1255هـ= 30 من يونيو 1839م)، وخلفه ابنه عبد الحميد، وكان شابا لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره، تسلّم قيادة الدولة العثمانية في ظروف بالغة الصعوبة، فأراد أن يحسم الخلاف مع محمد علي؛ حقنًا لدماء المسلمين، ومنعًا للتدخل الأجنبي، وبعث برسول إليه للتفاوض في أمر الصلح، ونقاط الخلاف بين الطرفين.

Matador
23-02-2008, 10:34 PM
استشهاد الخليفة الموحدي على أسوار شنترين


نجح "عبد المؤمن علي" في تأسيس دولة الموحدين بالمغرب، واستكمال ما بدأه أستاذه الشيخ "محمد بن تومرت" الذي بدأ دعوته الإصلاحية في القرن السادس الهجري، ودعا إلى إنشاء دولة تلتزم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتستهدف إقامة خلافة إسلامية، تستلهم عصور الراشدين، وتعيد ما كان عليه السلف الصالح من تقوى وعدل، وكان من شأن هذه الدعوة أن اجتذبت الأتباع، والتفّ حولها الأعوان والأنصار، حتى إذا اشتد عودها؛ نظمت من أتباعها جيشًا ناوش الدولة القائمة، وكانت دولة المرابطين، فلم تأخذ الأمر على نحوٍ من الجدية والاهتمام في بادئ الأمر، ثم تنبهت إلى خطورة هذه الدعوة عليها، وكان لا بد من الصدام معها، وهذا ما حدث.

ولما توفي ابن تومرت في سنة (524هـ= 1130م) خلفه عبد المؤمن علي، وتحمل أعباء الدعوة، ومتابعة تنظيم أعوانها، والإعداد لمجابهة دولة المرابطين، فدخل معها في صراع عسكري، دام أكثر من خمسة عشر عامًا، حتى كلل جهوده بإحكام قبضته على المغرب الأقصى، ودخول مراكش عاصمة المرابطين في سنة (541 هـ= 1146م) معلنًا قيام دولة الموحدين، وتابع عبد المؤمن جهوده في بسط نفوذه، فبعث بحملاته حتى وصلت طرابلس، محققًا الوحدة السياسية للمغرب الإسلامي، وتلقب بلقب خليفة، ونجح في ضم بلاد الأندلس إلى دولته وتنظيم شئونها، وتحصين دفاعاتها أمام هجمات النصارى، وبعد وفاته سنة (588 هـ= 1163م) خلفه ابنه يوسف.

ولاية يوسف بن علي

لما توفي عبد المؤمن بن علي في (27 جمادى الآخرة سنة 558 هـ= 2 من يونيو 1163م) خلفه محمد ابنه الأكبر، وبايعه الناس، فتولى الخلافة شهرًا ونصفًا، ثم عُزل عنها لأمور أُخذت عليه، وأقام شيوخ الموحدين أخاه أبا يعقوب يوسف، وكان في الثلاثين من عمره عندما تولى الأمر، وكان قد قضى سنوات طويلة في الأندلس، واليًا على إشبيلية من قبل أبيه، فتدرب على قيادة الأمور، وتدبير شئون الدولة، وعُرف بثقافته الواسعة ودراسته على كثير من علماء الأندلس، وبحبه للجهاد في سبيل الله.

صعوبات واجهت "يوسف"

كانت دولة الموحدين تحكم أقاليم شاسعة لم يسبق دخولها في لواء واحد مثل الأندلس والمغرب الأقصى والمغرب الأوسط وإفريقية، وكانت مهمة مَن يتولى الأمر في مثل هذه الدولة المترامية الأطراف، المتفاوتة في الثقافة ومستوى الحياة -أن يحافظ عليها كتلة واحدة دون أن ينفصل منها جزء، أو ينتزع منها عدوٌ شيئا، فما بالك والثورات لا تهدأ في إفريقية، والنصارى القشتاليون لا يفتئون يهددون المسلمين في الأندلس؛ ولذا كانت مهمة أبي يعقوب يوسف في غاية الصعوبة؛ حتى تسلس له قيادة الدولة، ويعم الهدوء والأمن ربوع البلاد.

وما إن استقر أبو يعقوب في عاصمته حتى هبّت في وجهة ثورة عارمة في جبال "غمارة" يقودها واحد من زعماء صنهاجة التي تابعته في الثورة، فأرسل إليها قائده أبا حفص، لكنه لم ينجح في إخمادها، فاضطر الخليفة إلى الخروج بنفسه لقتالهم، فهزمهم، وقمع الفتنة في مهدها.

ولم يكد يمضي عامان على حكمه حتى قامت فتنة كبيرة في الأندلس، أشعل جذوتها "محمد بن سعد بن مردانيش" في شرقي الأندلس يريد الاستقلال بما تحت يديه، واستعان بالنصارى القشتاليين والأرغونيين، وأغار على قرطبة، فسير له أبو يعقوب جيوشًا ضخمة يقودها أخواه: أبو سعيد، وأبو حفص، وتمكنا من إلحاق الهزيمة بابن مردانيش الذي فرّ هاربًا، وعاد القائدان إلى مراكش سنة (561 هـ= 1166م).

حملة شنترين

بلغ الخليفةَ أبا يعقوب أن الملكين: فرديناند ملك ليون، وألفونسو أنريكي ملك البرتغال المسيحيين، يوسّعان حدودهما على حساب أملاك المسلمين في الأندلس، فعزم الخليفة الموحدي على استتباب الأمن في الأندلس، والقضاء تمامًا على خطر ابن مردانيش الذي يلقى دعمًا من النصارى هناك.

خرج الخليفة الموحدي إلى الأندلس سنة (566هـ= 1171 م) ومعه جيوشه الجرارة، ونزل بإشبيلية عاصمة دولته في الأندلس، وأرسل جيوشه للقضاء على ابن مردانيش الذي كان يتحصن في "مرسية" فحاصرته جموع الموحدين، وتوفي وهو محاصَر في (رجب 567 هـ= مارس 1173)، وقام ابنه بالدخول في طاعة الموحدين، وسلّم لهم الحصون التي كانت تابعة لأبيه، مثل حصون بلنسية ومرسية وشاطبة ودانية ولورقة.

وظل أبو يعقوب في إشبيلية بالأندلس أربع سنوات، نظم خلالها عدة حملات ضد البرتغاليين والقشتاليين، ثم عاد إلى "مراكش" في سنة (571 هـ= 1177م)، غير أن الأحوال لم تلبث أن ساءت في الأندلس من جديد، وعاد الملكان المسيحيان إلى سيرتهما الأولى في التهام بلاد الأندلس.

وكان الملك البرتغالي قد اشتد خطره بعد أن تحالف مع ألفونسو الثامن الذي تولى عرش ليون وقشتالة خلفًا لفرناندو الثاني، ولم يكن أمام الخليفة الموحدي سوى العبور بجيش عظيم لإيقاف الخطر البرتغالي الداهم، والحفاظ على ما بقي من دولة الإسلام في الأندلس التي لم تزل تتناقص رقعتها سنة بعد أخرى أمام هجمات النصارى هناك.

سار الجيش الموحدي نحو "شنترين" كبرى قواعد غربي الأندلس، وكانت قد سقطت في أيدي البرتغاليين سنة (541 هـ= 1146م) وحاصرها حصارًا شديد، وكان ألفونسو أنريكي قد ترامت إليه أنباء هذه الحملة فزاد في تحصين شنترين، وشحنها بالمؤن وآلات الحرب، واستعد للحصار.

لم تفلح هجمات الموحدين في اقتحام المدينة الحصينة، ولم يترك أبو يعقوب وسيلة يضيق بها على المدينة إلا اتبعها من قطع المؤن والعتاد عن الوصول إليها، فما زاد ذلك أهلها إلا صمودًا واستبسالا في الدفاع، وجلدًا في تحمل مشاق الحصار.

وفي أثناء الحصار أصدر الخليفة أمرًا برفع الحصار عن المدينة المنهكَة في (1 من ربيع الأول= 2 من يوليو 1184م)، ويختلف المؤرخون في السبب الذي جعل الخليفة يصدر قراره المفاجئ، فيذهب بعضهم إلى خشية الموحدين من هجوم البرد؛ إذ كان الوقت آخر فصل الخريف، وخافوا أن يفيض النهر فلا يستطيعون عبوره، وتنقطع عنهم الإمدادات، فأشاروا على الخليفة الموحدي بفك الحصار والرجوع إلى إشبيلية.

وذهب بعضهم إلى أن الخليفة أمر بانتقال الجيش إلى موضع آخر، وكلف ابنه بالاستعداد للرحيل من تلك الليلة لغزو مدينة أشبونة، ففهم خطأ، وظن أنه أمره بالرحيل في جوف الليل إلى إشبيلية.

وتذهب رواية أخرى أن الخليفة الموحدي علم بسير ملك ليون وقشتالة بجنوده لنجدة المدينة المحاصرة، فخشي الخليفة أن يعمل القشتاليون على إعاقة عبوره النهر إلى الضفة اليسرى، فعجّل بالرحيل.

وأيًا ما كان السبب الذي حمل الخليفة على اتخاذ قراره المفاجئ، فإن عملية ارتداد الجيش الضخم كانت تتسم بالفوضى وتتم على عجل، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الارتباك.

استشهاد الخليفة

فُهم قرار الخليفة خطأ، وسارع قادته بتنفيذ قراره على وجه السرعة، فعبر معظم الجيش في جوف الليل إلى الضفة الأخرى، فلما أسفر الصباح فوجئ الخليفة بالحقيقة المروعة ولم يبق حول الخليفة سوى قوات قليلة، فانحدر الخليفة نحو النهر، وبقي ابنه في نفر من جنوده لحماية انسحاب الجيش، لكن نصارى شنترين أدركوا ما حدث في معسكر المسلمين، فبادروا بالخروج من المدينة، وهجموا على القوات المنسحبة، فسقط عدد كبير، وأصيب الخليفة بسهم مسموم، وتدارك الناس حين سمعوا صرخات الخليفة، فاقبلوا مسرعين، وتراجع البرتغاليون إلى شنترين، بينما حمل الجنود خليفتهم جريحًا في محفّة، ثم لم يلبث أن لقي ربه شهيدا في (ربيع الآخر 580 هـ = يوليو 1184م).

أبو يعقوب في التاريخ

كان الخليفة أبو يعقوب يوسف من أعظم خلفاء دولة الموحدين، وإذا كان لم يحقق نتائج عظيمة في ميادين الحرب مثلما حقق أبوه الخليفة عبد المؤمن بن علي، أو ابنه الخليفة يعقوب المنصور، فإنه حقق شيئًا عظيمًا في النواحي الإدارية والعمرانية.

اتسم الخليفة أبو يعقوب بالحزم، وتحري العدل، وقمع الظلم والبغي، يدفعه إلى ذلك تقواه وورعه وتبحره في علوم الشريعة، وله في ذلك رسالة بديعة كتبها إلى أخيه والي قرطبة وإلى سائر الولاة بالأندلس بشأن تحري الدقة والأمانة في عقد الأحكام وتوقيع العقوبات، وبلغ من حرصه في ذلك أنه أمر بألا يُقضى بحكم الإعدام على شخص إلا بعد أن تُرفع النازلة (القضية) إليه، مشفوعة بالأسباب التي دفعت القاضي إلى الحكم، وأقوال الشهود ونحوها.

وكان الخليفة شغوفًا بالعلم يجلّ أهله ويقربهم إلى مجلسه، وكان هو عالمًا بارعًا في الفقه، يحفظ صحيح البخاري، ملمًا بعلوم العربية، وكان في مدة إقامته بالأندلس يزين مجلسه بقادة الفكر وزعماء الرأي من أمثال أبي بكر بن طفيل، وابن رشد الفيلسوف، وأبي بكر بن عبد الملك بن زهر الطبيب العبقري، واستأثر ابن طفيل بحب الخليفة وعنايته، فكان لا يفارق مجلسه، ولا يصبر على بعده، وكان رسوله إلى العلماء يدعوهم لحضور مجلسه.

وللخليفة مشاركة علمية بسيطة تكشف عن براعته في علم الحديث والعلوم الشرعية، فله كتاب "الجهاد" يحمل اسمه، وقد أُلحق هذا الكتاب بكتاب "أعزّ ما يُطلب" للمهدي ابن تومرت.

وكان الخليفة محبًا للعمران، كلفًا بإقامة العمائر، فشيد طائفة منها، رفعت اسمه بين ملوك المغرب قاطبة، وحسبك ما قام به في أثناء إقامته بإشبيلية حاضرة الأندلس من المنشآت العظيمة، مثل: مسجد إشبيلية الجامع، وصومعته العظيمة التي أتمّها ولده يعقوب المنصور، ومشروع إمداد إشبيلية بالماء وتجديد أسوارها التي خربتها السيل، وإنشاء القصور والبساتين في إشبيلية .

وبعد وفاة الخليفة أبي يعقوب يوسف خلفه ابنه يعقوب، وتلقب بالمنصور، وقد ذكرنا طرفًا من حياته في يوم (15 صفر).

Matador
23-02-2008, 10:48 PM
سقوط عكا في يد ريتشارد قلب الأسد


كان الانتصار العظيم الذي حقَّقه صلاح الدين الأيوبي في معركة حطِّين أكبر كارثة حلَّت بالصليبيين منذ أن أقاموا إماراتهم الصليبية في الشام، حيث فقدوا زهرة فرسانهم، وقُتلت منهم أعداد هائلة، ووقع في الأسر مثلها، حتى قيل: إن من شاهد القتلى قال: ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل.

وأصبح الصليبيون بعد هزيمتهم في حطِّين في قبضة صلاح الدين وتحت رحمته، يستطيع أن يفعل بهم ما يشاء لو أراد، ويعاملهم بما يستحقون على جرائمهم وخطاياهم، ولكنه كان كريم النفس، رفيع الخلق، ظاهر الرحمة، لم يسلم نفسه للتشفي والانتقام، وارتفع بسلوكه فوق شهوة الثأر، وهو ما جعله موضع الإجلال والتقدير.

الاتجاه إلى عكا

بعد حطِّين لم يتجه صلاح الدين إلى بيت المقدس لتحريره، وكان ذلك أمرًا ميسورًا، بل اتجه إلى عكا أولاً؛ ليحرم الصليبيين من قاعدة بحرية هامة تصلهم بأوروبا، ويقطع عنهم العون الذي يأتيهم منها، وكان في عزمه أن يستولي على المدن الصليبية التي تقع على ساحل البحر المتوسط، حتى يسهل عليه القضاء على الصليبيين في الداخل.

ولم يَكَد صلاح الدين يقترب من عكَّا حتى دَبَّ الفزع والهلع في نفوس الصليبيين، وسارع حاكمها إلى تسليم المدينة في مقابل تأمين أهلها على أرواحهم وممتلكاتهم، ودخل صلاح الدين المدينة في (2 من جمادى الأولى 583هـ = 10 من يوليو 1187م)، وعامل أهلها معاملة كريمة، وغنم المسلمون في عكا غنائم طائلة.

عكا قاعدة حربية

اتخذ "صلاح الدين" من عكَّا قاعدة حربية ومركزًا لعملياته العسكرية لتحرير المدن التي في قبضة الصليبيين، واستدعى أخاه الملك العادل من القاهرة؛ ليعاونه في استكمال الفتح، فقدم عليه ومعه عساكره، وقد نجحت جيوش صلاح الدين في استرداد الناصرة، وصفورية، والفولة في داخل فلسطين، وحيفا، وقيسارية، وأرسوف وهي المواقع التي تقع على الساحل.

ثم توجه صلاح الدين إلى "صيدا" فاستسلمت له دون مقاومة، ثم اتجه إلى بيروت وكانت مدينة حصينة، لكنها لم تُغْنِ عن أهلها شيئًا، وأدركوا عدم الجدوى من الدفاع والصمود، فاستسلمت هي الأخرى، في (29 من جمادى الأولى 583هـ = 6 من أغسطس 1187م)، ثم قصد صلاح الدين "جبيل"، وكان حاكمها "هيو الثالث" أسيرًا في دمشق منذ انتصار حطِّين، فعرض عليه صلاح الدين فكَّ أسره مقابل تسليم جبيل فأجابه إلى ذلك.

وقبل أن يتجه صلاح الدين لتحرير بيت المقدس قرَّر أن يستولي على عسقلان، وكانت مركزًا هامًّا يتخذه الصليبيون قاعدة لتهديد مصر، وقطع المواصلات بينها وبين الشام، واستمات الصليبيون في الدفاع عن عسقلان، ولم تفلح محاولاتهم في دفع الحصار، فطلبوا التسليم مقابل تأمينهم على أرواحهم فكان لهم ما طلبوا.

تحرير بين المقدس

استعدَّ صلاح الدين لاسترداد بيت المقدس، وجهَّز قواته لهذه المهمة الجليلة التي طال انتظار المدينة الأسيرة لها، وكان صلاح يرغب في أن تستسلم المدينة وفق الشروط التي استسلمت لها المدن الصليبية الأخرى من تأمين أهلها على أنفسهم وأموالهم، والسماح لمن شاء منهم بالخروج سالمًا، ولكن العزّة بالإثم أخذت بحاميتها، ورفضوا ما عرضه صلاح الدين عليهم، وظنوا أن حصونهم مانعتهم من ضربات صلاح الدين، ولم تُجْدِ محاولاتهم للصمود والثبات، فطلبوا الأمان وألحُّوا عليه، وكان صلاح الدين قد أقسم ليفتحنَّها بحد السيف بعد رفضهم عرضه العادل الرحيم، ولكن صلاح الدين استجاب لطلبهم بعد مشاورة أصحابه، ووافق على أن يغادر المسيحيون المدينة مقابل فداء قدره 10 دنانير للرجل، وخمسة للمرأة، ودرهم واحد للطفل.

ودخل صلاح الدين مدينة بيت المقدس - ردَّ الله غربتها وأعادها إلى المسلمين قريبًا - في ليلة الإسراء (27 من رجب 583هـ = 12 من أكتوبر 1187م)، وكان في صحبته أخوه الملك العادل، وقد أظهر صلاح الدين تسامحًا كبيرًا مع فقراء الصليبيين الذين عجزوا عن دفع الجزية، ورفض هدم كنيسة القيامة، ومعاملة الصليبيين بمثل ما عاملوا به المسلمين عند استيلائهم على المدينة.

الحملة الصليبية الثالثة

ثار الغرب الأوربي عندما جاءته الأنباء بفاجعة معركة حطين واسترداد صلاح الدين لبيت المقدس ولكثير من المدن والقلاع الصليبية، ولم يبق في يد الصليبيين سوى بعض المدن والقلاع مثل صور التي عجز صلاح الدين عن فتحها، وطرابلس، وقلعة أنطرسوس، وحصن الأكراد، وإنطاكية، وحصن المرقب، وبعض المدن الصغيرة.

وأسفرت استغاثة الصليبيين في الشرق بالبابوية وملوك الغرب الأوربي عن نتائج إيجابية، وثارت أوربا التي جهزت حملتها المعروفة بالحملة الصليبية الثالثة التي تزعمها "فردريك بربروسا" إمبراطور ألمانيا، و"فيليب أوغسطس" ملك فرنسا، و"ريتشارد قلب الأسد" ملك إنجلترا.

تحركت القوات الألمانية مبكرا في (23 من ربيع الأول 584هـ= 11 من مايو 1189م) قبل القوات الفرنسية والإنجليزية، وسلكت الطريق البري عبر آسيا الصغرى، غير أن الإمبراطور لقي حتفه غرقا أثناء عبوره أحد أنهار آسيا الصغرى، وسرعان ما تبدد جيشه الكبير.

أما القائدان الآخران فقد وصلا بقواتهما إلى صقلية، وإن كان كل منهما قد سلك طريقا غير الآخر، وأمضيا فترة في نزاع حول الأمور الداخلية في صقلية، ثم أبحر القائدان إلى الشام.

فلول الصليبيين تتجه إلى عكا

اتجهت فلول الصليبيين إلى عكا بقيادة "جاي لوزجنان" ملك بيت المقدس الذي أفرج عنه صلاح الدين وكان أسيرا عنده منذ هزيمة الصليبيين في حطين، وتعهد ألا يشهر سيفا في وجه صلاح الدين، غير أنه نكث بوعده، وكان يمكن للمسلمين أن يقضوا على تلك الجموع في أثناء سيرها قبل أن يستفحل خطرها، ولكن صلاح الدين كان مشغولا بمنازلة قلعة الشقيف أرنون، ولم يصدق ما فعله جاي لوزجنان، وظن أن في الأمر خدعة لحمله على ترك القلعة، ولم ينتبه لخطورة الموقف إلا بعد اقتراب الصليبيين من عكا، وحاول علاج الموقف؛ فأرسل حملة لمنع تقدم الصليبيين، ولكنها لم تصل إلا بعد أن احتل الصليبيون مراكزهم في مواجهة عكا.

أقام الملك الصليبي معسكره على مقربة من عكا، ولحق به صلاح الدين على الفور في (15 من رجب 585 هـ= 29 من أغسطس 1189م) وعسكر بجيشه على مقربة منه، وكان موقف الصليبيين حرجا بعد أن أصبحوا محاصرين بين جيوش صلاح الدين وحامية المدينة المسلمة، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان؛ فقد وصلت مقدمات الحملة الصليبية الثالثة، وحاصرت المدينة من البحر، وكان لذلك فعل السحر في نفوس الصليبيين الموجودين أمام عكا فارتفعت معنوياتهم وزادت ثقتهم، ثم لم يلبث أن جاءت قوات صليبية من صور التي صمدت أمام ضربات صلاح الدين، وكانت جموع الصليبيين قد احتشدت بها بعد سقوط مدنهم في يد صلاح الدين.

صمود المدينة

لم ينتظر صلاح الدين كثيرا بعد وصوله إلى عكا، وبدأ هجوما ضاريا على الصليبيين وأنزل بهم خسائر فادحة، ولم تنفعهم كثرتهم أمام إصرار صلاح الدين، وكاد الأمر ينتهي بفك حصارهم عن المدينة، ولكن حدث أن انتشرت الأوبئة في المنطقة لكثرة جيف القتلى من الفريقين، فابتعد صلاح الدين بقواته قليلا عن تلك المنطقة الموبوءة؛ فانتهز الصليبيون هذه الفرصة السانحة وأحاطوا المدينة بخندق يفصل بينهم وبين صلاح الدين، وانقطع طريق المسلمين بذلك إلى عكا، وإن كان ذلك لم يمنع صلاح الدين من الاتصال بحامية عكا عبر البحر أو الحمام الزاجل، وكانت الإمدادات تصل إلى المدينة عبر البحر حتى تساعدها على الصبر والثبات.

سقوط المدينة

ظل الوضع على ما هو عليه دون أن يحقق أحد الفريقين نصرا حاسما حتى وصلت قوات فيليب أوغسطس في (ربيع الأول 587 هـ= إبريل 1191م) فجمع شمل الصليبيين تحت زعامته، وكانت الخلافات بدأت تشتعل بينهم، ووحد جهودهم لمحاربة المسلمين، وبدأ على الفور في مهاجمة عكا، وإشعال الحماسة في نفوس الصليبيين، فأخذت آلات الحصار تقذف أسوار المدينة قذفا متصلا، ثم لم يلبث أن وصل ريتشارد قلب الأسد إلى عكا في (ربيع الآخر 587هـ= يونيو 1191م) فازداد به الصليبيون قوة إلى قوة.

وأظهرت الحامية الإسلامية في عكا ضروبا من الشجاعة والصبر والفداء والتضحية في مقاومة الحصار، ودفع هجمات الصليبيين المتوالية برا وبحرا، ولكن ذلك لم يكن كافيا للصمود، بعد أن اجتمعت أكبر قوتين في أوربا للاستيلاء على المدينة، وتوحدت أهدافهما، وأصبح لا مفر من سقوط المدينة المنكوبة، ودارت مفاوضات بين الفريقين لتسليم المدينة، واتفق الطرفان على أن يسمح الصليبيون لحامية عكا بالخروج سالمين، في مقابل فدية قدرها 200 ألف دينار، وأن يحرر المسلمون ألفين وخمسمائة من أسرى الصليبيين.

دخل الصليبيون عكا في (16 من جمادى الآخرة 587 هـ= 11 من يوليو 1191م) بعد أن حاصروها نحو عامين، غير أن ريتشارد قلب الأسد تجاهل بنود الاتفاق عندما دخل عكا، ونقض ما اتّفق عليه؛ حيث قبض على من بداخلها من المسلمين وكانوا نحو 3 آلاف مسلم وقام بقتلهم، ولم يقابل صلاح الدين الإساءة بالإساءة، ورفض أن يقتل من كان بحوزته من أسرى الصليبيين.

وظلت المدينة في قبضة الصليبيين حتى قام القائد المسلم "الأشرف بن قلاوون" بتحرير المدينة بعد أكثر من 100 عام.

Matador
23-02-2008, 10:51 PM
الشام في قبضة التتار


شرع هولاكو بعد سقوط بغدد في الرابع من صفر 656 هـ في الاستعداد للاستيلاء على بلاد الشام ومصر؛ حتى يستكمل إحكام الحلقة على المشرق الإسلامي، وفق الخطة المرسومة التي وضعها له أخوه "منكوقا آن" خان المغول الأعظم.

ثم أشعل تلك الرغبة في غزو الشام التحالف الذي أبرم بين الحكام المسيحيين في غربي آسيا والمغول، فقد رأى "هيتوم" ملك أرمينية الصغرى أن الفرصة قد سنحت له لاستخلاص الشام بوجه عام وبيت المقدس بوجه خاص إذا وضع يده في يد المغول، ودخل في هذا التحالف "بوهيمند" السادس ملك إنطاكية، وكانت تخضع للصليبيين، ويرجع الفضل في إقامة هذا التحالف إلى "دوقوز خاتون" زوجة هولاكو المسيحية التي كانت موضع حبه وتقديره.

الشام تستعد لمواجهة الغزو

تنازع إقليم الشام في تلك الفترة ثلاث قوى رئيسية متمثلة في سلطة الأرمن المسيحيين والصليبيين والأيوبيين الذين ينتسبون إلى الأسرة الأيوبية التي أسسها بطل حطين صلاح الدين الأيوبي، ويحكمون مدن ميافارقين، وحصن كيفا، والكرك، وحلب، ودمشق، وحماة، وحمص.

وكان موقف تلك القوى من حملة هولاكو على الشام متباينًا كل التباين، ما بين التحالف مثلما فعل الأرمن، أو التردد بين المقاومة والاستسلام مثلما فعل الأيوبيون، أو الانتظار عما تسفر عنه الأحداث وهو الموقف الذي التزم به معظم الصليبيين.

خروج حملة هولاكو إلى الشام

خرج "هولاكو" في شهر رمضان سنة (657هـ = 1295م) من أذربيجان مع حلفائه من أمراء جورجيا وأرمينية الصغرى، ويقود طلائع جيشه القائد المغولي "كيتو بوقا" متجهين إلى الشام، وكانت "ميافارقين" بديار بكر أول مدينة تبتدئ بها الحملة المغولية الغازية، وكانت تحت حكم الملك الكامل "محمد بن الملك المظفر بن العادل الأيوبي"، الذي لم يهتز قلبه لجيوش المغول الجرارة، أو يتطرق الهلع إلى نفسه فيبادر بالتسليم كما فعل غيره، ولم ينخدع بأقوال المغول المعسولة التي تدعوه إلى الطاعة والانقياد، وإنما أصر على الجهاد والمقاومة، واستمر الحصار مدة عامين دون أن يفلح المغول في اقتحام المدينة التي أظهر المدافعون عنها ضروبًا من الشجاعة والإقدام، غير أن طول مدة الحصار، ونفاد المؤن، وانتشار الوباء، وهلاك معظم سكان المدينة، دفع الملك الكامل إلى الاستسلام، فسقطت المدينة الباسلة بعد أن استنفدت كل أسباب المقاومة.

وبعد سقوط "ميافارقين" واصل المغول زحفهم نحو ماردين، فاستسلمت بعد ثمانية أشهر من الحصار، وفي أثناء حصار "ميافارقين" كان هولاكو يغزو الإمارات الإسلامية في بلاد الشام، فاستولى على نصيبين، واستسلمت له حران والرها، وقتل أهالي مدينة سروج عن آخرهم، واحتل "البيرة"، وعبر نهر الفرات، وأغار على "منبج" وسفك دماء كثير من أهلها.

سقوط حلب

بعد ذلك تقدم هولاكو على رأس جيش كبير يعاونه الأرمن والفرنج لمحاصرة حلب، ونصب المغول عشرين منجنيقًا حول المدينة، وصاروا يمطرونها بوابل من القذائف، حتى اضطرت المدينة إلى التسليم في التاسع من صفر 658هـ، وأما قلعة حلب فقد استعصت عليهم، واستمرت تقاوم ثلاثين يومًا، ثم استلمت القلعة للمغول.

وعندما هدأت الأحوال أمر هولاكو بوقف المذابح التي ارتكبها المغول، وأعطى ملك الأرمن جزءًا من الغنائم، وأعاد إليه الأقاليم والبلاد التي فتحها مسلمو حلب، كما رّد إلى "بوهيمند" جميع الأراضي التي أخذها منه المسلمون.

ثم رحل المغول إلى قلعة حارم بالقرب من إنطاكية، وأبى أهلها تسليم المدينة إلا لفخر الدين المعروف بالساقي والي قلعة حلب؛ لأنه رجل مؤمن صادق، فتظاهر هولاكو بالموافقة، وقلبه يتميز بالغيظ، فاستدعى فخر الدين لاستلام القلعة، وما إن تم ذلك حتى أمر هولاكو بقتل فخر الدين، ثم بقتل جميع من في القلعة صغارًا وكبارًا، أطفالاً ونساءً. وبعد سقوط قلعة حارم، سقطت حماة والمعرة وحمص في أيدي المغول.

كانت رحلة هولاكو إلى دمشق مليئة بالمخاطر، قاوم حملته عدد من القادة والأبطال من الأسرة الأيوبية، وأظهروا مواقف مشرفة، وأبدوا ضروبًا من الشجاعة النادرة والإيمان الصادق، ولم تسقط مدينتهم إلا بعد استنفاد كل أسباب المقاومة، وسيذكر التاريخ بطولاتهم التي لم تتأثر بدعايات المغول أنهم قوم لا ينهزمون، وأن النصر يمشي في ركابهم أينما حلوا.

وفي مقابل ذلك سارع بعض أمراء البيت الأيوبي بتقديم فروض الطاعة والولاء، وكان موقف كل من الملك الأشرف موسى الأيوبي والملك الناصر يوسف الأيوبي مخريًا. أما الأول فقد جاء إلى هولاكو وهو على أسوار حلب معلنًا ولاءه وطاعته، فكافأه هولاكو بأن رد إليه مدينة حمص، واختاره نائبًا عنه ببلاد الشام.

أما الآخر فقد بادر بإعلان الخضوع والتبعية عقب سقوط بغداد، ويتعجب المرء من موقفه المتهافت على الرغم من كونه أقوى الأمراء الأيوبيين باعتباره صاحب حلب ودمشق، وأكثرهم قدرة واستعدادًا لمواجهة المغول وتجميع الصف ضدهم، لكنه لم يفعل، ولم ينهض لنجدة ميافارقين، وفي ذلك يقول المقريزي في كتابه المعروف "السلوك" في أثناء تأريخه لحوادث سنة 656هـ: "وفيها توجه صاحب ميافارقين إلى الملك الناصر صاحب حلب يطلب منه نجدته ليمنع المغول من الدخول إلى الشام، فاستخف برأيه، ولم يسمع مشورته، بل سوَّفه وسرحه من عنده بالأمان".

ولم يقف الناصر عند هذا الحد من التخاذل، بل أظهر الضعف والخضوع، وسبق أن فصلنا ذلك في اليوم التاسع من صفر.

استسلام دمشق

استعدت المدينة العريقة لمواجهة الغزو والتصدي للاحتلال، وحشد الملك الناصر كل ما استطاع جمعه من قوات، وانضم إليه أعداد ضخمة من المتطوعين، وتألف من ذلك نحو مائة ألف مقاتل، لكنهم كانوا غثاءً كغثاء السيل، فما إن وصلت الأنباء باقتراب المغول حتى انفض هؤلاء، وأسرعوا بالفرار لا يلوون على شيء، وتركوا مواقعهم في ميدان القتال.

ولم يكن الناصر أقل منهم سرعة في الفرار هو الآخر، فاتجه إلى غزة ومعه حاشيته وأسرته وأمواله تاركًا دمشق لمصيرها المحتوم، دون أن يبذل جهدًا للدفاع عنها.

أما أهالي دمشق، فقد عرفوا ما حلَّ بحلب بعد مقاومتها للغزو المغولي، وخشوا أن يلقوا نفس المصير إذا حاولوا مقاومتهم، فآثروا السلامة، وسارع عدد من أعيانها إلى هولاكو، يقدمون له الهدايا، ويطلبون منه الأمان، ويعرضون عليه تسليم مدينتهم فقبل ذلك، لكن شاءت الأقدار أن يغادر هولاكو الشام ويعود إلى بلاده ويعهد بمهمة مواصلة الغزو إلى "كيتو بوقا" أحد قواده الكبار، فدخل المدينة على رأس قواته في (السابع عشر من صفر 658هـ = 2 من فبراير 1260م) دون مقاومة، وهكذا سقطت مدينة دمشق عاصمة الأمويين وحاضرة الشام تحت أقدام المغول.

أما قلعة مدينة دمشق فقد أصرت على المقاومة والجهاد، فحاصرها المغول وضربوها بالمجانيق حتى استسلمت، وقتلوا من كان بها من الأهالي والجنود، ونهبوا جميع دورها ومتاجرها وجميع مساجدها.

وبعد استيلاء المغول على دمشق، استكملوا غزوهم، فقتلوا حامية نابلس، وتقدموا إلى غزة دون أن يلقوا مقاومة تذكر، ولم يبق أمامهم بعد إخضاع الشام إلا مصر آخر معقل للإسلام في الشرق.

Matador
23-02-2008, 11:04 PM
جالديران.. الطريق إلى المشرق الإسلامي


كانت معركة "جالديران" من المعارك الفاصلة في تاريخ الدولة العثمانية؛ فقد استطاع السلطان العثماني التاسع "سليم الأول" بانتصاره على "الصفويين" في سهول "جالديران" أن يحقق لدولته الأمان من عدو طالما شكل خطرًا داهمًا على وحدتها واستقرارها.

كان السلطان "بايزيد الثاني" والد السلطان "سليم الأول" ميالا إلى البساطة في حياته، محبًا للتأمل والسلام؛ ولذلك فقد أطلق عليه بعض المؤرخين العثمانيين لقب "الصوفي"، وقد تمرد عليه أبناؤه الثلاثة في أواخر حكمه، واستطاع "سليم الأول" بمساعدة الإنكشارية أن يخلع أباه وينفرد بالحكم، ثم بدأ حملة واسعة للتخلص من المعارضين والعمل على استقرار الحكم، وإحكام قبضته على مقاليد الأمور في الدولة.

وقد اتسم السلطان "سليم" بكثير من الصفات التي أهَّلته للقيادة والزعامة؛ فهو –بالإضافة إلى ما يتمتع به من الحيوية الذهنية والجسدية- كان شديد الصرامة، يأخذ نفسه بالقسوة في كثير من الأمور، خاصة فيما يتعلق بأمور الدولة والحكم.

وبرغم ما كان عليه من القسوة والعنف فإنه كان محبًا للعلم، يميل إلى صحبة العلماء والأدباء، وله اهتمام خاص بالتاريخ والشعر الفارسي.

التحول الصفوي

اهتم السلطان "سليم الأول" منذ الوهلة الأولى بتأمين الحدود الشرقية للدولة ضد أخطار الغزو الخارجي الذي يتهددها من قِبل الصفويين -حكام فارس- الذين بدأ نفوذهم يزداد، ويتفاقم خطرهم، وتعدد تحرشهم بالدولة العثمانية.

وقد بدأت الحركة الصفوية كحركة صوفية منذ أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، ولكنها انتقلت من التأمل الصوفي إلى العقيدة الشيعية المناضلة منذ أواسط القرن الخامس عشر الميلادي، حتى استطاع الشاه "إسماعيل" -ابن آخر الزعماء الصفويين- أن يستولي على الحكم، ويكوِّن دولته بمساندة قبائل التركمان التي توافدت بالآلاف للانضمام إليه.

وحظي "إسماعيل الصفوي" بكثير من الاحترام والتقدير اللذين يصلان إلى حد التقديس، وكانت له كلمة نافذة على أتباعه، ومن ثَمَّ فقد قرر أن يمد نفوذه إلى الأراضي العثمانية المتاخمة لدولته في شرقي الأناضول.

وبدأ "إسماعيل" خطته بإرسال مئات من الدعاة الصفويين إلى الأناضول، فعملوا على نشر الدعوة الشيعية في أوساط الرعاة التركمان، وحققوا في ذلك نجاحًا كبيرًا.

تصاعد الخطر

وبالرغم من شعور السلطان "سليم" بتوغل المذهب الشيعي واستشعاره الخطر السياسي الذي تحتله تلك الدعوة باعتبارها تمثل تحديًا أساسيًا للمبادئ السُّنِّية التي تقوم عليها الخلافة العثمانية، فإن السلطان لم يبادر بالتصدي لهم إلا بعد أن اطمأنَّ إلى تأمين الجبهة الداخلية لدولته، وقضى تمامًا على كل مصادر القلاقل والفتن التي تهددها.

وبدأ "سليم" يستعد لمواجهة الخطر الخارجي الذي يمثله النفوذ الشيعي؛ فاهتم بزيادة عدد قواته من الانكشارية حتى بلغ عددهم نحو خمسة وثلاثين ألفًا، وزاد في رواتبهم، وعُني بتدريبهم وتسليحهم بالأسلحة النارية المتطورة.

وأراد السلطان "سليم الأول" أن يختبر قواته من الانكشارية، فخاض بها عدة معارك ناجحة ضد "الصفويين" في "الأناضول" و"جورجيا".

سليم يقرع طبول الحرب

وبعد أن اطمأنَّ السلطان "سليم" إلى استعداد قواته للمعركة الفاصلة بدأ يسعى لإيجاد ذريعة للحرب ضد الصفويين، ووجد السلطان بغيته في التغلغل الشيعي الذي انتشر في أطراف الدولة العثمانية، فأمر بحصر أعداد الشيعة المنتشرين في الولايات المتاخمة لبلاد العجم بصورة سرية، ثم أمر بقتلهم جميعًا في مذبحة رهيبة بلغ عدد ضحاياها نحو أربعين ألفًا.

وفي أعقاب تلك المذبحة أعلن السلطان "سليم" الحرب على الصفويين، وتحرك على رأس جيش تبلغ قوته مائة وأربعين ألف مقاتل من مدينة "أدرنه" في [ 22 من المحرم 920هـ= 19 من مارس 1514م] فسار بجيشه حتى وصل "قونية" في [7 من ربيع الآخر 920= 1 من يونيو 1514م] فاستراح لمدة ثلاثة أيام، ثم واصل سيره حتى وصل "آرزنجان" في [أول جمادى الآخرة 920 هـ= 24 من يوليو 1514م]، ثم واصل المسير نحو "أرضوم"، فبلغها في [13 من جمادى الآخرة 920 هـ= 5 من أغسطس 1514].

وسار الجيش العثماني قاصدًا "تبريز" عاصمة الفرس، فلم تقابله في تقدمه واجتياحه بلاد فارس مقاومة تذكر؛ فقد كانت الجيوش الفارسية تتقهقر أمامه، وكانوا يحرقون المحاصيل، ويدمرون الدور التي كانوا يخلفونها من ورائهم بعد انسحابهم، حتى لا يجد جيش العثمانيين من المؤن ما يساعده على التوغل في بلاد فارس وتحقيق المزيد من الانتصارات، وكان الفرس يتقهقرون بشكل منظم حتى يمكنهم الانقضاض على الجيوش العثمانية بعد أن يصيبهم التعب والإنهاك.

واستمر تقدم السلطان "سليم" بقواته داخل الأراضي الفارسية، وكان الشاه "إسماعيل الصفوي" يتجنب لقاء قوات العثمانيين لتفوقها وقوتها، وقد رأى الانسحاب إلى أراضي شمال إيران الجبلية؛ حيث تمكنه طبيعتها الوعرة من الفرار من ملاحقة جيوش العثمانيين.

المواجهة الحاسمة في جالديران

وفي خِضم تلك الأحداث العصيبة فوجئ السلطان "سليم" ببوادر التمرد من جانب بعض الجنود والقادة الذين طالبوا بإنهاء القتال والعودة إلى "القسطنطينية"، فأمر السلطان بقتلهم، وكان لذلك تأثير كبير في إنهاء موجة التردد والسخط التي بدأت بوادرها بين الجنود، فتبددت مع الإطاحة برؤوس أولئك المتمردين.

وتقدم الجيش العثماني بصعوبة شديدة إلى "جالديران" في شرقي "تبريز"، وكان الجيش الصفوي قد وصلها منذ مدة حتى بلغها في [أول ليلة من رجب 920هـ=22 من أغسطس 1514م]، وقرر المجلس العسكري العثماني (ديوان حرب) الذي اجتمع في تلك الليلة القيام بالهجوم فجر يوم [2 من رجب 920هـ= 23 من أغسطس 1514].

كان الفريقان متعادليْن تقريبا في عدد الأفراد، إلا أن الجيش العثماني كان تسليحه أكثر تطورًا، وتجهيزاته أكمل، واستعداده للحرب أشد.

وبدأ الهجوم، وحمل الجنود الانكشارية على الصفويين حملة شديدة، وبالرغم من أن معظم الجنود العثمانيين كانوا عرضة للإرهاق والتعب بعد المسافة الطويلة التي قطعوها وعدم النوم بسبب التوتر والتجهيز لمباغتة العدو فجرًا فإنهم حققوا انتصارًا حاسمًا على الصفويين، وقتلوا منهم الآلاف، كما أَسَروا عددًا كبيرًا من قادتهم.

العثمانيون في تبريز

وتمكن الشاه "إسماعيل الصفوي" من النجاة بصعوبة شديدة بعد إصابته بجرح، ووقع في الأَسْر عدد كبير من قواده، كما أُسرت إحدى زوجاته، ولم يقبل السلطان "سليم" أن يردها إليه، وزوّجها لأحد كتّابه انتقامًا من الشاه.

ودخل العثمانيون "تبريز" في [14 من رجب 920 هـ= 4 من سبتمبر 1514م] فاستولوا على خزائن الشاه، وأمر السلطان "سليم" بإرسالها إلى عاصمة الدولة العثمانية، وفي خِضم انشغاله بأمور الحرب والقتال لم يغفل الجوانب الحضارية والعلمية والتقنية؛ حيث أمر بجمع العمال المهرة والحاذفين من أرباب الحرف والصناعات، وإرسالهم إلى "القسطنطينية"؛ لينقلوا إليها ما بلغوه من الخبرة والمهارة.

وكان السلطان "سليم" يشعر بما نال جنوده من التعب والإعياء بعد المجهود الشاق والخارق الذي بذلوه، فمكث في المدينة ثمانية أيام حتى استردّ جنوده أنفاسهم، ونالوا قسطًا من الراحة استعدادًا لمطاردة فلول الصفويين.

وترك السلطان المدينة، وتحرك بجيوشه مقتفيًا أثر الشاه "إسماعيل" حتى وصل إلى شاطئ نهر "أراس"، ولكن برودة الجو وقلة المؤن جعلتاه يقرر العودة إلى مدينة "أماسيا" بآسيا الصغرى للاستراحة طوال الشتاء، والاستعداد للحرب مع قدوم الربيع بعد أن حقق الهدف الذي خرج من أجله، وقضى على الخطر الذي كان يهدد دولته في المشرق، إلا أنه كان على قناعة بأن عليه أن يواصل الحرب ضد الصفويين، وقد تهيأ له ذلك بعد أن استطاع القضاء على دولة المماليك في الشام أقوى حلفاء الصفويين.

Matador
23-02-2008, 11:11 PM
سقوط الأنبار.. الطريق إلى "دومة الجندل"


بعد أن أتم خالد بن الوليد فتح الحيرة انصرف إلى إخضاع أجزاء أخرى من العراق، فبدأ بالأقاليم القريبة منه، وأرسل الكتب إلى رؤساء تلك الأقاليم يخيرهم بين ثلاثة أمور: إما الإسلام، أو الجزية، أو القتال، فاختاروا دفع الجزية، وكتب لهم خالد بن الوليد العهود والمواثيق بذلك.

وكانت إمبراطورية فارس تتهاوى نحو مصيرها المحتوم بعد أن أخذت الأمور فيها تسير من سيئ إلى أسوأ، بعد دب الشقاق والنزاع بين أمراء البيت الفارسي حول أحقية كل منهم بوراثة العرش.

واستطاع خالد بن الوليد مع بدايات عام (12هـ = 633م) أن يحقق السيطرة على المنطقة الواقعة بين النهرين، ويخضعها لنفوذه ثم عمل على تنظيمها إداريا وعسكريا حتى تظل خاضعة له.

واتجه خالد ببصره نحو الشمال، حيث كانت هناك مدينتان لا تزالان خاضعتين للنفوذ الفارسي، تحت إمارة بعض أمراء الفرس، وكان لكل منهما حامية قوية من الفرس والعرب الموالين لهم تحميها وتدافع عنها.

وقرر خالد أن يفتح هاتين المدينتين: الأنبار، وعين التمر، ورأى أن يبدأ بالأنبار تلك المدينة القديمة، منيعة التحصين والتي كانت مركزا تجاريا مهما تأتي إليه قوافل التجارة من بلاد الشام وأرض فارس، وبها مخازن شهيرة للحبوب والغلال.

ومع منتصف ربيع الآخر (12هـ = 633م) سار خالد في نحو تسعة آلاف مقاتل من الحيرة تاركا بها نصف جيشه، وانطلق ليجتاز الضفة الغربية لنهر الفرات حتى وصل إلى مكان بالقرب من الأنبار، وأرسل عناصر من قواته لاستطلاع المكان واستكشاف الطريق، ثم واصل تحركه نحو الأنبار.

كانت مدينة الأنبار محصنة تحصينا قويا ومحاطة بخندق عميق مليء بالماء، يقع في مرمى الرماة من الجنود الفرس المتحصنين بأسوار حصينة عالية، بحيث يحبطون أي محاولة لاجتيازه.

وعندما رأى الفرس المسلمين يقتربون من المدينة قاموا بتدمير الجسور التي فوق الخندق، حتى لا يعبر عليها المسلمون إلى المدينة.

ووصل خالد بالقرب من أسوار المدينة حيث ضرب حصارا عليها، وبدأ يدرس تحصيناتها الدفاعية ليتعرف على نواحي القوة والضعف فيها، وكان آلاف من الجنود الفرس يرقبونه من فوق السور في ترقب وقلق.

وجمع خالد ألف رام من أمهر رماته ليسرّ إليهم بخطته العجيبة، وانطلق الرماة يتقدمون بحرص إلى طرف الخندق وهم يحملون أقواسهم وقد استعدوا للرمي دون أن يضعوا فيها السهام، بينما كان الجنود الفرس يراقبونهم من فوق السور في دهشة وتعجب، وهم في حيرة من أمر هؤلاء الرماة الذين خرجوا إليهم بأقواس فارغة.

وفجأة رفع خالد يده بالإشارة التي اتفقوا عليها، وفي الحال سارع الرماة بوضع السهام في الأقواس، وأخذوا يرشقون حامية الحصن، يسددون سهامهم نحو عيونهم فلا يكاد يخطئ سهم منها طريقه.

وفي لحظات قليلة فُقئت أعين ألف جندي من جنود الحامية الفرس، حتى سميت تلك الواقعة "ذات العيون".

جسر من الإبل

وعندما علم الحاكم الفارسي "شيرزاد" بما حل بالحامية عرض على خالد أن تستسلم الحامية، ولكنه وضع بعض الشروط لهذا الاستسلام فرفض خالد أن يضع الفرس أية شروط للاستسلام، فقرر شيرزاد الاستمرار في المقاومة وحرب المسلمين.

وعزم خالد على مهاجمة الحصن، وكان لا بد من تسلق أسواره العالية، ولكن ذلك كله لم يكن يمثل مشكلة حقيقية لخالد بقدر ما كان عبور الخندق يمثل تحديا حقيقيا بالغ الصعوبة، فقد كان الخندق عميقا وعريضا، ولم يكن لدى المسلمين أية قوارب يعبرون عليها، كما لم يكن الجنود -وهم أبناء البادية وسكان الصحراء- يجيدون السباحة.

ولكن خالد لم يستسلم لليأس أو الإحباط، وسرعان ما خطرت له فكرة مدهشة، وراح خالد يدور حول الخندق حتى اختار أضيق نقطة فيه، بالقرب من البوابة الرئيسية للحصن، فحشد جنوده من الرماة في هذا الجانب ليمنعوا الحامية من الرمي، ويرغموهم على الاختباء داخل الحصن، ثم أمر بجمع الإبل الضعيفة وكبيرة السن، فنُحِرت وألقيت في الخندق حتى صنعت جسرا في ذلك الجانب، فاستطاع عدد كبير من فرسان المسلمين العبور عليه إلى ما وراء الخندق.

اقتحام الحصن وسقوط الأنبار

وما إن شرع جنود المسلمين في تسلق السور واقتحام الحصن حتى خرجت إليهم مجموعة من الفرس من بوابة الحصن، فهاجمت المسلمين في محاولة لطردهم ودفعهم إلى التراجع إلى الجانب الآخر من الخندق، ولكن المسلين نجحوا في التصدي لهم وإجبارهم على الفرار مرة أخرى إلى داخل الحصن، وإحكام إغلاق أبوابه من الداخل قبل أن يجتازها خلفهم المسلمون إلى الحصن.

وقبل أن يتمكن الجنود المسلمون الذين عبروا الخندق من تسلق أسوار الحصن، ظهر رسول شيرزاد عند بوابة الحصن الرئيسية يحمل عرضا آخر من حاكم الفرس، ليخبر المسلمين باستعداده لتسليم الحصن للمسلمين إذا ما سمحوا له أن يغادر الحصن بأمان هو ومن معه من الجنود الفرس، فوافق خالد على طلب شيرزاد على أن يترك الفرس جميع ممتلكاتهم، وقبل شيرزاد بشروط خالد، وفي اليوم التالي خرج جنود الفرس وأسرهم من الحصن تاركين فيه أموالهم وممتلكاتهم ومتاعهم غنيمة للمسلمين.

وكان لسقوط الأنبار أكبر الأثر في استسلام جميع القبائل التي كانت تسكن منطقة الأنبار، والتي تحالفت مع الفرس ضد المسلمين.

ودخل خالد وجنود الأنبار في (4 من رجب 12هـ = 14 من سبتمبر 633م) بعد أن خرج منها جنود الفرس، وقائدهم المهزوم، وما لبث خالد أن استخلف عليها "الزبرقان بن بدر" وانطلق بجيشه مرة أخرى ليجتاز الفرات ثانية، متجها صوب الجنوب قاصدا عين التمر.

ولم تكن عين التمر بأقل تحصينا من الأنبار، وكانت تلك المدينة تخضع لأحد قادة الفرس المحنكين "مهران بن بهرام"، وتحظى بحامية فارسية كبيرة، بالإضافة إلى حلفائهم العرب من قبيلة النمر شديدة المراس، وبعض قبائل العرب الأخرى من النصارى، الذين شكلوا جبهة تحالف قوية ضد المسلمين تحت قيادة "عقة بن أبي عقة".

ولكن خالدا استطاع أسر عقة وعدد كبير من أعوانه بعد معركة سريعة حاسمة، وهرب مهران وجنوده من الفرس وتركوا الحصن ليتحصن به بعض العرب الموالين لهم، فلما بلغ خالد الحصن حاصره حتى اضطرهم إلى الاستسلام، واستطاع أن يفتح الحصن ويدخل المدينة دون أدنى مقاومة.. وبقضاء خالد على الخطر الفارسي في الأنبار وعين التمر أصبح الطريق أمام المسلمين مهيئا لمزيد من الانتصارات والفتوحات، كان من أهمها وأخطرها فتح "دومة الجندل".

Matador
23-02-2008, 11:14 PM
معركة اليرموك.. وانحسار دولة الروم


تمكنت الجيوش الإسلامية بعد معركة أجنادين التي وقعت أحداثها في (27 من جمادى الأولى سنة 13 هـ= 30 من أغسطس 643م) من أن تتابع مسيرتها الظافرة، وأن تخرج من نصر إلى نصر حتى بسطت يدها على أجزاء عظيمة من بلاد الشام ضمت "بصرى" و"بعلبك" و"حمص" و"دمشق" و"البلقاء" و"الأردن" وأجزاء من "فلسطين".

ولم يكن أمام "هرقل" إمبراطور الروم سوى الاحتشاد لمعركة فاصلة بعد أن تداعت أجزاء غالية من دولته أمام فتوحات المسلمين، فبدأ يجهز لمعركة تعيد له هيبته وتسترد له ما اقتُطِع من دولته، وتجمعت أعداد هائلة من جنوده ومن يقدر على حمل السلاح من الروم، فأخذت تتقدم من إنطاكية- حيث يقيم- إلى جنوبي الشام.

الجيوش الإسلامية في الشام

كانت القوات الإسلامية بعد فتح حمص سنة (14 هـ = 635م) تتوزع في أماكن مختلفة، فأبو عبيدة بن الجراح في حمص، وخالد بن الوليد بقواته في دمشق، وشرحبيل بن حسنة مقيم في الأردن، وعمرو بن العاص في فلسطين.

فلما وصلت أنباء استعدادات الروم إلى أبي عبيدة بن الجراح جمع القادة يشاورهم ويستطلع رأيهم، وانتهى الحوار بينهم على انسحاب القوات الإسلامية من المدن التي فتحتها إلى موقع قريب من بلاد الحجاز، وأن تتجمع الجيوش كلها في جيش واحد، وأن يبعث أبو عبيدة بن الجراح إلى المدينة يطلب المدد من الخليفة "عمر بن الخطاب".

وقبل أن يتحرك "أبو عبيدة بن الجراح" بجيوش المسلمين، دعا "حبيب بن مسلمة"- عامله على الخراج- وقال له: "اردد على القوم الذين كنا صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا إذا لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئا، وقل لهم: نحن على ما كنا عليه فيما بيننا وبينكم من الصلح، لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما رددنا عليكم أموالكم أنَّا كرهنا أن نأخذ أموالكم ولا نمنع بلادكم...".

فلمَّا أصبح الصباح أمر أبو عبيدة قواته بالرحيل من حمص إلى دمشق، وقام حبيب بن مسلمة برد الجزية إلى أهالي حمص، وبلغهم ما قاله أبو عبيدة؛ فما كان منهم إلا أن قالوا: "ردكم الله إلينا، ولعن الله الذين كانوا يملكوننا من الروم، ولكن والله لو كانوا هم ما ردوا علينا، بل غصبونا وأخذوا ما قدروا عليه من أموالنا؛ لَوِلايتكم وعَوْدُكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم".

التحرك إلى اليرموك

بعد أن أخلى المسلمون مدينة حمص، جاءت قوات الروم، فدخلت حمص، ثم تحركت جنوبا خلال وادي البقاع إلى بعلبك، ولم تتجه إلى دمشق حيث يقيم المسلمون؛ وإنما اتجهت إلى الجنوب.

رأى المسلمون الذين كانوا يراقبون تحركات الروم أن في مسارهم هذا حركة التفاف تستهدف حصار المسلمين وقطع خط الرجعة عليهم؛ فاجتمع أبو عبيدة بقادته يتباحثون الأمر، فاتفقوا على الخروج من دمشق إلى الجابية، وهناك ينضم إليهم جيش عمرو بن العاص الرابض بفلسطين، وفي الوقت نفسه ينتظرون مدد الخليفة عمر بن الخطاب.

تقدمت مجموعات من جيش الروم إلى نهر الأردن باتجاه المسلمين في الجابية، وخشي المسلمون أن يحاصروا بقوات الروم المقيمة في الأردن وفلسطين والأخرى القادمة من إنطاكية؛ فيقطعوا خطوط إمداداتهم، ويحولوا ببينهم وبين منطقة شمال الأردن والبلقاء التي تربطهم بالحجاز؛ ولهذا قررت الجيوش الإسلامية الانسحاب من الجابية إلى اليرموك.

الاستعداد للمعركة

تولَّى خالد بن الوليد القيادة العامة للجيش بتنازل كريم من أبي عبيدة بن الجراح، الذي كان له السلطة العامة على جيوش المسلمين بالشام، وكان خالد من أعظم الناس بلاء وأعظمهم بركة وأيمنهم نقيبة.

بدأ خالد في تنظيم قواته، وكانت تبلغ 46 ألف مقاتل، وقسَّم الجيش إلى كراديس، أي كتائب، وتضم ما بين 600 إلى 1000 رجل، والكردوس ينقسم إلى أجزاء عشرية؛ فهناك العرّيف الذي يقود عشرة من الرجال، وآمر الأعشار الذي يقود عرفاء (100 رجل)، وقائد الكردوس الذي يقود عشرة من أمراء الأعشار (1000) رجل.

ويُجمِع المؤرخون على أن خالد بن الوليد هو أول من استحدث تنظيم الجيوش على هذا النحو، وعُدَّ عمله فتحا في العسكرية الإسلامية؛ فقد اختار رجال الكردوس الواحد من قبيلة واحدة أو ممن يعودون بأصولهم إلى قبيلة واحدة، وجعل على كل كردوس قائدا منهم ممن عُرفوا بالشجاعة والإقدام، ثم جمع الكراديس بعضها إلى بعض وجعل منها قلبا وميمنة وميسرة، وكان على رأس كراديس القلب أبو عبيدة بن الجراح، ومعه المهاجرون والأنصار، وعلى كراديس الميمنة عمرو بن العاص ويساعده شرحبيل بن حسنة، وعلى كراديس الميسرة يزيد بن أبي سفيان.

وبلغت هذه الكراديس 36 كردوسًا من المشاة، بالإضافة إلى عشرة كراديس من الخيالة، يقف أربعة منها خلف القلب واثنان في الطليعة، ووزعت الأربعة الباقية على جانبي الميمنة والميسرة.

أما جيش الروم فكان يضم نحو مائتي ألف مقاتل، يقودهم "ماهان"، وقد قسّم جيشه إلى مقدمة تضم جموع العرب المتنصّرة من لخم وجذام وغسان، وعلى رأسها "جبلة بن الأيهم"، وميمنة على رأسها "قورين"، وميسرة على رأسها "ابن قناطر"، وفي القلب "الديرجان"، وخرج ماهان إلى المسلمين في يوم ذي ضباب، وصَفَّ جنوده عشرين صفا، ويقول الرواة في وصف هذا الجيش الرهيب: "ثم زحف إلى المسلمين مثل الليل والسيل".

رهبان بالليل.. فرسان بالنهار

دعا أحد قادة الروم رجلاً من نصارى العرب، فقال له: ادخل في معسكر هذا القوم، فانظر ما هديهم، وما حالهم، وما أعمالهم، وما يصنعون، ثم ائتني فأخبرني بما رأيت. وخرج الرجل من معسكر الروم حتى دخل معسكر المسلمين فلم يستنكروه؛ لأنه كان رجلا من العرب، لسانه عربي ووجهه عربي، فمكث في معسكرهم ليلة حتى أصبح فأقام عامة يومه، ثم رجع إلى قائده الرومي، وقال له: جئتك من عند قوم يقومون الليل كله، يصلون ويصومون النهار، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، رهبان بالليل فرسان بالنهار، لو يسرق مَلِكُهم لقطعوا يده، ولو زنا لرجموه؛ لإيثارهم الحق، واتباعهم إياه على الهوى.

فلما انتهى الرجل العربي من كلامه قال القائد الرومي: لئن كان هؤلاء القوم كما تزعم، وكما ذكرت لبطنُ الأرض خير من ظهرها لمن يريد قتالهم.

وفي فجر يوم الإثنين (5 من رجب 15 هـ = 12 من أغسطس 636م) أصبح المسلمون طيبةً نفوسهم بقتال الروم، منشرحة صدورهم للقائهم، واثقة قلوبهم من نصر الله، وخرجوا بالنظام الذي وضعه القائد العام يحملون رايتهم.

وسار أبو عبيدة في المسلمين يحثُّ الناس على الصبر والثبات، يقول لهم: يا عباد الله انصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب؛ فلا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدءوهم بقتال، وأشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله حتى آمركم.

وخرج معاذ بن جبل يقول للناس: يا قراء القرآن ومستحفظي الكتاب وأنصار الهدى وأولياء الحق، إن رحمة الله- والله- لا تُنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدّقين بما وعدهم الله (عز وجل)، أنتم- إن شاء الله- منصورون، فأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين، واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته ورحمته، وليس لأحد منكم ملجأ من دونه.

اللقاء الحاسم ونتائجه

زحفت صفوف الروم الجرارة من مكانها إلى المسلمين، لهم دويٌّ كدوي الرعد، ودخل منهم ثلاثون ألفًا كل عشرة في سلسلة حتى لا يفروا، قد رفعوا صلبانهم، وأقبل معهم الأساقفة والرهبان والبطارقة.

وحين رأى خالد إقبالهم على هذا النحو كالسيل، وضع خطته أن يثبت المسلمون أمام هذه الهجمة الجارفة؛ حتى تنكسر وتتصدع صفوف الروم، ثم يبدأ هو بالهجوم المضاد.

وكان خالد بن الوليد رابط الجأش ثابت الجنان وهو يرى هذه الجموع المتلاحقة كالسيل العرم، لم ترهبه كثرتهم، وقد سمع جنديا مسلما قد انخلع قلبه لمَّا رأى منظر الروم، يقول: ما أكثر الروم وأقل المسلمين- فانزعج من قولته وقال له: ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، أبالروم تخوّفني؟!

تلاحم الفريقان وشد الروم على ميمنة المسلمين حتى انكشفت، وفعلوا كذلك بالميسرة، وثبت القلب لم يتكشف جنده، وكان أبو عبيدة وراء ظهرهم؛ ردءا لهم، يشد من أزرهم، وأبلى المسلمون بلاء حسنا، وثبت بعضهم كالجبال الراسخات، وضربوا أروع الأمثلة في الشجاعة وتلبية النداء، وقاتلت النساء أحسن قتال.

تحمل المسلمون هذا الهجوم الكاسح بكل ثبات؛ إذا اهتز صف عاد والتأم ورجع الى القتال، حتى إذا جاءت اللحظة التي كان ينتظرها القائد النابغة خالد بن الوليد صاح في القوم: يا أهل الإسلام، لم يبق عند القوم من الجلد والقتال والقوة إلا ما قد رأيتم، فالشدة، الشدة فوالذي نفسي بيده ليعطينكم الله الظفر عليهم الساعة.

وزحف خالد بفرسانه الذين لم يقاتلوا، وكان يدخرهم لتلك الساعة الحاسمة، فانقضوا على الروم الذين أنهكهم التعب واختلت صفوفهم، وكانت فرسان الروم قد نفذت إلى معسكر المسلمين في الخلف، فلمَّا قام خالد بهجومه المضاد من القلب حالَ بين مشاة الروم وفرسانهم، الذين فوجئوا بهذه الهجمة المضادة؛ فلم يشتركوا في القتال، وخرجت خيلهم تشتد بهم في الصحراء، تاركين ميدان القتال. ولمَّا رأى المسلمون خيل الروم تهرب أفسحوا لها الطريق ودعوها تغادر ساحة القتال.

انهار الروم تماما، وتملَّكهم الهلع فتزاحموا وركب بعضهم بعضا وهم يتقهقرون أمام المسلمين الذين يتبعونهم؛ حتى انتهوا إلى مكان مشرف على هاوية تحتهم، فأخذوا يتساقطون فيها ولا يبصرون ما تحت أرجلهم، وكان الليل قد أقبل والضباب يملأ الجو، فكان آخرهم لا يعلم ما يلقى أولهم، وبلغ الساقطون في هذه الهاوية عشرات الألوف، وتذكر بعض الروايات أنهم كانوا ثمانين ألفا، وسميت تلك الهاوية "الواقوصة"؛ لأن الروم وقصوا فيها، وقتل المسلمون من الروم في المعركة بعدما أدبروا نحو خمسين ألفا، خلاف من سقطوا في الهاوية.

ولما أصبح اليوم التالي، نظر المسلمون فلم يجدوا في الوادي أحدا من الروم، فظنوا أن الروم قد أعدوا كمينا، فبعثوا خيلا لمعرفة الأمر، فإذا الرعاة يخبرونهم أنهم قد سقطوا في الهاوية أثناء تراجعهم، ومن بقي منهم غادر المكان ورحل.

كانت معركة اليرموك من أعظم المعارك الإسلامية، وأبعدها أثرا في حركة الفتح الإسلامي، فقد لقي جيش الروم- أقوى جيوش العالم يومئذ- هزيمة قاسية، وفقد زهرة جنده، وقد أدرك هرقل حجم الكارثة التي حلت به وبدولته، فغادر المنطقة نهائيا وقلبه ينفطر حزنا، وهو يقول: "السلام عليك يا سوريا، سلاما لا لقاء بعده، ونعم البلد أنت للعدو وليس للصديق، ولا يدخلك رومي بعد الآن إلا خائفا".

وقد ترتب على هذا النصر العظيم أن استقر المسلمون في بلاد الشام، واستكملوا فتح مدنه جميعا، ثم واصلوا مسيرة الفتح؛ فضموا مصر والشمال الإفريقي.

Matador
23-02-2008, 11:17 PM
"الزلاقة" معركة الوجود الإسلامي في الأندلس


سقطت الخلافة الأموية في الأندلس إثر سقوط الدولة العامرية سنة (399هـ = 1009م) وتفككت الدولة الأندلسية الكبرى إلى عشرين دويلة صغيرة يحكمها ملوك الطوائف، ومن أشهرهم: بنو عباد في أشبيلية، وبنو ذي النون في طليطلة، وبنو هود في سرقسطة، وزعمت كل طائفة من هذه الطوائف لنفسها الاستقلال والسيادة، ولم تربطها بجارتها إلا المنافسة والكيد والمنازعات والحروب المستمرة، وهو ما أدى إلى ضعف، وأعطى الفرصة للنصارى المتربصين في الشمال أن يتوسعوا على حسابهم.

وفي مقابل التجزئة والفرقة الأندلسية في عصر الطوائف كان النصارى يقيمون اتحادًا بين مملكتي ليون وقشتالة على يد فرديناد الأول الذي بدأ حرب الاسترداد التي تعني إرجاع الأندلس إلى النصرانية بدلاً من الإسلام.

وواصل هذه الحرب من بعده ابنه ألفونس السادس، حيث بلغت ذروتها مع استيلاء ألفونس على مدينة "طليطلة" سنة (478هـ = 1085م) أهم المدن الأندلسية وأكبر قواعد المسلمين هناك، وكان سقوطها نذيرًا بأسوأ العواقب لبقية الأندلس؛ ذلك أن ألفونس قال صراحة: إنه لن يهدأ له بال حتى يسترد بقية الأندلس ويُخضع قرطبة لسلطانه؛ وينقل عاصمة ملكه إلى طليطلة.

وكان أسوأ ما في هذه الكارثة المروعة أن ملوك الطوائف المسلمين لم يهبُّوا لنجدة طليطلة أو مساعدتها، بل على العكس وقفوا موقفًا مخزيًا حتى إن بعضهم عرض على ألفونس تقديم العون والمساعدة، ورأى البعض الآخر أنه لكي يستمر في حكم مملكته آمنًا يجب أن يوثق أواصر الصلة والمودة مع ألفونس ويحالفه ويقدم له الجزية السنوية، بل شاركت بعض قوات أمراء الطوائف في غزوة طليطلة، وقدم أحد هؤلاء الأمراء ابنته لتكون زوجة أو حظية لألفونس!!

ورأى ألفونس حالة الضعف والجبن التي يعاني منها أمراء الطوائف، والتي تعود في الأساس إلى ترفهم وخواء نفوسهم، وكرههم للحرب والجهد حتى إن كان ذلك هو السبيل الوحيد للكرامة والحفاظ على البقية الباقية من الدين والمروءة؛ لذا رأى ألفونس السادس ضرورة إضعاف ملوك الطوائف قبل القضاء عليهم نهائيًا؛ وكانت خطته في ذلك تقوم أولاً على تصفية أموالهم باقتضاء وفرض الجزية عليهم جميعًا، ثم تخريب أراضيهم وزروعهم ومحاصيلهم بالغارات المتتابعة، وأخيرًا اقتطاع حصونهم وأراضيهم كلما سنحت الفرصة.

ونجحت خطة ألفونس في ذلك كل النجاح، وبدا ضعف ملوك الطوائف أمامه واضحًا ملموسًا؛ فاستهان بهم واحتقرهم، وقال عنهم: "كيف أترك قومًا مجانين تسمَّى كل واحد منهم باسم خلفائهم وملوكهم، وكل واحد منهم لا يسِل للدفاع عن نفسه سيفًا، ولا يرفع عن رعيته ضيمًا ولا حيفًا"، وعاملهم معاملة الأتباع.

أصبح ألفونس بعد استيلائه على طليطلة مجاورًا لمملكة إشبيلية وصاحبها المعتمد بن عباد، وعندها أدرك المعتمد فداحة خطئه في مصانعة ألفونس ومحالفته واستعدائه على أمراء الطوائف الآخرين، ولاحت له طوالع المصير المروع الذي سينحدر إليه إذا لم تتداركه يد العناية الإلهية بعون أو نجدة غير منتظرة؛ لذا كان من الطبيعي أن تتجه أنظار ابن عباد إلى دولة المرابطين القوية الفتية بقيادة أميرها الباسل "يوسف بن تاشفين" ليستنجد به وتطلب منه النصرة ضد هؤلاء النصارى الذين تجمعوا من شمالي إسبانيا، فضلاً عن المتطوعين الذين قدموا من فرنسا وألمانيا وإيطاليا.

النزاع بين ألفونس السادس والمعتمد

بدأ النزاع بين الملكين سنة (475 هـ = 1082م) عندما وجه ألفونس سفارته المعتادة إلى المعتمد يطلب فيها الجزية السنوية، وكان على رأس السفارة يهودي يُدعى "ابن شاليب"، رفض تسلم الجزية بحجة أنها من عيار ناقص، وهدد بأنه إذا لم يقدم له المال من عيار حسن فسوف تُحتل مدائن إشبيلية.

ولمَّا علم المعتمد بما صدر عن اليهودي أمر بصلبه، وزج بأصحابه في السجن من القشتاليين، وعندما استشار الفقهاء استحسنوا ذلك الأمر؛ مخافة أن يتراجع المعتمد عن قراره بالصمود في وجه النصارى؛ أما ألفونس فقد استشاط غضبًا، وبعث سراياه وجنوده للانتقام والسلب والنهب، وأغار هو بجيشه على حدود إشبيلية وحاصرها ثلاثة أيام ثم تركها، والمعتمد يلتزم الدفاع طيلة هذه العاصفة الهوجاء من الغضب الصليبي.

الاستنجاد بالمرابطين

حشد المعتمد رجاله، وقوَّى جيشه، وأصلح حصونه، واتخذ كل وسيلة للدفاع عن أرضه بعدما أيقن أن ألفونس يعتزم العمل على إبادتهم جميعًا، وأن المسلمين بقدراتهم ومواردهم المحدودة لن يستطيعوا له دفعًا؛ لذا قرر المعتمد أن يستنصر بالمرابطين في المغرب لمقاتلة هؤلاء النصارى، وكانت دولة المرابطين دولة جهاد وحرب، غير أن هذا الرأي واجه معارضة من بعض الأمراء الذين رأوا في المفاوضات والصلح والمهادنة والسلام وسيلة للأمن والاستقرار، ورأوا في المرابطين عدوًا جديدًا قد يسلب ملكهم، وقال الرشيد لأبيه المعتمد: "يا أبت أتُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدد شملنا"، فرد عليه المعتمد: "أي بني، والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر، ولا تركتها للنصارى، فتقوم اللعنة عليّ في الإسلام، مثلما قامت على غيري، رعي الجمال عندي- والله- خير من رعي الخنازير".

وناشد ملوك الطوائف وعلى رأسهم المعتمد بن عباد المرابطين وأميرهم يوسف بن تاشفين لنجدتهم، بل إن المعتمد عبر إلى المغرب والتقى بابن تاشفين الذي وعده خيرًا، وأجابه إلى ما طلب واشترط لإجابة الدعوة والعبور إلى الأندلس أن يسلم إليه المعتمد ثغر الجزيرة الخضراء ليكون قاعدة للمرابطين في الذهاب والإياب، فوافق المعتمد على ذلك.

العبور إلى الأندلس

حشد يوسف بن تاشفين جنده وعتاده، ثم بعث بقوة من فرسانه بقيادة داود بن عائشة فعبرت البحر، واحتلت ثغر الجزيرة الخضراء، وفي (ربيع الآخر 479هـ = أغسطس 1086م) بدأت جيوش المرابطين تعبر من سبتة إلى الأندلس، وما كادت السفن تتوسط ماء مضيق جبل طارق حتى اضطرب البحر وتعالت الأمواج، فنهض "ابن تاشفين" ورفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيرًا وصلاحًا للمسلمين فسهِّل علي جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه علي حتى لا أجوزه"؛ فهدأت ثائرة البحر، وسارت السفن في ريح طيبة حتى رست على الشاطئ، وهبط منها يوسف، وخرَّ لله ساجدًا.

قوبل بحفاوة بالغة هو وجنوده، وأمر قائده "داود بن عائشة" بالتقدم أمامه إلى بطليوس، كما أمر بأن توضع القوات الأندلسية كلها تحت قيادة المعتمد، وأن يكون لجند الأندلس محلتهم وللمرابطين محلتهم، وكان يوسف في تحركه شديد الحذر؛ لأنه لم يسبق له أن حارب جيشًا نصرانيًا، كما أنه لم يكن واثقًا من حلفائه الأندلسيين؛ لذا رأى أن تكون المعركة في ناحية بطليوس، وألا يتوغل كثيرًا في أرض الأندلس.

الزلاقة والنصر المبين

ولما بلغ ألفونس نبأ تقدم المسلمين لملاقاته، فك الحصار الذي كان يضربه حول مدينة سرقسطة، واستدعى قائده البرهانس من بلنسية، وبعث مستغيثًا بجميع النصارى في شمال إسبانيا وما وراء جبال البرانيس، فتقاطرت عليه فرسان النصارى من إيطاليا وفرنسا، واعتزم أن يلقى المسلمين في أرضهم حتى لا تخرب بلاده، وكانت قواته تفوق المسلمين عددًا وعدة، وقد استقرت هذه الجيوش النصرانية على بعد ثلاثة أميال من المعسكر الإسلامي ولا يفصل بينهم إلا نهر صغير يسمى "جريرو"، وانضم إلى قوات النصارى الرهبان والقسس يحملون أناجيلهم وصلبانهم، محفزين بذلك جنود النصارى.

كانت قوات المسلمين تقدر بحوالي ثمانية وأربعين ألف مقاتل، تنقسم في وحدتين كبيرتين من قوات الأندلس، وتحتل المقدمة بقيادة المعتمد، أما القوات المرابطية فتحتل المؤخرة وتنقسم إلى قسمين، يضم الأول فرسان البربر بقيادة داود بن عائشة، والقسم الثاني احتياطي، يقوده يوسف بن تاشفين.

ولبث الجيشان كل منهما في اتجاه الآخر ثلاثة أيام، وفشلت محاولة ألفونس خديعة المسلمين في تحديد يوم المعركة، وانتهى الأمر بنشوب المعركة مع أول ضوء من صباح يوم الجمعة (12 رجب 479هـ = 23 أكتوبر 1086م) بهجوم خاطف شنَّه فرسان النصارى على مقدمة المسلمين المؤلفة من القوات الأندلسية، فاختل توازن المسلمين وارتد فرسانهم نحو بطليوس، ولم يثبت إلا المعتمد بن عباد في مجموعة قليلة من الفرسان، وقاتلوا بشدة، وأُثخن المعتمد بالجراح وكثر القتل في جند الأندلس، وكادت تحل بهم الهزيمة، وفي الوقت نفسه هاجم ألفونس مقدمة المرابطين وردها عن مواقعها.

وأمام هذه المحنة التي تعرضت لها القوات المسلمة دفع يوسف بقوات البربر التي يقودها أبرع قواده وهو "سير بن أبي بكر اللمتوني"؛ فتغير سير المعركة، واسترد المسلمون ثباتهم، وأثخنوا النصارى قتلاً، وفي تلك الأثناء لجأ ابن تاشفين إلى خطة مبتكرة؛ إذ استطاع أن يشق صفوف النصارى، ويصل إلى معسكرهم، ويقضي على حاميته، ويشعل فيه النار؛ فلما رأى ألفونس هذه الفاجعة، رجع بسرعة شديدة، واصطدم الفريقان في قتال شرس، ودويّ طبول المرابطين يصم الآذان، وكثر القتل في الجانبين، خاصة في صفوف القشتاليين، ثم وجه "ابن تاشفين" ضربته الأخيرة إلى النصارى؛ إذ أمر حرسه الأسود، وقوامه أربعة آلاف مقاتل من ذوي البأس الشديد والرغبة في الجهاد بالنزول إلى أرض المعركة، فأكثروا القتل في القشتاليين واستطاع أحدهم أن يطعن ألفونس في فخذه طعنة نافذة كادت تودي بحياته.

وأدرك ألفونس أنه وقواته يواجهون الموت إذا استمروا في المعركة، فبادر بالهروب مع قلة من فرسانه تحت جنح الظلام، لم يتجاوزوا الأربعمائة، معظمهم جرحى، ماتوا في الطريق، ولم ينج منهم إلا مائة فارس فقط.

كان انتصار المسلمين في الزلاقة نصرًا عظيمًا ذاعت أنباؤه في الأندلس والمغرب، واستبشر المسلمون به خيرًا عظيمًا، غير أن المسلمين لم يحاولوا استغلال نصرهم بمطاردة فلول النصارى المتبقية والزحف إلى أراضي قشتالة، بل لم يحاولوا السير إلى طليطلة لاستردادها، وهي التي كانت السبب الرئيسي في الاستعانة بالمرابطين، ويقال إن ابن تاشفين اعتذر عن مطاردة القشتاليين لوصول أنباء إليه بوفاة أكبر أبنائه.

ونتج عن هذا المعركة الحاسمة توقُّف ملوك الطوائف عن دفع الجزية لألفونس السادس، وأنقذ هذا النصر غرب الأندلس من غارات المدمرة، وأفقدهم عددًا كبيرًا من قواتهم، وأنعش آمال الأندلسيين وحطم خوفهم من النصارى، ورفع الحصار عن سرقسطة التي كادت تسقط في يد ألفونس، وحالت هذه المعركة دون سقوط الأندلس كلها في يد النصارى، ومدت في عمر الإسلام بالأندلس حوالي القرنين ونصف القرن.

Matador
23-02-2008, 11:38 PM
فتح دمشق في عهد الفاروق


"دمشق الفيحاء" حلم طالما داعب خيالات وأمنيات المسلمين منذ أن خرجت أولى طلائع المسلمين للفتح ونشر الإسلام خارج الجزيرة العربية موطن الوحي ومهد الإسلام.

كانت دمشق التي حباها الله بجمال ساحر وطبيعة خلابة تأخذ بالألباب وتستحوذ على القلوب تتميز بمروجها الخضراء ومراعيها الخصبة وجناتها المثمرة ومياهها الصافية وغدرانها المتلألئة وحدائقها الغناء، وكأنها قطعة متجددة من الربيع الخالد والحسن الأبدي.

وقد حرص المسلمون على الإسراع إليها وفتحها، ولكن كيف السبيل إلى تلك المدينة المنيعة الحصينة التي اكتسبت مجدها وحضارتها منذ فجر التاريخ، وضربت بجذورها في أعماق الزمن السحيق، فهي من أقدم مدائن العالم، إن لم تكن أقدمها جميعا. وقد توالت عليها حضارات عريقة وعهود مجد تليد، وبلغت من التحصين والمنعة حدًا يفوق الخيال؛ فأسوارها العالية التي بُنيت من الحجارة الصلدة ترتفع إلى نحو 11 مترا، وتحيط بالمدينة من كل جانب، ويزيد سمكها على ثلاثة أمتار، وحصونها بالغة الارتفاع كثيرة الشرفات، يحتمي بها الرماة بسهامهم والمجانيق، ويحيط بأسوارها خندق عميق يزيد عرضه على ثلاثة أمتار، ولها أبواب منيعة ضخمة يُحكم إغلاقها من الداخل فكانت بقوتها وحصانتها تتحدى أطماع الغزاة، وتبدد أحلام الفاتحين.

طلائع الفتح الإسلامي

بدأ تفكير المسلمين نحو فتح الشام يتخذ خطوات عملية منذ عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق؛ فقد سعى إلى تكوين جيش قوي يجمع صناديد العرب وأبطال المسلمين، وجعله في أربعة ألوية اتجهت إلى غزو الشام، جعل على أحدها أبا عبيدة بن الجراح، وعلى الثاني عكرمة بن أبي جهل، وعلى الثالث يزيد بن معاوية، وعلى الرابع عمرو بن العاص، وعيّن لكل لواء منها جهة يغزوها.

وعندما لقيت تلك الجيوش مقاومة شديدة من الروم اجتمعت على أمير واحد هو أبو عبيدة، فاستدعى أبو عبيدة خالد بن الوليد من العراق ليكون أميرا على جيوشه كلها، وتحرك خالد على رأس الجيش متوجها إلى الشام، فأقام شهرا على ضفة اليرموك دون أن يتعرض له الروم، وتوفي أبو بكر، وتولى عمر بن الخطاب الخلافة، فكان أول ما استفتح به عهده أن أمر بعزل خالد وتولية أبي عبيدة حينما رأى افتتان المسلمين بخالد، بعد الذي حققه من انتصارات، وما أذيع حوله من بطولات.

انتصارات ومشاورات

ولكن أبا عبيدة كتم الأمر ولم يذع نبأ عزل خالد حتى لا يفتّ ذلك في عضد خالد وجنوده، خاصة وهم مقبلون على معركة عظيمة فاصلة هي معركة اليرموك، واستطاع خالد أن يحقق انتصارا حاسما في تلك المعركة، وحينما علم بنبأ عزله لم يبد تأثرا؛ فهو فارس، ميدانه القتال، وهو في طليعة المحاربين، سواء كان قائدا أو جنديا.

وجاءت الأخبار إلى المسلمين أن هرقل قائد الروم أمدّ دمشق بقوات من حمص، وكان أبو عبيدة يريد تتبع فلول الروم المنهزمين من أجنادين والذين تجمعوا في "فحل"، فأرسل إلى عمر بن الخطاب يعرض عليه الأمر ويستشيره، فكتب إليه عمر يأمره بالسير إلى دمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، وأن يرسل إلى أهل "فحل" خيلا تشغلهم عن وجهة المسلمين وتحركهم.

على أبواب دمشق

سار أبو عبيدة وخالد بن الوليد في قوة كبيرة من جيش المسلمين متجهين إلى دمشق، ولم يجد المسلمون مقاومة من الروم، ولم يعترض طريقهم أحد.

وبلغ المسلمون غوطة دمشق فازدادوا حماسا وحمية، وقوي عزمهم على التقدم نحو دمشق التي بهرهم ما تتمتع به من سحر وجمال.

دخل المسلمون الغوطة فوجدوا قصورها ومساكنها خالية بعد أن هجرها أهلها ليحتموا بأسوار المدينة المنيعة من أُسود المسلمين الذين انطلقوا لا يعوقهم شيء، وحاصر المسلمون مدينة دمشق، وقدّر أبو عبيدة أن هرقل قد يبعث بمدد من حمص لمحاصرة قواته بين حصون دمشق وجيوش الروم؛ فأرسل جيشا من المسلمين ليعسكر في الطرق إلى دمشق.

ووزع أبو عبيدة قواته على أبواب المدينة؛ لإحكام الحصار عليها فجعل شرحبيل بن حسنة على باب توما، وعمرو بن العاص على باب الفراديس، ويزيد بن أبي سفيان على باب كيسان، وخالد بن الوليد على الباب الشرقي، وكان هو على باب الجابية.

الانتصار على مدد هرقل

وصدقت فراسة أبي عبيدة؛ فقد أرسل هرقل عددا كبيرا من القوات لنجدة الروم المحاصرَين في دمشق، ففوجئت هذه القوات بجيش المسلمين الذي كان في انتظارهم، ودارت معركة عنيفة بين الجانبين، واستمر القتال الشديد بين الفريقين حتى انكشف الروم ولحقت بهم هزيمة منكرة، فارتدّوا منهزمين إلى حمص.

وكان لانتصار المسلمين في هذه المعركة أكبر الأثر في نفوسهم؛ حيث قويت عزيمتهم على القتال وتحمل الظروف القاسية التي مر بها جيش المسلمين مع قدوم الشتاء ببرودته الشديدة التي لا يطيقها أبناء الصحراء الحارة.

وطال انتظار الرومان المحاصرَين للمدد، وأرسلوا إلى هرقل يستعجلون مدده قبل أن تخور قوتهم وتضعف عزيمتهم على الصمود والمقاومة، فبعث إليهم هرقل يطمئنهم ويحثهم على الثبات والمقاومة، فقوّى ذلك من عزيمتهم، وبعث الأمل في قلوبهم وشجعهم على الثبات وصد هجمات المسلمين.

هجوم توماس على المسلمين

ومع مرور الوقت عاد اليأس يسيطر على قلوب الروم، وبدأ القلق على مصير المدينة ينتاب قادتها؛ فاجتمع عدد من هؤلاء القادة وذهبوا إلى "توماس" القائد العام لجيش الروم في دمشق، زوج ابنة الإمبراطور هرقل، وأخبروه بمخاوفهم، وعرضوا عليه الصلح مع خالد، إلا أنه رفض هذه الفكرة، مؤكدا لهم قدرته على الدفاع عن المدينة، وأنه سيطرد المسلمين قريبا من حول دمشق.

وقرر توماس أن يشن هجوما قويا على المسلمين، فجمع قوة كبيرة تجمعت عند باب توما، ثم أصدر أوامره إلى الرماة فانهالوا من فوق الحصن على شرحبيل وجنوده بالسهام والحجارة ليبعدوهم عن باب الحصن، واندفع خارجا من باب الحصن في نحو خمسة آلاف فارس.

واستطاع الرماة إلحاق خسائر كبيرة في صفوف المسلمين، واستشهد عدد كبير من فرسان المسلمين؛ فاضطر المسلمون إلى التراجع بعيدا عن مرمى سهام الروم، وسرعان ما نشب قتال عنيف بين قوات شرحبيل وقوات توماس، وبالرغم من تفوق قوات الروم فقد ثبت المسلمون حتى اضطروا الروم إلى التراجع داخل الحصن بعد أن أصابوا قائدهم بسهم في عينه.

توماس يعود من جديد

ولكن توماس لم ييئس حيث باغت المسلمين بهجوم ليلي آخر، ولكنه في هذه المرة كان هجوما واسعا من عدة أبواب في آن واحد، وخصّ الباب الشرقي بأكبر عدد من القوات لمنع خالد من نجدة شرحبيل.

وقبل منتصف الليل سمع المسلمون قرع النواقيس، وكانت تلك الإشارة التي أعطاها توماس لفتح الأبواب، وفجأة اندفعت قوات الروم نحو المسلمين، وتصدى لهم المسلمون في شجاعة واستبسال، وسقط عدد كبير من الروم، واستمر القتال إلى الساعات الأولى من الصباح الجديد، وتجلت بطولات قادة المسلمين وفرسانهم الذين راحوا يقاتلون بلا هوادة، حتى أدرك الروم أنه لا فائدة من الاستمرار في القتال؛ فأسرع توماس يأمرهم بالانسحاب، بعد أن كاد يلقى حتفه على يد شرحبيل. واندفع جنود الروم إلى داخل أسوار حصونهم، ولم يحاول المسلمون اللحاق بهم، مكتفين بما كبدوه لهم من هزيمة مزرية.

خالد لا ينام ولا ينيم

عاد المسلمون يضربون حصارهم من جديد على المدينة، وكان خالد بن الوليد مقيما على الباب الشرقي، دائم اليقظة والاستعداد يتربص أي فرصة سانحة للانقضاض على العدو "لا ينام ولا ينينم"، ولا يخفى عليه شيء؛ فقد جعل عيونه ورجاله يصيدون كل ما يدور وراء تلك الأسوار بدقة شديدة، حتى لكأنه يعيش بينهم، وتوافرت لديه المعلومات تشير إلى اشتغال الحامية في حفل عند بطريرك المدينة الذي ولد له ولد؛ فدعا الجميع إلى الاحتفال بتلك المناسبة، فأفرطوا في الشراب، وتخلى كثير منهم عن مواقعهم، وكان خالد قد استعد استعدادا لذلك، وصنع السلالم والحبال.. فلما هدأ الليل وأرخى سدوله على المكان، عبر خالد ورجاله الخندق عائمين على القِرَب، ثم ألقوا بالحبال في شرفات السور، وارتقوا إلى أعلاه، وأسرعوا نحو الباب فعالجوه بسيوفهم حتى تمكنوا من فتحه، ثم رفعوا أصواتهم بالتكبير، فلما سمع المسلمون تلك الإشارة اندفعوا داخل المدينة وهم يكبّرون حتى ارتجّت أجواء المدينة بأصداء التكبير الهادر الذي شقّ سكون الليل، فانتبه القوم فزعين ليجدوا الجنود المسلمين قد انتشروا في أنحاء المدينة.

وأسرع الروم يفتحون أبواب المدينة ويصالحون أبا عبيدة، فأعطاهم الأمان دون أن يعلم بما فعله خالد، وطلب منه الكف عن القتال؛ لأنه صالح الناس وأمّنهم، فلم يكن من خالد إلا الطاعة لقائده، وأجرى الصلح على الجانب الذي فتحه عَنْوَة من المدينة.

ولم تمض ليلة (16 من رجب 14 هـ = 5 من سبتمبر 635م) حتى كانت دمشق قد استسلمت للمسلمين، وصارت درة جديدة تزين قلادة الإمبراطورية الإسلامية الفتية، وتضاف إلى عقد دولته الواعدة.

Matador
23-02-2008, 11:41 PM
الحرب العالمية الثانية.. أضواء وأحداث


كانت شرارة الحرب العالمية الثانية النزاع (الألماني – البولندي) حول ممر وميناء دانتزج، إلا أن الأسباب الحقيقية لتلك الحرب كانت أبعد من ذلك؛ إذ يرجع بعضها إلى تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى، والتي أدت إلى تغير في رسم خريطة العالم، وبخاصة أوروبا، فأبرمت معاهدات عقابية أخذت طابع الانتقام ضد ألمانيا، ودفعت بأحد أعضاء الوفد الألماني في مؤتمر الصلح في "فرساي" سنة (1337هـ = 1919م) إلى القول للحلفاء: "سنراكم مرة ثانية بعد عشرين عامًا"، وصدقت نبوءة الرجل؛ فكانت الحرب العالمية الثانية التي طالت أغلب دول العالم، وكانت الأعنف في حروب البشر وصراعاتهم.

ألمانيا بعد صلح فرساي

كان الألمان يأملون في صلح عادل بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، غير أن هذا الصلح كان بمثابة قاصمة للشعب الألماني؛ إذ خسرت ألمانيا 12.5% من مساحتها، و12% من سكانها، وحوالي 15% من إنتاجها الزراعي، و10% من صناعتها، و74% من إنتاجها من خام الحديد، وتقلَّصت مساحة السواحل الألمانية على بحر البلطيق وبحر الشمال، ونصَّ هذا الصلح أيضًا على الحيلولة دون قيام الوحدة بين ألمانيا والنمسا التي تضم أكبر مجموعة من الألمان تعيش خارج ألمانيا، ودخل نحو مليوني ألماني في حدود بولندا، ونحو ثلاثة ونصف مليون ألماني في حدود دولة تشيكوسلوفاكيا التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت هذه الأقليات الألمانية سببًا في عدم الاستقرار، وفرضت على ألمانيا تعويضات قُدِّرت بستة مليارات وستمائة مليون جنيه بخلاف فوائدها.

وحددت معاهدة "فرساي" الجيش الألماني بأن لا يزيد على مائة ألف، وحددت سفن الأسطول الألماني، وحرمته من امتلاك سلاح الجو، مع دفع تعويضات ضخمة للحلفاء. وبالإضافة إلى ذلك تقرر أن تخلي ألمانيا المناطق الواقعة على الضفة اليمنى لنهر الراين بعرض ثلاثين ميلا من القوات العسكرية، وكانت فرنسا تريد فصل هذه المنطقة عن ألمانيا، وإقامة دولة مستقلة فيها تكون حاجزا بينها وبين ألمانيا التي أُجبرت على التخلي عن مستعمراتها فيما وراء البحار.

وأصبحت ألمانيا بعد هذا كله لا حول لها ولا قوة، أما فرنسا فرأت أن ألمانيا لم تتحطم بعد، فأقدمت عام (1342هـ=1923م) على احتلال إقليم "الروهر" الألماني الغني بالمناجم، وعللت ذلك بأن هذا الأمر سيرغم ألمانيا على دفع التعويضات.

الأزمة الاقتصادية وصعود هتلر

هذه الضربات المتلاحقة للاقتصاد الألماني تسببت في عدم استقرار سياسي، ثم تعمقت هذه الأزمات سنة (1348هـ=1929م) عندما تعرض العالم لأزمة اقتصادية طاحنة بدأت في الولايات المتحدة، وانتقلت منها إلى جميع دول العالم، إلا أن ألمانيا كانت معاناتها أشد؛ إذ توقفت أغلب مصانعها، وزاد عدد العاطلين بها عن ستة ملايين عامل، وانتشرت روح القلق والسخط في نفوس العمال، وخرجت المظاهرات ترفع الأعلام الحمراء (التي كانت تعبر عن الشيوعية)؛ فتطلعت الأنظار إلى حزب العمال الاشتراكي الوطني الذي يرأسه أودلف هتلر، وانضم إليه الجنود القدامى، وكثير من أرباب المهن، وأُعجب هؤلاء بالنازية التي تنادي بتوحيد الألمان في دولة واحدة تتساوى مع الدول الكبرى، وإلغاء معاهدات الصلح المهينة، وإبعاد اليهود والأجانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في ألمانيا، واتخذ هذا الحزب من شارة الصليب المعقوف رمزًا له.

وقد تضاعف عدد النازيين أثناء الأزمة الاقتصادية، فحصل حزب هتلر على المركز الثاني في مقاعد "الرايخستاج" (البرلمان) عام (1349هـ=1930م)، ثم حصل هتلر على أغلب الأصوات (24 مليون صوت) في انتخابات (1350هـ=1932م)، وتولى منصب المستشارية (رئاسة الوزراء) في ألمانيا في (1351هـ= يناير 1933م).

ولم يكد يتسلم مهام منصبه حتى عزم على السيطرة على زمام الحكم في البلاد، فاستصدر أمرًا بحل "الرايخستاج" وإجراء انتخابات جديدة، وبدأ في عملية إرهاب ضد أعدائه ومعارضيه –خاصة الشيوعيين-، ثم أعلن أن الحزب الوطني الاشتراكي النازي هو الحزب القانوني الوحيد في البلاد، ثم تولَّى سنة (1353هـ=1934م) منصب الرئاسة في ألمانيا مع احتفاظه بمنصب المستشارية، وكان ذلك تمهيدا لطريق الحرب العالمية الثانية.

الفاشية

نشأت الفاشية في إيطاليا في ظروف الخطر الشيوعي الذي هددها، وكانت إيطاليا قد انضمت إلى الحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى لتحقيق مغانم استعمارية في أفريقيا والشرق الأدنى والساحل الأدرياتيكي، وفقدت في تلك الحرب حوالي (650) ألف جندي، غير أن الحلفاء عاملوها كشريك صغير عند توزيع الغنائم، فلم تفُز في الصلح بغير تسعة آلاف ميل مربع من الأرض في أوروبا، ومليون ونصف في جهات مختلفة، ولم تقنع روما بهذه المكاسب التي أثارت استياء الإيطاليين.

وفي نفس الوقت ساد جو من الاضطراب وعدم الاستقرار في الحكم؛ فتعاقبت الوزارات، وتفشَّت البطالة وتراكمت الديون، وأصبحت غالبية الشعب تميل نحو الشيوعية، عندها تقدم اليمين المتطرف بزعامة "موسوليني" للسيطرة على الحكم، وقاد عملية الزحف على روما في (ربيع أول 1341هـ = أكتوبر 1922م)، واستطاع أن يُسقط الحكومة ويؤلف الوزارة، ومنذ ذلك التاريخ بدأت الفاشية في إيطاليا، وقاد سياسة توسعية خارجية، وطالب بإعادة النظر في مشكلة التعويضات، ومعاهدات الصلح.

ألمانيا الهتلرية

مع تولِّي النازيين بزعامة هتلر للحكم في ألمانيا تعرض ميزان القوى في أوروبا للخطر، وكانت سياسة هتلر الخارجية تهدف في البداية إلى إزالة عار الهزيمة وتبعاتها عن ألمانيا؛ لكي تحتل مكان الصدارة بين الأمم، وتقوم بتصفية حسابها مع من أذلُّوها –خاصة فرنسا-، ويتم توحيد وضم الشعوب الألمانية في دولة واحدة، وكانت خطواته لتحقيق ذلك تحطيم معاهدة فرساي، والقضاء على بنودها، ثم بسط السيطرة الألمانية على أوروبا سواء بالوسائل السلمية أم الحرب.

لذا شرع هتلر في إعادة تسليح ألمانيا، فأعلن في (المحرم 1354هـ=مارس 1935) امتلاك السلاح الجوي، ثم عقد اتفاقًا بحريًا مع بريطانيا في نفس العام، ألغى فيه التحديد الصارم للقوات البحرية الألمانية مقابل اعترافه بتفوق القوات البحرية البريطانية، وتساهلت معه بريطانيا في عدد وحمولات الغواصات التي يمكن لألمانيا امتلاكها، وبذلك استطاع أن يفصل بريطانيا عن الحلف الذي أقامته فرنسا مع الاتحاد السوفيتي، كذلك زاد عدد الجيش الألماني إلى (300) ألف مقاتل بدلاً من (100) ألف، ثم فرض الخدمة العسكرية الإجبارية، وإقامة جيش دائم في السلم يُقدر بنصف مليون جندي.

ثم شرع هتلر في احتلال أراضي الراين في (المحرم 1355=مارس 1936م) رغم أن صلح فرساي ينص على أن تكون منطقة محايدة منزوعة السلاح ضمانًا لأمن فرنسا. وفي نفس الفترة احتلت إيطاليا الحبشة، وبذلك فسدت العلاقة بين إيطاليا والحلفاء، وكانت تلك بداية تكوين تحالف "المحور"، الذي تدعم بمساندة هتلر وموسوليني لثورة فرانكو في الحرب الأهلية الأسبانية بحوالي ثمانين ألف جندي.

بدايات تكوين المحور

جاء تكوين المحور بسبب فساد العلاقات بين إيطاليا وكل من بريطانيا وفرنسا؛ بسبب احتلال إيطاليا للحبشة، بالإضافة إلى عوامل أخرى؛ منها التشابه الأيديولوجي بين النازية والفاشية، وحاجة الدولتين إلى التوسع الخارجي لامتصاص الزيادة السكانية، وجاءت الحرب الأسبانية لتوحد جهودهما، وجاءت كلمة المحور في خطاب لموسوليني في (رمضان 1355هـ= نوفمبر 1936م)، وفي نفس الشهر وقَّعت إيطاليا واليابان وألمانيا معاهدة ضد الشيوعية، ثم تطورت عام (1358هـ=1939م) إلى تحالف سياسي وعسكري كامل عُرف باسم "محور روما-برلين"، ويقضي بتوسع إيطاليا في البحر المتوسط وتوسع ألمانيا في وسط وشرقي أوروبا.

ثم بدأت عملية استقطاب دولي سريع في تلك الفترة بين المعسكرين الكبيرين (المحور والحلفاء)؛ فانضمت اليابان ثم المجر وبلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وكرواتيا إلى المحور، أما الحلفاء فكان يأتي في مقدمتهم بريطانيا وفرنسا.

الحرب العالمية الثانية

وتطورت الأحداث، فاحتل هتلر النمسا في (المحرم 1357هـ=مارس 1938م) ودمجها في ألمانيا، وهو ما عُرف باسم "الرايخ الثالث"، ثم سيطر على تشيكوسلوفاكيا في العام التالي، وأخذ يتحول إلى ابتلاع بولندا، وفي الوقت نفسه قامت إيطاليا بغزو ألبانيا، ووقَّعت روما وبرلين ميثاقًا عسكريًا يقضي بأنه إذا تورطت إحدى الدولتين في الحرب مع دولة أخرى أو مجموعة من الدول، فإن الدولة الأخرى تسارع إلى مساعدتها كحليفة، وتقدم لها ما يلزمها في البر والبحر، وفي المقابل حدث تقارب (فرنسي – بريطاني) مماثل، وتعهد الإنجليز بضمان استقلال بولندا.

والمعروف أن رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلين لم يقف موقفًا حاسمًا من احتلال هتلر لتشيكوسلوفاكيا، ولم يتقبل دعوة الرئيس السوفيتي ستالين بعقد مؤتمر دولي من الدول الكبرى لضمان حماية أوروبا الوسطى وشرق أوروبا؛ وذلك لأن بريطانيا كانت تخشى من الخطر الشيوعي وسيطرته على أوروبا، وعندما اشتدت الأطماع الألمانية في بولندا، لم تفلح جهود بريطانيا وفرنسا في إقناع بولندا بمرور الجيش السوفيتي في أراضيها، وقال وزير خارجية بولندا: "إننا مع الألمان نفقد استقلالنا، ومع السوفيت نفقد روحنا" وأمام ذلك الأمر وقَّع الاتحاد السوفيتي مع ألمانيا معاهدة عدم اعتداء في (رجب 1358هـ=أغسطس 1939م)، وكان هذا الميثاق بمثابة الضوء الأخضر لألمانيا للهجوم على بولندا.

وفي (17 رجب 1358هـ=1 سبتمبر 1939م) كانت القوات الألمانية تجتاز الحدود البولندية، وتشعل شرارة الحرب العالمية الثانية، وبدا واضحًا أن بريطانيا وفرنسا هما الخاسرتان من الحرب مهما كانت نتائجها، واضطُّرت الدولتان إلى توجيه إنذار نهائي لألمانيا في اليوم الثالث لدخولها بولندا، وبدأت الحرب تستعر، واستطاع الجيش الألماني دخول الدانمارك والنرويج وهولندا وبلجيكا وفرنسا والبلقان، لكنه فشل في احتلال بريطانيا، بعد المعارك الجوية الرهيبة بين الألمان والإنجليز، وفشلت الغواصات الألمانية في قطع طرق مواصلات الإمبراطورية البريطانية فيما وراء البحار، وارتكب هتلر خطأ كبيرًا حين تحول لمهاجمة الاتحاد السوفيتي في (جمادى الآخرة 1360هـ=يونيو 1941م) تاركًا بريطانيا خلف ظهره، وهي القاعدة الإستراتيجية التي يمكن أن توجه منها الهجمات إليه.

وفي تلك الأثناء قام اليابانيون بمهاجمة الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي في ميناء بيرل هاربر، وأغرقوا كثيرًا من قطعه، ثم انطلقوا في جنوب شرقي آسيا، وأصبحوا على مقربة من أستراليا، وحتى أوائل (1361هـ=1942م) كان المحور لا يزال يحقق انتصارات في كل مكان.

أما الغرب والحلفاء فكانوا في أقصى درجات الانهيار، واخترقت القوات الألمانية شمال إفريقيا نحو الشرق الأوسط، في محاولة للاتصال باليابانيين في الهند، لكنها هُزمت في معركة "العلمين" الشهيرة.

وقبل نهاية عام (1362هـ=1942م) كانت الصورة قد تغيرت؛ حيث هُزم الأسطول الياباني في معركة (ميداوي)، ثم هُزم القائد الألماني رومل في العلمين، وبعد بضعة أشهر كانت القوات الألمانية تستسلم في ستالنجراد بالاتحاد السوفيتي مسجلة بذلك نقطة تحول في الحرب الألمانية السوفيتية، وبدأ الحلفاء في غزو ألمانيا؛ حيث عبر الروس في (المحرم 1364هـ=ديسمبر 1944م) الحدود الألمانية لأول مرة، واستمر الحلفاء في التقدم رغم بسالة الألمان في الدفاع عن دولتهم وخسارتهم مئات الآلاف من القتلى، وأصبح قلب ألمانيا مفتوحًا، فتدفق داخله السوفيت والأمريكان، كذلك نجح الحلفاء في دخول روما، ثم أعدم الثوار الإيطاليون "موسوليني" وعلّقوه من قدميه في أحد أعمدة الإنارة في ميلان، أما هتلر فقد انتحر في (28 جمادى الأولى 1365هـ=30 إبريل 1945م)، ووقَّع ممثلو ألمانيا وثيقة الاستسلام بلا قيد أو شرط.

أما اليابان فقد وقّعت وثيقة الاستسلام بدون قيد أو شرط في (4 شوال 1365هـ=2 سبتمبر 1945م) بعد إلقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما ونجازاكي، وبعدها بثلاثة أيام رُفع العلم الأمريكي فوق طوكيو، وانتهت بذلك رسميًا الحرب العالمية الثانية بعد ست سنوات من القتال الشرس، خسرت فيه البشرية حوالي (17) مليونا من العسكريين وأضعاف هذا العدد من المدنيين.

Matador
24-02-2008, 06:41 PM
فتح القسطنطينية.. بشارة نبوية


انتظر المسلمون أكثر من ثمانية قرون حتى تحققت البشارة النبوية بفتح القسطنطينية، وكان حلمًا غاليا وأملا عزيزا راود القادة والفاتحين لم يُخب جذوته مر الأيام وكر السنين، وظل هدفا مشبوبا يثير في النفوس رغبة عارمة في تحقيقه حتى يكون صاحب الفتح هو محل ثناء النبي (صلى الله عليه وسلم) في قوله: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".

وقد بدأت المحاولات الجادة في عهد معاوية بن أبي سفيان وبلغ من إصراره على فتح القسطنطينية أن بعث بحملتين الأولى سنة 49 هـ = 666، والأخرى كانت طلائعها في سنة 54 هـ = 673م، وظلت سبع سنوات وهي تقوم بعمليات حربية ضد أساطيل الروم في مياه القسطنطينية، لكنها لم تتمكن من فتح المدينة العتيدة، وكان صمود المدينة يزيد المسلمين رغبة وتصميما في معاودة الفتح؛ فنهض "سليمان بن عبد الملك" بحملة جديدة سنة (99 هـ = 719م) ادخر لها زهرة جنده وخيرة فرسانه، وزودهم بأمضى الأسلحة وأشدها فتكا، لكن ذلك لم يعن على فتحها فقد صمدت المدينة الواثقة من خلف أسوارها العالية وابتسمت ابتسامة كلها ثقة واعتداد أنها في مأمن من عوادي الزمن وغوائل الدهر، ونامت ملء جفونها رضى وطمأنينة.

ثم تجدد الأمل في فتح القسطنطينية في مطلع عهود العثمانيين، وملك على سلاطينهم حلم الفتح، وكانوا من أشد الناس حماسا للإسلام وأطبعهم على حياة الجندية؛ فحاصر المدينة العتيدة كل من السلطان بايزيد الأول ومراد الثاني، ولكن لم تكلل جهودهما بالنجاح والظفر، وشاء الله أن يكون محمد الثاني بن مراد الثاني هو صاحب الفتح العظيم والبشارة النبوية الكريمة.

محمد الفاتح

ولد السلطان محمد الفاتح في (27 من رجب 835 هـ= 30 من مارس 1432م)، ونشأ في كنف أبيه السلطان مراد الثاني سابع سلاطين الدولة العثمانية، الذي تعهده بالرعاية والتعليم؛ ليكون جديرا بالسلطنة والنهوض بتبعاتها؛ فحفظ القرآن وقرأ الحديث وتعلم الفقه ودرس الرياضيات والفلك، وأتقن فنون الحرب والقتال، وأجاد العربية والفارسية واللاتينية واليونانية، واشترك في الحروب والغزوات، وبعد وفاة أبيه في (5 من المحرم 855هـ = 7 من فبراير 1451م) تولى الفاتح السلطنة فتى في الثانية والعشرين من عمره وافر العزم شديد الطموح.

بناء قلعة رومللي حصار

كان السلطان بايزيد الأول قد أنشأ على ضفة البوسفور الآسيوية في أثناء حصاره للقسطنطينية حصنا تجاه أسوارها عُرف باسم قلعة الأناضول، وكانت تقوم على أضيق نقطة من مضيق البوسفور، وعزم محمد الفاتح أن يبني قلعة على الجانب الأوروبي من البوسفور في مواجهة الأسوار القسطنطينية، وقد جلب لها مواد البناء وآلاف العمال، واشترك هو بنفسه مع رجال دولته في أعمال البناء، وهو ما ألهب القلوب وأشعل الحمية في النفوس، وبدأ البناء في الارتفاع شامخ الرأس في الوقت الذي كان فيه الإمبراطور قسطنطين لا يملك وقف هذا البناء، واكتفى بالنظر حزنا وهو يرى أن الخطر الداهم سيحدق به دون أن يملك مندفعه شيئا.

ولم تمض ثلاثة شهور حتى تم بناء القلعة على هيئة مثلث سميك الجدران، في كل زاوية منها برج ضخم مغطى بالرصاص، وأمر السلطان بأن ينصب على الشاطئ مجانيق ومدافع ضخمة، وأن تصوب أفواهها إلى الشاطئ، لكي تمنع السفن الرومية والأوروبية من المرور في بوغاز البوسفور، وقد عرفت هذه القلعة باسم "رومللي حصار"، أي قلعة الروم.

بوادر الحرب

توسل الإمبراطور قسطنطين إلى محمد الفاتح بالعدول عن إتمام القلعة التي تشكل خطرًا عليه، لكنه أبي ومضى في بنائه، وبدأ البيزنطيون يحاولون هدم القلعة والإغارة على عمال البناء، وتطورت الأحداث في مناوشات، ثم لم يلبث أن أعلن السلطان العثماني الحرب رسميا على الدولة البيزنطية، وما كان من الإمبراطور الرومي إلا أن أغلق أبواب مدينته الحصينة، واعتقل جميع العثمانيين الموجودين داخل المدينة، وبعث إلى السلطان محمد رسالة يخبره أنه سيدافع عن المدينة لآخر قطرة من دمه.

وأخذ الفريقان يتأهب كل منهما للقاء المرتقب في أثناء ذلك بدأ الإمبراطور قسطنطين في تحصين المدينة وإصلاح أسوارها المتهدمة وإعداد وسائل الدفاع الممكنة، وتجميع المؤن والغلال، وبدأت تردد على المدينة بعض النجدات خففت من روح الفزع التي سيطرت على الأفئدة، وتسربت بعض السفن تحمل المؤن والغذاء، ونجح القائد الجنوبي "جون جستنياني" مع 700 مقاتل محملين بالمؤن والذخائر في الوصول إلى المدينة المحاصرة؛ فاستقبله الإمبراطور قسطنطين استقبالا حسنًا وعينه قائدًا عامًا لقواته، فنظم الجيش وأحسن توزيعهم ودرب الرهبان الذي يجهلون فن الحرب تمامًا، وقرر الإمبراطور وضع سلسلة لإغلاق القرن الذهبي أمام السفن القادمة، تبدأ من طرف المدينة الشمالي وتنتهي عند حي غلطة.

استعدادات محمد الفاتح

كان السلطان محمد الثاني يفكر في فتح القسطنطينية ويخطط لما يمكن عمله من أجل تحقيق الهدف والطموح، وسيطرت فكرة الفتح على عقل السلطان وكل جوارحه، فلا يتحدث إلا في أمر الفتح ولا يأذن لأحد من جلسائه بالحديث في غير الفتح الذي ملك قلبه وعقله وأرقه وحرمه من النوم الهادئ.

وساقت له الأقدار مهندس مجري يدعى "أوربان"، عرض على السلطان أن يصنع له مدفعا ضخما يقذف قذائف هائلة تكفي لثلم أسوار القسطنطينية؛ فرحب به السلطان وأمر بتزويده بكل ما يحتاجه من معدات، ولم تمض ثلاثة أشهر حتى تمكن أوربان من صنع مدفع عظيم لم يُر مثله قط، فقد كان يزن 700 طن، ويرمي بقذائف زنة الواحدة منها 12 ألف رطل، ويحتاج جره إلى 100 ثور يساعدها مائة من الرجال، وعند تجربته سقطت قذيفته على بعد ميل، وسمع دويه على بعد 13 ميلا، وقد قطع هذا المدفع الذي سُمي بالمدفع السلطاني الطريق من أدرنة إلى موضعه أمام أسوار القسطنطينية في شهرين.

بدء الحصار

وصل السلطان العثماني في جيشه الضخم أمام الأسوار الغربية للقسطنطينية المتصلة بقارة أوروبا يوم الجمعة الموافق (12 من رمضان 805هـ= 5 من إبريل 1453م) ونصب سرادقه ومركز قيادته أمام باب القديس "رومانويس"، ونصبت المدافع القوية البعيدة المدى، ثم اتجه السلطان إلى القبلة وصلى ركعتين وصلى الجيش كله، وبدأ الحصار الفعلي وتوزيع قواته، ووضع الفرق الأناضولية وهي أكثر الفرق عددًا عن يمينه إلى ناحية بحر مرمرة، ووضع الفرق الأوروبية عن يساره حتى القرن الذهبي، ووضع الحرس السلطاني الذي يضم نخبة الجنود الانكشارية وعددهم نحو 15 ألفًا في الوسط.

وتحرك الأسطول العثماني الذي يضم 350 سفينة في مدينة "جاليبولي" قاعدة العثمانيين البحرية في ذلك الوقت، وعبر بحر مرمرة إلى البوسفور وألقى مراسيه هناك، وهكذا طوقت القسطنطينية من البر والبحر بقوات كثيفة تبلغ 265 ألف مقاتل، لم يسبق أن طُوقت بمثلها عدة وعتادًا، وبدأ الحصار الفعلي في الجمعة الموافق (13 من رمضان 805هـ = 6 من إبريل 1453م)، وطلب السلطان من الإمبراطور "قسطنطين" أن يسلم المدينة إليه وتعهد باحترام سكانها وتأمينهم على أرواحهم ومعتقداتهم وممتلكاتهم، ولكن الإمبراطور رفض؛ معتمدًا على حصون المدينة المنيعة ومساعدة الدول النصرانية له.

وضع القسطنطينية

تحتل القسطنطينية موقعا منيعا، حبته الطبيعة بأبدع ما تحبو به المدن العظيمة، تحدها من الشرق مياه البوسفور، ويحدها من الغرب والجنوب بحر مرمرة، ويمتد على طول كل منها سور واحد. أما الجانب الغربي فهو الذي يتصل بالقارة الأوروبية ويحميه سوران طولهما أربعة أميال يمتدان من شاطئ بحر مرمرة إلى شاطئ القرن الذهبي، ويبلغ ارتفاع السور الداخلي منهما نحو أربعين قدمًا ومدعم بأبراج يبلغ ارتفاعها ستين قدما، وتبلغ المسافة بين كل برج وآخر نحو مائة وثمانين قدما.

أما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه خمسة وعشرين قدما، ومحصن أيضا بأبراج شبيهة بأبراج السور الأول، وبين السورين فضاء يبلغ عرضه ما بين خمسين وستين قدما، وكانت مياه القرن الذهبي الذي يحمي ضلع المدينة الشمالي الشرقي يغلق بسلسلة حديدية هائلة يمتد طرفاها عند مدخله بين سور غلطة وسور القسطنطينية، ويذكر المؤرخون العثمانيون أن عدد المدافعين عن المدينة المحاصرة بلغ أربعين ألف مقاتل.

اشتعال القتال

بعد ما أحسن السلطان ترتيب وضع قواته أمام أسوار القسطنطينية بدأت المدافع العثمانية تطلق قذائفها الهائلة على السور ليل نهار لا تكاد تنقطع، وكان دوي اصطدام القذائف بالأسوار يملأ قلوب أهل المدينة فزعا ورعبا، وكان كلما انهدم جزء من الأسوار بادر المدافعون عن المدينة إلى إصلاحه على الفور، واستمر الحال على هذا الوضع.. هجوم جامح من قبل العثمانيين، ودفاع مستميت يبديه المدافعون، وعلى رأسهم جون جستنيان، والإمبراطور البيزنطي.

وفي الوقت الذي كانت تشتد فيه هجمات العثمانيين من ناحية البر حاولت بعض السفن العثمانية تحطيم السلسلة على مدخل ميناء القرن الذهبي واقتحامه، ولكن السفن البيزنطية والإيطالية المكلفة بالحراسة والتي تقف خلف السلسلة نجحت في رد هجمات السفن العثمانية، وصبت عليها قذائفها وأجبرتها على الفرار.

وكانت المدينة المحاصرة تتلقى بعض الإمدادات الخارجية من بلاد المورة وصقلية، وكان الأسطول العثماني مرابطا في مياه البوسفور الجنوبية منذ (22 من رمضان 805هـ = 15 من إبريل 1453م)، ووقفت قطعة على هيئة هلال لتحول دون وصول أي مدد ولم يكد يمضي 5 أيام على الحصار البحري حتى ظهرت 5 سفن غربية، أربع منها بعث بها البابا في روما لمساعدة المدينة المحاصرة، وحاول الأسطول العثماني أن يحول بينها وبين الوصول إلى الميناء واشتبك معها في معركة هائلة، لكن السفن الخمس تصدت ببراعة للسفن العثمانية وأمطرتها بوابل من السهام والقذائف النارية، فضلا عن براعة رجالها وخبرتهم التي تفوق العثمانيين في قتال البحر، الأمر الذي مكنها من أن تشق طريقها وسط السفن العثمانية التي حاولت إغراقها لكن دون جدوى ونجحت في اجتياز السلسلة إلى الداخل.

السفن العثمانية تبحر على اليابسة!!

كان لنجاح السفن في المرور أثره في نفوس أهالي المدينة المحاصرة؛ فانتعشت آمالهم وغمرتهم موجة من الفرح بما أحرزوه من نصر، وقويت عزائمهم على الثبات والصمود، وفي الوقت نفسه أخذ السلطان محمد الثاني يفكِّر في وسيلة لإدخاله القرن الذهبي نفسه وحصار القسطنطينية من أضعف جوانبها وتشتيت قوى المدينة المدافعة.

واهتدى السلطان إلى خطة موفقة اقتضت أن ينقل جزءًا من أسطوله بطريق البر من منطقة غلطة إلى داخل الخليج؛ متفاديا السلسلة، ووضع المهندسون الخطة في الحال وبُدئ العمل تحت جنح الظلام وحشدت جماعات غفيرة من العمال في تمهيد الطريق الوعر الذي تتخلله بعض المرتفعات، وغُطي بألواح من الخشب المطلي بالدهن والشحم، وفي ليلة واحدة تمكن العثمانيون من نقل سبعين سفينة طُويت أشرعتها تجرها البغال والرجال الأشداء، وذلك في ليلة (29 من رمضان 805هـ = 22 من إبريل 1453م).

وكانت المدافع العثمانية تواصل قذائفها حتى تشغل البيزنطيين عن عملية نقل السفن، وما كاد الصبح يسفر حتى نشرت السفن العثمانية قلوعها ودقت الطبول وكانت مفاجأة مروعة لأهل المدينة المحاصرة.

وبعد نقل السفن أمر السلطان محمد بإنشاء جسر ضخم داخل الميناء، عرضه خمسون قدما، وطوله مائة، وصُفَّت عليه المدافع، وزودت السفن المنقولة بالمقاتلين والسلالم، وتقدمت إلى أقرب مكان من الأسوار، وحاول البيزنطيون إحراق السفن العثمانية في الليل، ولكن العثمانيين علموا بهذه الخطة فأحبطوها، وتكررت المحاولة وفي كل مرة يكون نصيبها الفشل والإخفاق.

الهجوم الكاسح وسقوط المدينة

استمر الحصار بطيئا مرهقا والعثمانيون مستمرون في ضرب الأسوار دون هوادة، وأهل المدينة المحاصرة يعانون نقص المؤن ويتوقعون سقوط مدينتهم بين يوم وآخر، خاصة وأن العثمانيين لا يفتئون في تكرار محاولاتهم الشجاعة في اقتحام المدينة التي أبدت أروع الأمثلة في الدفاع والثبات، وكان السلطان العثماني يفاجئ خصمه في كل مرة بخطة جديدة لعله يحمله على الاستسلام أو طلب الصلح، لكنه كان يأبى، ولم يعد أمام السلطان سوى معاودة القتال بكل ما يملك من قوة.

وفي فجر يوم الثلاثاء (20 من جمادى الأولى 857هـ= 29 من مايو 1453م)، وكان السلطان العثماني قد أعد أهبته الأخيرة، ووزَّع قواته وحشد زهاء 100 ألف مقاتل أمام الباب الذهبي، وحشد في الميسرة 50 ألفًا، ورابط السلطان في القلب مع الجند الإنكشارية، واحتشدت في الميناء 70 سفينة _بدأ الهجوم برًا وبحرًا، واشتد لهيب المعركة وقذائف المدافع يشق دويها عنان السماء ويثير الفزع في النفوس، وتكبيرات الجند ترج المكان فيُسمع صداها من أميال بعيدة، والمدافعون عن المدينة يبذلون كل ما يملكون دفاعا عن المدينة، وما هي إلا ساعة حتى امتلأ الخندق الكبير الذي يقع أمام السور الخارجي بآلاف القتلى.

وفي أثناء هذا الهجوم المحموم جرح "جستنيان" في ذراعه وفخذه، وسالت دماؤه بغزارة فانسحب للعلاج رغم توسلات الإمبراطور له بالبقاء لشجاعته ومهارته الفائقة في الدفاع عن المدينة، وضاعف العثمانيون جهدهم واندفعوا بسلالمهم نحو الأسوار غير مبالين بالموت الذي يحصدهم حصدا، حتى وثب جماعة من الانكشارية إلى أعلى السور، وتبعهم المقاتلون وسهام العدو تنفذ إليهم، ولكن ذلك كان دون جدوى، فقد استطاع العثمانيون أن يتدفقوا نحو المدينة، ونجح الأسطول العثماني في رفع السلاسل الحديدية التي وُضعت في مدخل الخليج، وتدفق العثمانيون إلى المدينة التي سادها الذعر، وفر المدافعون عنها من كل ناحية، وما هي إلا ثلاث ساعات من بدء الهجوم حتى كانت المدينة العتيدة تحت أقدام الفاتحين.

محمد الفاتح في المدينة

ولما دخل محمد الفاتح المدينة ظافرا ترجل عن فرسه، وسجد لله شكرا على هذا الظفر والنجاح، ثم توجه إلى كنيسة "أيا صوفيا"؛ حيث احتشد فيها الشعب البيزنطي ورهبانه، فمنحهم الأمان، وأمر بتحويل كنيسة "أيا صوفيا" إلى مسجد، وأمر بإقامة مسجد في موضع قبر الصحابي الجليل "أبي أيوب الأنصاري"، وكان ضمن صفوف الحملة الأولى لفتح القسطنطينية، وقد عثر الجنود العثمانيون على قبره فاستبشروا خيرًا بذلك.

وقرر الفاتح الذي لُقِّب بهذا اللقب بعد الفتح اتخاذ القسطنطينية عاصمة لدولته، وأطلق عليها اسم "إسلام بول" أي "دار الإسلام"، ثم حُرفت واشتهرت بـ "إستانبول"، وانتهج سياسة سمحة مع سكان المدينة، وكفل لهم حرية ممارسة عبادتهم، وسمح بعودة الذين غادروا المدينة في أثناء الحصار والرجوع إلى منازلهم، ومنذ ذلك الحين صارت إستانبول عاصمة للبلاد حتى سقطت الخلافة العثمانية في (23 من رجب 1342 هـ= 1 مارس 1924م)، وقامت دولة تركيا التي اتخذت من أنقرة عاصمة لها.

topy
28-03-2008, 01:26 AM
الراجل اللي كتب الموضوع ده المفروض يتعمله برواز

انتوا مشتوه ولا ايه

the economist
28-04-2008, 11:58 AM
أشكرك أخي الكريم على الموضوع المتميز

تقبل تحياتي